الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 23 المؤمنون > الآيات ٥٤-٥٦
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءة[قوله:] ﴿ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ ﴾ ، وقال: ﴿ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ ، فذلك يحتمل وجوهاً: أحدها: قال ذلك عند الإياس عن إجابتهم لما علم أنهم لا يؤمنون، وذلك في قوم مخصوصين؛ كأنه قال: ذر هؤلاء، وأقبل [على] هؤلاء الذين يقبلون أمرك، ويجيبون دعاءك ويسمعونه.
والثاني: فذرهم في غمرتهم، ولا تكافئهم حتى أنا أكافئهم؛ كقوله: ﴿ فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ﴾ .
والثالث: أمره أن يعرض عنهم؛ لئلا يخوضوا في سب الله والطعن في الآية، كقوله: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ ءَايَاتِنَا...
﴾ الآية [الأنعام: 68].
وقوله: ﴿ حَتَّىٰ حِينٍ ﴾ : يحتمل القيامة، ويحتمل وقتاً آخر لم يبين، والله أعلم.
قال أبو عوسجة: قوله: ﴿ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ﴾ : المكان المرتفع، و (آويته)، أي: أويته.
وقال القتبي: الربوة، الارتفاع، وكل شيء ارتفع أو زاد فقد ربا، ومنه الربا في البيع.
قال أبو معاذ: للعرب في الربوة أربع لغات: رَبوة ورِبوة ورُبوة ورباوة.
وقوله: ﴿ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾ ، قال أبو عوسجة: المعين: الماء الظاهر الجاري، والقرار: الثبات، وتقول منه: يقرأ قرارا فهو قار، وأقررته، أي: أثبته، وكذلك قال القتبي، وقال: معين ماء ظاهر، وهو مفعول من العين: كان أصله (معيون)؛ كما يقال: ثوب مخيط، وبُرّ مكيل.
وقوله: ﴿ فِي غَمْرَتِهِمْ ﴾ ، قيل: في ضلالتهم [و] غفلتهم.
وقال [بعضهم]: الغمر: الماء الكثير، وغمرة الحرب وسطها، [و] غمرة الموت: شدته، [و] رجل غمر، أي: سخي، ليس به شح، وجمعه: غمار، ويقال: غمره الماء، أي: صار فوقه.
قال [بعضهم]: والغمر: عداوة، والغمر: الذي لم يجرب الأمور، وقوم أغمار، والغمر: الوسم، والغمرة: الشدة، والغمرات جمع، والغمر: القدح الصغير، والمغامرة: المخاطرة، تقول: غامر بنفسه، أي: خاطر بها.
وقوله: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ .
حسب أولئك الكفرة أن ما أمدّ لهم من الأموال والبنين - ما أعطى لهم - إنما أعطى خيراً لهم وبرّاً لا شرّاً، فأخبر - عز وجل - وكذبهم في حسبانهم الذي حسبوا، فقال: ﴿ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ أنه إنما أعطى لهم ذلك شرّا، وإنما مثل ما حسب أولئك الكفرة فيما أعطوا من الأموال والبنين إنما أعطوا خيراً - حسب المعتزلة في قولهم: إن الله لا يفعل بأحد من الخلق إلا ما هو أصلح له في الدين؛ فأخبر أن ذلك ليس بخير لهم في الدين ولا أصلح لهم، وهو ما ذكر في قوله: ﴿ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً ﴾ ، وهم يقولون: إنما يملي لهم ليزدادوا خيراً وبرّاً.
وكذلك قالوا في قوله: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا ﴾ ، وهم يقولون: لا؛ بل إنما أراد: ليرحمهم بها.
فيقال لهم: أنتم أعلم أم الله؟!
كما قال لأولئك الكفرة؟!
حيث قال: ﴿ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ ﴾ إلا أن يكابروا في قوله: ﴿ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ ؛ لما أنهم قالوا ذلك على الظن والحسبان، لا على العلم؛ حيث قال: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ ﴾ ؛ فقال: ﴿ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ ﴾ ؛ حيث قالوا ذلك ظنّاً وحسباناً، وإنما الواجب عليهم أن يعلموا ذلك علم إحاطة ويقين.
فجواب هذا أن يقال: إن عندهم أن ذلك إنما أعطى لهم وأملى خيراً وبرا لهم؛ فكانوا على يقين من ذلك وإحاطة عند أنفسهم، وإنما ذلك الظن والحسبان لهم ما عند الله، وإلا: كانوا على حقيقة العلم عند أنفسهم: أنه إنما أعطاهم ذلك وأمدّ لهم خيراً؛ فأكذبهم الله في ذلك وردّ عليهم قولهم: إنه إنما أعطاهم ذلك لما ذكروا؛ بل أخبر أنه إنما أعطاهم؛ لمضادة ذلك.
<div class="verse-tafsir"