الإسلام > القرآن > تفسير > الماوردي > سورة 12 يوسف > الآيات ٥٨-٦٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ ﴾ الآيَةِ.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ والسُّدِّيُّ: وإنَّما جاءُوا لِيَمْتارُوا مِن مِصْرَ في سِنِي القَحْطِ الَّتِي ذَكَرَها يُوسُفُ في تَفْسِيرِ الرُّؤْيا، ودَخَلُوا عَلى يُوسُفَ لِأنَّهُ كانَ هو الَّذِي يَتَوَلّى بَيْعَ الطَّعامِ لِعِزَّتِهِ.
﴿ فَعَرَفَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَرَفَهم حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَعْرِيفٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: ما عَرَفَهم حَتّى تَعَرَّفُوا إلَيْهِ فَعَرَفَهم، قالَهُ الحَسَنُ.
وَقِيلَ بَلْ عَرَفَهم بِلِسانِهِمُ العِبْرانِيِّ حِينَ تَكَلَّمُوا بِهِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّما سُمِّيَتْ عِبْرانِيَّةً لِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَبَرَ بِهِمْ فِلَسْطِينَ فَنَزَلَ مِن وراءِ نَهْرِ الأُرْدُنِ فَسُمُّوا العِبْرانِيَّةُ.
﴿ وَهم لَهُ مُنْكِرُونَ ﴾ لِأنَّهُ فارَقُوهُ صَغِيرًا فَكَبِرَ، وفَقِيرًا فاسْتَغْنى، وباعُوهُ عَبْدًا فَصارَ مَلِكًا، فَلِذَلِكَ أنْكَرُوهُ، ولَمْ يَتَعَرَّفْ إلَيْهِمْ لِيَعْرِفُوهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ ﴾ وذَلِكَ أنَّهُ كالَ لَهُمُ الطَّعامَ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وحَمَّلَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنهم بَعِيرًا بِعِدَّتِهِمْ.
﴿ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي بِنْيامِينَ وكانَ أخا يُوسُفَ لِأبِيهِ وأُمِّهِ.
قالَ السُّدِّيُّ: أدْخَلَهُمُ الدّارَ وقالَ: قَدِ اسْتَرَبْتُ بِكم -تَنَكَّرُ عَلَيْهِمْ- فَأخْبِرُونِي مَن أنْتُمْ فَإنِّي أخافُ أنْ تَكُونُوا عُيُونًا ؟
فَذَكَرُوا حالَ أبِيهِمْ وحالَهَمْ وحالَ يُوسُفَ وحالَ أخِيهِ وتَخَلُّفِهِ مَعَ أبِيهِ، فَقالَ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فائْتُونِي بِهَذا الأخِ الَّذِي لَكم مِن أبِيكم، وأظْهَرَ لَهم أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَسْتَبْرِئَ بِهِ أحْوالَهم.
وَقِيلَ: بَلْ وصَفُوا لَهُ أنَّهُ أحَبُّ إلى أبِيهِمْ مِنهم، فَأظْهَرَ لَهم مَحَبَّةَ رُؤْيَتِهِ.
﴿ ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرْخَصَ لَهم في السِّعْرِ فَصارَ زِيادَةً في الكَيْلِ.
الثّانِي: أنَّهُ كالَ لَهم بِمِكْيالٍ وافٍ.
﴿ وَأنا خَيْرُ المُنْزِلِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي خَيْرُ المُضِيفِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: وهو مُحْتَمَلٌ، خَيْرُ مَن نَزَلْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ المَأْمُونِينَ.
فَهو عَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ مَأْخُوذٌ مِنَ النُّزُلِ وهو الطَّعامُ، وعَلى التَّأْوِيلِ الثّانِي مَأْخُوذٌ مِنَ المَنزِلِ وهو الدّارُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ﴾ يَعْنِي فِيما بَعْدُ؛ لِأنَّهُ قَدْ وفّاهم كَيْلَهم في هَذِهِ الحالِ.
﴿ وَلا تَقْرَبُونِ ﴾ أيْ لا أُنْزِلُكم عِنْدِي مَنزِلَةَ القَرِيبِ.
وَلَمْ يُرِدْ أنْ يَبْعُدُوا مِنهُ ولا يَعُودُوا إلَيْهِ لِأنَّهُ عَلى العَوْدِ حَثَّهم.
قالَ السُّدِّيُّ: وطَلَبُ مِنهم رَهِينَةً حَتّى يَرْجِعُوا، فارْتَهَنَ شَمْعُونَ عِنْدَهُ.
قالَ الكَلْبِيُّ: إنَّما اخْتارَ شَمْعُونَ مِنهم لِأنَّهُ يَوْمَ الجُبِّ كانَ أجْمَلَهم قَوْلًا وأحْسَنَهم رَأْيًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ ﴾ والمُراوَدَةُ الِاجْتِهادُ في الطَّلَبِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الإرادَةِ.
﴿ وَإنّا لَفاعِلُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وإنّا لَفاعِلُونَ مُراوَدَةَ أبِيهِ وطَلَبَهُ مِنهُ.
الثّانِي: وإنّا لَفاعِلُونَ لِلْعَوْدِ إلَيْهِ بِأخِيهِمْ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ اسْتَجازَ يُوسُفُ إدْخالَ الحُزْنِ عَلى أبِيهِ بِطَلَبِ أخِيهِ؟
قِيلَ عَنْ هَذا أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أمَرَهُ بِذَلِكَ ابْتِلاءً لِيَعْقُوبَ لِيُعَظِّمَ لَهُ الثَّوابَ فاتَّبَعَ أمْرَهُ فِيهِ.
الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أرادَ بِذَلِكَ أنْ يُنَبِّهَ يَعْقُوبَ عَلى حالِ يُوسُفَ.
الثّالِثُ: لِتُضاعَفَ المَسَرَّةُ لِيَعْقُوبَ بِرُجُوعِ ولَدَيْهِ عَلَيْهِ.
والرّابِعُ: لِيُقَدِّمَ سُرُورَ أخِيهِ بِالِاجْتِماعِ مَعَهُ قَبْلَ إخْوَتِهِ لِمَيْلِهِ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ﴿ لِفِتْيانِهِ ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم غِلْمانُهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ كالُوا لَهُمُ الطَّعامَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَفِي بِضاعَتِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها ورِقُهُمُ الَّتِي ابْتاعُوا الطَّعامَ بِها.
الثّانِي: أنَّها كانَتْ ثَمانِيَةَ جُرُبٍ فِيها سَوِيقُ المُقْلِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى بِرَدِّ بِضاعَتِهِمْ إلَيْهِمْ عَلى أنَّ أعْمالَ العِبادِ تَعُودُ إلَيْهِمْ فِيما يُثابُونَ إلَيْهِ مِنَ الطّاعاتِ ويُعاقَبُونَ عَلَيْهِ مِنَ المَعاصِي.
﴿ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها ﴾ أيْ لِيَعْرِفُوها.
و ﴿ إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ ﴾ يَعْنِي رَجَعُوا إلى أهْلِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ .
﴿ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ أيْ لِيَرْجِعُوا.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ فَعَلَ ذَلِكَ يُوسُفُ؟
قِيلَ: يَحْتَمِلُ أوْجُهًا خَمْسَةً: أحَدُها: تَرْغِيبًا لَهم لِيَرْجِعُوا، عَلى ما صَرَّحَ بِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ عَلِمَ مِنهم أنَّهم لا يَسْتَحِلُّونَ إمْساكَها، وأنَّهم يَرْجِعُونَ لِتَعْرِيفِها.
الثّالِثُ: لِيَعْلَمُوا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ طَلَبُهُ لِعَوْدِهِمْ طَمَعًا في أمْوالِهِمْ.
الرّابِعُ: أنَّهُ خَشِيَ أنْ لا يَكُونَ عِنْدَ أبِيهِ غَيْرُها لِلْقَحْطِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ.
الخامِسُ: أنَّهُ تَحَرَّجَ أنْ يَأْخُذَ مِن أبِيهِ وإخْوَتِهِ ثَمَنَ قُوتِهِمْ مَعَ شِدَّةِ حاجَتِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"