الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 111 المسد > الآيات ١-٥
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءة(أبو لهب): هو عبد العزى بن عبد المطلب عم رسول الله .
كان من أشد الناس عداوة له.
وصح في الخبر أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ﴾ صعد النبي على الصفا ونادى بطون قريش، فاجتمع من جميع القبائل خلق كثير، حتى جعل الرجل إذا لم يذهب يرسل رسولًا لينظر ما الخبر.
وكان في المجتمعين أبو لهب - فقال رسول الله : أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟
قالوا: نعم، وما جربنا عليك إلا صدقًا.
قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.
فقال أبو لهب: "تبًا لك سائر الأيام!
ألهذا جمعتنا؟".
وكان أبو لهب يتبع النبي في بعض غدواته إلى القبائل يدعوها إلى الله، فإذا قال رسو الله: "إني رسول الله إليكم" يكذبه عمه وينهي الناس عن تصديقه، وكانت امرأته -أم جميل بنت حرب أُخت أبي سفيان، وعمة معاوية - تسعى عند القوم بالنميمة على رسول الله لتفسد عليه قلوب القوم والعشيرة.
والساعي بالنميمة يلقب بحامل الحطب، كما قال الراجز: إن بني الأردم حمالو الحطب هم الوشاة في الرضاء والغضب وفي كلامهم كثير من الشواهد على ذلك.
ولقب عبد العزى بأبي لهب لتلهب وجنتيه وإشراقهما، كما زعموا.
وقد أنزل الله فيه وفي زوجته هذه السورة ليكون مثلًا يعتبر به من يعادي ما أنزل الله على نبيه مطاوعة لهواه، وإيثارًا لما ألفه من العقائد والعوائد والأعمال، واغترارًا بما عنده من الأموال وبما له من الصولة أو من المنزلة في قلوب الرجال.
قال تعالى: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ .
تبت يدا فلان أي خسر أو هلك والجملة الأولى (تبت يد أبي لهب) دعاء عليه بأن يخسر أو يهلك.
ولما كانت اليد هي آلة العمل والبطش، فإذا هلكت وانقطعت أو خسرت، كان الشخص كأنه معدوم هالك -عد العرب خسرانها كناية عن خسران الشخص نفسه، وهلاكها كناية عن هلاكه- فإذا دعي عليه بخسران يديه فقد دعي عليه بخسرانه.
ولذلك قال بعد الجملة الدعائية: (وتب) أي وهلك أو خسر هو أي أبو لهب، أي أن ما دعي به عليه لم يكن لمجرد نكايته وإظهار مقته وشدة الغضب عليه -كما جرت به سنة العرب في كلامهم- بل هذا دعاء فيه ما تعرفه العرب، وفيه -مع ذلك- أنه بأمر واقع، فإن أبا لهب قد هلك أو خسر بالفعل.
والواو في قوله: ﴿ وَتَبَّ ﴾ للاستئناف أي وهو قد تب.
ثم استأنف الكلام بغير حرف لبيان أن ما كان يتعزز به من المال والجاه لم يكن مما يفديه ويخلصه من الخسران ..
فقال: ﴿ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾ : أي لم يفده ماله ولا عمله الذي كان يأتيه في معاداة النبي طلبًا للعلو والظهور.
﴿ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ﴾ : لهب النار: هو ما يسطع منها عند اشتعالها وتوقدها.
أراد بوصفها هذا أنها نار شديدة الحرارة.
والمراد من هذه النار نار الآخرة التي لا يعلم حقيقتها إلا الله، وسيعذب فيها أبو لهب جزاء ما كان يأتيه من العناد والمجاحدة، وسيصلاها معه امرأته أم جميل، كما قال الله ﴿ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَب ﴾ .
فامرأته معطوفة على ضمير أبي لهب.
﴿ حَمَّالَةَ الْحَطَب ﴾ : نصب على فعل محذوف قصد به التخصيص بالذم: أي وامرأته -تلك النمامة الواشية التي تؤجج النار بين الناس بنميمتها- كأنها تحمل الحطب لتحرق ما بينهم من الصلات.
ولزيادة التبشيع في التصوير قال: ﴿ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴾ : أي في عنقها حبل من الليف، أي إنها -في تكليف نفسها المشقة الفادحة للإفساد بين الناس، وتأريث نيران العداوة بينهم- بمنزلة حامل الحطب الذي في عنقه حبل خشن يشد به ما حمله إلى عنقه حتى يستقل به.
وهذه أشنع صورة تظهر بها امرأة تحمل الحطب، وفي عنقها حبل من الليف تشد به الحطب إلى كاهلها حتى تكاد تختنق به.
وقد علمت مما أشرنا إليه سابقًا أن الله لم يعن بسب أبي لهب بلقبه المعروف به عند قومه لمجرد عداوته للنبي .
ولو كان كذلك لذكر الكتاب مثل عقبة بن أبي معيط، والعاص بن وائل وغيرهم من أكبار أعدائه -ممن كنى عنهم أحيانًا بأوصافهم، ولم يذكرهم- وإنما خص أبا لهب بالذكر لأنه قد اشتهر بالتكذيب وتأثر النبي في حركاته ليحبط مساعيه، ويصد الناس عن الإقبال عليه.
فكأنه بذلك صار ممثلًا للصاد عن الحق، المنفر للناس من فهم ما أنزل الله على نبيه، المحول لهم عن الإصغاء إلى الكلم الطيب وتناول ما ضمنته من الهدى والدلالة على نهج النجاة.
فما تضمنه الدعاء من النكاية، وما جاء به الوعيد من سوء العاقبة، يلاقي كل محول للناس عن تدبر كتاب الله وفهم ما جاء فيه من عبر وأحكام.
فجميع أولئك الذين يقولون لك إنك مهما بلغت من العلم لا يمكنك أن تعرف عن الله من كتابه ولا من كلام نبيه شيئًا من الأحكام والعقائد، ولا يجوز لك أن تستند في تقرير حكم إلى آيات الكتاب ولا إلى الصحيح من السنة والعقائد، وإنما الواجب عليك أن ترجع إلى قول فلان ورأي فلان.
وإن وصلت من معرفة لغة الكتاب والسنة إلى أعلى غاية ..
أولئك هم آباء لهب لا تغني عنهم أموالهم ولا أعمالهم شيئًا، وسيصلون ما يصلى، وكل امرأة تنم بين الناس لتفرق كلمتهم، وتذهب بهم مذاهب السوء ممثلة في هذا المثال نازل بها ذلك النكال.
نسأل الله العافية، ونحمده على هدايته الواقية.