الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 39 الزمر > الآيات ١١-١٨
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ : ما حَمَلَكَ عَلى الَّذِي أتَيْتِنا بِهِ؟!
ألا تَنْظُرَ إلى مِلَّةِ آَبائِكَ فَتَأْخُذَ بِها؟!
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ؛ والمَعْنى: ﴿ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾ أيْ: أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَهُ عَلى التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ السّالِمِ مِنَ الشِّرْكَ، ﴿ وَأُمِرْتُ لأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ ﴾ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.
﴿ قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ بِالرُّجُوعِ إلى دِينِ آَبائِي ﴿ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ وقَدِ اخْتَلَفُوا في نَسْخِ هَذِهِ الآَيَةِ كَما بَيَّنّا في نَظِيرَتِها في [الأنْعامِ: ١٥] .
﴿ قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي ﴾ بِالتَّوْحِيدِ، ﴿ فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ ﴾ ، وهَذا تَهْدِيدٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: هو مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، وهَذا باطِلٌ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ أمْرًا، كانَ مَنسُوخًا، فَأمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الوَعِيدِ، فَلا وجْهَ لِنَسْخِهِ.
﴿ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِأنْ صارُوا إلى النّارِ [وَ]خَسِرُوا ﴿ أهْلِيهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: أنَّهم خَسِرُوا الحُورَ العَيْنَ اللَّواتِي أُعْدِدْنَ لَهم في الجَنَّةِ لَوْ أطاعُوا قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: خَسِرُوا الأهْلَ في النّارِ، إذْ لا أهْلَ لَهم فِيها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: خَسِرُوا أهْلِيهِمُ الَّذِينَ كانُوا في الدُّنْيا، إذْ صارُوا إلى النّارِ بِكُفْرِهِمْ، وصارَ أهْلُوهُهم إلى الجَنَّةِ بِإيمانِهِمْ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِن النّارِ ﴾ وهي الأطْباقُ مِنَ النّارِ.
وإنَّما قالَ: ﴿ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ لِأنَّها ظُلَلٌ لِمَن تَحْتَهم ﴿ ذَلِكَ ﴾ الَّذِي وصَفَ اللَّهَ مِنَ العَذابِ ﴿ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ ﴾ المُؤْمِنِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ ﴾ رَوى ابْنُ زَيْدٍ عَنِ أبِيهِ أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ والَّتِي بَعْدَها نَزَلَتْ في ثَلاثَةِ نَفَرٍ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُوَحِّدُونَ اللَّهَ تَعالى: زِيدُ بْنُ عَمْرٍو بْنُ نُفَيْلٍ، وأبُو ذَرٍّ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ، رِضى اللَّهِ عَنْهُمْ؛ قالَ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ ﴾ بِغَيْرِ كِتابٍ ولا نَبِيٍّ.
وَفِي المُرادِ بِالطّاغُوتِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.
أحَدُها: الشَّياطِينُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: الكَهَنَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّالِثُ: الأوْثانُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، فَعَلى قَوْلِ مُقاتِلٍ هَذا: إنَّما قالَ: "يَعْبُدُوها" لِأنَّها مُؤَنَّثَةٌ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّما قالَ: "يَعْبُدُوها" لِأنَّ الطّاغُوتَ في مَعْنى جَماعَةٍ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ واحِدًا مُؤَنَّثًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنابُوا إلى اللَّهِ ﴾ أيْ: رَجَعُوا إلَيْهِ بِالطّاعَةِ ﴿ لَهُمُ البُشْرى ﴾ بِالجَنَّةِ ﴿ فَبَشِّرْ عِبادِ ﴾ بِباءٍ، وحَرَّكَ الياءَ أبُو عَمْرٍو.
ثُمَّ نَعَتَهم فَقالَ: ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: [أنَّهُ] القُرْآَنُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
فَعَلى هَذا، في مَعْنى ﴿ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ ﴾ أقْوالٌ قَدْ شَرَحْناها في [الأعْرافِ: ١٤٥] عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها ﴾ .
والثّانِي: أنَّهُ جَمِيعُ الكَلامِ.
ثُمَّ في المَعْنى قَوْلانِ.
أحَدُهُما: [أنَّهُ الرَّجُلُ] يَجْلِسُ مَعَ القَوْمِ فَيَسْمَعُ كَلامَهُمْ، فَيَعْمَلُ بِالمَحاسِنِ ويُحَدِّثُ بِها، ويَكُفُّ عَنِ المَساوِئِ وُيُظْهِرُها، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: [أنَّهُ] لَمّا ادَّعى مُسَيْلِمَةُ أنَّهُ قَدْ أتى بِقُرْآَنٍ، وأتَتِ الكَهَنَةُ بِالكَلامِ المُزَخْرَفِ في الأباطِيلِ، فَرَّقَ المُؤْمِنُونَ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ كَلامِ اللَّهِ، فاتَّبَعُوا كَلامَ اللَّهِ، ورَفَضُوا أباطِيلَ أُولَئِكَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
<div class="verse-tafsir"