الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة الشمس
تفسيرُ سورةِ الشمس كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 15 دقيقة قراءةقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾ .
قالوا: تأويله: والشمس وضوئها.
وقيل: وحرها.
وقيل: وبهائها.
وهذا في موضع القسم؛ وذلك لأن الله - - جعل في الشمس معاني تدل على لطائف حكمته و[عجائب تدبيره، وجعلها في النهاية في البركات، وفي النهاية في الآيات فمن] عجيب تدبيره أنه جعل نورها بحيث يهلك نور الظلل حتى إذا بدت في مكان أذهبت نور الظل، ونور السراج، ونور القمر، وستر نورها الكواكب عن أن ترى، وجعلها بحيث يظهر بها هباء الهواء، فبين أن الهواء إذا هباء؛ ألا ترى أنك إذا نظرت في المشكاة حين سقوط الشمس فيها تبين لك بها هباء الهواء، ولو أراد أحد من الخلائق أن يتدارك المعنى الذي به استنار هذا الشمس كل هذا لم يقف عليه.
ثم من بركتها أن بحرارتها مصالح الأغذية، وبها مصالح النبات، وبها ييبس الحب، وبها تنضج الفواكه.
وعن عجيب تدبيره أنه جعلها بالنائي عن كل شيء له بها صلاح؛ إذ لو دنت منها، لكانت تحرق الأشياء كلها.
ومن آياتها أن جعلت بحيث تسير وتقطع كل يوم مسيرة ألف عام ما يتعذر على الذي خلق السير والمشي قطع تلك المسافة يمدد كثيرة.
وهي أيضا تظهر جود الرب - لأن منافعها تعم الخلق كله: برهم وفجارهم، والولي منهم والعدو.
فأقسم الله - - بها؛ ليزيل عن الكفرة الشبهة التي تعرض لهم في أمر الدين؛ إما في التوحيد، أو في الرسالة، أو في البعث، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا ﴾ : جائز أن يتلوها في كل ما ذكرنا في الشمس من المنافع والمعاني؛ فيكون ثانيها في العمل، فإنه يقع به صلاح الأغذية أيضا، وهو ينير أيضا إلا أنه لا ينتهي منتهاها ولا يبلع مبلغها، والله أعلم.
وقال بعضهم: إذا تلاها، أي: يتلوها في أول ما يهل؛ فإنه إذا وجبت الشمس في آخر اليوم من الشهر تلا غروبها طلوع الهلال.
وقال بعضهم: إنه يتلوها إذا صار بدرا، وفي هذا دلالة أن منشئهما واحد؛ لأن منافعهما تعم الخلق جميعا، ولو لم يكن مدبرهما واحدا، لكانت لا تعم، بل يمنع كل واحد منهما مُنْشَأَه عن إيصال النفع إلى قوم عدوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا ﴾ : يحتمل أوجها: يحتمل أن يكون النهار جلى الدنيا.
ويحتمل أن يكون جلى الأرض.
ويحتمل أن يكون جلى الشمس.
ويحتمل أن تكون تجلى الأبصار بنورها عن ظلمة الليل التي يغشاها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ﴾ : ينصرف إلى الأوجه التي ذكرنا أيضا، أي: يغشى الدنيا، أو الأرض، أو الشمس، أو يغشى الأبصار بظلمتها عن الخلائق، والله أعلم.
ثم الليل والنهار زيادة سلطان ليست للشمس ولا للقمر؛ لأن من سلطان الليل والنهار أنهما يفنيان الآجال، ويقطعان الأعمال، ولا تهيأ لأحد الامتناع والتحرز من سلطانهما، ويتهيأ للخلق دفع أذى الشمس والقمر عن أنفسهم بالحيل والأسباب؛ فكان في ذكر الليل والنهار زيادة معنى ليس ذلك في ذكر الشمس والقمر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا ﴾ : قال الزجاج: "ما" بمعنى: "الذي"، وقد تستعمل في مثله، كقول العرب: "سبحان ما سبحت له السماوات والأرض"، أي: سبحان الذي سبحت له.
وقال بعضهم: "ما" هاهنا بمعنى "من"؛ كأنه يقول: والسماء ومن بناها.
وقال بعضهم: "ما" هاهنا تجعل الفعل الماضي بمعنى المصدر، تقول: أعجبني ما صنعت، أي: أعجبني صنعك؛ فيكون معناه: والسماء وبنائها.
فإن كان التأويل على الوجهين الأولين، رجع القسم إلى الله ، والسماء، وإلى ما تقدم من الشمس والقمر والنهار والليل.
وإن كان على التأويل الآخر، رجع القسم إلى ما خلق وهو السماء، فإن بناء السماء عينها.
وقال أبو بكر الأصم: إن هذه الماءات في قوله: ﴿ وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا * وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴾ ، تخرج على التعجب، على شرط التقديم، وإن كانت مؤخرة في اللفظ؛ كأنه يقول [الله] : وما السماء؟
ثم أجاب: بناها بأن رفع سمكها وسواها ورفعها بغير عمد ترونها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ﴾ ، أي: بسطها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴾ : قالوا تسويتها في أن خلقها باليدين والرجلين والعينين ونحوها، فإن كان على هذا فالتسوية ترجع إلى الأغلب لا إلى الجملة؛ إذ ليس لكل نفس هذه الجوارح جملة؛ فيكون معناه: أنه سوى أكثر النفوس بما ذكر من اليدين والرجلين، وذلك جائز في الكلام، وهو كقوله - -: ﴿ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً ﴾ ، ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً ﴾ ، ومعناه: أنه جعله سكنا ومقرا لأكثر الخلائق لا للجملة، وجعل النهار لأكثر الخلائق معاشا لا للجملة، والله أعلم.
وقيل: سوى جوارحها وأطرافها ما لو لم يكن له جارحة من تلك الجوارح يوصف بالنقصان، وهذا أعم من الأول.
ويحتمل: ﴿ سَوَّاهَا ﴾ على ما عليه مصلحتها، وتملك التقلب والتعيش، ليس على ما عليه سائر الحيوان.
ويحتمل وجها آخر، وهو أن يكون قوله: ﴿ سَوَّاهَا ﴾ ، أي: جعلها بحيث احتمال الكلفة والمحنة، كقوله - -: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ ﴾ ، وتميز القبيح والحسن، وتعرف عواقب الأمور من الخير والشر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ : هذا يحتمل أوجها: أحدها: أي: بين لها فجورها وتقواها وعلمها، فمن زعم أن المعارف ضرورية خلقة، يحتج بهذه الآية، فيقول: أخبر - - أنه علمها فجورها وتقواها، وأنه وضع في نفسه ما يعرف به قبح كل قبيح، وحسن [كل حسن].
والأصل فيه عندنا: أنه يعرف حسن الأشياء وقبحها جملة ببداية العقول، ولكن العقول لا تعرف حسن كل شيء على الإشارة إليه، ولا قبح كل قبيح على الإشارة إليه؛ وإنما ترعف ذلك إما بخبر يرد على ألسن الرسل عليهم السلام، أو باستعمال الفكر؛ ألا ترى أنك تجد النفس من طبعها أنها تألف الملاذ والمنافع، وتنفر عن المكاره والآلام، ولكنها لا تعرف معرفة كل منتفع على الإشارة إليه ولا ضرارة أعين الأشياء؛ وإنما تعرف ذلك بالذوق.
وكذلك العين تدرك الألوان، لكنها لا تعرف حسنه وقبحه؛ بل العقل هو الذي يفصل بينهما، فعلى ذلك قد جعل في طبع العقل قبح القبائح جملة وحسن الحسن، ولكن لا يفصل بينهما على الإشارة إلى كل من نفسه إلا بما ذكرنا؛ فيكون قوله: ﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ ، أي: جعل في نفسها ما يبين القبيح من الحسن، والخبيث من الطيب، ويبين قبح الفجور وحسن التقوى، ويلزمه المحنة والكلفة بذلك، ثم يصل إلى معرفة ذلك إما بالرسل، وإما باستعمال الفكر.
ويحتمل وجها آخر، وهو أن يلهمها تقواها إذا وفى بما لله عليه من الاستقامة على الطريقة والمجاهدة؛ ألا ترى إلى قوله - -: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ ، فوعد الهداية بالجهاد، وقال - -: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ ، ثم كانت الإجابة مضمنة شريطة، وهي أن يستجيب له الداعي فيما دعاه إليه؛ ألا ترى إلى قوله - -: ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ ، وقال - -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ ، وقال: ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ...
﴾ الآية [المائدة: 12]؛ فثبت أن الذي يلهم التقوى هو الذي يقوم بوفاء ما عليه، فإذا قام به ألهمه التقوى، وبين له سبيل الفجور.
وقال أبو بكر الأصم في قوله: ﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ ، أي: ألزمها فجورها وتقواها؛ فتكومن تقواها لها، وفجورها عليها، لا يؤخذ أحد بفجور أحد، وفي هذا دليل على أن التقوى إذا ذكر مفردا انصرف إلى الخيرات أجمع، وإذا قرن به البر والإعطاء، انصرف إلى الالتقاء عن المحارم، كقوله - - ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ...
﴾ ، وإذا قيل: بر، واتقى، أريد به: أنه بكل ما يحمد عليه، واتقى عن لك ما يذم عليه فاعله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾ : فموقع ما تقدم من القسم بالشمس والقمر الليل والنهار على هذا، فقوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴾ في الآخرة ﴿ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾ في الآخرة؛ فيكون هذا منصرفا إلى الجزاء في الآخرة؛ على ما يذكر في قوله: ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ ﴾ ؛ فيكون في هذا إيجاب القول بالبعث من الوجه الذي نذكره، إن شاء الله .
ثم اختلفوا في تأويل الفلاح: قال بعضهم: أفلح، أى: سعد.
ومنهم من يقول: أي: بقي في الخيرات، والفلاح: البقاء.
ومنهم من يقول: أفلح، أي: فاز، والمفلح في الجملة هو الذي يظفر بما يأمل، وينجو عما يحذر؛ فيدخل في ذلك السعادة والبقاء والفوز.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن زَكَّاهَا ﴾ : جائز أن يكون منصرفا إلى الله .
وجائز أن ينصرف إلى العبد، قال الله - -: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ ﴾ ، وقال - -: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ...
﴾ ، فبين الله - - أنه هو الذي تفضل بتزكية من زكا.
وجائز أن يصرف إلى العبد؛ فيكون قوله: ﴿ مَن زَكَّاهَا ﴾ ، أي: صاحبها، وكذلك قوله: ﴿ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾ يحتل هذين الوجهين؛ فيكون الله - - هو الذي أنشأ فعل الضلال؛ فيكون الفعل من حيث الإنشاء من الله ، ومن حيث العمل من العبد.
ثم قوله: ﴿ مَن دَسَّاهَا ﴾ ، أي: أخفاها، وإخفاؤها: أنه صيرها بحيث لا تذكر في المحافل إلا بالذم، وزكى الأخرى، أي: أظهرها حتى ينظر إليها الناس بعين التبجيل والتعظيم.
وهذا شأن المتقي أن يكون مسجلا معظما فيما بين الخلق، والفاجر يعيش مذموما مهانا فيما بين الخلق.
أو يرجع الإظهار الإخفاء إلى الآخرة: فيجلّ قدر المتقي المزكي، ويخمل ذكر الفاجر.
وقوله - عزو جل -: ﴿ دَسَّاهَا ﴾ من "دسَّسْت"، فأسقط السين، وأبدل مكانها الياء.
ثم الإضافة في قوله: ﴿ دَسَّاهَا ﴾ إلى الله - - على خلق ذلك الفعل منه، وفي قوله: ﴿ زَكَّاهَا ﴾ على التوفيق.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ ﴾ : ولم يبين لمن كذبوا، وقد بينه في آية أخرى فقال: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِطَغْوَاهَآ ﴾ يحتمل وجهين: أي: لأجل معصيتها وطغيانها؛ إذ الحامل لهم على التكذيب طغيانهم وتركهم التفكر في أمره؛ وإلا لو تفكروا فيما جاءهم به رسول الله [لم يجدوا] موضع التكذيب.
والثاني: بأهل طغواها، أي: كذبت ثمود بسبب أهل الطغيان؛ فيكون في هذه الآية إبناء أنهم لم يكذبوا رسولهم بشبهة اعترضت لهم، أو بحجة كانت لهم، بل كذبوه عن عناد منهم، وتيقين منهم برسالته، وذلك أن حجة نبيهم صالح - - جاوزت الحجج؛ لأنهم أوتوا الناقة على سؤال سبق منهم، وعلى تعد في السؤال؛ إذ كان لهم أن يطالبوه بالحجة على دعى الرسالة، ولم يكن لهم أن ينصوا السؤال على شيء يشيرون إليه، فهم بإشارتهم إلى سؤال الناقة كانوا معتدين فيه.
ثم من حكمة الله - - أن الحجة إذا كانت على أثر السؤال، ثم ظهر التكذيب من السائلين هو الاستئصال في الدنيا، وقد وجد من أولئك القوم السؤال والتكذيب؛ فعوقبوا بالاستئصال، قال الله - -: ﴿ وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً ﴾ ؛ فبين الله - - المعنى الذي [لأجله] لم يرسل الآيات التي سألت الكفرة رسول الله ، وهو أنهم لو أوتوا، ثم عندوا، استؤصلوا؛ فقد أراد الله - - إبقاء أمته إلى أن تقوم الساعة، وأرسله رحمة للعالمين، وجعل حجته من وجه فيها رحمة للعالمين، وهي القتال، ووجه الرحمة فيه: أنهم كانوا يمتنعون عن ابتاعه؛ لحب الدنيا وشهواتها؛ فكان يمنعهم ذلك عن النظر في حججه وآيات رسالته؛ فكان في الجهاد ما يضيق عليهم المعاش، ويضطرهم إلى النظر في الحجج؛ فيحملهم ذلك على تصديقه والإيمان به؛ فثبت أن في القتال رحمة عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذِ ٱنبَعَثَ أَشْقَاهَا ﴾ .
أي: قام أشقاها، وصار أشقاها بما أحدث من الكفر بعقر الناقة.
وروي عن عمار بن ياسر - - أنه قال: قال رسول الله لعلي - -: "ألا أخبرك بأشقى الناس، رجلين؟
قال: بلى، يا رسول الله.
فقال: أحيمر ثمود، عاقر الناقة، والذي يضرب على هذه - وأشار إلى هامته - حتى بيتل منها هذه وأشار إلى لحيته" فصار عاقر الناقة أشقى الناس بما ذكرنا.
وجائز أن يكون قاتل علي، صار أشقى الناس؛ لأنه استحل قتله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَاهَا ﴾ : فهو يحتمل وجهين: أحدهما: أي: أحذروا ناقة الله، وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .
والثاني: أي: قال لهم: ذروا ناقة الله تأكل في أرض الله، وذروا بين النقة وسقياها - أي: شربها - ثم أضيفت الناقة إلى الله - - لوجهين: أحدهما: أن الله - - لم يأذن لأحد بالتملك عليها؛ حتى ينسب إليه الملك، بل بقيت غير مملوكة لأحد؛ فأضيفت إلى الله - - كما أضيفت إليه المساجد؛ لما لا ملك لأحد عليها.
أو أضيفت إلى الله - - على معنى التفضيل، والأصل أن إضافة الأشياء إلى الله - - بحق الجزيئات على تفضيل تلك الأجزاء من بين غيرها، وإضافة الأشياء إلى الله - - يحق الكليات، تخرج مخرج تعظيم الله ، فإذا قيل: رب المساجد، أريد به: تفضيل المساجد من بين سائر البقاع، وإذا قيل: رب العرش، أريد به تعظيم العرش، وكذلك إذا قيل: رب الناقة، أريد به تعظيم أمرها، وإذا قيل: رب العالمين، ورب كل شيء، أرشيد به تعظيم الرب، .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا ﴾ : يحتمل أن يكونوا كذبوا صالحا في رسالته، أو كذبوه فيما أخبرهم من حلول العذاب بهم إذا عقروا الناقة، فعقروها مع ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ ﴾ ، قال بعضهم: اي: أطبق عليهم العذاب على الصغير والكبير، ومنه من يقال: بعير مدموم؛ إذا كان سمينا أطبق شحمه على لحمه.
وقال بعضهم: دمدم علهيم، أي: دمر عليهم بذنبهم، وذنبهم ما تعدا من تكذيبهم الرسول، وعقرهم الناقة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: أنه سواهم بالأرض؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ ﴾ .
أو سوى بين الصغير والكبير وفي الإهلاك؛ فالصغار منهم يومئذ ماتوا بآجالهم، والكبار منهم استؤصلوا بذنوبهم.
وقوله: ﴿ وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴾ : جائز أن تكون الإضافة منصرفة إلى الله ، وهو أن يكون الله لما أهلكهم لم يخف تبعة الإهلاك.
ووجه الخوف: هوأنه فيما أهلكهم، أهلكهم بما أوجبت الحكمة إهلاكهم، ولم يلحقه تقصير في الحكمة، ولا وجد العائب في ذلك مقالا.
وهكذا قال الحسن: ذلك ربنا، لم يخف مما أنزل عليهم العذاب.
أو يكون منصرفا إلى العاقر؛ فيكون معناه: أنه عقرها، ولم يخف العاقبة التي حذرهم بها صالح - - من قوله: ﴿ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .
وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴾ ، أي: لم يعلم ما يحل به من عقر تلك الناقة، ولو علم لم يفعل.
ويجوز استعمال الخوف في موضع العلم؛ لأن الخوف إذا بلغ غايته، صار علما.
ثم الحكمة في ذكر قصة ثمود وجهان: أحدهما: أن في ذكرها تثبيت [رسالة محمد صلوات الله عليه، وهو أن النبي ] لم يوجد منه الاختلاف إلى من عنده علم الأنباء والأخبار، ولا كان يعرف الكتابة؛ ليقع له المعرفة بهما؛ فثبت أنه بالوحي علم.
والثاني: أن في ذكرها تحذيرا لمكذبي الرسل، فحذروا بها لمتنعوا عن تكذيبه؛ فلا يحل بهم كما حل بمكذبي صالح - - من يأسه وعذابه، والله يهدي.