تفسير سورة الأنفال الآية ٧٢ عند الوسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > الوسيط > سورة 8 الأنفال > الآية ٧٢

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَـٰٓئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يُهَاجِرُوا۟ مَا لَكُم مِّن وَلَـٰيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ ۚ وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌۭ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ ٧٢

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

ثم ختم الله - تعالى - سورة الأنفال بالحديث عن علاقة المسلمين بعضهم بببعض ، وعن علاقتهم بغيرهم من الكفار عن الأحكام المنظمة لهذه العلاقات فقال - تعالى - : ( إِنَّ الذين آمَنُواْ .

.

.

بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) .هذه الآيات الكريمة التى ختم الله - تعالى - بها سورة الأنفال ، وضحت أن المؤمنين فى العهد النبوى أقسام ، وذكرت حكم كل قسم منهم .أما القسم الأول : فهم المهاجرون الأولون أصحاب الهجرة الأولى .وأما القسم الثانى : فهم الأنصار من أهل المدينة .والقسم الثالث : المؤمنون الذين لم يهاجروا .والقسم الرابع : المؤمنون الذين هاجروا بعد صلح الحديبية .وقد عبر - سبحانه - عن القسمين : الأول والثانى بقوله : ( إِنَّ الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله والذين آوَواْ ونصروا ) .أى : ( إِنَّ الذين آمَنُواْ ) بالله - تعالى - حق الإِيمان ( وَهَاجَرُواْ ) أى تركوا ديارهم وأوطانهم وكل نفيس من زينة الحياة الدنيا .

من أجل الفرار بدينهم من فتنة المشركين ، ومن أجل نشر دبن الله فى الأرض ( وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله ) أى : أنهم مع إيمانهم الصادق ، وسبقهم بالهجرة إرضاء الله - تعالى - ، قد بالغوا فى إتعاب أنفسهم من أجل نصرة الحق ، فقدموا ما يملكون من أموال ، وقدموا نفوسهم رخيصة لا فى سبيل عرض من أعراض الدنيا ، وإنما فى سبيل مرضاة الله ونصرة دينه .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هذا القسم الأول من ال مؤمنين وهم الذين سبقوا إلى الهجرة .

بأعظم الصفات وأكرمها .فقد وصفهم بالإِيمان الصادق ، وبالمهاجرة فرار بدينهم من الفتن ، وبالمجاهد بالمال والنفس فى سبيل إعلاء كلمة الله .وقد جاءت هذه الأوصاف الجليلة مرتبة حسب الوقوع ، فإن أول ما حصل منهم هو الإِيمان ، ثم جاءت من بعده الهجرة ، ثم الجهاد .ولعل تقديم المجاهدة بالأموال هنا على المجاهدة بالأنفس ، لأن المجاهدة بالأموال أكثر وقوعا ، وأتم دفعا للحاجة ، حيث لا تتصور المجاهدة بالنفس بلا مجاهدة بالأموال .وقوله ( فِي سَبِيلِ الله ) متعلق بقوله ( وَجَاهَدُواْ ) لإِبراز أن جهادهم لم يكن لأى غرض دنيوى ، وإنما كان من أجل نصرة الحق وإعلاء كلمته - سبحانه - .وقوله : ( والذين آوَواْ ونصروا ) بيان للقسم الثانى من أقسام المؤمنين فى العهد النبوى ، وهم الأنصار من أهل المدينة الذين فتحوا للمهاجرين قلوبهم ، واستقبلوهم أحسن استقبال ، حيث أسكنوهم منازلهم ، وبذلوا لهم أموالهم ، وآثروهم على أانفسهم ، ونصروهم على أعدائهم .فالآية الكريمة قد وصفت الأنصار بوصفين كريمين .أولهما : الإِيواء الذى يتضمن التأمين من الخوف ، إذا المأوى هو المجلأ والمأمن مما يخشى منه ، ومن ذلك قوله - تعالى - ( إِذْ أَوَى الفتية إِلَى الكهف .

.

.

) وقوله - تعالى - ( وَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخَاهُ .

.

.

) ولقد كانت المدينة مأوى وملجأ للمهاجرين ، وكان اهلها مثالا للكرم والإِيثار .

.ثانيهما : النصرة ، لأن أهل المدينة قد نصروا الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرين بكل ما يملكون من وسائل التأييد والمؤازرة ، فقد قاتلوا من قاتلهم ، وعادوا من عاداهم ، ولذا جعل الله - تعالى - حكمهم المهاجرين واحدا فقال : ( أولئك بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ) .فاسم الإِشارة يعود إلى المهاجرين السابقين ، وإلى الانصار .وقوله : ( أَوْلِيَآءُ ) جمع ولى ويطلق على الناصر والمعين والصديق والقريب .

.والمراد بالولاية هنا : الولاية العامة التى تتناول التناصر والتعاون والتوارث .

.أى : أولئك المذكورون الموصوفون بهذه الصفات الفاضلة يتولى بعضهم بعضا فى النصرة والمعاونة والتوارث .

.

.

وغير ذلك ، لأن حقوقهم ومصالحهم مشتركة .قال الالوسى ما ملخصه : " روى عن ابن عباس أن النبى - صلى الله عليه وسلم - آخى بين المهاجرين والأنصار ، فكان المهاجر يرثه أخوه الأنصارى ، إذا لم يكن له بالمدينة ولى مهاجرى وبالعكس ، واستمر أمهرهم على ذلك إلى فتح مكة ثم توارثوا بالنسب بعد إذ لم تكن هجرة .

.

وعليه فالآية منسوخة بقوله - تعالى - بعد ذلك ( وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله .

.

.

) " .وقال الأصم : الآية محكمة ، والمرد الولاية بالنصرة والمظاهرة .والذى نراه أن الولاية هنا عامة فهى تشمل كل ما يحتاج إليه المسلمون فيما بينهم من تعاون وتناصر وتكافل وتوارث وغير ذلك .

.وقوله - تعالى - : ( والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ .

.

.

) بيان لحكم القسم الثالث من أقسام المؤمنين فى العهد النبوى .

.أى : هذا الذى ذكرته لكم قبل ذلك فى الآية هو حكم المهاجرين السابقين والأنصار الذى آووهم ونصروهم أما حكم الذين آمنوا ولم يهاجروا ، وهم المقيمون فى أرض الشرك تحت سلطان المشركين وحكمهم .

فإنهم ليس بينهم وبين المهاجرين والأنصار ولاية إرث ( حتى يُهَاجِرُواْ ) إلى المدينة ، كما أنكم - أيها المؤمنون - لا تنتظروا منهم تعاونا أو مناصرة ، لأنهم بسبب إقامتهم فى أرض الشرك وتحت سلطانه - أصبحوا لا يملكون وسائل المناصرة لكم .ثم قال - تعالى - : ( وَإِنِ استنصروكم فِي الدين فَعَلَيْكُمُ النصر إِلاَّ على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ ) .أى : وان طلب منكم هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا النصرة على أعدائكم فى الدين ، فيجب عليكم أن تنصروهم ، لأنهم إخوانكم فى العقدية ، بشرط ألا يكون بينكم وبين هؤلاء الأعداء عهد ومهادنة ، فإنكم فى هذه الحالة يحظر عليكم نصرة هؤلاء المؤمنين الذين لم يهاجروا ، لأن فى نصرتهم - على من بينكم وبينهم عند - نقضا لهذا العهد .أى : إن نصرتكم لهم إنما تكون على الكفار الحربين لا على الكفار المعاهدين وهذا يدل على رعاية الإِسلام للعهود ، واحترامه للشروط والعقود .قال الجمل : أثبت الله - تعالى - للقسمين الأولين النصرة والإِرث ، ونفى عن هذا القسم الإِرث وأثبت لها النصرة .وقوله : ( والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) تذييل قصد به الترغيب فى طاعة الله ، والتحذير عن مصعيته .أى : والله - تعالى - مطلع على كل أعمالكم فأطيعوه ، ولا تخالفوا أمره .

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.5 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله