الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 48 الفتح > الآية ٢٩
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 11 دقيقة قراءةقوله - عز وجل -: ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ ﴾ .
من الناس من احتج على تفضيل محمد على غير من الأنبياء - عليهم السلام - بهذه الآية وبغيرها من الآيات يقول: لم يُذكر محمد في القرآن إلا وخاطبه باسم الرسالة والنبوة؛ كقوله - -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ﴾ و ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ ﴾ وقوله: ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ﴾ ونحو ذلك، وسائر الأنبياء - عليهم السلام - إنما خاطبهم بأسمائهم التي جعلت لهم خلقة دون ختم الرسالة والنبوة، كقوله: ﴿ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا ﴾ ، و ﴿ يٰلُوطُ ﴾ و ﴿ يَٰمُوسَىٰ ﴾ ، و ﴿ يٰهَرُونُ ﴾ ، و ﴿ يٰهُودُ ﴾ و ﴿ يَاصَالِحُ ﴾ ؛ جمع من ذكرهم سواه إنما ذكرهم بأسمائهم الموضوعة في أصل الخلقة، ولم يجلُّوا ولم يسموا بأسماء الرسالة والنبوة؛ وذلك لفضل جعل له من بين غيره، وكذلك يحتج لتفضيل أمته وأصحابه على سائر الأمم حيث خاطب هذه الأمة بأحسن الأسماء فقال: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ ، وقال في سائر الأمم: ﴿ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ ﴾ ونحو ذلك، ومما يدل على فضيلتهم قوله - -: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ...
﴾ الآية [آل عمران: 110]؛ أي: كنتم خير أمة في الكتب المتقدمة بما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ...
﴾ الآية، ما وصفهم ونعتهم يرجع إلى أصحابه على الاجتماع، أي: الكل موصوفون بهذه الصفات التي ذكر في الآية، وأنها كلها فيهم، وهو كقوله - - في صفتهم: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ أي: أشداء على الكفار، ورحماء على المؤمنين، وصفهم بذلك جملة، فعلى ذلك هاهنا.
ويحتمل أن يكون ذلك وصف بعضهم دون بعض، أو وصف عامتهم، فأما الكل فلا، وذلك نحو ما روي عن عبد الله بن مسعود - - حيث قال: لولا قوله - -: ﴿ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا ﴾ ما كنا نعرف أحداً من أصحاب رسول الله يريد الدنيا، فإنما يكون ذلك وصف أمثال عبد الله بن مسعود، .
ثم قد جعل الله - - الرحمة والرأفة نعتاً للمؤمنين، يتراحم بعضهم بعضاً، وكذلك روي في الخبر عن النبي قال: "لا تدخلوا الجنة حتى تراحموا قالوا: كلنا نتراحم ولده، فقال: ليس ذلك برحمة، إنما الرحمة أ ن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ولولده" ، أو كلام نحوه.
وروي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله : "المؤمنون كلهم كرجل واحد، إن اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" ، وليس فيما وصفهم بالشدة على الكفار [دليل] على أن ليس لهم شفقة عليهم، فإن النبي له شفقة عظيمة عليهم، حتى كادت تهلك نفسه، لذلك قال - الله -: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ ، وقال: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ فعلى ذلك أصحابه، رضوان الله عليهم أجمعين.
ثم القتال الموضوع فيما بينهم رحمة في الحقيقة، وإن كان في الظاهر ليس برحمة؛ لأنه وضع ليضطرهم ذلك إلى قبول الإسلام والتوحيد، وفي قبولهم ذلك نجاتهم، وما وصفهم بالحرمة على المؤمنين، ليس فيه أنهم ليسوا بأشداء عليهم إذا عاينوا منهم المناكير والفواحش حتى يتركوا التغيير عليهم؛ بل من الشفقة لهم عليهم ما يغيرون عليهم المنكر؛ إذ في ذلك نجاتهم، وذلك لا يزيل عنهم الرحمة التي وصفهم بها؛ بل ذلك من الشفقة لهم والرحمة، والله أعلم.
ثم نعتهم وقال: ﴿ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: وصف لهم بالمداومة في إقامة الصلوات بالجماعات، وأراد بالركوع والسجود: هو الصلاة على طريق الكناية.
والثاني: عبارة عن الخضوع لربهم، والتواضع للمؤمنين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً ﴾ يحتمل قوله: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ أي: الجنة؛ أي: يبتغون بكل ما وصفهم من الرحمة، والشدة، والركوع، والسجود الجنة، والفضل يذكر عبارة عن الجنة في القرآن في غير موضع.
وجائز أن يكون ما ذكر من ابتغائهم الفضل من الله - - ما يتعايشون به.
وقال بعضهم: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ أي: يبتغون ما يتعيشون [به].
وقال بعضهم: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ أي: يبتغون معيشة يتقوون بها على طاعة الله.
وقوله - عزو جل -: ﴿ وَرِضْوَاناً ﴾ أي: رضا ربهم، وهو بمعنى الفضل - أيضاً - على التكرار للتأكيد؛ كقوله - -: ﴿ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ﴾ لكنه أخبر أنهم يبتغون ذلك الفضل والرضون من الله - - والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ﴾ اختلف فيه: قال الحسن وغيره: أي: أثر الخشوع والصلاة في وجوههم.
وقال بعضهم: إن الرجل إذا قام من الليل فأطال القيام والسهر، تبين سهر الليل في وجهه إذا أصبح من الصفرة، و تغير اللون، وذلك كله في الدنيا.
وكذلك روي عن الحسن [قال]: قال رسول الله : "رحم المله قوماً يحسبهم الناس مرضى وما هم بمرضى" قال الحسن: أجهدتهم العبادة.
وقال قتادة: أثر الصلاة في وجوههم، وهو أثر التراب؛ لكن ذلك بعيد.
وقال: ﴿ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ﴾ يوم القيامة، وهو بياض وجوههم من أثر السجود والوضوء.
وكذلك روي في الخبر عن نبي الله أنه قال: "إني أعرف أمتي من بين غيرها من الأمم قيل: وكيف تعرف يا رسول الله أمتك من بين الأمم؟
فقال: أمتي غر محجلون يوم القيامة من أثر السجود" ولا يكون ذلك لأحد من الأمم غيرهم، والله أعلم.
وجائز أن يكن على غير ذلك، يجعل الله - - في وجوههم من آثار العبادة له، والجهد فيها من النور والحلاوة والحسن ما يعرفون أنهم أهل عبادة الله - - وطاعته، والله أعلم.
وقوله - - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: أي: شبههم في التوراة والإنجيل الآحاد والأفراد منهم المختارون من بين غيرهم الذين يعظمونهم الأتباع والملوك ويحلونهم، فما بالكم لا تعظمون أنتم هؤلاء ولا تتبعونهم كأولئك، والله أعلم.
والثاني: يحتمل: ﴿ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ ﴾ أي: ذلك نعتهم ووصفهم في التوراة والإنجيل؛ أي: على ذلك نعتوا ووصفوا في التوراة والإنجيل، وقد عرفتم ذلك، فهلا اتبعتموهم إذا نعتوا ووصفوا في القرآن.
وقال بعضهم: قولخه: ﴿ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ ﴾ مقطوع مقصود، وهو ما تقدم من قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ...
﴾ إلى قوله: ﴿ مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ﴾ ، ثم ابتدأ فقال: ﴿ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ...
﴾ الآية، وهذا يحتمل ووجه حسن، وعلى التأويلين الأولين ما ذكرنا من وصفهم، كأنه في التوراة والإنجيل جميعاً، ثم نعتهم - أيضاً - بقوله - -: ﴿ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ﴾ ، والله أعلم.
ثم ذكر نعت أصحابه - م - ي هذه الآية، ولم يذكر نعت رسوله ، وإنما ذكر نعته في آية أخرى، وهو قوله - -: ﴿ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ...
﴾ الآية [الأعراف: 157]، ذكر نعته وصفته في الآية ونعت أصحابه - م - في هذه السورة، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي ٱلإِنجِيلِ...
﴾ الآية دلالة الرسالة؛ لأنه أخبر أن نعتهم في الكتب المتقدمة كما ذكر في القرآن، ثم لم يقل أحد من أهل الكتب المتقدمة: أن ليس ذلك نعتهم أو شبههم في تلك الكتب، ثبت أنه بالله عرف، ولا قوة إلا بالله.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ...
﴾ الآية، شبههم بالزرع الذي ذكر - والله أعلم - لأنهم أحيوا سنن الدين وشرائعه التي كانت من قبل بعدما درست، وانقطع أثرها؛ لأنه لم يكن فيما بين عيسى ومحمد - عليما الصلاة والسلام - رسول فقد انقرض ذلك واندرس، ثم جاء محمد - عليه أفضل الصلوات أكمل التحيات - بعد دروس ذلك وانقراضه كالزرع الذي يخرج وحده، وهو النبت الواحد في أول ما يخرج، فأعانه أصحابه وآزروه كانوا إليه كالخلفة التي تنبت حول الساق تؤازر الخلفة والنبت، فأما ﴿ شَطْأَهُ ﴾ فقيل: هو محمد خرج وحده كما خرج أول النبت وحده، وأما الوالية التي تنبت حول الشطأة فاجتمعت، فهم المؤمنون كانوا في قلة كما كان أول الزرع دقيقاً، ثم زاد نبت الزرع، فغلظ، ﴿ فَآزَرَهُ فَٱسْتَغْلَظَ ﴾ ، كما آزر المؤمنون بعضهم بعضاً حتى استغلظوا واستووا على أمرهم كما استغلظ هذا الزرع واستوى على سوقه.
ثم اختلفوا في الشطأة: قال أبو عوسجة: هو قصب الزرع؛ أي: صار لو واسط االزرع؛ أي صار له ورق، ﴿ فَآزَرَهُ ﴾ أي: قواه، ﴿ سُوقِهِ ﴾ جمع: ساق.
وقال أبو عبيدة: شطأ الزرع: فراعه صغاره؛ يقال: قد أشطأ الزرع فهو مشطئ إذا فرع.
وقال الفراء: ﴿ شَطْأَهُ ﴾ أي: سنبله، ينبت الحبة عشرا وتسعاً وثمانياً ﴿ فَآزَرَهُ ﴾ أي: أعانه وقواه.
وقوله: ﴿ فَٱسْتَغْلَظَ ﴾ أي: غلظ ﴿ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ ﴾ جمع ساق، ومنه يقال: قام كذا على سوقه إذا آذرته وتناهى وبلغ الغاية؛ يقول - والله أعلم -: كما أن الزرع إذا قام على السوق فقد استحكم، فهذا مثل ضربه الله - - لنبيه أي: خرج وحده، فأيده بأصحابه، فقوى واشتد كما قويت الساق من الزرع بما نبت منها حتى غلظت وعظمت واستحكمت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ ﴾ قال بعضهم: الزراع هو محمد يعجب محمداً ما رأى من أصحابه والمؤمنين، ويغيظ الكفار ذلك، من الغيظ، وهو كقوله - -: ﴿ مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ...
﴾ إلى قوله: ﴿ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ ﴾ .
وقال بعضهم: الزراع: هو صاحب الزرع، إذا كثر جوانبه وواليه، وينبت ﴿ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ ﴾ ؛ أي: يغيظ ذلك سائر الزراعين.
وقال بعضهم: كما يعجب الزراع حسن زرعه حين استوى قائماً على ساقه، فكذلك يغيظ الكفار كثرة المؤمنين واجتماعهم.
وقال بعضهم: هم الزراع، سموا كفاراً؛ لأنهم يكفرون، أي: يسترون البذر في الأرض، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ من بين غيرهم من الناس ﴿ مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ﴾ ، والله أعلم.
وفيه نقض قول الباطنية والروافض - لعنهم الله - لقولهم: إنهم بعد وفاة رسول الله كفروا وارتدوا عن الإسلام جميعاً، أو كلام نحوه؛ في الآية ردٌّ لقولهم؛ لأنه وعد له المغفرة وما ذكر من الأجر العظيم، فلا يحتمل أن يكونوا على ما ذكر أولئك، ثم تكون لهم المغفرة وما ذكر من الأجر العظيم؛ فدل ما ذكر من الوعد لهم بالمغفرة والأجر العظيم أنهم ثبتوا على ما كانوا من قبل في زمن رسول الله وفي حياته، والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآيه وصحبه أجمعين.