الإسلام > القرآن > تفسير > الرازي > سورة 54 القمر > الآية ١٥
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 3 دقيقة قراءةوفي العائد إليه الضمير وجهان: أحدهما: عائد إلى مذكور وهو السفينة التي فيها ألواح وعلى هذا ففيه وجهان: أحدهما: ترك الله عينها مدة حتى رؤيت وعلمت وكانت على الجودي بالجزيرة وقيل بأرض الهند وثانيهما: ترك مثلها في الناس يذكر وثاني الوجهين الأولين أنه عائد إلى معلوم أي تركنا السفينة آية، والأول أظهر وعلى هذا الوجه يحتمل أن يقال: ﴿ تركناها ﴾ أي جعلناها آية لأنها بعد الفراغ منها صارت متروكة ومجعولة يقول القائل: تركت فلاناً مثلة أي جعلته، لما بينا أنه من فرغ من أمر تركه وجعله فذكر أحد الفعلين بدلاً عن الآخر.
وقوله تعالى: ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ إشارة إلى أن الأمر من جانب الرسل قد تم ولم يبق إلا جانب المرسل إليهم بأن كانوا منذرين متفكرين يهتدون بفضل الله فهل من مدكر مهتد، وهذا الكلام يصلح حثاً ويصلح تخويفاً وزجراً، وفيه مسائل: الأولى: قال هاهنا ﴿ وَلَقَدْ تركناها ﴾ وقال في العنكبوت: ﴿ وجعلناها ءايَةً ﴾ قلنا هما وإن كانا في المعنى واحداً على ما تقدم بيانه لكن لفظ الترك يدل على الجعل والفراغ بالأيام فكأنها هنا مذكورة بالتفصيل حيث بين الإمطار من السماء وتفجير الأرض وذكر السفينة بقوله: ﴿ ذَاتِ ألواح وَدُسُرٍ ﴾ وذكر جريها فقال: ﴿ تركناها ﴾ إشارة إلى تمام الفعل المقدور وقال هناك ﴿ وجعلناها ﴾ إشارة إلى بعض ذلك فإن قيل: إن كان الأمر كذلك فكيف قال هاهنا ﴿ وَحَمَلْنَاهُ ﴾ ولم يقل: وأصحابه وقال هناك ﴿ فأنجيناه وأصحاب السفينة ﴾ ؟
نقول: النجاة هاهنا مذكورة على وجه أبلغ مما ذكره هناك لأنه قال: ﴿ تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا ﴾ أي حفظنا وحفظ السفينة حفظ لأصحابه وحفظ لأموالهم ودوابهم والحيوانات التي معهم فقوله: ﴿ فأنجيناه وأصحاب السفينة ﴾ لا يلزم منه إنجاء الأموال إلا ببيان آخر والحكاية في سورة هود أشد تفصيلاً وأتم فلهذا قال: ﴿ قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثنين ﴾ يعني المحمول ثم قال تعالى: ﴿ واستوت عَلَى الجودى ﴾ تصريحاً بخلاص السفينة وإشارة إلى خلاص كل من فيها وقوله: ﴿ ءايَةً ﴾ منصوبة على أنها مفعول ثان للترك لأنه بمعنى الجعل على ما تقدم بيانه وهو الظاهر، ويحتمل أن يقال حال فإنك تقول تركتها وهي آية وهي إن لم تكن على وزن الفاعل والمفعول فهي في معناه كأنه قال: تركناها دالة، ويحتمل أن يقال: نصبها على التمييز لأنها بعض وجوه الترك كقوله ضربته سوطاً.
المسألة الثانية: ﴿ مُّدَّكِرٍ ﴾ مفتعل من ذكر يذكر وأصله مذتكو (لما) كان مخرج الذال قريباً من مخرج التاء، والحروف المتقاربة المخرج يصعب النطق بها على التوالي ولهذا إذا نظرت إلى الذال مع التاء عند النطق تقرب الذال من أن تصير تاء والتاء تقرب من أن تصير دالاً فجعل التاء دالاً ثم أدغمت الدال فيها ومنهم من قرأ على الأصل مذتكر ومنهم من قلب التاء دالاً وقرأ مذدكر ومن اللغويين من يقول في مدكر مذدكر فيقلب التاء ولا يدغم ولكل وجهة، والمدكر المعتبر المتفكر، وفي قوله: ﴿ مُّدَّكِرٍ ﴾ إما إشارة إلى ما في قوله: ﴿ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى ﴾ أي هل من يتذكر تلك الحالة وإما إلى وضوح الأمر كأنه حصل للكل آيات الله ونسوها ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ يتذكر شيئاً منها.
<div class="verse-tafsir"