الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 38 ص > الآيات ٤٥-٥٤
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ عِبادَنا ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وحَمِيدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ كَثِيرٍ: "عَبْدَنا"، إشارَةً إلى إبْراهِيمَ، وجَعَلُوا إسْحاقَ ويَعْقُوبَ عَطْفًا عَلَيْهِ، لِأنَّهُ الأصْلُ وهُما ولَداهُ، والمَعْنى: اذْكُرْ صَبْرَهُمْ، فَإبْراهِيمُ أُلْقِيَ في النّارِ، وإسْحاقُ أُضْجِعَ لِلذَّبْحِ، ويَعْقُوبُ صَبَرَ عَلى ذَهابِ بَصَرِهِ وابْتُلِيَ بِفَقْدِ ولَدِهِ؛ ولَمْ يَذْكُرْ إسْماعِيلُ مَعَهُمْ، لِأنَّهُ لَمْ يُبْتَلَ كَما ابْتُلُوا.
﴿ أُولِي الأيْدِي ﴾ يَعْنِي القُوَّةَ في الطّاعَةِ ﴿ والأبْصارِ ﴾ البَصائِرُ في الدِّينِ والعِلْمِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وذِكْرُ الأيْدِي مَثَلٌ، وذَلِكَ لِأنَّ بِاليَدِ البَطْشَ، وبِالبَطْشِ تُعْرَفُ قُوَّةُ القَوِيِّ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْقَوِيِّ: ذُو يَدٍ؛ وعَنى بِالبَصَرِ: بَصَرُ القَلْبِ، وبِهِ تَنالُ مَعْرِفَةَ الأشْياءِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أُولِي الأيْدِ" بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ.
قالَ الفَرّاءُ: ولَها وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ القارِئُ لِهَذا أرادَ الأيْدِيَ، فَحَذَفَ الياءَ، وهو صَوابٌ، مِثْلُ الجَوارِ والمُنادِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ مِنَ القُوَّةِ والتَّأْيِيدِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أخْلَصْناهُمْ ﴾ أيِ: اصْطَفَيْناهم وجَعَلْناهم لَنا خالِصِينَ، فَأفْرَدْناهم بِمُفْرِدَةٍ مِن خِصالِ الخَيْرِ؛ ثُمَّ أبانَ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿ ذِكْرى الدّارِ ﴾ .
وَفِي المُرادِ بِالدّارِ هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: الآَخِرَةُ.
والثّانِي: الجَنَّةُ.
وَفِي الذِّكْرى قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها مِنَ الذِّكْرِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: أخْلَصْناهم بِذِكْرِ الآَخِرَةِ، فَلَيْسَ لَهم ذِكْرٌ غَيْرَها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، والسُّدِّيُّ.
وكانَ الفُضَيْلُ ابْنُ عِياضٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَقُولُ: هو الخَوْفُ الدّائِمُ في القَلْبِ.
والثّانِي: أنَّها التَّذْكِيرُ، فالمَعْنى أنَّهم يَدْعُونَ النّاسَ إلى الآَخِرَةِ وإلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ قَتادَةُ.
وَقَرَأ نافِعٌ: "بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ"، فَأضافَ "خالِصَةً" إلى "ذِكْرى الدّارِ" .
قالَ أبُو عَلِيٍّ: تَحْتَمِلُ قِراءَةُ مِن نُوَّنَ وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ "ذِكْرى" بَدَلًا مِن "خالِصَةً"، والتَّقْدِيرُ: أخْلَصْناهم بِذِكْرِ الدّارِ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: أخْلَصْناهم بِأنْ يَذْكُرُوا الدّارَ بِالتَّأهُّبِ لِلْآَخِرَةِ والزُّهْدِ في الدُّنْيا.
ومَن أضافَ، فالمَعْنى: أخْلَصْناهم بِإخْلاصِهِمْ ذِكْرى الدّارِ بِالخَوْفِ مِنها.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أخْلَصْناهم بِأفْضَلِ ما في الجَنَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ ﴾ أيْ: مِنَ الَّذِينَ اتَّخَذَهُمُ اللَّهُ صَفْوَةً فَصَفاهم مِنَ الأدْناسِ ﴿ الأخْيارِ ﴾ الَّذِينَ اخْتارَهم.
﴿ واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ ﴾ أيِ: اذْكُرْهم بِفَضْلِهِمْ وصَبْرِهِمْ لِتَسْلُكَ طَرِيقَهم واليَسَعُ نَبِيٌّ، واسْمُهُ أعْجَمِيٌّ مُعْرَّبٌ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في [الأنْعامِ: ٨٥]، وشَرَحْنا في سُورَةِ [الأنْبِياءِ: ٨٥] قِصَّةَ ذِي الكِفْلِ، وتَكَلَّمْنا في [البَقَرَةِ: ١٢٥] في اسْمِ إسْماعِيلَ، وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّ إسْماعِيلَ هَذا لَيْسَ بِابْنِ إبْراهِيمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا ذِكْرٌ ﴾ أيْ: شَرَفٌ وثَناءٌ جَمِيلٌ يُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا ﴿ وَإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ أيْ: حُسْنُ مَرْجِعٍ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ في الآَخِرَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ المَرْجِعَ، فَقالَ: ﴿ جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: إنَّما رُفِعَتِ "الأبْوابُ" لِأنَّ المَعْنى: مُفَتَّحَةً لَهم أبْوابُها، والعَرَبُ تَجْعَلُ الألِفَ واللّامَ خَلَفًا مِنَ الإضافَةِ، فَيَقُولُونَ: مَرَرْتُ عَلى رَجُلٍ حَسَنِ العَيْنِ، وقَبِيحِ الأنْفِ، والمَعْنى: حَسَنَةٌ عَيْنُهُ، قَبِيحٌ أنْفُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى ﴾ والمَعْنى: مَأْواهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: مُفَتَّحَةٌ لَهُمُ الأبْوابُ مِنها، فالألِفُ واللّامُ لِلتَّعْرِيفِ، لا لِلْبَدَلِ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والفائِدَةُ في ذِكْرِ تَفْتِيحِ الأبْوابِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أخْبَرَ عَنْها أنَّ أبْوابَها تُفْتَحُ لَهم بِغَيْرِ فَتْحِ سُكّانِها لَها بِيَدٍ، ولَكِنْ بِالأمْرِ، قالَ الحَسَنُ: هي أبْوابُ تُكَلَّمُ، فَتُكَلَّمُ: انْفَتِحِي، انْغَلِقِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ ﴾ قَدْ مَضى بَيانُهُ في [الصّافّاتِ: ٤٨] .
قالَ الزَّجّاجُ: والأتْرابُ: اللَّواتِي أسْنانُهُنَّ واحِدَةٌ وهُنَّ في غايَةِ الشَّبابِ والحُسْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا ما تُوعَدُونَ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ، والباقُونَ بِالتّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَوْمِ الحِسابِ ﴾ اللّامُ بِمَعْنى "فِي" .
والنَّفادُ: الِانْقِطاعُ.
قالَ السُّدِّيُّ: كُلَّما أُخِذَ مِن رِزْقِ الجَنَّةِ شَيْءٌ، عادَ مِثْلُهُ.
<div class="verse-tafsir"