الإسلام > القرآن > تفسير > زاد المسير > سورة 56 الواقعة > الآيات ١-١٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 7 دقيقة قراءةسُورَةُ الواقِعَةِ وَفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وجابِرٌ، ومُقاتِلٌ.
وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ فِيها آيَةً مَدَنِيَّةً وهي قَوْلُهُ: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ ﴾ والثّانِي: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: لَمّا قالَ المُشْرِكُونَ: مَتى هَذا الوَعْدُ، مَتى هَذا الفَتْحُ؟!
نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ ﴾ .
فالمَعْنى يَكُونُ إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ قالَ المُفَسِّرُونَ: والواقِعَةُ: القِيامَةُ، وكُلُّ آتٍ يُتَوَقَّعُ، يُقالُ لَهُ إذا كانَ: قَدْ وقَعَ، والمُرادُ بِها ها هُنا: النَّفْخَةُ في الصُّورِ لِقِيامِ السّاعَةِ.
﴿ لَيْسَ لِوَقْعَتِها ﴾ أيْ: لِظُهُورِها ومَجِيئِها "كاذِبَةٌ" أيْ: كَذِبٌ،كَقَوْلِهِ: ﴿ لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً ﴾ أيْ: لَغْوًا.
قالَ الزَّجّاجُ: و"كاذِبَةٌ" مَصْدَرٌ، كَقَوْلِكَ: عافاهُ اللَّهُ عافِيَةً، وكَذَبَ كاذِبَةً، فَهَذِهِ أسْماءٌ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ.
وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: لا رَجْعَةَ لَها ولا ارْتِدادَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: لَيْسَ الإخْبارُ عَنْ وُقُوعِها كَذِبًا، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خافِضَةٌ ﴾ أيْ: هي خافِضَةٌ ﴿ رافِعَةٌ ﴾ وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وأبُو العالِيَةِ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وأبُو حَيْوَةَ، واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ: "خافِضَةً رافِعَةً" بِالنَّصْبِ فِيهِما.
وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها خَفَضَتْ فَأسْمَعَتِ القَرِيبَ، ورَفَعَتْ فَأسْمَعَتِ البَعِيدَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالواقِعَةِ: صَيْحَةُ القِيامَةِ.
والثّانِي: أنَّها خَفَضَتْ ناسًا، ورَفَعَتْ آخَرِينَ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: تَخْفِضُ أقْوامًا إلى أسْفَلِ السّافِلِينَ في النّارِ، وتَرْفَعُ أقْوامًا إلى عِلِّيِّينَ في الجَنَّةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا ﴾ أيْ: حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً وزُلْزِلَتْ، وذَلِكَ أنَّها تَرْتَجُّ حَتّى يَنْهَدِمَ ما عَلَيْها مِن بِناءٍ، ويَتَفَتَّتُ ما عَلَيْها مِن جَبَلٍ.
وفي ارْتِجاجِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ لِإماتَةِ مَن عَلَيْها مِنَ الأحْياءِ.
والثّانِي لِإخْراجِ مَن في بَطْنِها مِنَ المَوْتى.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: فُتِّتَتْ فَتًّا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فُتِّتَتْ حَتّى صارَتْ كالدَّقِيقِ والسَّوِيقِ المَبْسُوسِ.
والثّانِي: لُتَّتْ، قالَهُ قَتادَةُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: خُلِطَتْ ولُتَّتْ.
قالَ الشّاعِرُ: لا تَخْبِزُوا خَبْزًا وبُسّا بَسّا وَفِي "الهَباءِ" أقْوالٌ قَدْ ذَكَرْناها في [الفُرْقانِ: ٢٣] .
وذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّ الهَباءَ المُنْبَثَّ: ما سَطَعَ مِن سَنابِكِ الخَيْلِ، وهو مِنَ "الهَبْوَةِ"، والهَبْوَةُ: الغُبارُ.
والمَعْنى: كانَتْ تُرابًا مُنْتَشِرًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُنْتُمْ أزْواجًا ﴾ أيْ: أصْنافًا "ثَلاثَةً" .
"فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ " فِيهِمْ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: [أنَّهُمُ] الَّذِينَ كانُوا عَلى يَمِينِ آدَمَ حِينَ أُخْرِجَتْ ذُرِّيَّتُهُ مِن صُلْبِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والقُرَظِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا مَيامِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ، أيْ: مُبارَكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ، والرَّبِيعُ.
والرّابِعُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ أُخِذُوا مِن شِقِّ آدَمَ الأيْمَنِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والخامِسُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ مَنزِلَتُهم عَنِ اليَمِينِ، قالَهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ.
والسّادِسُ: أنَّهم أهْلُ الجَنَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والسّابِعُ: أنَّهم أصْحابُ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّامِنُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ يُؤْخَذُ [بِهِمْ] ذاتَ اليَمِينِ إلى الجَنَّةِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: عَجَّبَ نَبِيَّهُ مِنهُمْ؛ والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ هُمْ؟!
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا اللَّفْظُ في العَرَبِيَّةِ مَجْراهُ مَجْرى التَّعَجُّبِ، ومَجْراهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في مُخاطَبَةِ العِبادِ ما يُعَظَّمُ بِهِ الشَّأْنُ عِنْدَهُمْ، ومِثْلُهُ: ﴿ ما الحاقَّةُ ﴾ ، ﴿ ما القارِعَةُ ﴾ ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومِثْلُهُ أنْ يَقُولَ: زَيْدٌ ما زَيْدٌ!
أيْ: أيُّ رَجُلٍ هُوَ!
﴿ وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ ﴾ \[أيْ: أصْحابُ\] الشِّمالِ، والعَرَبُ تُسَمِّي اليَدَ اليُسْرى: الشُّؤْمى، والجانِبَ الأيْسَرَ: الأشْأمَ، ومِنهُ قِيلَ: اليُمْنُ والشُّؤْمُ، فاليُمْنُ: كَأنَّهُ [ما] جاءَ عَنِ اليَمِينِ، والشُّؤْمُ [ما جاءَ] عَنِ الشِّمالِ، ومِنهُ سُمِّيَتِ "اليَمَنُ" و "الشَّأْمُ" لِأنَّها عَنْ يَمِينِ الكَعْبَةِ وشِمالِها.
قالَ المُفَسِّرُونَ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ: هُمُ الَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ، ويُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ؛ وتَفْسِيرُ أصْحابِ المَشْأمَةِ عَلى ضِدٍّ تَفْسِيرِ أصْحابِ المَيْمَنَةِ سَواءً؛ والمَعْنى: أيُّ قَوْمٍ هُمْ؟!
ماذا أُعِدَّ لَهم مِنَ العَذابِ؟!
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والسّابِقُونَ السّابِقُونَ ﴾ فِيهِمْ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُمُ السّابِقُونَ إلى الإيمانِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا [إلى] القِبْلَتَيْنِ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.
والثّالِثُ: أهْلُ القُرْآنِ، قالَهُ كَعْبٌ.
والرّابِعُ: الأنْبِياءُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
والخامِسُ: السّابِقُونَ إلى المَساجِدِ وإلى الخُرُوجِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ.
وَفِي إعادَةِ ذِكْرِهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنْ ذَلِكَ لِلتَّوْكِيدِ.
والثّانِي: أنَّ المَعْنى: السّابِقُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ هُمُ السّابِقُونَ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ، ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: يَعْنِي عِنْدَ اللَّهِ في ظِلِّ عَرْشِهِ وجِوارِهِ.
<div class="verse-tafsir"