تفسير سورة هود الآيات ١٧-١٨ عند زاد المسير

الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 11 هود > الآيات ١٧-١٨

أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌۭ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَـٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًۭا وَرَحْمَةً ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ ٱلْأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُۥ ۚ فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍۢ مِّنْهُ ۚ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ١٧ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ ٱلْأَشْهَـٰدُ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 9 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ﴾ في المُرادِ بِالبَيِّنَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها الدِّينُ قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها رَسُولُ اللَّهِ  ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: البَيانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وفي المُشارِ إلَيْهِ بِـ " مِن " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ  ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ، وهو يُخَرَّجُ عَلى قَوْلِ الضَّحّاكِ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَيَتْلُوهُ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَتْبَعُهُ.

والثّانِي: يَقْرَؤُهُ.

وفي هاءِ " يَتْلُوهُ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى النَّبِيِّ  .

والثّانِي: إلى القُرْآنِ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ  ﴾ .

وَفِي المُرادِ بِالشّاهِدِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ جِبْرِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ وإبْراهِيمُ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ لِسانُ رَسُولِ اللَّهِ  الَّذِي كانَ يَتْلُو القُرْآنَ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.

و " يَتْلُوهُ " بِمَعْنى يَتْبَعُهُ، رَواهُ جَماعَةٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ  هو شاهِدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والخامِسُ: أنَّهُ مَلَكٌ يَحْفَظُهُ ويُسَدِّدُهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والسّادِسُ: أنَّهُ الإنْجِيلُ يَتْلُو القُرْآنَ بِالتَّصْدِيقِ، وإنْ كانَ قَدْ أُنْزِلَ قَبْلَهُ، لِأنَّ النَّبِيَّ  بَشَّرَتْ بِهِ التَّوْراةُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والسّابِعُ: أنَّهُ القُرْآنُ ونَظْمُهُ وإعْجازُهُ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ.

والثّامِنُ: أنَّهُ صُورَةُ رَسُولِ اللَّهِ  ووَجْهُهُ ومَخايِلُهُ، لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ نَظَرَ إلَيْهِ عَلِمَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ  .

وَفِي هاءِ " مِنهُ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: إلى النَّبِيِّ  .

والثّالِثُ: إلى البَيِّنَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن قَبْلِهِ ﴾ في هَذِهِ الهاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى النَّبِيِّ  ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: إلى القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: إلى الإنْجِيلِ، أيْ: ومِن قَبْلِ الإنْجِيلِ ﴿ كِتابُ مُوسى ﴾ يَتْبَعُ مُحَمَّدًا بِالتَّصْدِيقِ لَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: وكانَ مِن قَبْلِ هَذا كِتابُ مُوسى دَلِيلًا عَلى أمْرِ النَّبِيِّ  ، فَيَكُونُ ﴿ كِتابُ مُوسى ﴾ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ﴾ أيْ: ويَتْلُوهُ كِتابُ مُوسى، لِأنَّ مُوسى وعِيسى بَشَّرا بِالنَّبِيِّ  في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.

ونَصْبُ إمامًا عَلى الحالِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ تَتْلُوهُ التَّوْراةُ، وهي قَبْلَهُ ؟

قِيلَ: لَمّا بَشَّرَتْ بِهِ، كانَتْ كَأنَّها تالِيَةً لَهُ، لِأنَّها تَبِعَتْهُ بِالتَّصْدِيقِ لَهُ.

وَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ﴿ كِتابُ مُوسى ﴾ مَفْعُولٌ في المَعْنى، لِأنَّ جِبْرِيلَ تَلاهُ عَلى مُوسى، فارْتَفَعَ الكِتابُ، وهو مَفْعُولٌ بِمُضْمَرٍ بَعْدَهُ، تَأْوِيلُهُ: ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى كَذاكَ، أيْ: تَلاهُ جِبْرِيلُ أيْضًا، كَما تَقُولُ العَرَبُ: أكْرَمْتُ أخاكَ وأبُوكَ، فَيَرْفَعُونَ الأبَ، وهو مُكْرَمٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ، بِمَعْنى وأبُوكَ مُكْرَمٌ أيْضًا.

قالَ: وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ كِتابَ مُوسى فاعِلٌ، لِأنَّهُ تَلا مُحَمَّدًا بِالتَّصْدِيقِ كَما تَلاهُ الإنْجِيلُ.

* فَصْلٌ فَتَلْخِيصُ الآيَةِ: أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن لَمْ يَكُنْ ؟

قالَ الزَّجّاجُ: تَرَكَ المُضادَّ لَهُ، لِأنَّ في ما بَعْدَهُ دَلِيلًا عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ  ﴾ .

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمّا ذَكَرَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْمًا رَكَنُوا إلى الدُّنْيا، جاءَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: أفَمَن كانَتْ هَذِهِ حالَهُ كَمَن يُرِيدُ الدُّنْيا ؟

فاكْتَفى مِنَ الجَوابِ بِما تَقَدَّمَ، إذْ كانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما حُذِفَ لِانْكِشافِ المَعْنى، والمَحْذُوفُ المُقَدَّرُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ والشِّعْرِ، قالَ الشّاعِرُ: فَأُقْسِمُ لَوْ شَيْءٌ أتانا رَسُولُهُ سِواكِ ولَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكِ مَدْفَعا فَإنْ قُلْنا: إنَّ المُرادَ بِمَن كانَ عَلى بَيِّنَةِ رَبِّهِ، رَسُولُ اللَّهِ  ، فَمَعْنى الآيَةِ: ويَتْبَعُ هَذا النَّبِيَّ شاهِدٌ، وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

" مِنهُ " أيْ: مِنَ اللَّهِ.

وقِيلَ: " شاهِدٌ " هو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، " مِنهُ " أيْ: مِنَ النَّبِيِّ  .

وقِيلَ: " يَتْلُوهُ " يَعْنِي القُرْآنَ، يَتْلُوهُ جِبْرِيلُ، وهو شاهِدٌ لِمُحَمَّدٍ  أنَّ الَّذِي يَتْلُوهُ جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى.

وقِيلَ: ويَتْلُو رَسُولُ اللَّهِ  القُرْآنَ وهو شاهِدٌ مِنَ اللَّهِ.

وقِيلَ: ويَتْلُو لِسانُ رَسُولِ اللَّهِ  القُرْآنَ، فَلِسانُهُ شاهِدٌ مِنهُ.

وقِيلَ: ويَتْبَعُ مُحَمَّدًا شاهِدٌ لَهُ بِالتَّصْدِيقِ، وهو الإنْجِيلُ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

وقِيلَ: ويَتْبَعُ هَذا النَّبِيَّ شاهِدٌ مِن نَفْسِهِ، وهو سَمْتُهُ وهَدْيُهُ الدّالُّ عَلى صِدْقِهِ.

وإنْ قُلْنا: إنَّ المُرادَ بِمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ المُسْلِمُونَ، فالمَعْنى: أنَّهم يَتْبَعُونَ رَسُولَ اللَّهِ  وهو البَيِّنَةُ، ويَتْبَعُ هَذا النَّبِيَّ شاهِدٌ لَهُ بِصِدْقِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إمامًا ورَحْمَةً ﴾ إنَّما سَمّاهُ إمامًا، لِأنَّهُ كانَ يُهْتَدى بِهِ، " ورَحْمَةً " أيْ: وذا رَحْمَةٍ، وأرادَ بِذَلِكَ التَّوْراةَ، لِأنَّها كانَتْ إمامًا وسَبَبًا لِرَحْمَةِ مَن آمَنَ بِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ إشارَةٌ إلى أصْحابِ مُوسى.

والثّانِي: إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ  .

والثّالِثُ: إلى أهْلِ الحَقِّ مِن أُمَّةِ مُوسى وعِيسى ومُحَمَّدٍ.

وَفِي هاءِ " بِهِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى التَّوْراةِ.

والثّانِي: إلى القُرْآنِ.

والثّالِثُ: إلى مُحَمَّدٍ  .

وَفِي المُرادِ بِالأحْزابِ هاهُنا أرْبَعَةُ أقْوالٍ:أحَدُها: جَمِيعُ المِلَلِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: قُرَيْشٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: بَنُو أُمَيَّةَ، وبَنُو المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المَخْزُومِيِّ، وآلُ أبِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ العُزّى، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فالنّارُ مَوْعِدُهُ ﴾ أيْ: إلَيْها مَصِيرُهُ، قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: أوْرَدْتُمُوها حِياضَ المَوْتِ ضاحِيَةً ∗∗∗ فالنّارُ مَوْعِدُها والمَوْتُ لاقِيها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: " مُرْيَةٍ " بِضَمِّ المِيمِ أيْنَ وقَعَ.

وفي المَكْنِيِّ عَنْهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإخْبارُ بِمَصِيرِ الكافِرِ بِهِ، فالمَعْنى: فَلا تَكُ في شَكٍّ أنَّ مَوْعِدَ المُكَذِّبِ بِهِ النّارُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ، فالمَعْنى: فَلا تَكُ في شَكٍّ مِن أنَّ القُرْآنَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والمُرادُ بِالنّاسِ هاهُنا: أهْلُ مَكَّةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ذَكَرَ عَرْضَهم تَوْكِيدًا لِحالِهِمْ في الِانْتِقامِ مِنهم، وإنْ كانَ غَيْرُهم يُعْرَضُ أيْضًا.

فَأمّا " الأشْهادُ " فَفِيهِمْ خَمْسَةُ أقْوالٍ:أحَدُها: أنَّهُمُ الرُّسُلُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: المَلائِكَةُ قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: الخَلائِقُ، رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا.

وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ الأشْهادُ ﴾ النّاسُ، كَما يُقالُ: عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ، أيْ: عَلى رُؤُوسِ النّاسِ، والرّابِعُ: المَلائِكَةُ والنَّبِيُّونَ وأُمَّةُ مُحَمَّدٍ  يَشْهَدُونَ عَلى النّاسِ، والجَوارِحُ تَشْهَدُ عَلى ابْنِ آدَمَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: الأنْبِياءُ والمُؤْمِنُونَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وفائِدَةُ إخْبارِ الأشْهادِ بِما يَعْلَمُهُ اللَّهُ: تَعْظِيمٌ بِالأمْرِ المَشْهُودِ عَلَيْهِ، ودَفْعُ المُجاحَدَةِ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله