الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 40 غافر > الآيات ٦٠-٦٥
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 7 دقيقة قراءةقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ...
﴾ الآية.
نزلت في أهل التوحيد يقول: ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ ، ثم تخرج على الاستغفار مرة؛ لما كان منهم من التضييع في حقوق الله وما أمرهم به ونهاهم عنه والتفريط في ذلك، استغفروا أغفر لكم.
ويحتمل ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ : اطلبوا مني التوبة عن ذلك أتوب عليكم، والله أعلم.
وإن كانت الآية في أهل الكفر فيكون قوله: ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ ، أي: وحدوني أغفر لكم.
ويحتمل اعبدوني أغفر لكم؛ وهو كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ ، وقد جاء في بعض الأخبار عن نبي الله أنه قال: "الدعاء هو العبادة، ثم قرأ: ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ...
﴾ " ، وفي بعض الأخبار: "الدعاء مخ العبادة"، وأصل هذا: أنه ينظر كل أحد إلى ما ارتكبه، فإن كان سببا يستوجب به العقوبة كان استغفاره القيام بقضاء ما تركه وضيعه، والعزم على ألا يعود إلى ذلك أبداً، وإن كان سبباً غير معروف، تركه [و]يستغفر الله في ذلك، ويطلب منه التجاوز والمغفرة، وأصل ذلك ما قال الله : ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي ﴾ .
ذكر الإجابة بالشريطة، وهو أنهم إذا آمنوا به وأوفوا عهده يعرف لهم ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ .
استدل بعض الناس بهذه الآية على أن قوله: ﴿ ٱدْعُونِيۤ ﴾ إنما أراد به العبادة على ما ذكرنا.
فإن قيل: إن هذه السورة نزلت بمكة، وأهل مكة كانوا يقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، وفي ظاهر ذلك أنهم لا يستكبرون عن عبادته، لكنهم لم يروا أنفسهم أهلا لعبادة الله فعبدوا غيره دونه، كمن يعظم ويخدم خادما من خدم ملك من ملوك الدنيا لا يكون مستكبراً عن خدمة الملك.
لكن تأويل الآية يخرج على وجهين: أحدهما: أن الله أمر عباده بطاعة رسوله والإجابة له إلى ما يدعوهم، فإذا لم يجيبوه إلى ما يدعوهم إليه ولم يطيعوه استكبارا منهم وتكبرا عليه، صار ذلك منهم كالاستكبار عن طاعة الله وعن عبادته.
والثاني: أنهم وإن كانوا عبدوا الأصنام رجاء أن تقربهم إلى الله زلفى، ولم يقصدوا قصد الاستكبار عن عبادته فهم تركوا عبادته، مع أنهم أمروا بها وبلغ إليهم أمره على ألسن الرسل، فكأنهم استكبروا عن عبادة الله ؛ إذ في الشاهد يخدم المرء لبعض خواص الملك ليقربه إليه: إذا أمره الملك أن يخدمه وقربه إلى مجلسه فامتنع - يقدر ذلك منه استكبارا، ويبين أن خدمته لذلك ما كان ليقربه إلى الملك؛ حيث قربه فلم يقرب، ففي الغائب كذلك؛ لذلك كان استكبارا منهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ .
قال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ دَاخِرِينَ ﴾ صاغرين ذليلين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً ﴾ .
يذكرهم نعمه التي أنعم عليهم، يستأدي بذلك شكره، حيث قال: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ ﴾ راحة لأنفسكم وأبدانكم، ﴿ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً ﴾ تبصرون فيه معايشكم وما تحتاجون إليه.
ثم قوله: ﴿ وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً ﴾ أي: يبصر به وفيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ أخبر أن ذلك كله منه لهم فضل ومنة ورحمة لا باستحقاق يستحقون ذلك قبله ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ خَـٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴾ .
يقول: ذلك الذي صنع بكم هو ربكم لا الأصنام التي تعبدون من دونه، ﴿ خَـٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ هو خلقكم وخلق كل شيء واحد لا شريك له، ﴿ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴾ أي: أنى تصرفون وتعدلون عن عبادته والقيام بشكره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ .
عن عبادته والقيام بشكره قبلكم، وأصل الإفك: الصرف؛ كقوله: ﴿ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا ﴾ أي: لتصرفنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآءً ﴾ .
يذكرهم عظم نعمه عليهم حيث جعل لهم الأرض بحيث يقرون عليها ويتعيشون، والسماء بناء عليهم حيث لا تسقط عليهم، وجعل منافع بعضها متصلة بمنافع البعض على بعد ما بينهما؛ ليعلم أن ذلك كله صنع واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: قوله: ﴿ فَأَحْسَنَ ﴾ أي: أحكم وأتقن في الدلالة على معرفة وحدانية الله وربوبيته، على ما أظهر في كل شيء من الدلالة على وحدانيته وربوبيته.
والثاني: قوله: ﴿ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ ﴾ ، أي: حسن تركيبها منتصباً قامتها غير منكبة كسائر الصور التي خلقها منكبة على وجهها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: أي: رزقكم من الحلال، لكن الأشبه: أي: رزقكم من أطيب ما أخرج من الأرض؛ لأن الله أخرج من الأرض نباتاً مختلفاً جعل أطيبه وألينه رزقاً للبشر، وسائره رزقاً للدواب.
﴿ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ ﴾ .
ذلك الذي صنع بكم هذا هو ربكم، لا الأصنام التي تعبدونها.
﴿ فَتَـبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلْحَيُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ .
قال أهل التأويل: ﴿ ٱلْحَيُّ ﴾ : الذي لا يموت أبداً، لكن هذا مما يعرفه كل أحد، وأصل الحي هو النهاية والغاية في الثناء عليه والمدح، لا كل شيء يبلغ في الانتفاع به غايته يسمى: حيّاً، نحو الأرض والأشجار وكل شيء يبلغ في الانتفاع به، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ .
هو المعبود في لسان العرب، ويسمى العرب كل معبود: إلهاً، كأنه يقول: لا إله ولا معبود يستحق العبادة إلا هو.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ .
أي: ادعوه بإخلاص الدين له.
ثم يحتمل قوله: ﴿ فَـٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ ﴾ وجهين: أحدهما: أي اعبدوه مخلصين له العبادة، لا تشركوا فيها غيره؛ من نحو ما كانوا يعبدون الأصنام دونه رجاء الشفاعة لهم وتقريبهم إليه، أخلصوا العبادة والدين، والإخلاص: هو التصفية له.
والثاني: ادعوه على حقيقة الدعاء له والتسمية؛ كأنه يقول - والله أعلم -: ادعوه وسموه: إلها، لا تدعوا ولا تسموا غيراً: إلها؛ لأنهم كانوا يسمون ويدعون الأصنام التي عبدوها: آلهة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
أي: ﴿ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ رَبِّ ﴾ على خلقه بما أنعم عليهم وصنع إليهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"