الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 4 النساء > الآيات ١٧٤-١٧٥
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا ﴾ ﴿ يا أيُّها الناسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا ﴾ ﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ واعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ .
هَذا وعِيدٌ لِلْمُسْتَنْكِفِينَ؛ الَّذِينَ يَدَعُونَ عِبادَةَ اللهِ أنَفَةً؛ وتَكَبُّرًا؛ وهَذا الِاسْتِنْكافُ إنَّما يَكُونُ مِنَ الكُفّارِ عَنِ اتِّباعِ الأنْبِياءِ؛ وما جَرى مُجْراهُ؛ كَفِعْلِ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ؛ وأخِيهِ أبِي ياسِرٍ؛ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وكَفِعْلِ أبِي جَهْلٍ؛ وغَيْرِهِ؛ وإلّا فَإذا فَرَضْتَ أحَدًا مِنَ البَشَرِ عَرَفَ اللهَ تَعالى ؛ فَمُحالٌ أنْ تَجِدَهُ يَكْفُرُ بِهِ تَكَبُّرًا عَلَيْهِ؛ والعِنادُ المُجَوَّزُ إنَّما يَسُوقُ إلَيْهِ الِاسْتِكْبارُ عَنِ البَشَرِ؛ ومَعَ تَقارُبِ المَنازِلِ في ظَنِّ المُتَكَبِّرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الناسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ ﴾ اَلْآيَةَ؛ إشارَةٌ إلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والبُرْهانُ: اَلْحُجَّةُ النَيِّرَةُ؛ الواضِحَةُ؛ الَّتِي تُعْطِي اليَقِينَ التامَّ؛ والمَعْنى: قَدْ جاءَكم مُقْتَرِنًا بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بُرْهانٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى صِحَّةٍ ما يَدْعُوكم إلَيْهِ؛ وفَسادِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ النِحَلِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا ﴾ ؛ يَعْنِي القُرْآنَ؛ فِيهِ بَيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ؛ وهو الواعِظُ الزاجِرُ؛ الناهِي الآمِرُ.
ثُمَّ وعَدَ - تَبارَكَ وتَعالى - المُؤْمِنِينَ بِاللهِ؛ المُعْتَصِمِينَ بِهِ؛ والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ؛ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "نُورًا مُبِينًا"؛ ﴾ والِاعْتِصامُ بِهِ: اَلتَّمَسُّكُ بِسَبَبِهِ؛ وطَلَبُ النَجاةِ والمَنَعَةِ بِهِ؛ فَهو يَعْصِمُ كَما تَعْصِمُ المَعاقِلُ؛ وهَذا قَدْ فَسَّرَهُ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "اَلْقُرْآنُ حَبْلُ اللهِ المَتِينُ؛ مَن تَمَسَّكَ بِهِ عُصِمَ".» والفَضْلُ: اَلْجَنَّةُ؛ ونَعِيمُها؛ و"يَهْدِيهِمْ"؛ مَعْناهُ: إلى الفَضْلِ؛ وهَذِهِ هِدايَةُ طَرِيقِ الجِنانِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ ﴾ ؛ لِأنَّ هِدايَةَ الإرْشادِ قَدْ تَقَدَّمَتْ؛ وتَحَصَّلَتْ حِينَ آمَنُوا بِاللهِ تَعالى ؛ واعْتَصَمُوا بِكِتابِهِ.
و"صِراطًا"؛ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "يَهْدِيهِمْ"؛ تَقْدِيرُهُ: فَيُعَرِّفُهُمْ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ كالمَفْعُولِ الثانِي؛ إذْ "وَيَهْدِيهِمْ"؛ في مَعْنى: "يُعَرِّفُهُمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى ظَرْفِيَّةٍ ما؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "إلَيْهِ"؛ وقِيلَ: مِن "وَفَضْلٍ"؛ والصِراطُ: اَلطَّرِيقُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
<div class="verse-tafsir"