الإسلام > القرآن > تفسير > الماوردي > سورة 71 نوح > الآيات ٥-٢٠
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 7 دقيقة قراءة﴿ قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا ونَهارًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: دَعْوَتُهم لِيَعْبُدُوكَ لَيْلًا ونَهارًا.
الثّانِي: دَعْوَتُهم لَيْلًا ونَهارًا إلى عِبادَتِكَ.
﴿ فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلا فِرارًا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إلّا فِرارًا مِن طاعَتِكَ.
الثّانِي: فِرارًا مِن إجابَتِي إلى عِبادَتِكَ.
قالَ قَتادَةُ: بَلَغَنِي أنَّهُ كانَ يَذْهَبُ الرَّجُلُ بِابْنِهِ إلى نُوحٍ، فَيَقُولُ لِابْنِهِ: احْذَرْ هَذا لا يَغُرَّنَّكَ فَإنَّ أبِي قَدْ ذَهَبَ بِي إلَيْهِ وأنا مِثْلُكَ، فَحَذَّرَنِي كَما حَذَّرْتُكَ.
﴿ وَإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي كُلَّما دَعَوْتُهم إلى الإيمانِ لِتَغْفِرَ لَهم ما تَقَدَّمَ مِنَ الشِّرْكِ.
﴿ جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ ﴾ لِئَلّا يَسْمَعُوا دُعاءَهُ لِيُؤَيِّسُوهُ مِن إجابَةِ ما لَمْ يَسْمَعُوهُ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: كانَ حَلِيمًا صَبُورًا.
﴿ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ ﴾ أيْ غَطُّوا رُؤُسَهم وتَنَكَّرُوا لِئَلّا يَعْرِفَهم.
﴿ وَأصَرُّوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ إقامَتُهم عَلى الكُفْرِ، قالَ قَتادَةُ: قُدُمًا قُدُمًا في مَعاصِي اللَّهِ لِتَهائِهِمْ عَنْ مَخافَةِ اللَّهِ حَتّى جاءَهم أمْرُ اللَّهِ.
الثّانِي: الإصْرارُ: أنْ يَأْتِيَ الذَّنْبَ عَمْدًا، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: مَعْناهُ أنَّهم سَكَتُوا عَلى ذُنُوبِهِمْ فَلَمْ يَسْتَغْفِرُوا قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ كُفْرُهم بِاَللَّهِ وتَكْذِيبُهم لِنُوحٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ تَرْكُهُمُ التَّوْبَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَوْلُهُ ( ﴿ اسْتِكْبارًا ﴾ ) تَفْخِيمٌ.
﴿ ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا ﴾ أيْ مُجاهَرَةً يَرى بَعْضُهم بَعْضًا.
﴿ ثُمَّ إنِّي أعْلَنْتُ لَهُمْ ﴾ يَعْنِي الدُّعاءَ، قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ صِحْتُ.
﴿ وَأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا ﴾ الدُّعاءُ عَنْ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ دَعاهم في وقْتٍ سِرًّا، وفي وقْتٍ جَهْرًا.
الثّانِي: دَعا بَعْضَهم سِرًّا وبَعْضَهم جَهْرًا، وكُلُّ هَذا مِن نُوحٍ مُبالَغَةً في الدُّعاءِ وتَلَطُّفًا في الِاسْتِدْعاءِ.
﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا ﴾ وهَذا فِيهِ تَرْغِيبٌ في التَّوْبَةِ، وقَدْ رَوى حُذَيْفَةُ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: ( «اَلِاسْتِغْفارُ مَمْحاةٌ لِلذُّنُوبِ» ) .
وقالَ الفُضَيْلُ: يَقُولُ العَبْدُ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ، قالَ: وتَفْسِيرُها أقَلَّنِي.
﴿ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ﴾ يَعْنِي غَيْثًا مُتَتابِعًا، وقِيلَ إنَّهم كانُوا قَدْ أجْدَبُوا أرْبَعِينَ سَنَةً، حَتّى أذْهَبَ الجَدْبُ أمْوالَهم وانْقَطَعَ الوَلَدُ عَنْ نِسائِهِمْ، فَقالَ تَرْغِيبًا في الإيمانِ.
﴿ وَيُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا ﴾ قالَ قَتادَةُ: عَلِمَ نَبِيُّ اللَّهِ نُوحٌ أنَّهُمُ أهْلُ حِرْصٍ عَلى الدُّنْيا، فَقالَ هَلُمُّوا إلى طاعَةِ اللَّهِ فَإنَّ مِن طاعَتِهِ دَرْكَ الدُّنْيا والآخِرَةِ.
﴿ ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ما لَكَمَ لا تَعْرِفُونَ لِلَّهِ عَظْمَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ.
الثّانِي: لا تَخْشَوْنَ لِلَّهِ عِقابًا وتَرْجُونَ مِنهُ ثَوابًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ ابْنِ جُبَيْرٍ.
الثّالِثُ: لا تَعْرِفُونَ لِلَّهِ حَقَّهُ ولا تَشْكُرُونَ لَهُ نِعَمَهُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: لا تُؤَدُّونَ لِلَّهِ طاعَةً، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الخامِسُ: أنَّ الوَقارَ الثَّباتُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ ﴾ أيِ اثْبُتْنَ، ومَعْناهُ لا تُثْبِتُونَ وحْدانِيَّةَ اللَّهِ وأنَّهُ إلَهُكُمُ الَّذِي لا إلَهَ لَكم سِواهُ، قالَ ابْنُ بَحْرٍ: دَلَّهم عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ وَقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا ﴾ في وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي طَوْرًا نُطْفَةً، ثُمَّ طَوْرًا عَلَقَةً، ثُمَّ طَوْرًا مُضْغَةً، ثُمَّ طَوْرًا عَظْمًا، ثُمَّ كَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا، ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ أنَّبَتْنا لَهُ الشَّعْرَ وكَمُلَتْ لَهُ الصُّورَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّ الأطْوارَ اخْتِلافُهم في الطُّولِ والقِصَرِ، والقُوَّةِ والضَّعْفِ والهَمِّ والتَّصَرُّفِ، والغِنى والفَقْرِ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الأطْوارَ اخْتِلافُهم في الأخْلاقِ والأفْعالِ.
﴿ ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُنَّ سَبْعُ سَمَواتٍ عَلى سَبْعِ أرَضِينَ، بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ وأرْضٍ خَلْقٌ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّانِي: أنَّهُنَّ سَبْعُ سَمَواتٍ طِباقًا بَعْضُهُنَّ فَوْقَ بَعْضٍ، كالقِبابِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
﴿ وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا لِأهْلِ الأرْضِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا لِأهْلِ السَّماءِ والأرْضِ، قالَهُ عَطاءٌ.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجْهُهُ يُضِيءُ لِأهْلِ الأرْضِ، وظَهْرُهُ يُضِيءُ لِأهْلِ السَّماءِ.
﴿ وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا ﴾ يَعْنِي مِصْباحًا لِأهْلِ الأرْضِ، وفي إضافَتِهِ لِأهْلِ السَّماءِ القَوْلانِ الأوَّلانِ.
﴿ واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي آدَمَ خَلَقَهُ مِن أدِيمِ الأرْضِ كُلِّها، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: خُلِقَ الإنْسانُ مِن طِينٍ، فَإنَّما تَلِينُ القُلُوبُ في الشِّتاءِ.
الثّانِي: أنَّبَتْهم مِنَ الأرْضِ بِالكِبَرِ بَعْدَ الصِّغَرِ، وبِالطُّولِ بَعْدَ القِصَرِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
الثّالِثُ: أنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ أنْشَأهم بِاغْتِذاءِ ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ وبِما فِيها، وهو مُحْتَمَلٌ.
﴿ ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ﴾ يَعْنِي أمْواتًا في القُبُورِ.
﴿ وَيُخْرِجُكم إخْراجًا ﴾ لِنُشُورٍ بِالبَعْثِ.
﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا ﴾ أيْ مَبْسُوطَةٌ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّها مَبْسُوطَةٌ.
﴿ لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلا فِجاجًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: طُرُقًا مُخْتَلِفَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: طُرُقًا واسِعَةً، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.
الثّالِثُ: طُرُقًا أعْلامًا، قالَهُ قَتادَةُ.
<div class="verse-tafsir"