الإسلام > القرآن > تفسير > التسهيل > تفسير سورة الشمس
تفسيرُ سورةِ الشمس كاملةً من التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) (ابن جزي الكلبي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءة﴿ والشمس وَضُحَاهَا ﴾ الضحى ارتفاع الضوء وكماله، والضحاء بالفتح والمد بعد ذلك إلى الزوال، وقيل: الضحى النهار كله، والأول هو المعروف في اللغة ﴿ والقمر إِذَا تَلاَهَا ﴾ أي تبعها وفي اتباعه لها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يتبعها في كثرة الضوء، لأنه أضوء الكواكب بعد الشمس، ولاسيما ليلة البدر: والآخر: أنه يتبعها في طلوعه لأنه يطلع بعد غروبها، وذلك في النصف الاول من الشهر والضمير الفاعل للنهار، لأن الشمس تنجلي بالنهار فكأنه هو الذي جلاّها، وقيل: الضمير الفاعل لله، وقيل: الضمير المفعول للظلمة أو الأرض أو الدنيا، وهذا كله بعيد لأنه لم يتقدم ما يعود الضمير عليه ﴿ والليل إِذَا يَغْشَاهَا ﴾ أي يغطيها وضمير المفعول للشمس وضمير الفاعل لليل على الأصح ﴿ والسمآء وَمَا بَنَاهَا ﴾ قيل: إن ما في قوله وما بناها وما طحاها وما سوّاها موصولة بمعنى من والمراد الله تعالى، وقيل: إنها مصدرية كأنه قال: والسماء وبنيانها، وضعف الزمخشري ذلك بقوله: فألهمها فإن المراد الله باتفاق، وهذا القول يؤدي إلى فساد النظم، وضعّف بعضهم كونها موصولة بتقديم ذكر المخلوقات على الخالق.
فإن قيل: لم عدل عن من إلى قوله ما في قول من جعلها موصولة؟
فالجواب: أنه فعل ذلك لإرادة الوصفية كأنه قال والقادر الذي بناها ﴿ طَحَاهَا ﴾ أي مدها ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴾ تسوية النفس إكمال عقلها وفهمها، فإن قيل: لم نكّر النفس؟
فالجواب من وجهين: أحدهما: أنه أراد الجنس كقوله: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ ﴾ [التكوير: 14] والآخر أنه أراد نفس آدم والأول هو المختار ﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ أي عرّفها طريق الفجور والتقوى، وجعل لها قوة يصح معها اكتساب أحد الأمرين، ويحتمل أن تكون الواو بمعنى أو، كقوله: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السبيل إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾ [الإنسان: 3] ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴾ هذا جواب القسم عند الجمهور، وقال الزمخشري: الجواب محذوف تقديره: ليدمدمَنّ الله على أهل مكة لتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم، كما دَمْدم على قوم ثمود لتكذيبهم صالحاً عليه الصلاة والسلام، قال: وأما قد فلح فكلام تابع لقوله: ﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ على سبيل الاستطراد، وهذا بعيد، والفاعل بزكاها ضمير يعود على من، والمعنى: قد أفلح من زكى نفسه أي طهّرها من الذنوب والعيوب، وقيل: الفاعل ضمير الله تعالى، والأول أظهر، ﴿ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾ أي حقرها بالكفر والمعاصي، وأصله دسس بمعنى: أخفى فكأنه أخفى نفسه لما حقرها، وأبدل من السين الأخيرة حرف علة كقولهم: قصيّت أظفاري وأصله قصَصْتُ ﴿ بِطَغْوَاهَآ ﴾ هو مصدر بمعنى الطغيان قلبت فيه الياء واواً على لغة من يقول: طغيت، والباء الخافضة كقولك كتبت بالقلم أو سببية، والمعنى بسبب طغيانها وقال ابن عباس: معناه ثمود بعذابها ويؤيده قوله: ﴿ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية ﴾ [الحاقة: 5] ﴿ إِذِ انبعث أَشْقَاهَا ﴾ العامل في إذ كذبت أو طغوها ومعنى انبعث: خرج لعقر الناقة بسرعة ونشاط، وأشقاها: هو الذي عقر الناقة وهو أحيمر ثمود واسمه قدار بن سالف، ويحتمل أن يكون أشقاها واقعاً على جماعة، لأن أفعل التي للتفضيل إذا أظفته يستوي فيه الواحد والجمع والأول أظهر وأشهر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله ﴾ يعني صالحاً عليه السلام ﴿ نَاقَةَ الله وَسُقْيَاهَا ﴾ منصوب بفعل مضمر تقديره احفظوا ناقة الله، أو احذروا ناقة الله وسقياها، شربها من الماء ﴿ فَعَقَرُوهَا ﴾ نسب العقر إلى جماعة لأنهم اتفقوا عليه وباشره واحد منهم ﴿ فَدَمْدَمَ ﴾ عبارة عن إنزال العذاب بهم وفيه تهويل ﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ أي بسبب ذنبهم وهو التكذيب أو عقر الناقة ﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ قال ابن عطية: معناه فسوّى القبيلة في الهلاك لم يفلت أحد منهم وقال الزمخشري: الضمير للدمدمة أي سواها بينهم ﴿ وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴾ ضمير الفاعل لله تعالى والضمير في عقباها للدمدمة والتسوية وهو الهلاك: أي لا يخاف عقابة إهلاكهم، ولا دَرْكَ عليه في ذلك كما يخاف الملوك من عاقبة أعمالهم، وفي ذلك احتقار لهم وقيل: إن ضمير الفاعل لصالح وهذا بعيد وقرأ أشقاها فلا يخاف بالفاء وبالواو وقيل: في القراءة بالواو الفاعل أشقاها.
والجملة في موضع الحال أي انبعث ولم يخف عقبى فعلته وهذا بعيد.