تفسير سورة مريم الآيات ٥٤-٥٧ عند زاد المسير

الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 19 مريم > الآيات ٥٤-٥٧

وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِسْمَـٰعِيلَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًۭا نَّبِيًّۭا ٥٤ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرْضِيًّۭا ٥٥ وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقًۭا نَّبِيًّۭا ٥٦ وَرَفَعْنَـٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا ٥٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 7 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ ﴾ هَذا عامٌّ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ، وفِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: لَمْ يَعِدْ رَبُّهُ بِوَعْدٍ قَطُّ إلّا وفى لَهُ بِهِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ خَصَّ بِصِدْقِ الوَعْدِ إسْماعِيلَ، ولَيْسَ في الأنْبِياءِ مَن لَيْسَ كَذَلِكَ ؟

فالجَوابُ: أنَّ إسْماعِيلَ عانى [ في الوَفاءِ ] بِالوَعْدِ ما لَمْ يُعانِهِ غَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ، فَأثْنى عَلَيْهِ بِذَلِكَ.

وذَكَرَ المُفَسِّرُونُ: أنَّهُ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَجُلٍ مِيعادٌ، فَأقامَ يَنْتَظِرُهُ مُدَّةً فِيها لَهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أقامَ حَوْلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ يَوْمًا، قالَهُ الرُّقاشِيُّ.

والثّالِثُ: ثَلاثَةُ أيّامٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ رَسُولا ﴾ إلى قَوْمِهِ، وهم جُرْهم.

﴿ وَكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي: قَوْمَهُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: أهْلُهُ: جَمِيعُ أُمَّتِهِ.

فَأمّا الصَّلاةُ والزَّكاةُ فَهُما العِبادَتانِ المَعْرُوفَتانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ في السَّماءِ الرّابِعَةِ، رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ «عَنْ رَسُولِ اللهِ  في حَدِيثِ المِعْراجِ: أنَّهُ رَأى إدْرِيسَ في السَّماءِ الرّابِعَةِ،» وبِهَذا قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ في الجَنَّةِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وهَذا يَرْجِعُ إلى الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّ الجَنَّةَ في السَّماءِ الرّابِعَةِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ في السَّماءِ السّابِعَةِ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وَفِي سَبَبِ صُعُودِهِ إلى السَّماءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ يُصْعَدُ لَهُ مِنَ العَمَلِ مِثْلُ ما يُصْعَدُ لِجَمِيعِ بَنِي آَدَمَ، فَأحَبَّهُ مَلَكُ المَوْتِ، فاسْتَأْذَنَ اللَّهَ في خُلَّتِهِ، فَأذِنَ لَهُ، فَهَبَطَ إلَيْهِ في صُورَةِ آَدَمِيٍّ، وَكانَ يَصْحَبُهُ، فَلَمّا عَرَفَهُ قالَ: إنِّي أسْألُكَ حاجَةً، قالَ: ما هي ؟

قالَ: تُذِيقُنِي المَوْتَ، فَلَعَلِّيَ أعْلَمُ ما شِدَّتُهُ، فَأكُونُ لَهُ أشَدَّ اسْتِعْدادًا، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنِ اقْبِضْ رُوحَهُ ساعَةً ثُمَّ أرْسِلْهُ، فَفَعَلَ، ثُمَّ قالَ: كَيْفَ رَأيْتَ ؟

قالَ: كانَ أشَدَّ مِمّا بَلَغَنِي عَنْهُ، وإنِّي أُحِبُّ أنْ تُرِيَنِي النّارَ.

قالَ: فَحَمَلَهُ فَأراهُ إيّاها، قالَ: إنِّي أُحِبُّ أنْ تُرِيَنِي الجَنَّةَ، فَأراهُ إيّاها، فَلَمّا دَخَلَها طافَ فِيها، قالَ لَهُ مَلَكُ المَوْتِ: اخْرُجْ، فَقالَ: واللَّهِ لا أخْرُجُ حَتّى يَكُونَ اللَّهُ تَعالى يُخْرِجُنِي، فَبَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا فَحَكَمَ بَيْنَهُما، فَقالَ: ما تَقُولُ يا مَلَكَ المَوْتِ ؟

فَقَصَّ عَلَيْهِ ما جَرى، فَقالَ: ما تَقُولُ يا إدْرِيسُ ؟

قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ  ﴾ وقَدْ ذُقْتُهُ، وقالَ: ﴿ وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها  ﴾ وقَدْ ورَدْتُها، وقالَ لِأهْلِ الجَنَّةِ: ﴿ وَما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ  ﴾ ؛ فَواللَّهِ لا أخْرُجُ حَتّى يَكُونَ اللَّهُ يُخْرِجُنِي، فَسَمِعَ هاتِفًا مِن فَوْقِهِ يَقُولُ: بِإذْنِي دَخَلَ وبِأمْرِي فَعَلَ، فَخَلَّ سَبِيلَهُ، هَذا مَعْنى ما رَواهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ  .

فَإنْ سَألَ سائِلٌ فَقالَ: مِن أيْنَ لِإدْرِيسَ هَذِهِ الآَياتِ وهي في كِتابِنا ؟

فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ، قالَ: كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أعْلَمَ إدْرِيسَ بِما ذَكَرَ في القُرْآَنِ مِن وُجُوبِ الوُرُودِ، وامْتِناعِ الخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، فَقالَ ما قالَهُ بِعِلْمٍ.

والثّانِي: أنَّ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أنْ يَهْبِطَ إلى إدْرِيسَ، فَأذِنَ لَهُ، فَلَمّا عَرَفَهُ إدْرِيسُ قالَ: هَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَ مَلَكِ المَوْتِ قَرابَةٌ ؟

قالَ: ذاكَ أخِي مِنَ المَلائِكَةِ.

قالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَنْفَعَنِي عِنْدَ مَلَكِ المَوْتِ ؟

قالَ: سَأُكَلِّمُهُ فِيكَ فَيَرْفُقُ بِكَ، ارْكَبْ بَبْنَ جَناحِي، فَرَكِبَ إدْرِيسُ فَصَعِدَ بِهِ إلى السَّماءِ، فَلَقِيَ مَلَكَ المَوْتِ، فَقالَ: إنَّ لِي إلَيْكَ حاجَةً.

قالَ: أعْلَمُ ما حاجَتُكَ، تُكَلِّمُنِي في إدْرِيسَ، وقَدْ مُحِيَ اسْمُهُ مِن الصَّحِيفَةِ، ولَمْ يَبْقَ مِن أجْلِهِ إلّا نِصْفُ طَرْفَةِ عَيْنٍ ؟

فَماتَ إدْرِيسُ بَيْنَ جَناحَيِ المَلَكِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَقَبَضَ مَلَكُ المَوْتِ رُوحَ إدْرِيسَ في السَّماءِ السّادِسَةِ.

والثّالِثُ: أنَّ إدْرِيسَ مَشى يَوْمًا في الشَّمْسِ فَأصابَهُ وهَجُها، فَقالَ: اللَّهُمَّ خَفِّفْ ثِقَلَها عَمَّنْ يَحْمِلُها، يَعْنِي بِهِ: المَلَكَ المُوَكَّلَ بِالشَّمْسِ، فَلَمّا أصْبَحَ المَلَكُ وجَدَ مِن خِفَّةِ الشَّمْسِ وحَرِّها ما لا يَعْرِفُ، فَسَألَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ: إنَّ عَبْدِي إدْرِيسَ سَألَنِي أنْ أُخَفِّفَ عَنْكَ حِمْلَها وحَرَّها فَأجَبْتُهُ.

فَقالَ: يا رَبِّ اجْمَعْ بَيْنِي وبَيْنَهُ واجْعَلْ بَيْنَنا خُلَّةً، فَأذِنَ لَهُ، [ فَأتاهُ ]، فَكانَ مِمّا قالَ لَهُ إدْرِيسُ: اشْفَعْ لِي إلى مَلَكِ المَوْتِ لِيُؤَخِّرَ أجَلِي، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لا يُؤَخِّرُ نَفْسًا إذا جاءَ أجْلُها، ولَكِنْ أُكَلِّمُهُ فِيكَ، فَما كانَ مُسْتَطِيعًا أنْ يَفْعَلَ بِأحَدٍ مِن بَنِي آَدَمَ فَعَلَ بِكَ، ثُمَّ حَمَلَهُ المَلَكُ عَلى جَناحِهِ فَرَفْعَهُ إلى السَّماءِ، فَوَضَعَهُ عِنْدَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ، ثُمَّ أتى مَلَكَ المَوْتِ فَقالَ: إنَّ لِي إلَيْكَ حاجَةَ صَدِيقٍ لِي مِن بَنِي آَدَمَ تَشْفَعُ بِي إلَيْكَ لِتُؤَخِّرَ أجْلَهُ، قالَ: لَيْسَ ذاكَ إلَيَّ، ولَكِنْ إنْ أحْبَبْتَ أعْلَمْتُهُ مَتى يَمُوتُ، فَنَظَرَ في دِيوانِهِ فَقالَ: إنَّكَ كَلَّمْتَنِي في إنْسانٍ ما أراهُ يَمُوتُ أبَدًا، ولا أجِدُهُ يَمُوتُ إلّا عِنْدَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ، فَقالَ: إنِّي أتَيْتُكَ وتَرَكْتُهُ هُناكَ، قالَ: انْطَلِقْ فَما أراكَ تَجِدُهُ إلّا مَيِّتًا، فَواللَّهِ ما بَقِيَ مِن أجْلِهِ شَيْءٌ، فَرَجَعَ المَلَكُ فَرَآَهُ مَيِّتًا.

وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وكَعْبٍ في آَخَرِينَ، فَهَذا القَوْلُ والَّذِي قَبْلَهُ يَدُلّانِ عَلى أنَّهُ مَيِّتٌ، والقَوْلُ الأوَّلُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَيٌّ.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله