تفسير سورة البقرة الآيات ٢٤٣-٢٤٥ عند الثعالبي

الإسلام > القرآن > تفسير > الثعالبي > سورة 2 البقرة > الآيات ٢٤٣-٢٤٥

۞ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُوا۟ ثُمَّ أَحْيَـٰهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ٢٤٣ وَقَـٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ ٢٤٤ مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا فَيُضَـٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضْعَافًۭا كَثِيرَةًۭ ۚ وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُۜطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٢٤٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 8 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

الَّذِي في «سورة النساءِ» «١» ، ونسخ سكنى الحَوْل بالأربعة الأشْهُر والعَشْر «٢» ، وقاله ابن عَبَّاس وغيره «٣» : ومَتاعاً نصْب على المَصْدر، وقوله تعالى: غَيْرَ إِخْراجٍ: معناه:

ليس لأولياء الميِّت، ووارثي المنزلِ إِخراجها، وقوله تعالى: فَإِنْ خَرَجْنَ ...

الآية:

معناه: إِنَّ الخروجَ، إِذا كان من قبل الزوجة، فلا جُنَاح على أحدٍ وليٍّ أو حاكمٍ، أو غيره فيما فعلْنَ في أنفسِهِنَّ من تزويجٍ وتزيُّن، وترك إِحداد، إِذا كان ذلك من المعروف الَّذي لا يُنْكَر، وقوله تعالى: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: صفةٌ تقتضي الوعيدَ بالنِّقْمة لمن خالف الحَدَّ في هذه النازلة، وهذا كلُّه قد زال حكمه بالنَّسْخ المتَّفَقِ عليه.

وقوله تعالى: وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ: قال عطاء بْنُ أبي رَبَاحٍ وغيره: هذه الآية في الثَّيِّبَاتِ اللواتي قد جُومِعْنَ «٤» إِذ قد تقدم في غير هذه الآية ذكْر المتعة لِلَّواتي لم يُدْخَلْ بهنَّ.

وقال ابنُ زَيْد: هذه الآية نزلَتْ مؤكِّدة لأمر المتعة لأنه نزل قبل حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [البقرة: ٢٣٦] ، فقال رجُلٌ: فإِنْ لم أُرِدْ أُحْسِنَ، لم أمتِّع، فنزلَتْ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ.

قال الطبريُّ: فوجب ذلك عليهم «٥» .

قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ...

الآية: هذه رؤية القَلْب بمعنى: ألم تَعْلَمْ، وقصَّة هؤلاء فيما قال الضَّحَّاك أنهم قوم من بني إِسرائيل أُمِرُوا بالجهَادِ، فخافوا الموْتَ بالقَتْل في الجهادِ، فخرجوا من ديارهم فِرَاراً من ذلك، فأماتهم اللَّه ليعرِّفهم أنه لا يُنْجِيهِمْ من الموت شيْء،

ثم أحياهم، وأمرهم بالجهادِ، بقوله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...

الآية «١» .

وروى ابن جريج عن ابن عبَّاس أنهم كانوا من بني إِسرائيل، وأنهم كانوا أربعينَ ألفاً، وثمانيةَ آلاف، وأنهم أُميتوا، ثم أُحْيُوا، وبقيتِ الرائحَةُ على ذلك السِّبْط من بني إِسرائيل إِلى اليَوْم، فأمرهم اللَّه بالجهَادِ ثانيةً، فذلك قوله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ «٢» .

قال ع «٣» : وهذا القَصَصُ كلُّه ليِّن الإِسناد، وإِنما اللازم من الآية أنَّ الله تعالى أخبر نبيّه محمّدا صلّى الله عليه وسلم إِخباراً في عبارة التنْبيه، والتوقيفِ عنْ قَوْم من البَشَر خَرَجوا من ديارهم فراراً من المَوْت، فأماتهم اللَّه، ثم أحياهم ليعلموا هم وكلُّ من خَلَفَ بعدهم أن الإِماتة إِنما هي بإِذْنِ اللَّه لا بيَدِ غَيْره، فلا معنى لخوفِ خائفٍ، وجعل اللَّه تعالى هذه الآية مقدِّمة بين يدَيْ أمره المؤمنين من أمّة محمّد صلّى الله عليه وسلم بالجهادِ، هذا قول الطَّبري «٤» ، وهو ظاهرُ رَصْف الآية.

والجمهورُ على أنَّ أُلُوفٌ جمعُ أَلْفٍ، وهو جمعُ كَثرة «٥» ، وقال ابن زَيْد في لفظة أُلُوفٌ: إنما معناها، وهم مؤتلفون «٦» .

٦١ أوقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ...

الآية: تنبيهٌ على فضله سبحانه على هؤلاء القَوْم الذين تفضَّل عليهم بالنعم، وأمرهم بالجهاد، وألاَّ يجعلوا الحَوْل والقُوَّة إِلا له سبحانه حَسْبما أمر جميع العالم بذلك، فلم يشكروا نعمته في جميعِ هذا، بل استبدُّوا وظَنُّوا أنَّ حولَهُمْ وسعْيَهم ينجِّيهم، وهذه الآيةُ تَحْذيرٌ لسائر النَّاسِ مِنْ مثل هذا الفعْلِ، أي: فيجب أنْ يشكر النَّاسُ فضْلَه سبحانه في إِيجاده لهم، ورزْقِهِ إِياهم، وهدايتِهِ بالأوامر والنواهِي، فيكون منهم المبادرة إلى امتثالها، لا

طَلَبُ الخُرُوج عنْها، وفي تَخْصِيصه تعالى: «الأَكْثَر» دلالةٌ على أنَّ الأقلَّ الشَّاكِر.

وقوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...

الآية: الجمهورُ أن هذه الآية مخاطبة لأمّة محمّد صلّى الله عليه وسلم بالقتالِ في سبيلِ اللَّهِ، وهو الذي ينوى به أن تكون كلمةُ اللَّه هي العليا حَسَب الحديث «١» .

وقال ابن عَبَّاس، والضَّحَّاك: الأمْرُ بالقتال هو لِلَّذينَ أُحْيُوا من بني إسرائيل «٢» ، قال الطبريُّ «٣» : ولا وجه لهذا القَوْل، ثم قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ ...

الآية، فدخل في ذلك المقاتلُ في سبيل اللَّه، فإِنه يقرض رَجَاء ثوابِ اللَّهِ كما فعل عثمانُ في جَيْش العُسْرة، ويروى أنَّ هذه الآية، لَمَّا نزلَتْ، قال أبو الدَّحْدَاحِ «٤» : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ إِنَّ اللَّهَ يُرِيدُ مِنَّا القَرْضَ؟

قَالَ: «نَعَمْ، يَا أَبَا الدَّحْدَاحِ» ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ أَقْرَضْتُهُ حَائِطِي لِحَائِطٍ فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ، ثُمَّ جَاءَ الحَائِطَ، وَفِيهِ أُمُّ الدّحداح «٥» ، فقال: اخرجي، فإنّي قد أقرضت

رَبِّي حَائِطِي هَذَا، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم يَقُولُ: «كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُذَلَّلٍ لأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الجَنَّةِ «١» .

واستدعاء القَرْض في هذه الآية وغيرها إنما هو تأنيسٌ وتقريبٌ للأفهام، واللَّه هو الغنيُّ الحميدُ.

قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «٢» وكَنَى اللَّه عزَّ وجلَّ عن الفقيرِ بنَفْسه العليَّة ترغيباً في الصَّدَقة كما كنى عن المريضِ، والجائِعِ، والعاطشِ بنفسه المقدَّسة فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ، فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعُودُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟

قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلاَناً مَرِضَ، فلم تعده، أما علمت أنّك لوعدتّه، لَوَجَدتَّنِي عِنْدَهُ، يَا ابْنَ آدَمَ، استطعمتك، فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أُطْعِمُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟!

قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ استطعمك عَبْدِي فُلاَنٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ، لَوَجَدتَّ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ، استسقيتك، فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَسْقِيكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟!

قَالَ: استسقاك عَبْدِي فُلاَنٌ، فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَه، وَجَدتَّ ذَلِكَ عِنْدِي» .

انتهى، واللفظ لصحيح مسلم «٣» ، قال ابنُ العَرَبِيِّ «٤» : وهذا كلُّه خرَجَ مَخْرَجَ التشريفِ لمَنْ كُنِيَ عنه، وترغيباً لمن خوطب انتهى.

وقوله: حَسَناً: معناه: تَطِيبُ فيه النية، ويشبه أيضاً أنْ تكون إِشارة إِلى كثرته وجَوْدته.

وهذه الأضعاف الكثيرةُ إِلى السَّبْعِمِائَةِ التي رُوِيَتْ، ويعطيها مثالُ السُّنْبُلة.

ت: والحقُّ الذي لا شَكَّ فيه وجوبُ الإِيمان بما ذكر المولى سبحانه، ولا سبيل إِلى التحديد إِلاَّ أنْ يثبتَ في ذلك حديثٌ صحيحٌ/، فيصار إِليه، وقد بيّن ذلك صلّى الله عليه وسلم ٦١ ب فيما خرَّجه مُسْلِم، والبُخاريُّ، انظره عند قوله تعالى: كَمَثَلِ حَبَّةٍ [البقرة: ٢٦١] .

قال ع: رُوِيَ أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم طُلِبَ مِنْهُ أَنْ يُسَعِّر بِسَبَبِ غَلاَءٍ خِيفَ عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ البَاسِطُ القَابِضُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ، وَلاَ يَتْبَعْنِي أَحَدٌ بِمَظْلَمَةٍ فِي نَفْسٍ وَلاَ مَالٍ» «١» ، قال صاحب «سِلاحِ المؤمن» عند شَرْحه لاسمه تعالَى «القَابِضِ البَاسِطِ» : قال بعْضُ العلماءِ: يجبُ أن يُقْرَنَ بيْنَ هذَيْن الاسمين، ولا يفصل بينهما ليكون أنبأَ عن القُدْرة، وأدلَّ على الحكمة كقوله تعالى: يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ، وإِذا قلْتَ:

«القَابِض» مفرداً، فكأنَّك قَصَرْتَ بالصفة على المنع والحرْمان، وإِذا جمعْتَ أَثْبَتَّ الصفتين وكذلك القولُ في الخافضِ والرافعِ والمُعِزِّ والمُذِلِّ.

انتهى، وما ذكره عن بعض العلماءِ، هو كلامُ الإِمام الفَخْر في شرحه لأسماء اللَّه الحسنى، ولفظه: القابض والباسط: الأحسن

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.5 / 29.5
الإضاءة 30%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله