الإسلام > القرآن > تفسير > الكشاف > سورة 14 إبراهيم > الآيات ٤٤-٤٧
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءة﴿ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب ﴾ مفعول ثان لأنذر وهو يوم القيامة.
ومعنى ﴿ أَخّرْنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ ردّنا إلى الدنيا وأمهلنا إلى أمد وحدّ من الزمان قريب، نتدارك ما فرطنا فيه من إجابة دعوتك واتباع رسلك.
أو أريد باليوم: يوم هلاكهم بالعذاب العاجل، أو يوم موتهم معذبين بشدّة السكرات ولقاء الملائكة بلا بشرى، وأنهم يسألون يومئذ أن يؤخرهم ربهم إلى أجل قريب، كقوله: ﴿ لَوْلا أَخَّرْتَنِى إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ ﴾ [المنافقون: 10] ﴿ أَوَ لَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ ﴾ على إرادة القول، وفيه وجهان: أن يقولوا ذلك بطرا وأشراً، ولما استولى عليهم من عادة الجهل والسفه، وأن يقولوه بلسان الحال حيث بنوا شديداً وأمّلوا بعيداً و ﴿ مَا لَكُمْ ﴾ جواب القسم، وإنما جاء بلفظ الخطاب لقوله ﴿ أَقْسَمْتُمْ ﴾ ولو حكى لفظ المقسمين لقيل: ما لنا ﴿ مّن زَوَالٍ ﴾ والمعنى أقسمتم أنكم باقون في الدنيا لا تزالون بالموت والفناء، وقيل: لا تنتقلون إلى دار أخرى يعني كفرهم بالبعث، كقوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ ﴾ [النحل: 38] يقال: سكن الدار وسكن فيها.
ومنه قوله تعالى: ﴿ وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ﴾ لأنّ السكنى من السكون الذي هو اللبث، والأصل تعدّيه بفي، كقولك: قرّ في الدار وغنى فيها وأقام فيها، ولكنه لما نقل إلى سكون خاص تصرف فيه فقيل: سكن الدار كما قيل: تبوأها وأوطنها.
ويجوز أن يكون: سكنوا من السكون، أي: قرّوا فيها واطمأنوا طيبي النفوس، سائرين سيرة من قبلهم في الظلم والفساد، لا يحدّثونها بما لقي الأوّلون من أيام الله وكيف كان عاقبة ظلمهم، فيعتبروا ويرتدعوا ﴿ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ ﴾ بالإخبار والمشاهدة ﴿ كَيْفَ ﴾ أهلكناهم وانتقمنا منهم.
وقرئ: ﴿ ونبين لكم ﴾ ، بالنون ﴿ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمثال ﴾ أي صفات ما فعلوا وما فعل بهم، وهي في الغرابة كالأمثال المضروبة لكل ظالم ﴿ وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ ﴾ أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم ﴿ وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ ﴾ لا يخلو إمّا أن يكون مضافاً إلى الفاعل كالأوّل، على معنى: ومكتوب عند الله مكرهم، فهو مجازيهم عليه بمكر هو أعظم منه، أو يكون مضافاً إلى المفعول على معنى: ﴿ وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ ﴾ الذي يمكرهم به، وهو عذابهم الذي يستحقونه يأتيهم به من حيث لا يشعرون ولا يحتسبون ﴿ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال ﴾ وإن عظم مكرهم وتبالغ في الشدة، فضرب زوال الجبال منه مثلاً لتفاقمه وشدته، أي: وإن كان مكرهم مسوى لإزالة الجبال، معداً لذلك، وقد جعلت إن نافية واللام مؤكدة لها، كقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم ﴾ [البقرة: 143] والمعنى: ومحال أن تزول الجبال بمكرهم، على أنّ الجبال مثل لآيات الله وشرائعه، لأنها بمنزلة الجبال الراسية ثباتاً وتمكناً.
وتنصره قراءة ابن مسعود: ﴿ وما كان مكرهم ﴾ .
وقرئ: ﴿ لتزول ﴾ ، بلام الابتداء، على: ﴿ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ ﴾ من الشدّة بحيث تزول منه الجبال وتنقلع من أماكنها.
وقرأ علي وعمر رضي الله عنهما: ﴿ وإن كاد مكرهم ﴾ ﴿ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ﴾ يعني قوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ﴾ [غافر: 51] ، ﴿ كَتَبَ الله لاَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى ﴾ [المجادلة: 21] ، فإن قلت: هلا قيل: مخلف رسله وعده؟
ولم قدم المعفول الثاني على الأول؟
قلت: قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلاً، كقوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد ﴾ [آل عمران: 9] ثم قال: ﴿ رُسُلَهُ ﴾ ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحداً- وليس من شأنه إخلاف المواعيد- كيف يخلفه رسله الذين هم خيرته وصفوته؟
وقرئ: ﴿ مخلف وعدَه رسلهِ ﴾ ، بحرّ الرسل ونصب الوعد.
وهذه في الضعف كمن قرأ ﴿ قَتْلَ أولادهم شُرَكَائِهِمْ ﴾ [الأنعام: 137] .
﴿ العزيز ﴾ غالب لا يماكر ﴿ ذُو انتقام ﴾ لأوليائه من أعدائه.
<div class="verse-tafsir"