تفسير سورة إبراهيم الآية ١٧ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 14 إبراهيم > الآية ١٧

يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍۢ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍۢ ۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٌۭ ١٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 9 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ يَتَجَرَّعُهُ ﴾ قال: جَرعَ الماء واجْترعَه جَرعًا واجْتراعًا، فإذا تابع الجَرْع مرة بعد أُخرى كالمتكاره، قيل: تَجَرَّعه (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ ﴾ ذكرنا معنى (كاد) عند قوله: ﴿ يَكَادُ الْبَرْقُ  ﴾ ويقال: ساغ الشراب في الحلق، يَسُوْغُ سَوْغًا، وأساغه الله [[انظر: (سوغ) في "جمهرة اللغة" 2/ 846، و"تهذيب اللغة" 2/ 1597، و"مجمل اللغة" 2/ 478، و"مقاييس اللغة" 3/ 116، و"الصحاح" 4/ 1322، العباب الزاخر: [غ/ ص 48]، و"اللسان" 4/ 2152.]].

وأنشد الفراء (٣) أغص بنقطة الماء الحميم وورد بلا نسبة في "شرح المفصل" 4/ 88، و"أوضح المسالك" ص 149، و"شرح ابن عقيل" 3/ 73، و"تذكرة النحاة" ص 527، و"شرح الأشموني" 2/ 503، و"همع الهوامع" 3/ 194، والمعنى: يقول لم يكن يهنأ لي طعام ولا يلذ لي شراب، بسبب ما كان لي من الثأر عند هؤلاء، فلما غزوتهم وأطفأت لهيب صدري بالغلبة عليهم ساغ شرابي ولذَّت حياتي.]] قال المفسرون في هذه الآية: يتحسَّاه ويشربه بالجَرع لا بمرة واحدة لمرارته (٤) (٥) (٦) وقال أهل المعاني: معنى ﴿ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ ﴾ : بعد إبطاء؛ لأن العرب تقول: ما كدت أقوم؛ أي: قمت بعد إبطاء، قال تعالى: ﴿ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ  ﴾ يعني: فعلوا بعد إبطاء؛ لتعذر وجودها، فعلى هذا (كاد) ليس بصلة.

وقوله: ﴿ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ جاز أن تكون صلة؛ لأنه قد قام الدليل عند وصف تكاثف الظلمة [[بسبب الظلمات الثلاث؛ ظلمة البحر، وظلمة الموج، وظلمة السحاب، وهو ما أشارت إليه الآية.

[النور: 40].]] على عدم الرؤية، فوضح (٧) ﴿ يَكَدْ ﴾ مزيد للتوكيد، والدليل على الإساغة قوله: ﴿ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ  ﴾ ولا يكون الضمير (٨) ﴿ يَتَجَرَّعُهُ ﴾ يدل على أنهم أساغوا منه (٩) فإن قيل: فكيف وجه ما قاله المفسرون؟

قيل: يُحْمل على وجهين؛ أحدهما: ذكره ابن الأنباري وهو أن المعنى: ولا يُسيغ جمْعه؛ كأنه يَجْرع البعض، ولم يُسغ الجميع لمرارته، فوقع الجحدُ بعد إثباتِ التَّجرعِ؛ على معنى إساغة الكل.

الوجه الثاني: أن معنى الإساغة في اللغة: إجراء الشراب في الحلق على تَقَبُّل النَّفْس واستطابة المشروب [[لم يذكر المؤلف أهم خصائص الإساغة؛ وهو السهولة والاستمرارية، يقول ابن فارس في "مقاييس اللغة" 3/ 116: السين، والواو والغين أجل يدل على سهولة الشيء واستمراره في الحلق خاصة، ثم يحمل على ذلك.

اهـ.

كأنه ذكر لازم السهولة والاستمرارية، وهو تقبل النفس واستطابة المشروب.

وانظر العباب الزاخر [غ/ ص 49].]]، والكافر يتجرع ذلك الشراب علي كراهته ولا يُسيغه أي: لا يستطيعه ولا يشربه شُربًا بمرة واحدة، فعلى ما ذكرنا من الوجهين يصح أن تكون (يكاد) صلة على ما ذكره المفسرون، وقول من لم يجعل (يكاد) صلةً أمثل.

وقوله تعالى: ﴿ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ﴾ ذكر أهل المعاني في ﴿ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ ﴾ وجهين؛ أحدهما: أن هذا من باب حذف المضاف؛ على معنى: ويأتيه هَمُّ الموت وألمُه وكربُه (١٠) ﴿ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ﴾ .

والمعنى: أن الله تعالى حبس نفس الكافر في جسده على اجتماع آلام الموت وأفانِينِه (١١) (١٢) (١٣) (١٤) ليس مَنْ مَاتَ فاسْتَرَاحَ بمَيتٍ ...

إنَّما الميتُ ميتُ الأحْيَاءِ إنَّما الميتُ مَنْ يَعيشُ كَئِيبًا ...

كاسِفًا بَالُهُ قَلِيلَ الرَّخَاءِ (١٥) فجعله ميتًا، وهذا قول أبي بكر، وهو معنى قول الأخفش؛ يعنىِ: البلايا التي تصيب الكافر في النار (١٦) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ﴾ قال ابن عباس: يريد من كل شعرة في جسده (١٧) وقال الثوري: من كل عِرْق (١٨) (١٩) (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد أمامه يوم القيامة (٢١) وقال الكلبي: يقول من بعد الصديد عذاب غليظ (٢٢) (٢٣) (٢٤) ﴿ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ﴾ (١) ورد في "تهذيب اللغة" (جرع) 1/ 585 بنصه تقريباً، وانظر (جرع) في "المحيط في اللغة" 1/ 250، و"التاج" 11/ 61 - 62.

(٢) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 314، بلفظه.

(٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 320، بلا نسبة.

(٤) ورد بنصه في "تفسير الثعلبي" 7/ 148 أ، وتفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 314، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 341، و"الفخر الرازي" 19/ 103، و"تفسير القرطبي" 9/ 351، و"الخازن" 3/ 73.

(٥) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 157، و"تفسير السمرقندي" 2/ 203، و"البغوي" 4/ 341، والزمخشري 2/ 297، و"ابن الجوزي" 4/ 353، والبيضاوي 3/ 158، وذهب آخرون كالفراء والطبري إلى أنها ليست صلة؛ لأن العرب تستعمل (لا يكاد) فيما قد فُعِل وفيما لم يُفْعل، وذكروا هذه الآية مثالاً على ما فُعل، فقالوا: معنى ﴿ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ ﴾ أي: يسيغه، واستشهدوا على ما لم يُفعل بقوله ﴿ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ أي: لم يرها.

"معاني القرآن" للفراء 2/ 71، تفسيرالطبري 13/ 195، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 19/ 103، وابن جزي 2/ 139، و"حاشية الجمل على الجلالين" 2/ 519، و"تفسير الشوكاني" 3/ 144.

(٦) ورد في "تفسيرالثعلبي" 7/ 148 ب، بلفظه، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 342، و"تفسير القرطبي" 9/ 351، و"حاشية الجمل على الجلالين" 2/ 519.

(٧) في جميع النسخ (فوضع) بالعين، وهو تصحيف، والصواب بالحاء.

(٨) أي الكناية في يسيغه تعود على الكافر، ولو لم تحصل له الإساغة لقال: (لا يكاد يُساغ) ونحوها.

(٩) في جميع النسخ (أساغوه منه) جَمع بين الضميرين، فأصبحت العبارة مضطربة، وتستقيم العبارة بأحد الأمرين: إما أن تحذف الهاء فتصير (أساغوا منه الشيء بعد الشيء) أو تحذف (منه) وتصير العبارة (أساغوه؛ الشيء بعد الشئ).

وكأن التصويب قد جرى في نسخة (ع) بطمس (الهاء) بألف غير واضحة.

(١٠) ورد في "تفسير السمرقندي" 2/ 203 بنحوه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 353 بنصه، وفي هذا التفسير نظر؛ لأن همّ الموت إنما كان عذابًا لأهل الدنيا لخشيتهم من المصير المجهول، أما أهل الآخرة من الكفار فإن الموت لم يكن هماً لهم، بل هو راحة يتمنونه، كما قال تعالى: ﴿ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ  ﴾ لذلك فالأولى تفسيره بقول ابن عباس (، قال: أي أنواع العذاب الذي يعذبه الله بها يوم القيامة في نار جهنم؛ ليس مها نوع إلا يأتيه الموت منه لو كان يموت، ولكن لا يموت لأن الله تعالى قال: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا  ﴾ ، انظر: "ابن كثير" 2/ 579، و"الدر المنثور" 4/ 139 وعزاه إلى ابن أي حاتم.

والغريب عدم إيراده لهذا القول عن ابن عباس كما التزم، وهو قريب من الوجه الثاني الذي أورده عن أهل المعاني.

(١١) ضُرُوبه وأنواعه.

المحيط في اللغة (فن) 10/ 315.

(١٢) البَوْحُ: ظهور الشيء، وباحَ الشيء: ظهر، وأباح الشيء: أطلقه "اللسان" (بوح) 1/ 384.

(١٣) لم أجده بلفظه ولا بمعناه فيما تيسر لي من المراجع.

(١٤) هو عدي بن الرَّعْلاء الغساني (شاعر جاهلي).

(١٥) ورد البيتان معاً في "الأصمعيات" ص 152، و"معجم الشعراء" ص 77، شرح شواهد "المغني" 1/ 405، وورد البيت الأول فقط في "البيان والتبيان" 1/ 124، و"الحيوان" للجاحظ 6/ 135، و"العقد الفريد" 5/ 476، و"الاشتقاق" ص 51، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 124، و"شرح المفصل" 10/ 69، و"الخزانة" 6/ 530، ورواية "معجم الشعراء" (الرخاء) بالخاء، وفي باقي المصادر (الرجاء) بالجيم، ولا يختلف المعنى، (كاسفاً): سيئاً حاله، وقد ورد اليتان في شأن من تدعه الحرب سليماً معافى في ثياب من الذل والخزي، فحياته ليس إلا موتًا.

(١٦) ليس في معانيه، وقد ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 148 ب بنصه، وانظر: "تفسير == ابن الجوزي" 4/ 354، و"تفسير القرطبي" 9/ 352، وأبي حيان 5/ 413، و"تفسير الشوكاني" 3/ 144، و"الألوسي" 13/ 203، و"صديق خان" 7/ 99، وقد أنكر أبوحيان والألوسي هذا القول؛ بحجة أن سياق الكلام عن أحوال الكافر في جهنم وما يلقى فيها.

وهذا غير مسَّلم لهما؛ لأن ما يلقاه الكافر في نار جهنم من أنواع العذاب هي من البلايا والآلام التي تصيبه، لكن لا على سبيل الابتلاء والامتحان؛ لأن ذلك زمنه الدنيا وقد ولَّى.

(١٧) ورد في تفسيره "الوسيط" 1/ 214 بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 353.

(١٨) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 314، بلفظه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 353.

(١٩) ورد بنحوه في "معاني القرآن" للفراء 2/ 72، و"الغريب" لابن قتيبة 1/ 236، "تفسير الطبري" 13/ 196، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 523، و"تفسير السمرقندي" 2/ 203، والثعلبي 7/ 148 ب، والماوردي 3/ 128.

(٢٠) ورد في "معاني القرآن" للفراء 2/ 72 بنحوه من طريق الكلبي ضعيفة، و"تفسير الماوردي" 3/ 128 بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 354، و"تفسير القرطبي" 9/ 352، و"الألوسي" 13/ 202.

(٢١) ورد بنحوه غير منسوب في: "الطبري" 13/ 196، والثعلبي 7/ 148 ب، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 523، و"المشكل" لمكي 1/ 446، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 342، و"القرطبي" 9/ 352، و"الخازن" 3/ 74.

(٢٢) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 314 بنصه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 354 بنصه.

(٢٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 157 بنصه.

(٢٤) لم أقف على مصدره، وقد بين ابن الأنباري في هذا القول أن الضمير في ورائه يعود على العذاب المتقدم، وقد ورد هذا القول بلا نسبة في: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 180، و"مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 446، و"تفسير ابن عطية" 8/ 220، و"البيان في غريب الإعراب" 2/ 56، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 354، وأبي حيان 5/ 413، و"الدر المصون" 7/ 81.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 6 محرّم
هلال متزايد اليوم 7.4 / 29.5
الإضاءة 50%
البدر بعد 7 يوم
سبحان الله