الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 5 المائدة > الآية ٦٧
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى أسْبابٍ، رَوى الحَسَنُ «أنَّ النَّبِيَّ قالَ:» "لَمّا بَعَثَنِي اللَّهُ بِرِسالَتِهِ، ضِقْتُ بِها ذَرْعًا، وعَرَفْتُ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يُكَذِّبُنِي" «، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ، يَهابُ قُرَيْشًا واليَهُودَ والنَّصارى، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.» وقالَ مُجاهِدٌ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ ﴾ قالَ: "يا رَبِّ كَيْفَ أصْنَعُ؟
إنَّما أنا وحْدِي يَجْتَمِعُ عَلَيَّ النّاسُ"، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ﴾ وقالَ مُقاتِلٌ: لَمّا دَعا اليَهُودَ، وأكْثَرَ عَلَيْهِمْ، جَعَلُوا يَسْتَهْزِؤُونَ بِهِ، فَسَكَتَ عَنْهم، فَحُرِّضَ بِهَذِهِ الآيَةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ يُحْرَسُ فَيُرْسِلُ مَعَهُ أبُو طالِبٍ كُلَّ يَوْمٍ رِجالًا مِن بَنِي هاشِمٍ يَحْرُسُونَهُ حَتّى نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ: "يا عَمّاهُ إنَّ اللَّهَ قَدْ عَصَمَنِي مِنَ الجِنِّ والإنْسِ" .» وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: «نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ذاتَ يَوْمٍ تَحْتَ شَجَرَةٍ وعَلَّقَ سَيْفَهُ فِيها، فَجاءَ رَجُلٌ فَأخَذَهُ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ مَن يَمْنَعُنِي مِنكَ؟
فَقالَ: "اللَّهُ"، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ﴾ .
قالَتْ عائِشَةُ: سَهِرَ رَسُولُ اللَّهِ ذاتَ لَيْلَةٍ، فَقُلْتُ: ما شَأْنُكَ؟
قالَ: ألا رَجُلٌ صالِحٌ يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ، فَبَيْنَما نَحْنُ في ذَلِكَ إذْ سَمِعْتُ صَوْتَ السِّلاحِ، فَقالَ: "مَن هَذا"؟
فَقالَ: سَعْدٌ وحُذَيْفَةُ جِئْنا نَحْرُسُكَ، فَنامَ رَسُولُ اللَّهِ حَتّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ، فَنَزَلَتْ ﴿ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ﴾ فَأخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ رَأسَهُ مِن قُبَّةِ أدَمٍ وقالَ: "انْصَرِفُوا أيُّها النّاسُ، فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ تَعالى" .» قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ مَعْناهُ: بَلِّغَ جَمِيعَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ، ولا تُراقِبَنَّ أحَدًا، ولا تَتْرُكَنَّ شَيْئًا مِنهُ مَخافَةَ أنْ يَنالَكَ مَكْرُوهٌ، فَإنْ تَرَكْتَ مِنهُ شَيْئًا، فَما بَلَّغْتَ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿ واللَّهُ يَعْصِمُكَ ﴾ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنْ كَتَمْتَ آيَةً فَما بَلَّغْتَ رِسالَتِي.
وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى: بَلِّغَ جَمِيعَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ جَهْرًا، فَإنْ أخْفَيْتَ شَيْئًا مِنهُ لِخَوْفِ أذًى يَلْحَقُكَ، فَكَأنَّكَ ما بَلَّغْتَ شَيْئًا.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "رِسالَتَهُ" عَلى التَّوْحِيدِ.
وقَرَأ نافِعٌ: "رِسالاتِهِ" عَلى الجَمْعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَمْنَعُكَ مِنهم.
وعِصْمَةُ اللَّهِ: مَنعُهُ لِلْعَبْدِ مِنَ المَعاصِي، ويُقالُ: طَعامٌ لا يَعْصِمُ، أيْ: لا يَمْنَعُ مِنَ الجُوعِ.
فَإنْ قِيلَ: فَأيْنَ ضَمانُ العِصْمَةِ وقَدْ شُجَّ جَبِينُهُ، وكُسِرَتْ رَباعِيَّتُهُ، وبُولِغَ في أذاهُ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ عَصَمَهُ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ وتَلَفِ الجُمْلَةِ، فَأمّا عَوارِضُ الأذى، فَلا تَمْنَعُ عِصْمَةَ الجُمْلَةِ.
والثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَما جَرى عَلَيْهِ ذَلِكَ، لِأنَّ "المائِدَةَ" مِن أواخِرِ ما نَزَلَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ.
والثّانِي: لا يُعِينُهم عَلى بُلُوغِ غَرَضِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"