الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 3 آل عمران > الآية ٧٥
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أوْدَعَ رَجُلٌ ألْفًا ومِئَتَيْ أوُقِيَّةٍ مِن ذَهَبٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، فَأدّاهُما إلَيْهِ، فَمَدَحَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآَيَةِ، وأوْدَعَ رَجُلٌ فَنُحاصَ بْنَ عازُوراءَ دِينارًا، فَخانَهُ.
وأهْلُ الكِتابِ: اليَهُودُ.
وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ في القِنْطارِ.
وقِيلَ: إنَّ "الباءَ" في قَوْلِهِ: "بِقِنْطارٍ" بِمَعْنى "عَلى" فَأمّا الدِّينارُ، فَقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ، قالَ: الدِّينارُ فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وأصْلُهُ: دِنّارٌ، وهو وإنْ كانَ مُعَرَّبًا، فَلَيْسَ تَعْرِفُ لَهُ العَرَبُ اسْمًا غَيْرَ الدِّينارِ، فَقَدْ صارَ كالعَرَبِيِّ، ولِذَلِكَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ، لِأنَّهُ خاطَبَهم بِما عَرَفُوا.
واشْتَقُّوا مِنهُ فِعْلًا، فَقالُوا: رَجُلٌ مُدَنَّرٌ: كَثِيرُ الدَّنانِيرِ.
وبِرْذَوْنَ مُدَنَّرٌ: أشْهَبُ مُسْتَدِيرُ النَّقْشِ بِبَياضٍ وسَوادٍ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ خُصَّ أهْلُ الكِتابِ بِأنَّ فِيهِمْ خائِنًا وأمِينًا والخَلْقُ عَلى ذَلِكَ، فالجَوابُ: أنَّهم يَخُونُونَ المُسْلِمِينَ اسْتِحْلالًا لِذَلِكَ، وقَدْ بَيَّنَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ فَحَذَّرَ مِنهم.
وقالَ مُقاتِلٌ: الأمانَةُ تَرْجِعُ إلى مَن أسْلَمَ مِنهم، والخِيانَةُ إلى مَن لَمْ يُسْلِمْ.
وقِيلَ: إنَّ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ الأمانَةَ: النَّصارى، والَّذِينَ لا يُؤَدُّونَها: اليَهُودُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: دُمْتُ ودُمْتُمْ، ومُتُّ ومُتُّمْ.
وتَمِيمٌ يَقُولُونَ: مِتُّ ودِمْتُ بِالكَسْرِ، ويَجْتَمِعُونَ في "يَفْعَلُ" يَدُومُ ويَمُوتُ.
وفي هَذا القِيامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ التَّقاضِي، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى: ما دُمْتُ مُواظِبًا بِالاقْتِضاءِ لَهُ والمُطالَبَةِ.
وأصْلُ هَذا أنَّ المُطالِبَ بِالشَّيْءِ يَقُومُ فِيهِ، ويَتَصَرَّفُ.
والتّارِكُ لَهُ يَقْعُدُ عَنْهُ.
[قالَ الأعْشى: يَقُومُ عَلى الرَّغْمِ في قَوْمِهِ فَيَعْفُوا إذا شاءَ أوْ يَنْتَقِمُ أيْ: يُطالِبُ بالذَّحْلِ ولا يَقْعُدُ عَنْهُ.
قالَ تَعالى: ﴿ (لَيْسُوا سَواءً) ] مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ [ آَلِ عِمْرانَ: ١١٣ ] .
أيْ: عَلامَةٌ غَيْرُ تارِكِهِ، وقالَ تَعالى: ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ﴾ .
أيْ: آَخِذٌ لَها بِما كَسَبَتْ.
والثّانِي: أنَّهُ القِيامُ حَقِيقَةً، فَتَقْدِيرُهُ: إلّا ما دُمْتَ قائِمًا عَلى رَأْسِهِ، فَإنَّهُ يَعْتَرِفُ بِأمانَتِهِ، فَإذا ذَهَبْتَ، ثُمَّ جِئْتَ، جَحَدَكَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي: الخِيانَةُ.
والسَّبِيلُ: الإثْمُ والحَرَجُ، ونَظِيرُهُ ﴿ ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ﴾ قالَ قَتادَةُ: إنَّما اسْتَحَلَّ اليَهُودُ أمْوالَ المُسْلِمِينَ، لِأنَّهم عِنْدَهم لَيْسُوا أهْلَ كِتابٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: يَقُولُونَ: قَدْ أحَلَّ اللَّهُ لَنا أمْوالَ العَرَبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم يَعْلَمُونَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ قَدْ أنْزَلَ في التَّوْراةِ الوَفاءَ، وأداءَ الأمانَةِ.
والثّانِي: يَقُولُونَ الكَذِبَ، وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ كَذِبٌ.
<div class="verse-tafsir"