الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 16 النحل > الآيات ٨٤-٨٧
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ، وشاهِدُ كُلِّ أُمَّةٍ نَبِيُّها يَشْهَدُ عَلَيْها بِتَصْدِيقِها وتَكْذِيبِها، ﴿ ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ في الِاعْتِذارِ ﴿ وَلا هم يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ أيْ: لا يُطْلَبُ مِنهم أنْ يَرْجِعُوا إلى ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، لِأنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدار تَكْلِيفٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أيْ: أشْرَكُوا ﴿ العَذابَ ﴾ يَعْنِي: النّارَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ " العَذابُ ﴿ وَلا هم يُنْظَرُونَ ﴾ لا يُؤَخَّرُونَ، ولا يُمْهَلُونَ.
" وإذا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا شُرَكاءَهم " يَعْنِي: الأصْنامَ الَّتِي جَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ في العِبادَةِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ كُلَّ مَعْبُودٍ مِن دُونِهِ، فَيَقُولُ المُشْرِكُونَ: ﴿ رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا ﴾ أيْ: نَعْبُدُ مِن دُونِكَ.
فَإنْ قِيلَ: فَهَذا مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، فَما فائِدَةُ قَوْلِهِمْ: ﴿ هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا ﴾ ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهم لَمّا كَتَمُوا الشِّرْكَ في قَوْلِهِمْ: واللَّهِ ما كُنّا مُشْرِكِينَ، عاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِإصْماتِ ألْسِنَتِهِمْ، وإنْطاقِ جَوارِحِهِمْ، فَقالُوا عِنْدَ مُعايَنَةِ آلِهَتِهِمْ: ﴿ رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا ﴾ أيْ: قَدْ أقْرَرْنا بَعْدَ الجَحْدِ، وصَدَّقْنا بَعْدَ الكَذِبِ، التِماسًا لِلرَّحْمَةِ، وفِرارًا مِنَ الغَضَبِ، وكَأنَّ هَذا القَوْلَ مِنهم عَلى وجْهِ الِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ، لا عَلى وجْهِ إعْلامِ مَن لا يَعْلَمُ.
والثّانِي: أنَّهم لَمّا عايَنُوا عِظَمَ غَضَبِ اللَّهِ تَعالى قالُوا: هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا، تَقْدِيرَ أنْ يَعُودَ عَلَيْهِمْ مِن هَذا القَوْلِ رَوْحٌ، وأنْ تَلْزَمَ الأصْنامُ إجْرامَهم، أوْ بَعْضَ ذُنُوبِهِمْ إذْ كانُوا يَدْعُونَ لَها العَقْلَ والتَّمْيِيزَ، فَأجابَتْهُمُ الأصْنامُ بِما حَسَمَ طَمَعَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ ﴾ أيْ: أجابُوهم وقالُوا لَهم " إنَّكم لَكاذِبُونَ " قالَ الفَرّاءُ: رَدَّتْ عَلَيْهِمْ آلِهَتُهم قَوْلَهم.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " فَألْقَوْا "، أيْ: قالُوا لَهم.
يُقالُ: ألْقَيْتُ إلى فُلانٍ كَذا، أيْ: قُلْتُ لَهُ.
قالَ العُلَماءُ: كَذَّبُوهم في عِبادَتِهِمْ إيّاهم، وذَلِكَ أنَّ الأصْنامَ كانَتْ جَمادًا لا تَعْرِفُ عابِدِيها، فَظَهَرَتْ فَضِيحَتُهم يَوْمَئِذٍ إذْ عَبَدُوا مَن لَمْ يَعْلَمْ بِعِبادَتِهِمْ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ ﴾ المَعْنى: أنَّهم اسْتَسْلَمُوا لَهُ.
وفي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
ثُمَّ في مَعْنى اسْتِسْلامِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اسْتَسْلَمُوا [لَهُ] بِالإقْرارِ بِتَوْحِيدِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ.
والثّانِي: أنَّهُمُ اسْتَسْلَمُوا لِعَذابِهِ.
والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ والأصْنامُ كُلُّهم.
قالَ الكَلْبِيُّ: والمَعْنى: أنَّهُمُ اسْتَسْلَمُوا لِلَّهِ مُنْقادِينَ لِحُكْمِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بَطَلَ قَوْلُهم أنَّها تَشْفَعُ لَهم.
والثّانِي: ذَهَبَ عَنْهم ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا ووَلَدًا.
<div class="verse-tafsir"