تفسير سورة الجن الآيات ١-١٠ عند تأويلات أهل السنة

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 72 الجن > الآيات ١-١٠

قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌۭ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًۭا ١ يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًۭا ٢ وَأَنَّهُۥ تَعَـٰلَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَـٰحِبَةًۭ وَلَا وَلَدًۭا ٣ وَأَنَّهُۥ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطًۭا ٤ وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا ٥ وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالٌۭ مِّنَ ٱلْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍۢ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًۭا ٦ وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا۟ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَدًۭا ٧ وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَـٰهَا مُلِئَتْ حَرَسًۭا شَدِيدًۭا وَشُهُبًۭا ٨ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَـٰعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلْـَٔانَ يَجِدْ لَهُۥ شِهَابًۭا رَّصَدًۭا ٩ وَأَنَّا لَا نَدْرِىٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى ٱلْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًۭا ١٠

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 23 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ ﴾ ، اختلف في السبب الذي كان به مجيء الجن إلى رسول الله  ، فمنهم من ذكر أن إبليس صعد إلى السماء، فوجدها قد ملئت حرسا شديدا وشهبا؛ فتيقن أنه قد حدث في الأرض حادث، ففرق جنوده؛ ليعلم ذلك.

ومنهم من يقول بأن الأصنام خرت لوجوهها حين بعث [رسول الله]  ؛ فعلم إبليس أنه قد حدث في الأرض حادث حتى خرت له الأصنام، ففرق جنوده؛ ليصل إلى علم ذلك.

ثم من الناس من يزعم أن قصة هذه السورة وقصة قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ  ﴾ - واحدة.

وقال بعضهم بأن هؤلاء النفر الذين ذكروا في هذه السورة كانوا من مشركي الجن، والذين ذكروا في سورة الأحقاف كانوا من يهود الجن؛ دليله: أنه قال في هذه السورة فيما حكي عن الجن: ﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعْجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً  ﴾ ، واليهود يقرون بالبعث، ولا ينكرونه؛ فثبت أنهم كانوا من جنس المشركين، وقال في سورة الأحقاف: ﴿ قَالُواْ يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ  ﴾ ؛ فثبت أنه قد كان عندهم علم بالكتاب [المنزل] على رسول الله [موسى]  ، وكانوا به مقرين، واليهود هم الذين يؤمنون بكتاب موسى -  - لا غير.

ثم فيما حكى الله  عن الجن من تصديقهم هذا الكتاب واستماعهم ما جرى من المخاطبات فيما بينهم - فوائد: إحداها: أن رسول الله  كان مبعوثا إلى الجن والإنس حتى صرف الجن إلى الاستماع إليه.

وفيه أنهم لما أخذوا القرآن من لسانه قاموا فيما بين القوم بإنذارهم، وأعانوه في التبليغ على ما أخبر - عز وجل - ﴿ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ  ﴾ .

وفيه أن أولئك النفر تسارعوا إلى الإجابة لرسول الله  ؛ فيكون فيه تسفيه قوم رسول الله  الذين نشأ بين أظهرهم؛ لأنهم عرفوا رسول الله  [فيما بينهم] بالصيانة والعدالة، ولم يقفوا منه على كذب قط، وحق من يعرف بالصدق إن لم يصدق ألا يتسارع إلى تكذيبه فيما يأتي [به] من الأنباء، بل يوقف في حاله إلى أن يتبين منه ما يظهر كذبه، وقومه استقبلوه بالتكذيب، ولم يعاملوه معاملة من كان معروفا بالصدق والصيانة، والجن الذين صدقوه، لم يكونوا عارفين بأحواله فيما قبل أنه صدوق، أو ممن يرتاب في خبره، ثم تسارعوا إلى تصديقه؛ لما لاحت لهم الحجة وثبتت عندهم آية الرسالة وعاملوه معاملة من قد عرف بالصدق؛ فدل أنهم كانوا في غاية من السفه، وفيه - أيضاً - دلالة رسالته  ؛ لأن قوله  : ﴿ فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ...

﴾ إلى آخر القصة فيما بينهم - إخبار عن علم الغيب وهذا لا يعرف إلا بمن عنده علم الغيب؛ فثبت أنه بالله  علم.

ثم يجوز أن يكون الذي حملهم على الإيمان به ما عرفوا أنه أتى بالمعجز الذي يعجز الخلق عن الإتيان بمثله، وبما وقوفوا على إحكام معانيه وحسن تأليفه ونظمه.

وفيه أن رسول الله  لم يشعر بمجيئهم حتى أُوحي إليه أنه قد أتاه نفر من الجن، واستمعوا إلى ما أوحي إليه؛ فيكون فيه دلالة على فساد قول الباطنية؛ حيث يزعمون أن [رسول الله]  قبل الوحي بالجسد الروحاني؛ لأنه لو كان كما وصفوا، لرأى الجن عندما حضروا إليه؛ إذ الجسد الروحاني مما يبصر الجن، ولم يكن يُوحَى إليه، فيعرف أن قد حضره نفر من الجن.

"وروي عن رسول الله  أنه سأل جبريل -  - أن يراه على صورته، فقال [له] جبريل: إنك لا تطيقه؛ لأن الأرض لا تسعني، ولكن انظر إلى أفق السماء" ، ولو كان يأخذ الوحي بالجسد الروحاني، لكان قد رأى جبريل -  - على صورته فيبطل فائدة هذا السؤال؛ فثبت أن الأمر ليس كما زعموا، بل كان يقبله بالصورة الجسدانية، وأنه كما وصفه الله  بقوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ...

 ﴾ .

وقال القتبي: النفر: ما بين الثلاثة إلى التسعة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً ﴾ .

قال بعضهم: العجب: الغريب، وإنما استغربوا ذلك منه؛ لأنهم سمعوه من أميّ لا يعرف الكتابة ولا يقرأ الكتب.

ومنهم من قال بأن حسن تأليفه ونظمه ووصفه هو الذي حملهم على التعجب.

ومنهم من قال: إنما تعجبوا من آياته وحججه؛ لأنه جاء في تثبيت التوحيد، وإثبات الرسالة، وإثبات البعث، ولم يكن لهم معرفة بالوحدانية؛ بل كانوا أهل شرك، ولم يكونوا أهل معرفة بالبعث ولا الرسالة؛ فكانت الآيات عجيبة؛ حيث قررت عندهم هذه الأوجه، والله أعلم.

ثم في هذه السورة وفي قوله  : ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ  ﴾ إخبار أن رسول الله  لم يكن يشعر بمجيئهم.

وروي في الخبر عن رسول الله  "أنه لما تلى على أصحابه سورة الرحمن، قال لأصحابه: إن الجن كانوا أحسن إجابة منكم، إني تلوت عليهم هذه السورة، فكانوا يقولون: ما بشيء من آلائك نكذب ربنا، فلك الحمد" .

ففي هذا الخبر دلالة أنه قد رآهم وشعر بمجيئهم؛ فيكون فيه إثبات الوجهين جميعا: أن قد شعر مرة، ولم يشعر أخرى.

ثم يجوز أن يكون رآهم بما قوى الله - عز وجل - بصره حتى احتمل إدراك الجن، وضعفت أبصار غيره عن رؤيتهم؛ ألا ترى أن أهل الجنة يرون الملائكة عندما تأتيهم بالتحف من ربهم، فيقوي الله - عز وجل - بصرهم حتى رأوا الملائكة بجوهرهم، وإن ضعفت أبصارهم عن الرؤية في الدنيا، ففي ذلك تجويز أن يكون الله -  - قوى بصر نبيه  حتى رأى الجن على صورتهم.

وجائز أن يكون الله  صور الجن على صورة الإنس حتى رآهم، وشعر بمجيئهم، والله أعلم.

ثم ما ذكرنا من السببين في أمر مجيء الجن إلى رسول الله  في أول السورة من قول أهل التأويل لا نقطع القول بذلك، وإن كان في حد الإمكان والجواز؛ لأنهم تكلفوا استخراج ذلك بالتدبر والاجتهاد، وما كان سبيل معرفته الاجتهاد، لم يجز أن نقطع القول فيه بالشهادة.

وقد يجوز أن يكون الذي حملهم على المجيء غير ذينك الوجهين، وهو أن يكون النفر من منذري الجن؛ لأنه ذكر أن من الجن نذراً، وأن الرسل من الإنس دون الجن، فتفرقوا في الأرض على رجاء أن يظفروا برسول الله  فيتلقفوا منه ما يقومون به بالنذارة فيما بين قومهم إذ كانوا يصعدون إلى السماء فيستمعون الأخبار، وينذرون قومهم بها، ثم انقطع علم ذلك عنهم حيث لم يجدوا مسلكا إلى الصعود؛ لأنها قد ملئت حرسا، وعلموا أن الله - عز وجل - لا يبقيهم حيارى ويقطع عنهم وجه المعرفة، فتفرقوا في الأرض رجاء أن يظفروا بمن يزيل عنهم الشبه، ويوضح لهم الحجج والبراهين، فوصلوا إلى مقصودهم من جهة نبينا محمد  .

ويجوز أن يكون عندهم أن لا أحد في الأرض من جني أو إنسي يكذب على الله؛ كما حكى الله عنهم بقوله: ﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ ، فلما تحقق عندهم الكذب خافوا على أنفسهم أن يبتلوا به، وأن يشتبه عليهم الصراط السوي؛ فتفرقوا في الأرض على رجاء أن يظفروا بمن يدلهم على الطريقة المثلى، حتى وجدوا رسول الله  .

ويجوز أن يكونوا لما صعدوا إلى السماء، فرأوها مملوءة من الحرس والشهب، أيقنوا أن ذلك لحادث خبر أو خافوا حلول نقمة بأهل الأرض؛ فتفرقوا في البلاد لما لعلهم يصلون إلى علم ذلك.

ثم الذي تحقق كون هذا الخبر وهو أن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا في حق الكفرة - انقطاع الكهنة بعد ذلك، ولو كان الأمر على خلاف هذا، لكانوا لا ينقطعون؛ لأن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء فيأتون الكهنة بما يستمعون من الأخبار، ويلقونها إليهم؛ فيضلون بها الخلق، فلو لم يمنعوا عن السماء لكانوا لا ينقطعون، ومن ادعى الكهانة اليوم فلا تجد عنده خبرا حادثا سوى ما تلقفوه من ألسن الرسل عليهم السلام، وكان أمر الشهاب أمرا ظاهرا، عرفته الكفرة فيما بينهم؛ فكانت هذه حجة سماوية لرسول الله صلى الله عليه سلم مقررة عند الكفرة رسالته؛ إذ لم يدع أحد منهم بكون الشهاب قبل أن يبعث النبي  ، فصار انقطاع الكهنة دليلا على صدقه في مقالته، والله المستعان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ﴾ .

أي: إلى الحق، على ما ذكرنا بيانه في سورة الأحقاف في قوله - عز وجل -: ﴿ يَهْدِيۤ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: إنهم كانوا من مشركي العرب، فتبرءوا من الشرك لما استمعوا وسمعوا [من] القرآن بقولهم: ﴿ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً ﴾ ، وقد يحتمل هذا الذي قالوا.

ويحتمل أنه لم يسبق منهم الإشراك؛ بل كانوا من جملة الموحدين، ولكنهم أحدثوا إيمانا بما سمعوا من القرآن، وأحدثوا تبرءاً من الشرك، وقد يتبرأ المرء من الشرك عندما يحدث له زيادة إيقان وإن لم يسبق منه الإشراك؛ كما قال موسى -  -: ﴿ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا ﴾ .

اختلف في تأويل الجد: فمنهم من يقول بأن هذه الكلمة يتكلم بها فيمن يظفر بكل ما يريده، فيوصف بأنه ذو جد، [فجائز] أن يكونوا أرادوا بهذا أن ربنا هو الظافر بكل ما يريده، فلا يستقبله خلاف، ولا تمسه حاجة، وعلى هذا التأويل قوله: "ولا ينفع ذا الجد منك الجد" أي: من كان له الجد في الدنيا، فإذا كان في تقدير الله  على خلاف ذلك، لم يغنه ذلك من عذاب الله شيئا.

فإن كان هذا هو المراد، فمعناه: أن من هذا وصفه يتعالى عن أن يكون له شريك، أو يحتاج إلى صاحبة، أو إلى اتخاذ ولد؛ لأن هذه الأشياء كلها أمارات الحاجة، ومن ظفر بكل ما يريده لم تقع [له] حاجة.

وجائز أن يكون الجد صلة، ومعناه:  ربنا.

وجائز أن يكون الجد عبارة عن العظمة والرفعة؛ يقال: "فلان جد في قومه": إذا عظم وشرف فيهم.

وقال الحسن: ﴿ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا ﴾ ، أي: غِنَى ربنا؛ ألا ترى كيف ذكر الله  عندما نزه نفسه عن اتخاذ الأولاد بقوله: ﴿ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ  ﴾ ، وقد ذكر اتخاذ الولد هاهنا على أثر قوله - عز وجل -: ﴿ جَدُّ رَبِّنَا ﴾ .

ومنهم من يقول تأويله: ملك ربنا.

وجائز أن يكون أريد به: قوة بنا، فتعالى ربنا عن كل ما لو نسب إليه كان فيه [نسبته] إلى فعل الرذالة والتسفل.

ثم الحق ألا يتكلف تفسير قوله: ﴿ جَدُّ رَبِّنَا ﴾ هاهنا؛ لأنه حكاية عن مقالة الجن، فمراد هذه الكلمة إنما يعرف بإخبار الجن.

ثم الشرك فيما جرى به الكتاب على أوجه أربعة: مرة على العبادة بقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً  ﴾ .

وشرك في الخلق بقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ  ﴾ .

وشرك في الحكم بقوله  : ﴿ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً  ﴾ .

وشرك في الملك بقوله: ﴿ وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ  ﴾ فثبت أن الشرك يقع مرة في العبادة، ومرة في الخلق، ومرة في الملك، ومرة في الحكم؛ فهو بقولهم: ﴿ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً ﴾ تبرءوا عن الشرك من هذه الأوجه الأربعة.

ثم إذا كان الجد عبارة عن الذي يظفر بكل ما يريده، ففيه ما ينقض على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يزعمون أن الله  أراد من كل كافر الإيمان، فإذا لم يؤمنوا، فهو غير ظافر بما يريد على قولهم.

ويدخل عليهم النقض من وجه آخر، وهو أنا قد بينا أن الشرك قد يقع مرة في الخلق، وهم ينفون خلق الأفعال عن الله  ، وإذا نفوا ذلك، فقد جعلوا له في الخلق شركاء، وقد أخبر - عز وجل - أنه هو المتفرد بخلق الخلائق؛ فثبت أن الأفعال من حيث الخلق والإنشاء من الله  ، ومن جهة الكسب والفعل للخلق؛ فمن الوجه الذي تضاف إلى الله  لا يجوز أن تضاف من ذلك الوجه إلى الخلق عندنا؛ فلا يقع في الخلق تشابه؛ لأنه لا يتحقق من العباد الفعل من الوجه الذي تحقق من الله  ؛ ألا ترى أنه يضاف الملك إلى الله  ، وإلى الخلق، ثم لا يقع في ذلك إشراك؛ لأنه من الوجه الذي يضاف إلى الله  لا يتحقق ذلك الوجه في الخلق؛ لأن الإضافة إلى الخلق على جهة المجاز والإضافة إلى الله  على جهة التحقيق؛ فكذلك إضافة الأفعال إلى الله  وإلى الخلق، لا توجب الشرك؛ لاختلاف الجهتين، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا ٱتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَداً ﴾ ؛ لأن اتخاذ الصاحبة من الخلق؛ لغلبة الشهوة، وهو منشئ الشهوات؛ فلا يجوز أن يغلبه ما هو خلقه، فيبعثه ذلك على اتخاذ الصاحبة، وبهذا يرد على من زعم أن الملائكة بنات الله  ، والبنات يحدثن من الصاحبة، وهو  لم يتخذ صاحبة؛ فأنى يكون له بنات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ وَلَداً ﴾ فالأصل أن الأولاد يرغب فيهم المرء؛ لإحدى خصال: إما لما يناله من الوحشة؛ فيطلب الولد؛ ليستأنس بهم.

أو يرغب فيهم؛ لما حل به من الضعف، فيريد أن يستنصر بهم.

أو لما يخاف زوال ملكه؛ فيطلب الولد؛ ليأمن من زواله.

وجل الله  وتعالى عن أن تلحقه وحشة، أو يصيبه ضعف، أو يخاف زوال الملك؛ فإذا كانت الطرق التي بها يرغب [في اكتساب الأولاد] منقطعة في حقه، لزم تنزيهه عن اتخاذ الأولاد؛ ولهذا ما ذكر عندما نسبته الملاحدة إلى اتخاذ الأولاد - غناه بقوله ﴿ سُبْحَانَهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ  ﴾ ، أي: غني عن كل الوجوه التي تتوجه إلى اتخاذ الأولاد، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطاً ﴾ .

فمنهم من ذكر أن سفيههم إبليس، وليس هذا براجع إلى الواحد على الإشارة إليه، بل هو راجع إلى كل من يوجد منه فعل السفه؛ ألا ترى أنه إذا قيل: "كان يقول مسيئنا كذا"، و "كان يقول فاسقنا كذا"، لم يعن به فاسق ولا مسيء واحد على الإشارة؛ بل يراد به كل معروف بالإساءة والفسق؛ فعلى ذلك قوله ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا ﴾ ليس بمقتصر على الواحد، بل هو راجع إلى كل من يوجد منه ذلك.

ثم في هذه الآية دلالة أن النفر الذين استمعوا كانوا مؤمنين، ولم يكونوا من أهل الكفر؛ لأنهم لو كانوا أهل شرك، لكانوا لا يضيفون فعل السفه إلى غيرهم، ويخرجون أنفسهم منه، وقد وجد منهم فعل السفه.

ولو كانوا مشركين - أيضا - لكانوا يقولون مكان هذه الكلمة: "وإنا كنا نقول على الله شططا"؛ ليكون ذلك منهم توبة ورجوعا عما كانوا فيه من الشرك والكفر؛ شكرا بما أنعم الله عليهم من عظيم النعمة بأن هداهم للإيمان، لا أن يضيفوا ذلك إلى سفهائهم؛ فثبت أنهم كانوا مؤمنين.

والشطط: الجور.

وقال بعضهم: هو الكذب.

وقال بعضهم: الظلم.

والشطط هاهنا الجور، والجور ما أتوا به من القول الفاحش، وهو الشرك بالله  ، وهذا يبين أن الجور قبيح في كل الألسن وفيما بين أهل الأديان؛ ألا ترى كيف سفهوا من يقول على الله  بالجور.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ .

ذكر أبو بكر الأصم أنهم كانوا اعتقدوا أن لله  صاحبة وولدا؛ بما سمعوا [الجن والإنس] يقولون ذلك، وكان عندهم أنهم في ذلك صادقون؛ فذلك المعنى هو الذي حملهم على القول بأن لله  ولدا وصاحبة؛ فلما ظهر عندهم كذب من يدعي اتخاذ الولد والصاحبة تبرءوا عمن يقول ذلك؛ فثبت بهذا أنهم كانوا أهل شرك إلى ذلك الوقت؛ فلما استمعوا إلى قراءة الرسول  ، ولاحت لهم الحجج، وارتفعت عنهم الشبه، آمنوا به، وتبرءوا عن مقالتهم المتقدمة.

وقد يحتمل غير ما ذكره عنهم أبو بكر من التأويل، وهو أن القوم كانوا أنشئوا على الهدى والإيمان؛ فكانوا يظنون أن الجن والإنس على الهدى، وأنهم لا يكذبون على الله  حتى ظهر عندهم كذب [الإنس والجن] بقولهم: إن لله ولدا وصاحبة.

وجائز أن يكون معناه: إنا كنا نظن ألا تسخو نفس أحد من الممتحنين بالكذب على الله  بما أراهم الله  قبح الكذب، وقرر عندهم بالحجج والأدلة تنزيهه عن اتخاذ الأولاد والصاحبة؛ حتى ظهر عندهم ذلك بما أظهروه بألسنتهم.

ثم الذي يدل على أن التأويل الذي ذكره أبو بكر ليس بمحكم: أنه قد كان في الجن والإنس مصدق يصف الله  بالتنزيه، وقد كان فيهم من يقول بالولد والصاحبة؛ ألا ترى إلى قوله حكاية عنهم: ﴿ وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ  ﴾ ، وإلى قوله: ﴿ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ  ﴾ ، ولا يحتمل أن يقع عندهم أن الفريقين جميعا على الصواب، ولكن كان في ظنونهم أن القوم جميعا على الهدى على ما هم عليه، فلما تبين عندهم الكذب من أولئك قالوا هذا القول والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً ﴾ .

[ذكر أن الإنس]، هم قوم من العرب كانت إذا نزلت بواد استجارت بسيد الوادي، وقالت: نعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه.

ثم اختلف بعد هذا: فمنهم من ذكر أنهم [كانوا] يجيرونهم.

ومنهم من زعم أنهم كانوا لا يجيرونهم، وكان ذلك يزيد في رهق الإنس من الجن.

وقالوا: الرهق: هو الخوف، والفرق؛ كذلك روي عن أبي رءوف.

ومنهم من يقول: هو الذلة والضعف، [فكانوا يزدادون الضعف] والذلة والخوف [والفرق] بامتناعهم عن الإعاذة.

ومنهم من يقول بأنهم كانوا يجيرون من استجارهم، ولكن مع هذا كانوا يفرقون منهم، ومن كيدهم في الأماكن التي [لم] يستجيروا فيها إليهم، وفي غير الأوقات التي وقعت فيها الإجارة.

وعلى اختلافهم اتفقوا أن الجن هي التي كانت تزيد الإنس رهقا.

وقيل بأن هذا الفعل من الإنس - وهو الاستجارة بهم - شرك؛ لأن الله  هو المجير؛ فكان الحق عليهم أن يستجيروا بالله  ؛ ليدفع عنهم مكايد الجن، وألا يروا لأنفسهم ناصرا غير الله  ، فإذا فزعوا في الاستجارة إلى الجن، فقد رأوا غير الله  يقوم عنهم بالذب والنصر؛ فكان ذلك منهم شركا.

ولأن الجن أضعف من الإنس؛ ألا ترى أنها تختفي من الإنس وتتصور بغير صورتها؛ فرقا؛ لئلا يشعر بها الإنس، وبلغ في ضعفها: أنها لا تقدر على إتلاف أحد من البشر، ولا تقدر على سلب أموالهم، ولا إفساد طعامهم وشرابهم، واستنصار القوي بالضعيف أداة الذلة؛ فيخرج تأويل [من قال] بأن الرهق هو الذلة والضعف على هذا.

ومنهم من يقول بأن الإنس هي التي كانت تزيد الجن رهقا، وقال: الرهق: التجبر، والتكبر.

وقيل: هو السفه والجهل.

وقيل: هي المآثم.

وقال القتبي: هو العبث والظلم؛ يقال: فلان مرهق في دينه؛ إذا كان مفسدا.

ووجه زيادة الرهق: هو أن الرؤساء من الجن كانوا يرون لأنفسهم الفضل على أتباعهم من الجن وعلى الإنس جميعا بما رأوا من افتقار الإنس إليهم حتى احتاجوا إلى الاستعاذة بهم؛ فكان يتداخلهم الكبر من ذلك، ويزدادون به تجبرا وتعظما؛ فكان ذلك يمنعهم عن النظر في حجج الرسل، وكذلك أكابر الكفرة من الإنس كانوا يمتنعون عن الإجابة لرسول الله  بما يرون لأنفسهم من الفضل على من سواهم؛ ألا ترى إلى قوله  : ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا...

﴾ الآية [الأنعام: 123].

فمن زعم أن الرهق: هو الإثم، أو السفه، أو الجور والظلم، أو العبث - يرجع كله إلى هذا المعنى الذي ذكرنا؛ لأن سفههم هو الذي كان يحملهم على التجبر والتكبر؛ لأنه كان لا يستعيذ بهم إلا الجاهل السفيه، وليس في إعاذة الجاهل السفيه منقبة ما يتكبر لأجلها، وهم بتكبرهم ازدادوا إثما وبعدا من رحمة الله  ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ أَحَداً ﴾ .

فجائز أن يكونوا نفوا القدرة عن الله  بالبعث؛ لما لم يشاهدوا البعث، ورأوه أمرا خارجا عن طوقهم وقواهم؛ فظنوا أن القدرة لا تنتهي إلى هذا، لا أن يكونوا أرادوا به خروج البعث عن حد الحكمة؛ لأنهم لو أرادوا به نفي البعث، لكانوا يقتصرون على قولهم: [ ﴿ لَّن يَبْعَثَ ٱللَّهُ ﴾ ]؛ فلما وصلوا به الكلام الذي يتكلم به للتأكيد، وهو قوله: ﴿ أَحَداً ﴾ ، دل أنهم نفوا القدرة.

وجائز أن يكونوا ظنوا أن [لا بعث]؛ لأنه أمر خارج من الحكمة؛ إذ [ليس] من الحكمة أن يهلك ثم يعاد، بل إذا أريد الإبقاء لن يفنى؛ حتى لا يحوج إلى الإعادة.

ثم هذا الكلام ليس بحكاية عن الجن؛ بل الله  أخبر أن الجن ظنت أن لا بعث كما ظننتم أنتم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ظَنَنتُمْ ﴾ في الظاهر إشارة إلى الإنس جملة، مسلمهم وكافرهم، ومعلوم بأن المسلمين لم يكونوا يظنون ذلك، بل قد أيقنوا بالبعث، ولكن معناه: أن الكفرة من الجن ظنت أن لا بعث كما ظنت الكفرة منكم أيها الإنس.

ثم في هذه الآية إبانة أنهم كانوا يقولون: لا بعث بالظن، ليس بالعلم، والذي حملهم على الظن إعراضهم عن السبب الذي يوجب القول بالبعث، وكل يأنف بطبعه أن يلزم الظنون، ففيه دعاء وترغيب إلى النظر في حجج البعث وترك الاعتماد على الظنون.

ثم ذكر النحويون أن ما كان ابتداؤه بالكسر في هذه السورة - أعني: حرف "إن"، فهو حكاية عن الجن؛ نحو قوله: ﴿ فَقَالُوۤاْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً ﴾ ، وما كان فيه من الحكاية لا عن الجن، فحقه أن يقرأ بالنصب؛ فاختاروا النصب في قوله - عز وجل - ﴿ وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ ﴾ ؛ لما ليس هو بحكاية عن قول الجن، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ﴾ .

جائز أن يكون لمسهم السماء: ليجدوا أبوابها؛ فيدخلوا فيها للاستماع؛ إذ أخبارها ليست في جملة آفاق السماء، ولا أبوابها محيطة بجملة السماء، فكانوا يلمسونها؛ ليظفروا بأبوابها فيدخلوا فيها.

وجائز أن يكون أريد من لمس السماء: لمس أبوابها؛ فكانوا يلمسون أبوابها؛ ليفتحوها؛ فيدخلوا فيها؛ [فيستمعوا إلى] الأخبار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ﴾ جائز أن يكون بعض الأبواب ملئت من الحرس، وبعضها من الشهب؛ فإن أتوا [إلى الأبواب] التي ملئت من الحرس دفعتهم الحرس، وطردتهم، وإن أتوا إلى الأبواب التي فيها الشهب، تبعتهم الشهب؛ كما قال - عز وجل -: ﴿ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ  دُحُوراً  ﴾ .

وجائز أن تكون الأبواب كلها مملوءة من الحرس والشهب جميعا؛ لأن الحرس لم يمتحنوا بالحراسة خاصة؛ بل امتحنوا بها وبغيرها من الأعمال؛ فجائز أن يكون اشتغالهم بتلك الأعمال يمنعهم عن الحرس؛ فإذا رأوا استراق السمع في وقت شغلهم، تبعهم الشهاب الثاقب، وقذفهم عن مرادهم.

وجائز أن يصعد الجن إلى المكان الذي لا يراهم الملائكة، ويسمع الجن كلامهم؛ لأن المرء قد يتكلم بكلام فينتهي صوته إلى حيث لا يراه البصر، فتكون الشهب تحت الحرس؛ فيقذفون عنها بالشهب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً ﴾ .

قيل: الشهاب من الكواكب، والرصد من الملائكة.

الأصل في ذلك أن الجن قد حبسوا وقت مبعث رسول الله  عن خبر السماء، وكانوا يسترقون السمع قبل ذلك حتى انقطع أمر الكهنة؛ إذ لا يجوز أن يأتوا بخبر السماء وقت مبعث النبي  حتى كان يختلط أمر الكهنة بأمره  ؛ فحبسوا عن الصعود إلى السماء وإتيان الخبر عنها؛ حتى انقطع أمر الكهنة، فجاءهم الرسول  بعد ذلك؛ ليعلموا أن ذلك ليس بكهانة، وإنما هو وحي يأتيه من السماء؛ إذ لو كان كهانة كان غيره لا يمنع عن مثله، كما في سالف الزمان؛ فهذه الآية كأنها حكاية عن قول الجن لما رجعوا إلى قومهم منذرين قالوا هذا كله لقومهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً ﴾ فهو يحتمل وجهين: أحدهما: لا ندري بما قطعت بالحرس والشهب أخبار السماء عن أهل الأرض، وحبس الذين يصعدون السماء عن أخبار السماء، ويقذفون من كل جانب، أريد بأهل الأرض الشر، وهو إنزال العذاب عليهم، أو أريد بهم أن يرسل إليهم رسول يرشدهم.

وجائز أن يكونوا أيقنوا أن أخبار السماء إنما انقطعت عن أهل الأرض بما يرسل إليهم من الرسول؛ فيكون الرسول هو الذي يخبرهم بما لهم إليه من حاجة، ولكنهم لم يدروا أنه أريد بهم الرشد بإرسال الرسول أو الشر؛ لأنهم كانوا علموا أن من آمن بالرسول المبعوث، ونظر إليه بعين الاستهداء والإرشاد فقد رشد، ومن نظر إليه بعين الاستخفاف والاستهزاء استؤصل؛ فلم يدروا أيكذبون الرسول؛ فيحل بهم الهلاك في العاقبة، أو يصدقونه فيرشدوا به؟

وهذا يبين أن العواقب في الأشياء هي المقصودة، وأن الحكيم ما يفعل من الأمر يفعله للعواقب؛ وفي هذا إبانة أن الجن من المسلمين لم يكونوا معتزلة؛ إذ من قول المعتزلة: أن الله  لا يفعل بعباده إلا ما هو أصلح لهم في الدين والدنيا في حقهم، والجن قد أيقنوا أن الله  قد يريد الشر بمن يعلم أنه يؤثر فعل الشر على فعل الخير، ويريد الخير بمن يعلم أنه يؤثره على فعل الشر.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده