الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 2 البقرة > الآيات ٨٧-٩١
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءةقوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ ﴾ .
يعني: التوراة، وهو ظاهر.
وقوله: ﴿ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ ﴾ .
وقيل: وقفينا: أَرْدَفْنَا، وهو من القفا، قفا يقفو.
وقيل: أَتبعنا رسولاً على أَثر رسول؛ كقوله: ﴿ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً ﴾ \[المؤمنون: 44\] واحداً على أَثر واحدٍ.
وقوله: ﴿ وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ .
قيل: البينات: الحجج.
وقيل: العجائب التي كانت تجري على يديه، من خلق الطين، وإحياء الموتى، وإِبراءِ الأكمه والأَبرص، وإِنباءِ ما يأْكلون وما يدخرون.
وقيل: البينات: الحلال والحرام.
ثم الرسل في أَنفسهم حفظوا حججاً؛ فلم يحتج كل قول يقولون إلى أن يكون مصحوباً بدليل وبيانٍ على صدقهم؛ لأَنهم في أَنفسهم حجة.
وأما سائر الناس فليسوا بحجج في أَنفسهم، فلا بد لكل قول يقولون أَن يأْتوا بدليلٍ يدل على صدقهم، وبيانٍ يُظهر الحقَّ من الباطل، والصوابَ من الخطأ، والصدقَ من الكذب.
وبالله التوفيق.
وقوله: ﴿ وَأَيَّدْنَاهُ ﴾ : قويناه.
﴿ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ﴾ .
اختلف فيه: قيل: روح القدس: جبريل.
وفي الأَصل: القدوس، لكن طرحت الواو للتخفيف.
وتأْييدُه: هو أَن عصمه على حفظه؛ حتى لم يدن منه شيطان، فضلاً أَن يدنو بشيء، والله أعلم.
وقيل: ﴿ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ﴾ يعني بالروح: روح الله.
ووجه إضافةِ روح عيسى إلى الله - عز وجل -: أَن تكون أضيفت تعظيماً له وتفضيلاً، وذلك أن كل خاص أُضيف إلى الله - عز وجل - أُضيف؛ تعظيماً لذلك الشيء، وتفضيلاً له، كما يقال لموسى: كليم الله، ولعيسى: روحُ الله، ولإبراهيم: خليلُ الله، على التعظيم والتفضيل.
وإذا أُضيف الجُمَل إلى الله - عز وجل - فإنما تضاف؛ تعظيماً له - عز وجل - وتنزيهاً؛ كقوله: ﴿ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أُضيف ذلك إليه؛ تعظيماً وتنزيهاً، والله الموفق.
والأَصل في ذلك: أَن خاصية الأَشياءِ إذا أُضيف ذلك إليه أضيف تعظيماً لتلك الخاصية.
وإذا أُضيف جمل الأَشياء إلى الله، فهو يخرج على تعظيم الرب والتبجيل له.
وقوله: ﴿ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمْ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ﴾ .
في ظاهر هذه الآية أَنهم كذبوا فريقاً من الرسل، وقَتلوا فريقاً منهم.
ويقول بعض الناس: إنهم قتلوا الأَنبياءَ ولم يقتلوا الرسل؛ لقوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ﴾ ، ولقوله: ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ ﴾ أَخبر أَنه ينصرهم، ومن كان الله ناصره فهو لا يقتل.
ومنهم من يقول: إنهم قتلوا الرسل والأنبياء.
فنقول: يحتمل قوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ﴾ في رسول دون رسول، فمن نصره الله فهو لم يقتل.
أَو كان ما ذكر من النُّصرة لهم كان بالحجج والآيات.
ثم في الآية دلالة رسالة محمد ونبوته؛ لأَنه أَخبرهم بتكذيب بعض الرسل، وقتل بعضهم، فسكتوا عن ذلك، فلولا أَنهم عرفوا أنه رسول - عرف ذلك بالله - وإلا لم يسكتوا عن ذلك.
وقوله: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾ .
يعني: في أَكنة عليها الغطاء؛ فلا نفهم ما تقول، ولا نفقه ما تُحدِّث.
يدَّعون زوال الخطاب عن أَنفسهم؛ كراهية لما سمعوا.
وأَكذبَهُمُ الله بقوله: ﴿ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ أَي: طردهم الله؛ بكفرهم، وعتوهم، وتفريطهم في تكذيب الرسول ، واعتنادهم إياه، لا أَن قلوبهم بمحل لا يفهمون شيئاً مما يخاطبون به - على ما يزعمون - ولكن ذلك لترك التفكر والتدبر فيها.
وقيل في قوله: ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ : يعني: أَوعيةً، تفهم وتعي ما يقال، ويخاطب، ولكن لا تفهم ما تقول، ولا تفقه ما تُحدث، فلو كان حقّاً وصدقاً لفهمت ولفقهت عليه.
يَدَّعون إِبطال ما يقول الرسول لهم، وذلك نحو ما قالوا لشعيب: ﴿ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ ﴾ .
قيل فيه بوجهين: قيل: فقليلاً أي بقليل ما يؤمنون من التوراة؛ لأَنهم عرفوا نَعْته وصفته، وحرفوه، فلم يؤمنوا به.
وقيل: فقليلاً، أَي: قليل منهم يؤمنون بالرسل، صلى الله عليهم وسلم.
وقوله: ﴿ وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ .
فلولا أنهم عرفوا أَن هذا الكتاب هو موافق لما معهم من الكتاب، غير مخالف له، وإلا لأَظهروا الخلاف لو عرفوا ذلك، ولتكلفوا على إِطفاءِ هذا النُّور ودفعه؛ فدل سكوتهم عن ذلك، وترك اشتغالهم بذلك، أَنهمه عرفوا موافقته لما معهم من التوراة؛ ففيه آية نُبوة محمد .
وقوله: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .
﴿ يَسْتَفْتِحُونَ ﴾ : يستنصرون ﴿ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ قبل أن يُبعث محمد ، يقولون اللهم انصرنا بحق نبيِّك الذي تبعثه، فلما لم يجئهم على هواهم ومرادهم كفروا به، فلعنة الله على الكافرين.
وقوله: ﴿ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ ٱللَّهُ ﴾ .
يقول: اشتروا ما به هلاكهم بما به نجاتهم.
وذلك أَنهم كانوا آمنوا بمحمد ؛ فكان إيمانُهم به نجاتَهم في الآخرة، فكفروا به، وذلك هلاكُهم، وبالله التوفيق.
وقيل: ﴿ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ ﴾ : باعوا به أَنفسهم بعرض يسير من الدنيا، بعذاب في الآخرة أَبداً.
وقوله: ﴿ بَغْياً ﴾ .
قيل: حسداً منهم؛ وذلك أَنهم قد هَووا أن يُبعث محمد من أَولاد إسرائيل؛ لأَنهم كانوا أُمَّتَه، فلما بُعث من أَولاد إسماعيل - - والعربُ كانت من أَولاده كفروا به، وكتموا نعته حسداً منهم.
وقوله: ﴿ أَن يُنَزِّلُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ .
يعني: النبوة والكتاب على محمد رسول الله .
وقيل: ﴿ بَغْياً ﴾ أَي: ظلماً، ظلموا أَنفسهم بكفرهم بمحمد ، وتكذيبهم إياه.
وقوله: ﴿ فَبَآءُو ﴾ .
قد ذكرنا فيما تقدم.
وقوله: ﴿ بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ .
يحتمل وجهين: قيل: استوجبوا الغضب من الله؛ بكفرهم بمحمد ، على أَثر غضب؛ بكفرهم بعيسى، وبما جاء به.
وقيل: إنما استحقوا اللَّعنة على أَثر اللَّعنةِ؛ بعصيانٍ بعد عصيانِ، وبذنب على أَثر الذنب.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ .
على محمد من القرآن.
وقوله: ﴿ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ﴾ .
يعني التوراة، وهم لم يكونوا آمنوا بالتوراة؛ لأنهم لو كانوا آمنوا بها لكان في الإيمان بها إيمان بمحمد وبما أُنزل عليه، وإيمان بجميع الأَنبياءِ - عليهم السلام - والرسل، وبجميع ما أُنزل عليهم؛ لأَن فيها الأَمرَ بالإِيمان بجميع الرسل وبكتبهم؛ لأَنه قال: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ ، وموافقاً له.
فالإيمان بواحد منهم إيمان بجميع الكتب، وبعضها موافق لبعض.
وقوله: ﴿ وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ .
قيل: وراءَ التوراة كفروا بالإِنجيل والفرقان؛ كأَنه قال: كفروا بالذي وراءَه وهو الحق؛ إذ هما موافقان لما معهم، غير مخالف له.
ويحتمل: ﴿ وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ ﴾ يعني: وراء موسى بعيسى وبمحمد ؛ كأَنه قال: من ورائه .
وقوله: ﴿ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ .
فإن قالوا: إنا لم نقتل الأَنبياءَ، ونحن مؤمنون.
قيل لهم: إنكم - وإن لم تتولوا القتلَ - فقد رَضيتُم بصنيع أُولئك، واتبعتم لهم، مع ما قد هَمُّوا بقتل محمد مراراً؛ ولذلك أُضيف إليهم.
وقيل: أَخبر - عز وجل - نبيَّه غاية سفههم، وعتوهم، ومكابرتهم في تكذيبه.
وذلك: أَن النبي دعا اليهود إلى الإِيمان به، وبما أُنزل عليه.
فقالوا: ائتنا بالآيات والقربان، وكما كانت الأَنبياء - من قبل - يأْتون بها قومهم.
يقول الله - عز وجل -: قد كانت الأَنبياء من قبل تجيء - بما تقولون - إلى آبائكم؛ من الآيات والقربان، فكانوا يقتلُونهم.
فيقول الله - عز وجل - لمحمد : أَنْ قل لهم: لن تقتلون؟
يقول: لم قتل آباؤكم أَنبياء الله قَبْلَ محمد وقد جاءُوا بالآيات والقربان إن كنتم صادقين بأَن الله عهد إليكم في التوراة: ألا تؤمنوا لرسول حتى يأْتيكم بقربان تأْكله النار، وقد جاءُوا به.
فَلِم قتلوهم؟!
فهو - والله أعلم - أَنهم أَخذوا هذه المحاجة من أَوائلهم، وإن علموا بما ظهرت نبوة محمد ، وأَنه مبعوث، وأَنتم تقلدونهم، فتُقلدونهم - لو أوتيتم - كما قلدتموهم، وإن علمتم بما عاينتم؛ إذ لا حجة لكم.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"