الإسلام > القرآن > تفسير > الماوردي > سورة 38 ص > الآيات ٥٥-٦٤
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ ﴾ أيْ مِنهُ حَمِيمٌ ومِنهُ غَسّاقٌ والحَمِيمُ الحارُّ، وفي الغَسّاقِ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ البارِدُ الزَّمْهَرِيرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ فَكَأنَّهم عُذِّبُوا بِحارِّ التُّرابِ وبارِدِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ القَيْحُ الَّذِي يَسِيلُ مِن جُلُودِهِمْ، قالَهُ عَطِيَّةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ دُمُوعُهُمُ الَّتِي تَسِيلُ مِن أعْيُنِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: أنَّها عَيْنٌ في جَهَنَّمَ تَسِيلُ إلَيْها حِمَّةُ كُلِّ ذِي حِمَّةٍ مِن حَيَّةٍ أوْ عَقْرَبٍ، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ.
الخامِسُ: أنَّهُ المُنْتِنُ، رَواهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ مَرْفُوعًا.
السّادِسُ: أنَّهُ السَّوادُ والظُّلْمَةُ وهو ضِدُّ ما يُرادُ مِن صَفاءِ الشَّرابِ ورِقَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
وَفي هَذا الِاسْمِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حَكاهُ النَّقّاشُ أنَّهُ بِلُغَةِ التُّرْكِ.
الثّانِي: حَكاهُ ابْنُ بَحْرٍ وابْنُ عِيسى أنَّهُ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ واخْتُلِفَ في اشْتِقاقِهِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِنَ الغَسَقِ وهو الظُّلْمَةُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّانِي: مِن غَسَقَتِ القُرْحَةُ تَغْسِقُ غَسَقًا.
إذا جَرَتْ، وأنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ الشّاعِرِ فالعَيْنُ مَطْرُوقَةٌ لِبَيْنِهِمْ تَغْسِقُ في غُرْبَةِ سِرِّها وَإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عِيسى.
وَفِي " غَسّاقٌ " قِراءَتانِ بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ مَعْناهُما واحِدٌ، قالَهُ الأخْفَشُ.
الثّانِي: مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ والمُرادُ بِالتَّخْفِيفِ الِاسْمُ وبِالتَّشْدِيدِ الفِعْلُ وقِيلَ إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، وتَقْدِيرُهُ: هَذا حَمِيمٌ وهَذا غَسّاقٌ فَلْيَذُوقُوهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُهُما: وآخَرُ مِن شِكْلِ العَذابِ أنْواعٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: وآخَرُ مِن شِكْلِ عَذابِ الدُّنْيا أنْواعٌ في الآخِرَةِ لَمْ تُرَ في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الزَّمْهَرِيرُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وَفي الأزْواجِ هُنا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْواعٌ.
الثّانِي: ألْوانٌ.
الثّالِثُ: مَجْمُوعَةٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ ﴾ فَوْجٌ بَعْدَ فَوْجٍ أيْ قَوْمٌ بَعْدَ قَوْمٍ، مُقْتَحِمُونَ النّارَ أيْ يَدْخُلُونَها.
وَفي الفَوْجِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم بَنُو إبْلِيسَ.
والثّانِي: بَنُو آدَمَ، قالَهُ الحَسَنُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ كِلا الفَوْجَيْنِ بَنُو آدَمَ إلّا أنَّ الأوَّلَ الرُّؤَساءُ والثّانِي الأتْباعُ.
وَحَكى النَّقّاشُ أنَّ الفَوْجَ الأوَّلَ قادَةُ المُشْرِكِينَ ومَطْعُمُوهم يَوْمَ بَدْرٍ، والفَوْجُ الثّانِي أتْباعُهم بِبَدْرٍ.
وَفِي القائِلِ ﴿ هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المَلائِكَةُ قالُوا لِبَنِي إبْلِيسَ لَمّا تَقَدَّمُوا في النّارِ هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكم إشارَةٌ لِبَنِي آدَمَ حِينَ دَخَلُوها.
قالَ بَنُو إبْلِيسَ ﴿ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُو النّارِ ﴾ ﴿ قالُوا ﴾ أيْ بَنُو آدَمَ: ﴿ بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ القَرارُ ﴾ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ اللَّهَ قالَ لِلْفَوْجِ الأوَّلِ حِينَ أمَرَ بِدُخُولِ الفَوْجِ الثّانِي: ﴿ هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ ﴾ فَأجابُوهُ ﴿ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إنَّهم صالُو النّارِ ﴾ فَأجابَهُمُ الفَوْجُ الثّانِي ﴿ بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أنْتُمْ شَرَعْتُمُوهُ لَنا وجَعَلْتُمْ لَنا إلَيْهِ قَدَمًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: قَدَّمْتُمْ لَنا هَذا العَذابَ بِما أضْلَلْتُمُونا عَنِ الهُدى ﴿ فَبِئْسَ القَرارُ ﴾ أيْ بِئْسَ الدّارُ النّارُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنْتُمْ قَدَّمْتُمْ لَنا الكُفْرَ الَّذِي اسْتَوْجَبْنا بِهِ هَذا العَذابَ في النّارِ، حَكاهُ ابْنُ زِيادٍ.
﴿ قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا ﴾ الآيَةَ.
يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَهُ الفَوْجُ الأوَّلُ جَوابًا لِلْفَوْجِ الثّانِي.
الثّانِي: قالَهُ الفَوْجُ تَبَعًا لِكَلامِهِمُ الأوَّلِ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِمْ عِنْدَ التَّكْذِيبِ.
وَفي تَأْوِيلِ ﴿ مَن قَدَّمَ لَنا هَذا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَن سَنَّهُ وشَرَعَهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: مَن زَيَّنَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والمَرْحَبُ والرُّحْبُ: السَّعَةُ ومِنهُ سُمِّيَتِ الرَّحْبَةُ لِسِعَتِها ومَعْناهُ لا اتَّسَعَتْ لَكم أماكِنُكُمْ; وأنْشَدَ الأخْفَشُ قَوْلَ أبِي الأسْوَدِ: إذا جِئْتَ بَوّابًا لَهُ قالَ مَرْحَبًا ∗∗∗ ألا مَرْحَبًا وادِيكَ غَيْرَ مُضَيَّقِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالا ﴾ الآيَةَ.
قالَ مُجاهِدٌ هَذا يَقُولُهُ أبُو جَهْلٍ وأشْياعُهُ في النّارِ: ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم في الدَّنْيا مِنَ الأشْرارِ لا نَرى عَمّارًا وخَبّابًا وصُهَيْبًا وبِلالًا.
﴿ أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا ﴾ قالَ مُجاهِدٌ اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا في الدُّنْيا فَأخْطَأْنا.
﴿ أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ ﴾ فَلَمْ نَعْلَمْ مَكانَهم.
قالَ الحَسَنُ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلُوا اتَّخَذُوهم سِخْرِيًّا وزاغَتْ عَنْهم أبْصارُهم مُحَقِّرَةً لَهم.
وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَن كَسَرَ سِخْرِيًّا جَعَلَهُ مِنَ الهُزْءِ، ومَن ضَمَّهُ جَعَلَهُ مِنَ التَّسْخِيرِ ﴿ أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ ﴾ يَعْنِي أهم مَعَنا في النّارِ أمْ زاغَتْ أبْصارُنا فَلا نَراهم وإنْ كانُوا مَعَنا.
<div class="verse-tafsir"