الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 38 ص > الآيات ١٢-١٥
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ يُؤَنِّثُونَ "القَوْمَ"، وقَوْمٌ يُذَكِّرُونَ، فَإنِ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآَيَةِ، قالُوا: وقَعَ المَعْنى عَلى العَشِيرَةِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﴿ كَلا إنَّها تَذْكِرَةٌ ﴾ ، قالُوا: والمُضْمَرُ مُذَكَّرٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ كانَ يُعَذِّبُ النّاسَ بِأرْبَعَةِ أوْتادٍ يَشُدُّهم فِيها، ثُمَّ يَرْفَعُ صَخْرَةً فَتُلْقى عَلى الإنْسانِ فَتَشْدَخُهُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وكَذَلِكَ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: كانَ يُعَذِّبُ النّاسَ بِأوْتادٍ يُوتِدُها في أيْدِيهِمْ وأرْجُلِهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ ذُو البِنّاءِ المُحْكَمِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، والقُرَظِيُّ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ: هم في عِزٍّ ثابِتِ الأوْتادِ، ومُلْكٌ ثابِتُ الأوْتادِ، يُرِيدُونَ أنَّهُ دائِمٌ شَدِيدُ، وأصْلُ هَذا، أنَّ البَيْتَ [مِن بُيُوتِهِمْ] يُثْبَّتُ بِأوْتادٍ، قالَ الأسْوَدُ بْنُ يَعْفُرَ: [وَلَقَدْ غَنَوْا فِيها بِأنْعَمِ عِيشَةٍ] في ظِلِّ مُلْكٍ ثابِتِ الأوْتادِ والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالأوْتادِ: الجُنُودُ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَشُدُّونَ مُلْكَهُ ويُقَوُّونَ أمْرَهُ كَما يُقَوِّي الوَتَدُ الشَّيْءَ.
والرّابِعُ: أنَّهُ كانَ يَبْنِي مَنارًا يَذْبَحُ عَلَيْها النّاسَ.
والخامِسُ: أنَّهُ كانَ لَهُ أرْبَعُ أُسْطُواناتٍ، فَيَأْخُذُ الرَّجُلَ فَيَمُدُّ كُلَّ قائِمَةٍ إلى أُسْطُوانَةٍ فَيُعَذِّبُهُ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
والسّادِسُ: أنَّهُ كانَتْ لَهُ أوْتادٌ وأرْسانٌ ومَلاعِبٌ يُلْعَبُ لَهُ عَلَيْها، قالَهُ عَطاءٌ، وقَتادَةُ.
وَلَمّا ذَكَرَ المُكَذِّبِينَ، قالَ: ﴿ أُولَئِكَ الأحْزابُ ﴾ فَأعْلَمَنا أنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ مِن هَؤُلاءِ، وقَدْ عَذَّبُوا وأهْلَكُوا، ﴿ فَحَقَّ عِقابِ ﴾ أثْبَتَ الياءَ في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ.
﴿ وَما يَنْظُرُ ﴾ أيْ: وما يَنْتَظِرُ ﴿ هَؤُلاءِ ﴾ يَعْنِي كُفّارُ مَكَّةَ ﴿ إلا صَيْحَةً واحِدَةً ﴾ وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها النَّفْخَةُ الأُولى، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
وَفِي الفَواقِ قِراءَتانِ.
قَرَأ حَمْزَةُ، وخَلْفٌ، والكِسائِيُّ: بِضَمِّ الفاءِ.
وقَرَأ الباقُونَ: بِفَتْحِها.
وهَلْ بَيْنَهُما فَرْقٌ، أمْ لا؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ الفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ.
قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى: ما لَها مِن راحَةٍ ولا إفاقَةٍ، وأصْلُهُ مِنَ الإفاقَةِ في الرَّضاعِ إذا ارْتَضَعَتِ البَهِيمَةُ أُمَّها ثُمَّ تَرَكَتْها حَتّى تُنْزِلَ شَيْئًا مِنَ اللَّبَنِ، فَتِلْكَ الإفاقَةُ.
وجاءَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "العِيادَةُ قَدْرُ فَواقِ ناقَةٍ" .» ومَن يَفْتَحُ الفاءَ، فِيهِ لُغَةٌ جَيِّدَةٌ عالِيَةٌ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الفُواقُ والفَواقُ واحِدٌ، وهو أنْ تُحْلَبَ النّاقَةُ وتُتْرَكَ ساعَةً حَتّى تُنْزِلَ شَيْئًا مِنَ اللَّبَنِ، ثُمَّ تُحْلَبُ، فَما بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ فَواقٌ، فاسْتُعِيرَ الفَواقُ في مَوْضِعِ المُكْثِ والِانْتِظارِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الفَواقُ: ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ النّاقَةِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّجُوعِ، لِأنَّهُ يَعُودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، يُقالُ: أفاقَ مِن مَرَضِهِ، أيْ: رَجَعَ إلى الصِّحَّةِ.
والثّانِي: أنَّ مَن فَتَحَها، أرادَ: ما لَها مِن راحَةٍ، ومَن ضَمَّها، أرادَ: فَواقِ النّاقَةِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: ما لَها مِن رَجْعَةٍ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ما لَها مِن تَرْدادٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والمَعْنى أنَّ تِلْكَ الصَّيْحَةَ لا تُكَرَّرُ.
والثّانِي: ما لَها مِن رُجُوعٍ إلى الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والمَعْنى أنَّهم لا يَعُودُونَ بَعْدَها إلى الدُّنْيا.
والثّانِي: ما لَهم مِنها مِن إفاقَةٍ، بَلْ تُهْلِكُهُمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: ما لَها مِن فُتُورٍ ولا انْقِطاعٍ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
والرّابِعُ: ما لَها مِن راحَةٍ، حَكاهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
<div class="verse-tafsir"