الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 12 يوسف > الآية ٣٦
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ حُبِسَ، وإنْ لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ.
و " فَتَيانِ " جائِزٌ أنْ يَكُونا حَدَثَيْنِ أوْ شَيْخَيْنِ، لِأنَّهم يُسَمُّونَ المَمْلُوكَ فَتًى.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما قالَ: " فَتَيانِ " لِأنَّهُما كانا مَمْلُوكَيْنِ، والعَرَبُ تُسَمِّي المَمْلُوكَ فَتًى، شابًّا كانَ أوْ شَيْخًا.
قالَ المُفَسِّرُونَ: عُمِّرَ مَلِكُ مِصْرَ فَمَلُّوهُ، فَدَسُّوا إلى خَبّازِهِ وصاحِبِ شَرابِهِ أنْ يَسُمّاهُ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَحَبَسَهُما، فَكانَ يُوسُفُ قالَ لِأهْلِ السِّجْنِ: إنِّي أُعَبِّرُ الأحْلامَ، فَقالَ أحَدُ الفَتَيَيْنِ: هَلُمَّ فَلْنُجَرِّبْ هَذا العَبْدَ العِبْرانِيَّ.
واخْتَلَفُوا هَلْ كانَتْ رُؤْياهُما صادِقَةً، أمْ لا ؟
عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ كَذِبًا، وإنَّما سَألاهُ تَجْرِيبًا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: أنَّها كانَتْ صِدْقًا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ إسْحاقَ.
والثّالِثُ: أنَّ الَّذِي صُلِبَ مِنهُما كانَ كاذِبًا، وكانَ الآخَرُ صادِقًا، قالَهُ أبُو مِجْلَزٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ أحَدُهُما ﴾ يَعْنِي السّاقِي " إنِّي أرانِي " أيْ: في النَّوْمِ " أعْصِرُ خَمْرًا " أيْ: عِنَبًا.
وفي تَسْمِيَةِ العِنَبِ خَمْرًا ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ سَمّاهُ بِاسْمِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ، لِأنَّ المَعْنى لا يَلْتَبِسُ، كَما يُقالُ: فُلانٌ يَطْبُخُ الآجُرَّ ويَعْمَلُ الدَّبْسَ، وإنَّما يَطْبُخُ اللَّبَنَ ويَصْنَعُ التَّمْرَ، وهَذا قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما كانَ كَذَلِكَ، لِأنَّ العَرَبَ تُوقِعُ بِالفَرْعِ ما هو واقِعٌ بِالأصْلِ، كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَطْبُخُ آجُرًّا.
والثّانِي: أنَّ الخَمْرَ في لُغَةِ أهْلِ عُمانَ اسْمٌ لِلْعِنَبِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والزَّجّاجُ.
قالَ ابْنُ القاسِمِ: وقَدْ نَطَقَتْ قُرَيْشٌ بِهَذِهِ اللُّغَةِ وعَرَفَتْها.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: أعْصِرُ عِنَبَ خَمْرٍ، وأصْلَ خَمْرٍ، وسَبَبَ خَمْرٍ، فَحُذِفَ المُضافُ، وخَلَفَهُ المُضافُ إلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ ﴾ .
قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: رَأى يُوسُفُ ذاتَ يَوْمٍ الخَبّازَ والسّاقِيَ مَهْمُومَيْنِ، فَقالَ: ما شَأْنُكُما، قالا رَأيْنا رُؤْيا، قالَ: قُصّاها عَلَيَّ، قالَ السّاقِي: إنِّي رَأيْتُ كَأنِّي دَخَلْتُ كَرْمًا فَجَنَيْتُ ثَلاثَةَ عَناقِيدِ عِنَبٍ، فَعَصَرْتُهُنَّ في الكَأْسِ، ثُمَّ أتَيْتُ بِهِ المَلِكَ فَشَرِبَهُ، وقالَ الخَبّازُ: رَأيْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن مَطْبَخِ المَلِكِ أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي ثَلاثَ سِلالٍ مِن خُبْزٍ، فَوَقَعَ طَيْرٌ عَلى أعْلاهُنَّ فَأكَلَ مِنها، ﴿ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ ﴾ أيْ: أخْبِرْنا بِتَفْسِيرِهِ.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَعُودُ المَرْضى ويُداوِيهِمْ ويُعَزِّي الحَزِينَ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: إنّا نَراكَ مُحْسِنًا إنْ أنْبَأْتَنا بِتَأْوِيلِهِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
والثّالِثُ: إنّا نَراكَ مِنَ العالِمِينَ قَدْ أحْسَنْتَ العِلْمَ، قالَهُ الفَرّاءُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَعَلى هَذا يَكُونُ مَفْعُولُ الإحْسانِ مَحْذُوفًا، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ يَعْنِي العِنَبَ والسِّمْسِمَ.
وإنَّما عَلِمُوا أنَّهُ عالِمٌ، لِنَشْرِهِ العِلْمَ بَيْنَهم.
والرّابِعُ: إنّا نَراكَ مِمَّنْ يُحْسِنُ التَّأْوِيلَ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: إنّا نَراكَ مُحْسِنًا إلى نَفْسِكَ بِلُزُومِكَ طاعَةَ اللَّهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
<div class="verse-tafsir"