الإسلام > القرآن > تفسير > الوسيط > سورة 8 الأنفال > الآية ٣٦
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةثم حكى - سبحانه - ما كانوا يفعلونه من إنفاق أموالهم لا فى الخير ولكن فى الشرور والآثام وتوعدهم على ذلك بسوء المصير فقال - تعالى - : ( إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ الله فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ والذين كفروا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ..
) .روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما ذكره محمد بن إسحاق عن الزهرى وغيره قالوا : لما أصيبت قريش يوم بدر ، ورجع فلُّهم - أى جيشهم المهزوم - إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره ، مشى عبد الله بن ربيعة وعكرمة بن أبى جهل ، وصفوان بن أمية فى رجال من قريش أصيب آباؤهم وأنباؤهم وإخوانهم فى بدر ، فكلموا أبا سفيان بن حرب ، ومن كانت له فى تلك العير من قريش تجارة ، فقالوا : يا معشر قريش إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم ، فأعينونا بها المال على حربه ، لعلنا أن ندرك منه ثأراً بمن أصيب منا .
ففلعوا .
قال : ففيهم - كما ذكر عن ابن عباس - أنزل الله - تعالى - ( إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ الله .
.
) الآية .وروى ابن جرير عن سعيد بن جبرير قال : نزلت فى أبى سفيان بن حرب ، استأجر يوم غزوة أحد ألفين من الأحابيش من بنى كنانة ، فقاتل بهم النبى - صلى الله عليه وسلم - :وروى عن الكلبى والضحاك ومقاتل أنها نزلت فى المطعمين يوم بدر ، وكانوا اثنى عشر رجلا من قريش .
.
.
كان كل واحد منهم يطعم الناس كل يوم عشر جزر .قال ابن كثير : وعلى كل تقدير فهى عامة وإن كان سبب نزولها خاصا .أى : أن الآية الكريمة تتناول بوعديها كل من يبذل أمواله فى الصد عن سبيل الله ، وفى تأييد الباطل ومعارضة الحق .المعنى : أن الذين كفروا بالحق لما جاءهم ( يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ) لافى جوه الخير ، وإنما ينفقونها ( لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ الله ) أى : ينفقونها ليمنعوا الناس عن الدخول فى الدين الذى يوصلهم إلى رضا الله وغلى طريقه القويم .واللام فى قوله : ( لِيَصُدُّواْ ) لام الصيرورة ، ويصح أن تكون للتعليل؛ لأن غرضهم منع الناس عن الدخول فى دين الله الذى جاء به النبى - صلى الله عليه وسلم - ، والذى يرونه ديناً مخالفاً لما كان عليه الآباء والأجداد فيجب محاربته فى زعمهم .وقوله : ( فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ .
.
.
) بيان لما سيؤول إليه أمرهم فى الدنيا من الخيبة والهزيمة والندامة .أى : فيسنفقون هذه الأموال فى الشرور والعدوان ، ثم تكون عاقبة ذلك حسرة وندامة عليهم ، لأنهم لم يصلوا - ولن يصلوا - من وراء إنفاقها إلى ما يبغون ويؤملون .
وفضلا عن كل هذا فستكون نهايتهم الهزيمة والإِذلال فى الدنيا ، لأن سنة الله قد اقتضت أن يجعل النصر فى النهاية لأتباع الحق لالأتباع الباطل .وقوله : ( فَسَيُنفِقُونَهَا ) خبر إن فى قوله ( إِنَّ الذين كَفَرُواْ .
.
) واقترن الخبر بالفاء لتضمن المبتدأ الموصول مع صلته معنى الشرط ، فصار الخبر بمنزلة الجزاء بحسب المعنى .وفى تكرير الإِنفاق فى شبه الشرط والجزاء ، إشعار بكمال سوء إنفاقهم ، حيث إنهم لم ينفقوا أموالهم فى خير أو ما يشبه الخير ، وإنما أنفقوها فى الشرور المحضة .وجاء العطف بحرف ( ثُمَّ ) للدلالة على البون الشاسع بين ما قصدوه من نفقتهم وبين ما آل ويئول إليه أمرهم .
فهم قد قصوا بنفقتهم الوقوف فى وجه الحق والانتصار على المؤمنين .
.
ولكن هذا القصد ذهب أدراج الرياح ، فقد ذهبت أموالهم سدى ، وغلبوا المرة بعد المرة ، وعاد المؤمنون إلى مكة فاتحين ظافرين بعد أن خرجوا منها مهاجرين .وقوله : ( والذين كفروا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ) بيان لسوء مصيرهم فى الآخرة ، بعد بيان حسرتهم وهزيمتهم فى الدنيا .أى : أن هؤلاء الكافرين ستكون عاقبة إنفاقهم لأموالهم الحسرة والهزيمة فى الدنيا ، أما فى الآخرة فسيكون مصيرهم الحشر والسوق إلى نار جهنم لا إلى غيرها .