تفسير سورة الأنبياء الآيات ١-١٠ عند زاد المسير

الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 21 الأنبياء > الآيات ١-١٠

ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍۢ مُّعْرِضُونَ ١ مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍۢ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ٢ لَاهِيَةًۭ قُلُوبُهُمْ ۗ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ هَلْ هَـٰذَآ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ ۖ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ٣ قَالَ رَبِّى يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٤ بَلْ قَالُوٓا۟ أَضْغَـٰثُ أَحْلَـٰمٍۭ بَلِ ٱفْتَرَىٰهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌۭ فَلْيَأْتِنَا بِـَٔايَةٍۢ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلْأَوَّلُونَ ٥ مَآ ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَآ ۖ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ٦ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًۭا نُّوحِىٓ إِلَيْهِمْ ۖ فَسْـَٔلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٧ وَمَا جَعَلْنَـٰهُمْ جَسَدًۭا لَّا يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُوا۟ خَـٰلِدِينَ ٨ ثُمَّ صَدَقْنَـٰهُمُ ٱلْوَعْدَ فَأَنجَيْنَـٰهُمْ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرِفِينَ ٩ لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَـٰبًۭا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ١٠

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 7 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

سُورَةُ الأنْبِياءِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ مِن غَيْرِ خِلافٍ نَعْلَمُهُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اقْتَرَبَ ﴾ افْتَعَلَ، مِنَ القُرْبِ، يُقالُ: قَرُبَ الشَّيْءُ واقْتَرَبَ.

وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في كُفّارِ مَكَّةَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: اقْتَرَبَ لِلنّاسِ وقْتَ حِسابِهِمْ.

وقِيلَ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿ لِلنّاسِ ﴾ بِمَعْنى ( مِن ) .

والمُرادُ بِالحِسابِ: مُحاسَبَةُ اللَّهِ لَهم عَلى أعْمالِهِمْ.

وَفِي مَعْنى قُرْبِهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ آتٍ، وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ.

والثّانِي: لِأنَّ الزَّمانَ - لِكَثْرَةِ ما مَضى وقِلَّةِ ما بَقِيَ - قَرِيبٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم في غَفْلَةٍ ﴾ ؛ أيْ: عَمّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِهِمْ ذَلِكَ اليَوْمِ، ﴿ مُعْرِضُونَ ﴾ عَنِ التَّأهُّبِ لَهُ.

وقِيلَ: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ ﴾ عامٌّ، والغَفْلَةُ والإعْراضُ خاصٌّ في الكُفّارِ، بِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ ﴾ ، وفي هَذا الذِّكْرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ فَعَلى هَذا تَكُونُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ مُحْدَثٍ ﴾ إلى إنْزالِهِ لَهُ؛ لِأنَّهُ أُنْزِلَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.

والثّانِي: أنَّهُ ذِكْرٌ مِنَ الأذْكارِ، ولَيْسَ بِالقُرْآنِ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وقالَ النِّقاشُ: هو ذِكْرٌ مِن رَسُولِ اللَّهِ، ولَيْسَ بِالقُرْآنِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في سِياقِ الآيَةِ: ﴿ هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ مُسْتَهْزِئِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ ؛ أيْ: غافِلَةً عَمّا يُرادُ بِهِمْ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إلّا اسْتَمَعُوهُ لاعِبِينَ لاهِيَةً قُلُوبُهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِقَوْلِهِ: ﴿ يَلْعَبُونَ ﴾ .

وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( لاهِيَةٌ ) بِالرَّفْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأسَرُّوا النَّجْوى ﴾ ؛ أيْ: تَناجَوْا فِيما بَيْنَهم، يَعْنِي: المُشْرِكِينَ.

ثُمَّ بَيَّنَ مَن هم، فَقالَ: ﴿ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ ؛ أيْ: أشْرَكُوا بِاللَّهِ.

و " الَّذِينَ " في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في " وأسَرُّوا " .

ثُمَّ بَيَّنَ سِرِّهُمُ الَّذِي تَناجَوْا بِهِ، فَقالَ: ﴿ هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ ؛ أيْ: آدَمِيٌّ، فَلَيْسَ بِمَلِكٍ، وهَذا إنْكارٌ لِنُبُوَّتِهِ.

وبَعْضُهم يَقُولُ: " أسَرُّوا " هاهُنا بِمَعْنى: أظْهَرُوا؛ لِأنَّهُ مِنَ الأضْدادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ ﴾ ؛ أيْ: أفَتَقْبَلُونَ السِّحْرَ، ﴿ وَأنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ أنَّهُ سَحْرٌ ؟

يَعْنُونَ: أنَّ مُتابِعَةَ مُحَمَّدٍ  مُتابَعَةُ السِّحْرِ.

﴿ قالَ رَبِّي ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( قُلْ رَبِّي ) .

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( قالَ رَبِّي )، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ الكُوفِيِّينَ، وهَذا عَلى الخَبَرِ «عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: ﴿ يَعْلَمُ القَوْلَ ﴾ ؛ أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ يُقالُ في السَّماءِ والأرْضِ، فَهو عالِمٌ بِما أسْرَرْتُمْ» .

﴿ بَلْ قالُوا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: رَدٌّ بِـ " بَلْ " عَلى مَعْنى تَكْذِيبِهِمْ، وإنْ لَمْ يَظْهَرْ قَبْلَهُ الكَلامُ بِجُحُودِهِمْ؛ لِأنَّ مَعْناهُ الإخْبارُ عَنِ الجاحِدِينَ، وأعْلَمَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا قَدْ تَحَيَّرُوا في أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فاخْتَلَفَتْ أقْوالُهم فِيهِ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هَذا الَّذِي يَأْتِي بِهِ سِحْرٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: أضْغاثُ أحْلامٍ، وهي الأشْياءُ المُخْتَلَطَةُ تُرى في المَنامِ، وقَدْ شَرَحْناها في ( يُوسُفَ: ٤٤ )، وبَعْضُهم يَقُولُ: افْتَراهُ؛ أيِ: اخْتَلَقَهُ، وبَعْضُهم يَقُولُ: هو شاعِرٌ، ﴿ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ ﴾ كالنّاقَةِ والعَصا، فاقْتَرَحُوا الآياتِ الَّتِي لا إمْهالَ بَعْدَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ ﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي مَكَّةَ، ﴿ مِن قَرْيَةٍ ﴾ وصَفَ القَرْيَةِ، والمُرادُ: أهْلُها، والمَعْنى: أنَّ الأُمَمَ الَّتِي أُهْلِكَتْ بِتَكْذِيبِ الآياتِ، لَمْ يُؤْمِنُوا بِالآياتِ لَمّا أتَتْهم، فَكَيْفَ يُؤْمِنُ هَؤُلاءِ ؟

وهَذِهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الآيَةَ لا تَكُونُ سَبَبًا لِلْإيمانِ، إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلا رِجالا ﴾ هَذا جَوابُ قَوْلِهِمْ: ﴿ هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُوحِي إلَيْهِمْ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: ( يُوحى ) بِالياءِ.

ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( نُوحِي ) بِالنُّونِ.

وقَدْ شَرَحْنا هَذِهِ الآيَةَ في ( النَّحْلِ: ٤٣ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلْناهُمْ ﴾ يَعْنِي: الرُّسُلَ، ﴿ جَسَدًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَقُلْ: أجْسادًا؛ لِأنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ.

قالَ مُجاهِدٌ: وما جَعَلْناهم جَسَدًا لَيْسَ فِيهِمْ رُوحٌ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ما جَعَلْنا الأنْبِياءَ قَبْلَهُ أجْسادًا لا تَأْكُلُ الطَّعامَ، ولا تَمُوتُ فَنَجْعَلُهُ كَذَلِكَ.

قالَ المُبَرِّدُ وثَعْلَبٌ جَمِيعًا: العَرَبُ إذا جاءَتْ بَيْنَ الكَلامِ بِجَحْدَيْنِ، كانَ الكَلامُ إخْبارًا، فَمَعْنى الآيَةِ: إنَّما جَعَلْناهم جَسَدًا لِيَأْكُلُوا الطَّعامَ.

قالَ قَتادَةُ: المَعْنى: وما جَعَلْناهم جَسَدًا إلّا لِيَأْكُلُوا الطَّعامَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ ﴾ يَعْنِي: الأنْبِياءَ أنْجَزْنا وعْدَهُمُ الَّذِي وعَدْناهم بِإنْجائِهِمْ وإهْلاكِ مُكَذِّبِيهِمْ، ﴿ فَأنْجَيْناهم ومَن نَشاءُ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ صَدَّقُوهم، ﴿ وَأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ ﴾ يَعْنِي: أهْلَ الشِّرْكِ؛ وهَذا تَخْوِيفٌ لِأهْلِ مَكَّةَ.

ثُمَّ ذَكَرَ مِنَّتَهُ عَلَيْهِمْ بِالقُرْآنِ، فَقالَ: ﴿ لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: فِيهِ شَرَفُكم، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: فِيهِ دِينُكم، قالَهُ الحَسَنُ، يَعْنِي: فِيهِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أمْرِ دِينِكم.

والثّالِثُ: فِيهِ تَذْكِرَةٌ لَكم لِما تَلْقَوْنَهُ مِن رَجْعَةٍ أوْ عَذابٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ما فَضَّلْتُكم بِهِ عَلى غَيْرِكم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الأحد 5 محرّم
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل