تفسير سورة يونس الآيات ٣-٤ عند المحرر الوجيز

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 10 يونس > الآيات ٣-٤

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ إِذْنِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٣ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا ۚ إِنَّهُۥ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ بِٱلْقِسْطِ ۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ شَرَابٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ ٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبَّكُمُ فاعْبُدُوهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا وعْدَ اللهِ حَقًّا إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ بِالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ هَذا ابْتِداءُ دُعاءٍ إلى عِبادَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وإعْلامٍ بِصِفاتِهِ، والخِطابُ بِها لِجَمِيعِ الناسِ، و ﴿ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ ﴾ هو عَلى ما تَقَرَّرَ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ الأرْضَ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَماءِ وهي دُخانٌ فَخَلَقَها ثُمَّ دَحى الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فِي سِتَّةِ أيّامٍ ﴾ قِيلَ: هي مِن أيّامِ الآخِرَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ -وَهُوَ الصَوابُ-: بَلْ مِن أيّامِ الدُنْيا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ في التَقْدِيرِ، لِأنَّ الشَمْسَ وجَرْيَها لَمْ يَتَقَدَّمْ حِينَئِذٍ، وقَوْلُ النَبِيِّ  في خَلْقِ اللهِ المَخْلُوقاتِ: "إنَّ اللهَ ابْتَدَأ يَوْمَ الأحَدِ كَذا ويَوْمَ كَذا كَذا" إنَّما هو عَلى أنْ نُقَدِّرَ ذَلِكَ الزَمانَ ونَعْكِسَ إلَيْهِ التَجْرِبَةَ مِن حِينِ ابْتَدَأ تَرْتِيبُ اليَوْمِ واللَيْلَةِ.

والمَشْهُورُ أنَّ اللهَ ابْتَدَأ بِالخَلْقِ يَوْمَ الأحَدِ، ووَقَعَ في بَعْضِ الأحادِيثِ في كَتابِ مُسْلِمٍ، وفي الدَلائِلِ أنَّ البُداءَةَ وقَعَتْ يَوْمَ السَبْتِ، وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ أنَّ الحِكْمَةَ في خَلْقِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى هَذِهِ الأشْياءَ في مُدَّةٍ مَحْدُودَةٍ مُمْتَدَّةٍ وفي القُدْرَةِ أنْ يَقُولَ كُنْ فَيَكُونُ إنَّما هو لِيُعَلِّمَ عِبادَهُ التُؤَدَةَ والتَماهُلَ في الأُمُورِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِمّا لا يُوصَلُ تَعْلِيلُهُ، وعَلى هَذا هي الأجِنَّةُ في البُطُونِ وخَلْقُ الثِمارِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، واللهِ عَزَّ وجَلَّ قَدْ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا وهو أعْلَمُ بِوَجْهِ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في ﴿ المص  ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ يَصِحُّ أنْ يُرِيدَ بِـ "الأمْرَ" اسْمَ الجِنْسِ مِنَ الأُمُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الأمْرَ الَّذِي هو مَصْدَرُ أمَرَ يَأْمُرُ أمْرًا، وتَدْبِيرُهُ لا إلَهَ إلّا هو إنَّما هو الإنْفاذُ لِأنَّهُ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.

وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ مَعْناهُ: يَقْضِيهِ وحْدَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ﴾ رَدٌّ عَلى العَرَبِ في اعْتِقادِها أنَّ الأصْنامَ تَشْفَعُ لَها، وقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكُمُ ﴾ إشارَةٌ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، أيْ هَذا الَّذِي هَذِهِ صِفاتُهُ فاعْبُدُوهُ، ثُمَّ قَرَّرَهم عَلى هَذِهِ الآياتِ والعِبَرِ فَقالَ: ﴿ أفَلا تَذَكَّرُونَ ﴾ أيْ: فَيَكُونُ التَذَكُّرُ سَبَبًا لِلِاهْتِداءِ.

واخْتِصارُ القَوْلِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ﴾ أنْ يَكُونَ اسْتَوى بِقَهْرِهِ وغَلَبَتِهِ / وإمّا أنْ يَكُونَ "اسْتَوى" بِمَعْنى اسْتَوْلى إنْ صَحَّتِ اللَفْظَةُ في اللِسانِ، فَقَدْ قِيلَ في قَوْلِ الشاعِرِ: قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ ∗∗∗ مِن غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْراقِ إنَّهُ بَيْتٌ مَصْنُوعٌ وإمّا أنْ يَكُونَ فَعَلَ فِعْلًا في العَرْشِ سَمّاهُ اسْتَوى.

واسْتِيعابُ القَوْلِ قَدْ تَقَدَّمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا ﴾ الآيَةُ آيَةُ إنْباءٍ بِالبَعْثِ مِنَ القُبُورِ، وهي مِنَ الأُمُورِ الَّتِي جَوَّزَها العَقْلُ وأثْبَتَ وُقُوعَها الشَرْعُ.

وقَوْلُهُ: "جَمِيعًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "مَرْجِعُكُمْ"، "وَعْدَ اللهِ" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "حَقًّا"، وقالَ أبُو الفَتْحِ: "حَقًّا" نَعْتٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إنَّهُ" بِكَسْرِ الألِفِ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، والأعْمَشُ، وسَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ، وعَبْدُ اللهِ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الألِفِ، ومَوْضِعُها النَصْبُ عَلى تَقْدِيرِ: أُحِقُّ أنَّهُ، وقالَ الفَرّاءُ: مَوْضِعُها رَفْعٌ عَلى تَقْدِيرِ: يَحِقُّ أنَّهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ "أنَّهُ" بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَعْدَ اللهِ ﴾ ، قالَ أبُو الفَتْحِ: إنْ شِئْتَ قَدَّرْتَ: لِأنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ، أيْ: فَمَن في قُدْرَتِهِ هَذا فَهو غَنِيٌّ عن إخْلافِ الوَعْدِ، وإنْ شِئْتَ قَدَّرْتَهُ: وعَدَ اللهُ حَقًّا أنَّهُ، ولا يَعْمَلُ فِيهِ المَصْدَرُ الَّذِي هو "وَعْدَ" لِأنَّهُ قَدْ وُصِفَ فَآذَنَ ذَلِكَ بِتَمامِهِ وقَطَعَ عَمَلَهُ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ "حَقٌّ" بِالرَفْعِ، فَهو ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ "أنَّهُ"، وقَوْلُهُ: ﴿ يَبْدَأُ الخَلْقَ ﴾ يُرِيدُ النَشْأةَ الأُولى، والإعادَةُ هي البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "يُبْدِئُ الخَلْقَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدالِ، وقَوْلُهُ: "لِيَجْزِيَ" هي لامُ كَيْ، والمَعْنى أنَّ الإعادَةَ إنَّما هي لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ، وقَوْلُهُ: "بِالقِسْطِ" أيْ بِالعَدْلِ في رَحْمَتِهِمْ وحُسْنِ جَزائِهِمْ، وقَوْلِهِ: ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ابْتِداءٌ، والحَمِيمُ: الحارُّ المُسَخَّنُ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، ومِنهُ الحُمامُ والحُمَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ المُرَقَّشِ: في كُلِّ يَوْمٍ لَها مِقْطَرَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ وكِباءٌ مُعَدَّةٌ وحَمِيمُ وحَمِيمُ النارِ -فِيما ذُكِرَ عن رَسُولِ اللهِ  - إذا أدْناهُ الكافِرُ مِن فِيهِ تَساقَطَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، وهو كَما وصَفَهُ اللهُ تَعالى: ﴿ يَشْوِي الوُجُوهَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده