الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 33 الأحزاب > الآيات ١٨-٢٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: «أنَّ رَجُلًا انْصَرَفَ مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ يَوْمَ الأحْزابِ، فَوَجَدَ أخاهُ لِأُمِّهِ وأبِيهِ وعِنْدَهُ شِواءٌ ونَبِيذٌ، فَقالَ لَهُ: أنْتَ هاهُنا ورَسُولُ اللَّهِ بَيْنَ الرِّماحِ والسُّيُوفِ؟!
فَقالَ: هَلُمَّ إلَيَّ، لَقَدْ أُحِيطَ بِكَ وبِصاحِبِكَ؛ والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لا يَسْتَقْبِلُها مُحَمَّدٌ أبَدًا؛ فَقالَ لَهُ: كَذَبْتَ، والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، أما واللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِأمْرِكَ، فَذَهَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ لِيُخْبِرَهُ، فَوَجَدَهُ قَدْ نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ يَسِيرًا ﴾ ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ومَعْتِبَ بْنَ قُشَيْرٍ والمُنافِقِينَ الَّذِينَ رَجَعُوا مِنَ الخَنْدَقِ إلى المَدِينَةِ، كانُوا إذا جاءَهم مُنافِقٌ قالُوا لَهُ: ويَحَكَ اجْلِسْ فَلا تَخْرُجْ، ويَكْتُبُونَ بِذَلِكَ إلى إخْوانِهِمُ الَّذِينَ في العَسْكَرِ أنِ ائْتُونا بِالمَدِينَةِ فَإنّا نَنْتَظِرُكُمْ- يُثَبِّطُونَهم عَنِ القِتالِ- وكانُوا لا يَأْتُونَ العَسْكَرَ إلّا أنْ لا يَجِدُوا بُدًّا، فَيَأْتُونَ العَسْكَرَ لِيَرى النّاسُ وُجُوهَهُمْ، فَإذا غُفِلَ عَنْهم عادُوا إلى المَدِينَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والمُعَوِّقُ: المُثَبِّطُ؛ تَقُولُ: عاقَنِي فُلانٌ، واعْتاقَنِي، وعَوَّقَنِي: إذا مَنَعَكَ عَنِ الوَجْهِ الَّذِي تُرِيدُهُ.
وكانَ المُنافِقُونَ يُعَوِّقُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ نُصّارَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ المُنافِقُ الَّذِي قالَ لِأخِيهِ ما ذَكَرْناهُ في قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ دَعَوْا إخْوانَهم مِنَ المُنافِقِينَ إلى تَرْكِ القِتالِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ دَعَوُا المُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَأْتُونَ البَأْسَ ﴾ أيْ: لا يَحْضُرُونَ القِتالَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴿ إلا قَلِيلا ﴾ لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ مِن غَيْرِ احْتِسابٍ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ [القَلِيلُ] لِلَّهِ لَكانَ كَثِيرًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
المَعْنى: لا يَأْتُونَ الحَرْبَ إلّا تَعْذِيرًا، بُخَلاءَ عَلَيْكم.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيما شَحُّوا بِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أشِحَّةٌ بِالخَيْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: بِالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ.
والثّالِثُ: بِالغَنِيمَةِ، رُوِيا عَنْ قَتادَةَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: بِالظُّفْرِ والغَنِيمَةِ.
والرّابِعُ: بِالقِتالِ مَعَكُمْ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ جُبْنِهِمْ فَقالَ: ﴿ فَإذا جاءَ الخَوْفُ ﴾ أيْ: إذا حَضَرَ القِتالُ ﴿ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ ﴾ أيْ: كَدَوَرانِ عَيْنِ الَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ، وهو الَّذِي دَنا مَوْتُهُ وغَشِيَتْهُ أسْبابُهُ، فَإنَّهُ يَخافُ ويَذْهَلُ عَقْلُهُ ويَشْخَصُ بَصَرُهُ فَلا يَطْرِفُ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ، لِأنَّهم يَخافُونَ القَتْلَ.
﴿ فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: آذَوْكم بِالكَلامِ في الأمْنِ ﴿ بِألْسِنَةٍ حِدادٍ ﴾ سَلِيطَةٍ ذَرِبَةٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: صَلَقُوكُمْ، بِالصّادِ، ولا يَجُوزُ في القِراءَةِ؛ وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
وقَدْ قَرَأ بِالصّادِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ في آخَرِينَ وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى ﴿ سَلَقُوكُمْ ﴾ : خاطَبُوكم أشَدَّ مُخاطَبَةٍ وأبْلَغَها في الغَنِيمَةِ، يُقالُ: خَطِيبٌ مِسْلاقٌ: إذا كانَ بَلِيغًا في خُطْبَتِهِ ﴿ أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ ﴾ أيْ: خاطَبُوكم وهم أشِحَّةٌ عَلى المالِ والغَنِيمَةِ قالَ قَتادَةُ: إذا كانَ وقْتُ قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ، بَسَطُوا ألْسِنَتَهم فِيكُمْ، يَقُولُونَ: أعْطُونا فَلَسْتُمْ أحَقَّ بِها مِنّا؛ فَـأمّا عِنْدَ البَأْسِ، فَأجَبَنُ قَوْمٍ وأخْذُلُهُ لِلْحَقِّ، وأمّا عِنْدَ الغَنِيمَةِ، فَأشَحُّ قَوْمٍ.
وَفِي المُرادِ بِالخَيْرِ ها هُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الغَنِيمَةُ.
والثّانِي: عَلى المالِ أنْ يُنْفِقُوهُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.
والثّالِثُ: عَلى رَسُولِ اللَّهِ بِظَفَرِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا ﴾ أيْ: هم وإنْ أظْهَرُوا الإيمانَ فَلَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ، لِنِفاقِهِمْ ﴿ فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهُمْ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أبْطَلَ جِهادَهُمْ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في إيمانٍ ﴿ وَكانَ ذَلِكَ ﴾ الإحْباطُ ﴿ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ .
ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِما يَدُلُّ عَلى جُبْنِهِمْ، فَقالَ: ﴿ يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا ﴾ أيْ: يَحْسَبُ المُنافِقُونَ مِن شِدَّةِ خَوْفِهِمْ وجُبْنِهِمْ أنَّ الأحْزابَ بَعْدَ انْهِزامِهِمْ وذَهابِهِمْ لَمْ يَذْهَبُوا، ﴿ وَإنْ يَأْتِ الأحْزابُ ﴾ \[أيْ\]: يَرْجِعُوا إلَيْهِمْ كَرَّةً ثانِيَةً لِلْقِتالِ ﴿ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ ﴾ أيْ: يَتَمَنَّوْا لَوْ كانُوا في بادِيَةِ الأعْرابِ مِن خَوْفِهِمْ، ﴿ يَسْألُونَ عَنْ أنْبائِكُمْ ﴾ أيْ: ودُّوا لَوْ أنَّهم بِالبُعْدِ مِنكم يَسْألُونَ عَنْ أخْبارِكُمْ، فَيَقُولُونَ: ما فَعَلَ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، لِيَعْرِفُوا حالَكم بِالِاسْتِخْبارِ لا بِالمُشاهَدَةِ، فَرَقًا وجُبْنًا؛ وقِيلَ: بَلْ يَسْألُونَ شَماتَةً بِالمُسْلِمِينَ وفَرَحًا بِنَكَباتِهِمْ ﴿ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ﴾ أيْ: لَوْ كانُوا يَشْهَدُونَ القِتالَ مَعَكم ﴿ ما قاتَلُوا إلا قَلِيلا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: إلّا رَمْيًا بِالحِجارَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: إلّا رِياءً مِن غَيْرِ احْتِسابٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
ثُمَّ عابَ مَن تَخَلَّفَ بِالمَدِينَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ أيْ: قُدْوَةٌ صالِحَةٌ.
والمَعْنى: لَقَدْ كانَ لَكم بِهِ اقْتِداءٌ لَوِ اقْتَدَيْتُمْ بِهِ في الصَّبْرِ [مَعَهُ] كَما صَبَرَ يَوْمَ أُحُدٍ حَتّى كُسِرَتْ رَباعِيَّتُهُ وشُجَّ جَبِينُهُ وقُتِلَ عَمُّهُ، وآساكم مَعَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ.
وَقَرَأ عاصِمٌ: " أُسْوَةٌ " بِضَمِّ الألِفِ؛ والباقُونَ بِكَسْرِ الألِفِ؛ وهُما لُغَتانِ.
قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ وأسَدٌ يَقُولُونَ: " إسْوَةٌ " بِالكَسْرِ، وتَمِيمٌ وبَعْضُ قَيْسٍ يَقُولُونَ: " أُسْوَةٌ " بِالضَّمِّ.
وخَصَّ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الأُسْوَةِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ﴾ والمَعْنى أنَّ الأُسْوَةَ بِرَسُولِ اللَّهِ إنَّما كانَتْ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ [واليَوْمَ الآخِرَ]؛ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَرْجُو ما عِنْدَهُ مِنَ الثَّوابِ والنَّعِيمِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يَخْشى اللَّهَ ويَخْشى البَعْثَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ أيْ: ذِكْرًا كَثِيرًا، لِأنَّ ذاكِرَ اللَّهِ مُتَّبِعٌ لِأوامِرِهِ، بِخِلافِ الغافِلِ عَنْهُ.
ثُمَّ وصَفَ حالَ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ لِقاءِ الأحْزابِ، فَقالَ: ﴿ وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴾ وفي ذَلِكَ الوَعْدِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُ: ﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ ﴾ الآيَةُ: [البَقَرَةِ:٢١٤] فَلَمّا عايَنُوا البَلاءَ يَوْمَئِذٍ قالُوا: هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ.
والثّانِي: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وعَدَهُمُ النَّصْرَ والظُّهُورَ عَلى مَدائِنِ كِسْرى وقُصُورِ الحَيْرَةِ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ وغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما زادَهُمْ ﴾ يَعْنِي ما رَأوْهُ ﴿ إلا إيمانًا ﴾ بِوَعْدِ اللَّهِ ﴿ وَتَسْلِيمًا ﴾ لِأمْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"