تفسير الآية ١٠٩ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ١٠٩ من سورة يونس

وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ ۚ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ ١٠٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 39 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٠٩ من سورة يونس من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٠٩ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( واتبع ما يوحى إليك واصبر ) أي : تمسك بما أنزل الله عليك وأوحاه واصبر على مخالفة من خالفك من الناس ، ( حتى يحكم الله ) أي : يفتح بينك وبينهم ، ( وهو خير الحاكمين ) أي : خير الفاتحين بعدله وحكمته .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واتبع ، يا محمد وحي الله الذي يوحيه إليك ، وتنـزيله الذي ينـزله عليك، فاعمل به، واصبر على ما أصابك في الله من مشركي قومك من الأذى والمكاره ، وعلى ما نالك منهم ، حتى يقضي الله فيهم وفيك أمره بفعلٍ فاصلٍ ، ( وهو خير الحاكمين) ، يقول: وهو خير القاضين وأعدل الفاصلين .

(9) فحكم جل ثناؤه بينه وبينهم يوم بَدْرٍ، ، وقتلهم بالسيف، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم فيمن بقي منهم أن يسلك بهم سبيل من أهلك منهم ، أو يتوبوا ويُنيبوا إلى طاعته، كما:- 17914- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ( وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ) ، قال: هذا منسوخ ، (حتى يحكم الله) ، حكم الله بجهادهم ، وأمره بالغلظة عليهم .

(10) آخر تفسير سورة يونس

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمينقوله تعالى واتبع ما يوحى إليك واصبر قيل : نسخ بآية القتال : وقيل : ليس منسوخا ; ومعناه اصبر على الطاعة وعن المعصية .

وقال ابن عباس : لما نزلت جمع النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار ولم يجمع معهم غيرهم فقال : إنكم ستجدون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض وعن أنس بمثل ذلك ; ثم قال أنس : فلم يصبروا فأمرهم بالصبر كما أمره الله تعالى ; وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن حسان :ألا أبلغ معاوية بن حرب أمير المؤمنين نثا كلامي بأنا صابرون ومنظروكمإلى يوم التغابن والخصامحتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ابتداء وخبر ; لأنه عز وجل لا يحكم إلا بالحق .تمت سورة يونس والحمد لله وحده

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَاتَّبَعَ } أيها الرسول { مَا يُوحَى إِلَيْكَ } علمًا، وعملاً، وحالاً، ودعوة إليه، { وَاصْبِرْ } على ذلك، فإن هذا أعلى أنواع الصبر، وإن عاقبته حميدة، فلا تكسل، ولا تضجر، بل دم على ذلك، واثبت، { حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ } بينك وبين من كذبك { وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ } فإن حكمه، مشتمل على العدل التام، والقسط الذي يحمد عليه.

وقد امتثل صلى الله عليه وسلم أمر ربه، وثبت على الصراط المستقيم، حتى أظهر الله دينه على سائر الأديان، ونصره على أعدائه بالسيف والسنان، بعد ما نصره الله عليهم، بالحجة والبرهان، فلله الحمد، والثناء الحسن، كما ينبغي لجلاله، وعظمته، وكماله وسعة إحسانه.

تم تفسير سورة يونس والحمد لله رب العالمين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله ) بنصرك وقهر عدوك وإظهار دينه ، ( وهو خير الحاكمين ) فحكم بقتال المشركين وبالجزية على أهل الكتاب يعطونها عن يد وهم صاغرون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«واتبع ما يوحى إليك» من ربِّك «واصبر» على الدعوة وأذاهم «حتى يحكم الله» فيهم بأمره «وهو خير الحاكمين» أعدَلهم، وقد صبر حتى حكم على المشركين بالقتال وأهل الكتاب بالجزية.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واتبع -أيها الرسول- وحي الله الذي يوحيه إليك فاعمل به، واصبر على طاعة الله تعالى، وعن معصيته، وعلى أذى من آذاك في تبليغ رسالته، حتى يقضي الله فيهم وفيك أمره، وهو -عزَّ وجل- خير الحاكمين؛ فإن حكمه مشتمل على العدل التام.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمره - سبحانه - باتباع ما أوحاه إليه فقال : ( واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ واصبر حتى يَحْكُمَ الله وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين ) .أى : ( واتبع ) - أيها الرسول الكريم - فى جميع شئونك ( مَا يوحى إِلَيْكَ ) من ربك من تشريعات حكيمة ، وآداب قويمة .

.( واصبر ) على مشاق الدعوة وتكاليفها .

.

.( حتى يَحْكُمَ الله ) بينك وبين قومك ، ( وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين ) .

لنه هو العليم بالظواهر والبواطن ، وهو الذى لا معقب لحكمه .وبعد : فهذه هى سورة يونس - عليه السلام - رأينا ونحن نفسرها كيف أقامت الأدلة على وحدانية الله - عز وجل - وعلى كمال قدرته ، وشمول علمه ، ونفاذ إرادته ، وسعة رحمته ، وسمو عزته .

.وكيف أنها أقامت الأدلة - أيضاً - على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه ، وعلى أن هذا القرآن من عنده - سبحانه .وكيف أنها ساقت الأدلة على أن يوم القيامة حق ، وعلى أحوال الناس فيه ، مما يرقق القلوب القاسية ، ويبعث فى النفوس الخشية وحسن الاستعداد لهذا اليوم الهائل الشديد ، وكيف أنها ساقت جانبا من أحوال بعض الأنبياء مع أممهم ، وقررت سنة من سنن الله التي لا تتخلف ، وهى نجاة رسل الله والمؤمنين بهم ، وجعل الرجس على الذين لا يعقلون .وكيف أنها بينت أحوال الناس فى السراء والضراء .

.

.

بيانا صادقا قوياً مؤثراً ، من شأنه أن يحملهم على التحلى بالأخلاق الكريمة والتخلى عن الأخلاق الذميمة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما قرر الدلائل المذكورة في التوحيد والنبوة والمعاد وزين آخر هذه السورة بهذه البيانات الدالة على كونه تعالى مستبداً بالخلق والإبداع والتكوين والاختراع، ختمها بهذه الخاتمة الشريفة العالية، وفي تفسيرها وجهان: الأول: أنه من حكم له في الأزل بالاهتداء، فسيقع له ذلك، ومن حكم له بالضلال فكذلك ولا حيلة في دفعه.

الثاني: وهو الكلام اللائق بالمعتزلة قال القاضي: إنه تعالى بين أنه أكمل الشريعة وأزاح العلة وقطع المعذرة ﴿ فَمَنُ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾ فلا يجب علي من السعي في إيصالكم إلى الثواب العظيم، وفي تخليصكم من العذاب الأليم أزيد مما فعلت.

قال ابن عباس: هذه الآية منسوخة بآية القتال.

ثم إنه تعالى ختم هذه الخاتمة بخاتمة أخرى لطيفة فقال: ﴿ واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ واصبر حتى يَحْكُمَ الله وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين ﴾ .

والمعنى أنه تعالى أمره باتباع الوحي والتنزيل، فإن وصل إليه بسبب ذلك الاتباع مكروه فليصبر عليه إلى أن يحكم الله فيه وهو خير الحاكمين.

وأنشد بعضهم في الصبر شعراً فقال: سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري *** وأصبر حتى يحكم الله في أمري أصبر حتى يعلم الصبر أنني *** صبرت على شيء أمر من الصبر تم تفسير هذه السورة والله أعلم بمراده بأسرار كتابه بعون الله وحسن توفيقه.

يقول جامع هذا الكتاب: ختمت تفسير هذه السورة يوم السبت من شهر الله الأصم رجب سنة إحدى وستمائة وكنت ضيق الصدر كثير الحزن بسبب وفاة الولد الصالح محمد أفاض الله على روحه وجسده أنواء المغفرة والرحمة، وأنا ألتمس من كل من يقرأ هذا الكتاب وينتفع به من المسلمين أن يخص ذلك المسكين بالدعاء والرحمة والغفران والحمد لله رب العالمين، وصلاته على خير خلقه محمد وآله وصحبه أجمعين.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ واصبر ﴾ على دعوتهم واحتمال أذاهم وإعراضهم ﴿ حتى يَحْكُمَ الله ﴾ لك بالنصرة عليهم والغلبة.

وروي أنها لما نزلت جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار فقال: «إنكم ستجدون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني» يعني أني أُمرت في هذه الآية بالصبر على ما سامتني الكفرة فصبرت فاصبروا أنتم على ما يسومكم الأمراء الجورة، قال أنس: فلم نصبر.

وروي أنّ أبا قتادة تخلف عن تلقي معاوية حين قدم المدينة وقد تلقته الأنصار، ثم دخل عليه من بعد، فقال له: ما لك لم تتلقنا؟

قال: لم تكن عندنا دواب.

قال: فأين النواضح؟

قال: قطعناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر، وقال صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الأنصار، إنكم ستلقون بعدي أثرة» قال معاوية: فماذا قال: قال: «فاصبروا حتى تلقوني» قال فاصبر.

قال: إذن نصبر.

فقال عبد الرحمن بن حسان: أَلاَ أبْلِغْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْب ** أَمِيرَ الظّالِمِينَ نَثَا كَلاَمِي بِأَنّا صَابِرُونَ فَمُنْظِرُوكُم ** إلَى يَوْمِ التَّغَابُنِ وَالْخِصَامِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة يونس أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بيونس وكذب به، وبعدد من غرق مع فرعون» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ ﴾ رَسُولُهُ أوِ القُرْآنُ ولَمْ يَبْقَ لَكم عُذْرٌ.

﴿ فَمَنِ اهْتَدى ﴾ بِالإيمانِ والمُتابَعَةِ.

﴿ فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ﴾ لِأنَّ نَفْعَهُ لَها.

﴿ وَمَن ضَلَّ ﴾ بِالكُفْرِ بِهِما.

﴿ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ﴾ لِأنَّ وبالَ الضَّلالِ عَلَيْها.

﴿ وَما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ ﴾ بِحَفِيظٍ مَوْكُولٍ إلى أمْرِكم، وإنَّما أنا بَشِيرٌ ونَذِيرٌ.

﴿ واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ ﴾ بِالِامْتِثالِ والتَّبْلِيغِ.

﴿ واصْبِرْ ﴾ عَلى دَعْوَتِهِمْ وتَحَمَّلْ أذِيَّتَهم.

﴿ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ ﴾ بِالنُّصْرَةِ أوْ بِالأمْرِ بِالقِتالِ.

﴿ وَهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ ﴾ إذْ لا يُمْكِنُ الخَطَأُ في حُكْمِهِ لِاطِّلاعِهِ عَلى السَّرائِرِ اطِّلاعُهُ عَلى الظَّواهِرِ.

عَنِ النَّبِيِّ  «مَن قَرَأ سُورَةَ يُونُسَ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن صَدَّقَ بِيُونُسَ وكَذَّبَ بِهِ وبِعَدَدِ مَن غَرِقَ مَعَ فِرْعَوْنَ» .

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ واصبر} على تكذيبهم وايذائهم {حتى يحكم الله} لك بالنصرة عليهم والغلبة {وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين} لأنه المطلع على السرائر فلا يحتاج إلى بينة وشهود

سورة هود عليه السلام مكية وهى مائة وثلاث وعشرون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

هود (١ _ ٣)

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ واتَّبِعْ ﴾ في جَمِيعِ شُؤُونِكَ مِنَ الِاعْتِقادِ والعَمَلِ والتَّبْلِيغِ ما يُوحى إلَيْكَ عَلى نَهْجِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ والتَّعْبِيرُ عَنْ بُلُوغِ الحَقِّ المُفَسَّرِ بِالقُرْآنِ إلَيْهِمْ بِالمَجِيءِ وإلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالوَحْيِ تَنْبِيهٌ عَلى ما بَيْنَ المَرْتَبَتَيْنِ مِنَ التَّنافِي وإذا أُرِيدَ مِنَ الحَقِّ ما قِيلَ فالأمْرُ ظاهِرٌ جِدًّا ﴿ واصْبِرْ ﴾ عَلى ما يَعْتَرِيكَ مِن مَشاقِّ التَّبْلِيغِ وأذى مَن ضَلَّ ﴿ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ ﴾ بِالنُّصْرَةِ عَلَيْهِ أوْ بِالأمْرِ بِالقِتالِ ﴿وهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ 109﴾ إذْ لا يُمْكِنُ الخَطَأُ في حُكْمِهِ تَعالى لِاطِّلاعِهِ عَلى السَّرائِرِ كاطِّلاعِهِ عَلى الظَّواهِرِ وغَيْرُهُ جَلَّ شَأْنُهُ مِنَ الحاكِمِينَ إنَّما يَطَّلِعُ عَلى الظَّواهِرِ فَيَقَعُ الخَطَأُ في حُكْمِهِ ولا يَخْفى ما في هَذِهِ الآياتِ مِنَ المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وتَسْلِيَةِ النَّبِيِّ  ووَعْدٍ لِلْمُؤْمِنِينَ والوَعِيدِ لِلْكافِرِينَ والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى رَبِّ العالَمِينَ والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ الَّذِي يُؤْنِسُ ذِكْرُهُ قُلُوبَ المُوَحِّدِينَ وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ يعني: يا أهل مكة قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ يعني: محمدا  والقرآن، فَمَنِ اهْتَدى يعني: من آمن بمحمد  والقرآن، فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ يعني: ومن كفر ولم يؤمن به، فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها يعني: جنايته على نفسه، وإثم الضلالة على نفسه، وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ يعني: لست عليكم بمسلط، وهذا قبل الأمر بالقتال.

ثم قال تعالى: وَاتَّبِعْ مَا يُوحى إِلَيْكَ يعني: إن لم يصدقوك، فاعمل بما أنزل إليك من القرآن، وَاصْبِرْ على تكذيبهم، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ يعني: يقضي الله تعالى بعذابهم في الدنيا وفي الآخرة، وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ يعني: أعدل العادلين.

ويقال: وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ يعني: حتى يأمر الله تعالى المؤمنين بقتالهم.

ويقال: فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ يعني: من اجتهد حتى اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدى لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها يعني: ومن تغافل عن الحق حتى ضل فعقوبته عليها والله أعلى وأعلم، وصلى الله على سيدنا محمد.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي ...

الآية، مخاطبةٌ عامَّة للناس أجمعين إِلى يوم القيامة.

وقوله: وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ...

الآية: الوجْهُ في هذه الآية بمعنى المَنْحَى والمَقْصِد، أي: اجعل طريقك واعتمالك للدِّين والشرْعِ.

وقوله تعالى: وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ ...

الآية، قد تقدَّم أن ما كان من هذا النوع، فالخطاب فيه للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمرادُ غيره.

وقوله سبحانه: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ...

الآية: مقصودُ هذه الآية أن الحَوْل والقُوَّة للَّهِ، والضر لفظ جامعٌ لكلِّ ما يكرهه الإِنسان.

وقوله: وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ لفظ تامّ العموم.

وقوله سبحانه: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ: هذه مخاطبةٌ لجميع الكفّار ومستمرّة مدى الدهر، والْحَقُّ: هو القرآن والشرْعُ الذي جاء به النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله: وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ: منسوخَةٌ بالقتَالِ.

وقوله سبحانه: وَاتَّبِعْ مَا يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ.

قوله: حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ: وعد للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأنْ يغلبهم، كما وقع، وهذا الصبرُ منْسُوخٌ أيضاً بالقتالِ، وصلَّى اللَّه على سيدنا ومولاَنَا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ ﴾ أيْ: بِشِدَّةٍ وبَلاءٍ " فَلا كاشِفَ " لِذَلِكَ " إلّا هو " دُونَ ما يَعْبُدُهُ المُشْرِكُونَ مِنَ الأصْنامِ.

وإنْ يُصِبْكَ بِخَيْرٍ، أيْ: بِرَخاءٍ ونِعْمَةٍ وعافِيَةٍ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَمْنَعَكَ إيّاهُ.

" يُصِيبُ بِهِ " أيْ: بِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الضُّرِّ والخَيْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ.

والثّانِي: مُحَمَّدٌ  .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ﴾ أيْ: فَإنَّما يَكُونُ وبالُ ضَلالِهِ عَلى نَفْسِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ ﴾ أيْ: في مَنعِكم مِنِ اعْتِقادِ الباطِلِ، والمَعْنى: لَسْتُ بِحَفِيظٍ عَلَيْكم مِنَ الهَلاكِ كَما يَحْفَظُ الوَكِيلُ المَتاعَ مِنَ الهَلاكِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهَذِهِ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ، والَّتِي بَعْدَها أيْضًا، وهي قَوْلُهُ: ﴿ واصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ ﴾ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ، والجِزْيَةِ عَلى أهْلِ الكِتابِ، والصَّحِيحُ: أنَّهُ لَيْسَ هاهُنا نَسْخٌ.

أمّا الآيَةُ الأُولى، فَقَدْ ذَكَرْنا الكَلامَ عَلَيْها في نَظِيرَتِها في (الأنْعامِ:١٠٧) .

وأمّا الثّانِيَةُ، فَقَدْ ذَكَرْنا نَظِيرَتَها في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٠٩) قَوْلُهُ: ﴿ فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ ﴾ .

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ يا أيُّها الناسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ ﴾ ﴿ واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ واصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ ﴾ هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ الكُفّارِ مُسْتَمِرَّةٌ مَدى الدَهْرِ، و"الحَقُّ" هو القُرْآنُ والشَرْعُ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ  ، ﴿ فَمَنِ اهْتَدى ﴾ أيِ:اتَّبَعَ الحَقَّ وأذْعَنَ بِهِ فَإنَّما يَسْعى لِنَفْسِهِ لِأنَّهُ يُوجِبُ لَها رَحْمَةَ اللهِ ويَدْفَعُ عَذابَهُ، ﴿ وَمَن ضَلَّ ﴾ أيْ: حادَ عن طَرِيقِ الحَقِّ ولَمْ يَنْظُرْ بِعَيْنِ الحَقِيقَةِ، وكَفَرَ بِاللهِ عَزَّ وجَلَّ فَبِضِدِّ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ ﴾ أيْ: لَسْتُ بِآخِذِكم ولا بُدَّ بِالإيمانِ، وإنَّما أنا مُبَلِّغٌ، وهَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ ﴾ الآيَةُ مَعْناهُ: اتَّبِعَ ما رَسَمَهُ لَكَ شَرْعُكَ، وما أعْلَمَكَ اللهُ بِهِ مِن نُصْرَتِهِ لَكَ، واصْبِرْ عَلى شَقاءِ الرِسالَةِ وما يَنالُكَ في اللهِ مِنَ الأذى، وقَوْلُهُ: ﴿ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ ﴾ وعْدٌ لِلنَّبِيِّ  بِأنْ يَغْلِبَهم -كَما وقَعَ- تَقْتَضِيهِ قُوَّةُ اللَفْظِ.

وهَذا الصَبْرُ مَنسُوخٌ بِالقِتالِ.

وهَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا في أوَّلِها.

انْتَهى تَفْسِيرُ سُورَةِ يُونُسَ بِعَوْنِ اللهِ وتَوْفِيقِهِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على ﴿ قل ﴾ أي بلغ الناس ذلك القول ﴿ واتّبع ما يوحى إليك ﴾ ، أي اتبع في نفسك وأصحابك ما يوحى إليك.

و ﴿ اصبر ﴾ أي على معاندة الذين لم يؤمنوا بقرينة الغاية بقوله: ﴿ حتى يحكم الله ﴾ فإنها غاية لهذا الصبر الخاص لا لمطلق الصبر.

ولما كان الحكم يقتضي فريقين حذف متعلقه تعويلاً على قرينة السياق، أي حتى يحكم الله بينك وبينهم.

وجملة: ﴿ وهو خير الحاكمين ﴾ ثناء وتذييل لما فيه من العمُوم، أي وهو خير الحاكمين بين كل خصمين في هذه القضية وفي غيرها، فالتعريف في ﴿ الحاكمين ﴾ للاستغراق بقرينة التذييل.

و ﴿ خير ﴾ تفضيل، أصله أخير فحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال.

والأخيرية من الحاكمين أخيرية وفَاء الإنصاف في إعطاء الحقوق.

وهي هنا كناية عن معاقبة الظالم، لأن الأمر بالصبر مشعر بأن المأمور به معتدًى عليه، ففي الإخبار بأن الله خير الحاكمين إيماء بأن الله ناصر رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على الذين كذبوا وعاندوا.

وهذا كلام جامع فيه براعة المقطع.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: القُرْآنُ.

الثّانِي: الرَّسُولُ  .

﴿ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ: أحَدُهُما: فَمَنِ اهْتَدى لِقَبُولِ الحَقِّ فَإنَّما يَهْتَدِي بِخَلاصِ نَفْسِهِ.

الثّانِي: فَمَنِ اهْتَدى إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ فَإنَّما يَهْتَدِي بِعَقْلِهِ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ قد جاءكم الحق من ربكم ﴾ و ﴿ وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله ﴾ [ يونس: 107] هو الحق.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ واصبر حتى يحكم الله ﴾ قال: هذا منسوخ أمره بجهادهم والغلظة عليهم.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴾ ، قال ابن عباس: هي منسوخة نسختها آية السيف؛ فحكم الله بقتل المشركين والجزية على أهل الكتاب (١) (٢) (١) انظر: "الوسيط" 2/ 562، "زاد المسير" 4/ 71، وهذا مذهب ابن زيد كما في "تفسير الطبري" 11/ 178، وانظر رده في: المصدرين السابقين الأخيرين.

(٢) في النسخة (م) كتب ناسخها بعد هذا ما نصه: هذا آخر الجزء الثالث، ويتلوه الجزء الرابع أول سورة هود -إن شاء الله تعالى- كتابته على يد العبد الضعيف محمد بن محمد بن محمود العنبري الحسيني في مستهل رجب المبارك من شهور سنة تسع وخمسين وسبعمائة والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ انظروا ﴾ أمرٌ بالاعتبار والنظر في آيات الله ﴿ وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ يعني: من قضى الله عليه أنه لا يؤمن، وما نافية أو استفهامية يراد بها النفي ﴿ فَهَلْ يَنتَظِرُونَ ﴾ الآية: تهديد ﴿ حَقّاً عَلَيْنَا ﴾ اعتراض بين العامل ومعموله وهما كذلك، وننج المؤمنين ﴿ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ ﴾ الوجه هنا بمعنى القصد والدين ﴿ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾ منسوخ بالقتال، وكذلك قوله: ﴿ واصبر حتى يَحْكُمَ الله ﴾ وعد بالنصر والظهور على الكفار.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وأنا ﴾ مثل ﴿ أنشانا ﴾ و ﴿ نجعل ﴾ بالنون: يحيى وحماد.

الآخرون بالياء التحتانية.

﴿ ثم ننجي ﴾ من الإنجاء: نصر وروح ويزيد.

﴿ ننجي المؤمنين ﴾ من الإنجاء أيضاً: علي وسهل ويعقوب وحفص والمفضل.

الآخرون بالتشديد فيهما.

الوقوف: ﴿ الطيبات ﴾ ج للابتداء بالنفي مع الفاء ﴿ العلم ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ من قبلك ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ الممترين ﴾ ه لا للعطف ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه لا لتعلق لو بما قبلها ﴿ الأليم ﴾ ه ﴿ يونس ﴾ ط ﴿ حين ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ بإذن الله ﴾ ط أي وهو يجعل ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط للفصل بينالاستخبار والإخبار.

﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ من المنتظرين ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ج لاحتمال يراد ننجيهم كإنجاء الرسل أو يكون الوقف على ﴿ آمنوا ﴾ والتقدير ننجي المؤمنين إنجاء كذلك و ﴿ حقا علينا ﴾ اعتراض.

﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ يتوفاكم ﴾ ج لاحتمال أن يراد وقد أمرت ﴿ المؤمنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ حنيفاً ﴾ ج للعطف مع زيادة نون التأكيد المؤذن بالاستئناف ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ ولا يضرك ﴾ ج للابتداء بالشرط مع الفاء ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج للعطف مع حق الفصل بين المتضادين ﴿ لفضله ﴾ ط ﴿ من عباده ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ج ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ عليها ﴾ ج للعطف مع النفي ﴿ بوكيل ﴾ ه ط ﴿ يحكم الله ﴾ ج لاحتمال العطف والاستئناف ﴿ الحاكمين ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر ما وقع عليه الختم في واقعة فرعون وجنوده أراد أن يذكر ما وقع عليه الختم في واقعة بني إسرائيل فقال: ﴿ ولقد بوأنا ﴾ أي أسكناهم مسكن صدق أو إسكان صدق فيكون المبوأ اسم مكان أو مصدراً، والعرب إذا مدحت شيئاً أضافته إلى الصدق ليعلم أن كل ما يظن به من الخير ويطلب منه فإنه يصدق ذلك الظن ويوجد فيه فيكون المعنى منزلاً صالحاً مرضياً.

والمراد ببني إسرائيل إما اليهود الذين كانوا في زمن موسى  فمبوّأ الصدق الشام ومصر وما يدانيها فإنها بلاد كثيرة الخصب غزيرة الأرزاق ومع ذلك فقد أورثهم الله جميع ما كان تحت تصرف فرعون وقومه من الناطق والصامت ﴿ فما اختلفوا ﴾ في دنيهم وما تشعبوا فيه شعباً وكانوا على طريقة واحدة حتى قرأوا التوراة فقابلوها بضد المقصود منها وبدلوا الاتفاق بالاختلاف وأحدثوا المذاهب المتعددة، وإما اليهود المعاصرون لرسول الله  ، وإلى هذا ذهب جم غفير من المفسرين.

عن ابن عباس:هم قريظة والنضير وبنو قينقاع، أنزلناهم منزل الصدق ما بين المدينة والشام ورزقناهم من طيبات تلك البلاد رطباً وتمراً ليس في غيرها، فبقوا على دينهم ولم يظهر فيهم الاختلاف حتى جاءهم سبب العلم وهو القرآن النازل على محمد  فاختلفوا في نعته وصفته، وآمن به قوم وبقي على الكفر آخرون.

وبالجملة فالله  يقضي بين المحقين منهم والمبطلين في يوم الجزاء لأن دار التكليف ليست دار القضاء.

ولما بيّن كيفية اختلاف اليهود في شأن كتابهم أو في شأن رسوله حقق حقيقته وحقيقة ما أنزل عليه بقوله: ﴿ فإن كنت في شك ﴾ والشك في اللغة ضم الشيء بعضه إلى بعض ومنه شك الجوهر في العقد، وشككته بالرمح أي خرقته وانتظمته، والشكيكة الفرقة من الناس، والشكاك البيوت المصطفة.

والشاك يضم إلى ما يتوهمه شيئاً آخر خلافه، والخطاب فيه للرسول في الظاهر والمراد أمته كقوله: ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم  ﴾ والدليل عليه قوله بعيد ذلك ﴿ قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني ﴾ ولأنه لو كان شاكاً في شأنه لكان غيره بالشك أولى.

ويمكن أن يقال: الخطاب للرسول  حقيقة ولكن ورد على سبيل الفرض والتمثيل كأنه قيل: فإن وقع لك شك مثلاً والقضية الشرطية لا إشعار فيها ألبتة بوقوع الشرط ولا عدم وقوعه، بل المراد استلزام الأول للثاني على تقدير وقوع الأول.

وقد يكونان محالين كقول القائل: إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين.

وفيه من الفوائد الإرشاد إلى طلب الدلائل لأجل مزيد اليقين وحصول الطمأنينة، وفيه استمالة لأمته والحث لهم على السؤال عما كانوا منه في شك، وفيه أن أهل الكتاب من الإحاطة بصحة ما أنزل إليك بحيث يصلحون لمراجعة مثلك فضلاً عن غيرك فيكون الغرض وصف الأحبار بالرسوخ في العلم بصحة ما أنزل إلى الرسول لا وصف الرسول بالشك، ولذلك قال  عند نزوله: لا أشك ولا أسأل بل أشهد أنه الحق.

وعن ابن عباس: لا والله ما شك طرفة عين ولا سأل أحداً منهم.

وقيل: "إن" نافية أي فما كنت في شك يعني لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك ولكن لتزداد يقيناً.

وقيل: الخطاب لكل سامع يتأتى منه الشك.

ومن المسؤول منه قال المحققون: هم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وعبد الله بن صوريا وتميم الداري وكعب الأحبار لأنهم هم الذين يوثق بخبرهم.

ومنهم من قال: الكل سواء لأنهم إذا بلغوا حد التواتر وقرأوا آية من التوراة والإنجيل تدل على البشارة بمقدم محمد  فقد حصل الغرض، لأن تلك الآية لما بقيت مع توفر دواعيهم على تحريف نعته كانت من أقوى الدلائل.

والظاهر أن المقصود من السؤال معرفة حقيقة القرآن وصحة نبوة محمد  لقوله: ﴿ مما أنزلنا إليك ﴾ وقيل: السؤال راجع إلى قوله: ﴿ فما اختلفوا حتى جاءهم العلم ﴾ .

ثم إنه  لما بين الطريق المزيل للشك شهد بحقيته فقال: ﴿ لقد جاءك الحق من ربك ﴾ ثم إن فرق المكلفين بعد المصدقين إما متوقفون في صدقه وإما مكذبون فنهى الفريقين مخاطباً في الظاهر لنبيه قائلاً ﴿ فلا تكونن من الممترين ولا تكونن ﴾ الآية.

والمراد فاثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية وانتفاء التكذيب، وفيه من التهييج والبعث على اليقين والتصديق ما فيه.

ثم لما زجر كل فريق عما زجر بين أن له عباداً قضى عليهم بالشقاء وعباداً ختم لهم بالحسنى فلا يتغيرون عن حالهم ألبتة.

أما الأولون فأشار إليهم بقوله: ﴿ إن الذين حقت ﴾ الآية.

وقد مر مثله في هذه السورة.

وقالت المعتزلة: إن عدم إيمان هذا الفريق إلى حين وقوع اليأس وموتهم على الكفر مكتوب عند الله وثبت عليهم قوله في الأزل بما يجري عليهم، لكنها كتابة معلوم لا كتابة مقدر ومراد.

وقالت الأشاعرة: كلمته حكمة وإرادته وخلقه فيهم الكفر، وقد مر أمثال هذه الأبحاث مراراً كثيرة.

وأما الآخرون فذلك قوله: ﴿ فلولا كانت ﴾ أي فهلا حصلت ﴿ قرية ﴾ واحدة ﴿ آمنت ﴾ تابت عن الكفر وأخلصت الإيمان قبل معانية العذاب ﴿ فنفعها إيمانها ﴾ لوقوعه في وقت الاختيار والتكليف دون أوان اليأس والاضطرار ﴿ إلا قوم يونس ﴾ هو استثناء منقطع أي ولكن قوم يونس لأن أول الكلام جرى على القرية وإن كان المراد أهلها.

وقيل: إن "لولا" في هذا المقام بمعنى النفي كأنه قيل: ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس.

يروى أن يونس  بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه فذهب عنهم مغاضباً كما سيجيء في سورة الأنبياء، فلما فقدوه خافوا نزول العذاب فلبسوا المسوح وعجوا أربعين ليلة.

وقيل: قال لهم يونس إن أجلكم أربعون ليلة فقالوا: إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك، فلما مضت خمس وثلاثون أغامت السماء غيماً أسود هائلاً يدخن دخاناً شديداً ثم يهبط حتى يغشى مدينتهم ويسوّد سطوحهم، فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم وفرّقوا بين النساء والصبيان وبين الدواب وأولادها، فحنّ بعضها إلى بعض وعلت الأصوات والعجيج وأظهروا الإيمان والتوبة وتضرعوا فرحمهم وكشف عنهم وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة.

وعن ابن مسعود: بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم حتى إن الرجل منهم كان يقتلع الحجر وقد وضع عليه أساس بنائه فيرده.

وقيل: خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا: قد نزل بنا العذاب فما ترى؟

فقال لهم: قولوا يا حي حين لا حي ويا حي محيي الموتى ويا حي لا إله إلا أنت، فقالوها فكشف عنهم ومتعوا بالإيمان والأعمال الصالحة وبالخيرات الدنيوية إلى حين انقضاء آجالهم.

وعن الفضيل بن عياض قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل، افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله.

ثم بيّن أن الإيمان وضده كلاهما بمشيئة الله وتقديره فقال: ﴿ ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً ﴾ قالت الأشاعرة: هذه القضية تفيد الشمول والإحاطة لكنه ما حصل إيمان أهل الأرض بالكلية فدل هذا على أنه  ما أراد إيمان الكل.

وأول المعتزلة المشيئة بمشيئة الإلجاء والقسر.

وأجيب بأن الكلام في الإيمان الذي كان يطلبه النبي منهم وهو الإيمان المنوط به التكليف لا الإيمان القسري الذي لا ينتفع به المكلف، فلو حمل الإيمان المذكور في الآية وكذا المشيئة على إيمان الإلجاء ومشيئة القسر لم ينتظم الكلام.

ثم ذكر أن القدرة القاهرة والمشيئة النافذة ليست إلا للحق  وتعالى فقال: ﴿ أفأنت تكره ﴾ فأولى الاسم حرف الاستفهام للإعلام بأن الإكراه ممكن مقدور عليه، وإنما الكلام في المكره من هو وما هو إلا الله وحده.

فحمل المعتزلة هذا الإكراه على الإلجاء ومعناه أن يفعل في قلوبهم ما يضطرون عنده إلى الإيمان.

وحمل الأشاعرة الإكراه على خلق الإيمان ومعناه أنه قادر على خلق الإيمان والكفر فيهم لا أنت بدليل قوله: ﴿ وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس ﴾ أي الكفر والفسق ﴿ على الذين لا يعقلون ﴾ وفسر المعتزلة الإذن بمنح الألطاف والرجس بالخذلان، لأن الرجس هو العذاب والخذلان سببه، وخصصوا النفس بالنفس المعلوم إيمانها والذين لا يعقلون يعني المصرين على الكفر.

واستدلت الأشاعرة بقوله: ﴿ وما كان لنفس ﴾ على أنه لا حكم للأشياء قبل ورود الشرع لأن الإذن عبارة عن الإطلاق في الفعل ورفع الحجر.

وإذا كان أصل الشرع - وهو الإيمان بإذن الله - فما ترتب عليه أولى.

أجابت المعتزلة بأن المراد بالإذن التوفيق والتسهيل والألطاف.

ولما بين أن الإيمان لا يحصل إلا بمشيئة الله تعالى أمر بالنظر والاستدلال بالدلائل السماوية والأرضية حتى لا يتوهم أن الحق هو الجبر المحض فقال: ﴿ قل انظروا ماذا في السموات والأرض ﴾ أي شيء فيهما من الآيات والعبر.

ثم ذكر أن التفكر والتدبر في هذه الدلائل لا ينفع في حكم الله عليه في الأزل بالشقاء فقال: ﴿ وما تغني ﴾ يحتمل أن تكون "ما" نافية أي لا تفيد هذه ﴿ الآيات والنذر ﴾ وهي جمع نذير صفة أو مصدر في حق المحكوم عليهم بعدم الإيمان.

وأن تكون} استفهامية للإنكار بمعنى أي شيء يغني عنهم؟

ثم قال: ﴿ فهل ينتظرون ﴾ والمراد أن الأنبياء المتقدمين كانوا يتوعدون كفار زمانهم بأيام مشتملة على أنواع العذاب أو بوقائع الله فيهم وهم يكذبونهم ويسخرون منهم، وكذلك كان يفعل الكفار المعاصرون للرسول  فقال  ﴿ قل فانتظروا ﴾ وفيه تهديد ووعيد بأنه سينزل بهؤلاء مثل ما أنزل بأولئك من الإهلاك بعد إنجاء الرسول وأتباعه كما حكى تلك الأحوال الماضية بقوله: ﴿ ثم ننجي رسلنا ﴾ الآية.

قالت المعتزلة: ﴿ حقاً علينا ﴾ المراد به الوجوب والاستحقاق إذ لا يحسن تعذيب الرسول والمؤمنين.

وقالت الأشاعرة: إنه حق بحسب الوعد والحكم فإن العبد لا يستحق على خالقه شيئاً.

ثم أمر رسوله بإظهار التباين الصريح بين طريقته وطريقة المشركين فقال: ﴿ قل يا أيها الناس ﴾ والمعنى يا أهل مكة إن كنتم لا تعرفون ديني فاعلموا أني مبرأ عن أديانكم الباطلة ﴿ ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ﴾ وتخصيص هذا الوصف لأنه يدل على الخلق أوّلاً وعلى الإعادة ثانياً كما مر مراراً، أو لأن الموت أشد الأحوال مهابة في القلوب فكان أقوى في الزجر والردع، أو لأنه قد قدم ذكر الإهلاك والوقائع النازلة بالأمم الخالية فكأنه قال: أعبد الله الذي وعدني بإهلاككم وإنجائي.

وفي الآية إشارة إلى أنه لن يوافقهم في دينهم كيلا يشكوا في أمره ويقطعوا أطماعهم عنه.

ولما ذكر أنه لا يعبد إلا الله بين أنه مأمور بالإيمان والمعرفة فقال: ﴿ وأمرت أن أكون ﴾ أي بأن أكون ﴿ من المؤمنين ﴾ ثم عطف عليه قوله: ﴿ وأن أقم وجهك ﴾ ولا تدع نظراً إلى المعنى كأنه قيل له: كن مؤمناً ثم أقم ولا تدع، أو المراد وأمرت بكذا وأوحي إلي أن أقم.

قال في الكشاف: قد سوغ سيبويه أن يوصل "أن" بالأمر والنهي وشبه ذلك بقولهم: أنت الذي تفعل على الخطاب لأن الغرض وصلها بما يكون معه في معنى المصدر، والأمر والنهي دالان على المصدر دلالة غيرهما من الأفعال، ومعنى ﴿ أقم وجهك ﴾ استقم إليه ولا تلتفت يميناً ولا شمالاً.

و ﴿ حنيفاً ﴾ حال من ﴿ الدين ﴾ أو من الوجه.

قال المحققون: الوجه ههنا وجه العقل أو المراد توجه الكلية إلى طلب الدين كمن يريد أن ينظر إلى شيء نظراً تاماً فإنه يقيم وجهه في مقابلته لا يصرفه عنه.

ثم أكد الأمر بالنهي عن ضده فقال: ﴿ ولا تكونن من المشركين ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت ﴾ أي فإن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، وكنى عنه بالفعل للاختصار.

و "إذا" جزاء للشرط وجواب لسؤال مقدر كأن سائلاً سأل عن تبعة عبادة الأوثان وجعل من الظالمين لأن إضافة التصرف بالاستقلال إلى ما سوى مدبر الكل وضع للشيء في غير موضعه.

ثم صرح بأنه مبدأ الكائنات ومنتهى الحاجات لا غيره فقال: ﴿ وإن يمسسك الله ﴾ الآية.

وقد مر تفسير مثلها في أول سورة الأنعام.

قال الواحدي: ﴿ وإن يردك بخير ﴾ من القلب وأصله وإن يرد بك الخير، ولكنه لما تعلق كل واحد منهما بالآخر جاز إبدال كل واحد منهمابالآخر.

وأقول في تخصيص الإرادة بجانب الخير والمس بجانب الشر دليل على أن الخير يصدر عنه  بالذات والشر بالعرض.

ثم ختم السورة بما يستدل به على قضائه وقدره في الهداية والضلال فقال: ﴿ قل يا أيها الناس ﴾ الآية.

وفسرها الأشاعرة بأن من حكم له في الأزل بالاهتداء فسيقع له ذلك، وإن من حكم له بالضلال فكذلك ولا حيلة في دفعه كما مر في سورة الأنعام ﴿ قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه  ﴾ الآية.

وقالت المعتزلة: المراد أنه بين الشريعة وأزاح العلة وقطع المعذرة، فمن اختار الهدى فما نفع باختياره إلا نفسه، ومن آثر الضلال فلا يعود وباله إلا على نفسه.

يروى عن ابن عباس أن الآية منسوخة بآية القتال ولا يخفى ضعفه.

ثم أمره باتباع الوحي والتنزيل فإن وصل إليه بسبب الاتباع مكروه فليصبر عليه إلى أن يحكم الله وهو خير الحاكمين.

ولبعضهم في الصبر: سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري *** وأصبر حتى يحكم الله في أمري سأصبر حتى يعلم الصبر أنني *** صبرت على شيء أمر من الصبر التأويل: ﴿ ولقد بوأنا بني إسرائيل ﴾ يعني متولدات الروح العلوي من القلب والسر دون النفس لأنها من البنات لا من البنين ﴿ مبوأ صدق ﴾ منزلاً علياً في العالم النوراني ﴿ وزقناهم من الطيبات ﴾ من الفيض الرباني الفائض على الروح لأن الروح مستوٍ على عرش القلب، فكل ما فاض من صفة الروحانية على الروح يفيض الروح على القلب والسر، فما اختلف القلب والسر حتى جاءهم دعوة النبي  : فمن قبلها صار مقبولا، ومن ردها كان مردوداً.

وبوجه آخر ﴿ مبوأ صدق ﴾ بين الأصبعين من أصابع الرحمن ﴿ فما اختلفوا ﴾ حتى أدركهم علم الله الأزلي بالسعادة والشقاء ﴿ فإن كنت في شك ﴾ خلق الإنسان ضعيفاً، فإذا انفتح عليه أبواب الكرامات وهبت رياح السعادات فربما ظن أنه مما يخادع به الأطفال فلا يدري هل هو من كرامة الاجتباء أو من وخامة الابتلاء، فكان النبي  من خصوصية ﴿ إنما أنا بشر مثلكم  ﴾ يرتع في هذه الرياض وباختصاص ﴿ يوحي إلي  ﴾ يسقى بكساسات المناولات من تلك الحياض.

فشك عند سكره أنها من شهود التلوين أو من كشوف التمكين، فأدركته العناية الأزلية فأكرم بخطاب ﴿ لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن ﴾ بل كان هذا النهي نهي التكوين فما كان ممترياً ولهذا قال: والله لا أشك ولا أسأل.

﴿ إلا مثل أيام الذين خلوا ﴾ من أنه كل ميسر لما خلق له ﴿ قل فانتظروا ﴾ ظهور ما قدر لكم ﴿ ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ﴾ بالفناء عن النفس وصفاتها حنيفاً طاهراً عن لوث الالتفات إلى ما سواه والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي ﴾ .

قوله: ﴿ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي ﴾ : الذي أدين به، أو [إن] كنتم في شك من ديني الذي أدعوكم إليه.

﴿ فَلاَ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ أي: إذا شككتم في ديني الذي أدعوكم إليه كنتم شاكين في دينكم الذي أنتم عليه، فتركتم ديني الذي أنا عليه بالشك، [ثم تدعونني إلى دينكم الذي أنتم عليه بالشك، يذكر سفههم بتركهم إجابتهم بالشك ودعائهم إياه بالشك إلى دينهم لأن الشك] يوجب الوقف في الأشياء، ولا يوجب الدعاء إليه إنما يوجب الدعاء إليه بطلان غيره لا الشك، هذا - والله أعلم - محتمل وهو يخرج على وجهين أيضاً: أحدهما: على الإضمار، والآخر على المنابذة، والإضمار ما ذكرنا: إن كنتم في شك من ديني الذي أدين به [وأدعوكم إليه فإني لا أشك فيه، هذا وجه الإضمار، ووجه المنابذة: يقول إن كنتم في شك مما أعبد وأدين به] فلا تعبدون ذلك ولا تدينون به، فأنا لا أعبد ما تعبدون ولا أدين ما تدينون؛ وهو كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ﴾ : والتوفي هو [النهاية والغاية] في الإضرار، وما تعبدون من الأصنام دونه لا يملكون توفيكم ولا الإضرار بكم إن لم تعبدوها، يذكر سفههم ويلزمهم الحجة أن الذي يتوفاهم هو المستحق للعبادة لا الأصنام التي تعبدونها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ : يشبه أن يكون قوله: ﴿ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ من المرسلين؛ كقوله: ﴿ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وقال: ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ فعلى ذلك هذا.

ويحتمل الإيمان نفسه على ما نهي أن يكون من المشركين أو الشاكين؛ فعلى ذلك أمر أن يكون من المؤمنين المخلصين له المسلمين أنفسهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ﴾ أي: أمرت أن أقيم نفسي لله خالصة سالمة لا أشرك فيها غيره ولا أجعل لسواه فيها نصيباً، أو أن يقول: إني أمرت أن أقيم نفسي على ما عليها شهادة خلقتها؛ إذ خلقة كل نفس تشهد على وحدانية الله وألوهيته، أو يقول: أقم وجه أمرك لما تدين به وتقيم عليه.

﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ : هذا ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ ﴾ : إن أطعته وأجبته، ﴿ وَلاَ يَضُرُّكَ ﴾ : إن تركت إجابته وطاعته.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل لا تعبد من دون الله ما لا يملك جر المنفعة.

ويحتمل الدعاء نفسه، أي: لا تدعوا من دون الله إلهاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ : [ذكر هاهنا] الظلم إن فعل ما ذكر والمراد منه الشرك، وذكر في قصة آدم وحواء: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ  ﴾ ، وقد قرباها ولم يكونا مشركين إنما كانا عصاة؛ ليعلم أن ليس في الموافقة في الأسماء موافقة في الحقائق والمعاني إنما يكون الموافقة في الحقائق في موافقة الأسباب؛ لذلك كان ما ذكروا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ ﴾ : فيه الرجاء والطمع إلى من دونه؛ إذ أخبر أنه لا يوجد ذلك من عند غيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ ﴾ : أخبر أنه إن أراد خيراً وفضلا فلا راد لذلك الفضل، والخير، والإيمان من أعظم الخيرات وأفضلها، فإذا [أراده لإنسان] كان لا يملك أحد دفع ما أراد ولا رده؛ دل أنه إذا أراد الإيمان لأحد كان مؤمنا، فهو ينقض على المعتزلة حيث قالوا: إنه أراد الإيمان للخلق كلهم.

لكنهم لم يؤمنوا؛ إذ أخبر أنه إذا أراد به خيراً فلا راد [لذلك الفضل]، وهم يقولون: بل يملك العبد رد ما أراد له ودفعه، وبالله العصمة.

وفيه أن ليس على الله فعل [لهم] - أعني فعل الخير - لأنه سماه فضلا، والفضل هو فعل ما ليس عليه، وهو المفهوم في الناس أن ما عليهم من الفعل لا يسمونه فضلا إنما يسمون الفضل ما ليس عليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ : يصيب به من يشاء من الفضل والخير أو من الشر، وفيه دلالة تخصيص بعض على بعض حيث قال: ﴿ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ .

﴿ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ : لا يعجل بالعقوبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ : قيل: الحق محمد  وقيل: الحق: القرآن الذي أنزل عليه، وأمكن أن يكون الحق هو الدين الذي كان يدعوهم رسول الله إليه؛ لأنه قال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي  ﴾ فيشبه أن يكون الحق هو الدين الذي شكوا فيه، أي: قد جاءكم ما يزيل عنكم ذلك الشك إن لم تكابروا لما أقام عليهم الحجج والبراهين.

ويحتمل الحق محمداً  على ما ذكره بعض أهل التأويل وكان رسول الله في أول نشوئه إلى آخره آية.

ويحتمل الحق القرآن على ما ذكره بعضهم وهو ما ذكر.

﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ  ﴾ ، سماه بأسماء مختلفة سماه حقّاً وسماه نورا وشفاء ورحمة وهدى ونحوه، وفيه كل ما ذكر من تأمله وتفكر فيه وتمسك به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾ أي: من اهتدى فإنما منفعة اهتدائه له في الدنيا والآخرة، ومن ضل فإنما يرجع ضرر ضلالته إليه وخيانته عليه، أي: ما يأمر وينهى ليس يأمر وينهى لمنفعة تحصل له أو لحاجة نفسه إنما يأمر وينهى لمنفعة الخلق ولحاجتهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾ أي: بمسلط.

قال بعض أهل التأويل: هو منسوخ، نسخته آية القتال، لكنه لا يحتمل لأنه وإن كان مأمورا بالقتال فهو ليس بوكيل ولا بمسلط على حفظ أعمالهم، إنما عليه التبليغ؛ كقوله: ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ...

﴾ الآية [الأنعام: 52].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ ﴾ يحتمل القرآن وغيره من الوحي غير القرآن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ ﴾ أي: اصبر على أذاهم لأنهم كانوا يؤذونه ويقولون فيه بما لا يليق به، يقول: اصبر على أذاهم ولا تعجل [عليهم] بالعقوبة حتى يحكم الله عليهم بالعقوبة وقت عقوبته وهو خير الحاكمين، أو اصبر على تكذيبهم إياك حتى يحكم الله بينك وبين مكذبيك وهو خير الحاكمين، أو اصبر على تبيلغ الرسالة والقيام لما أمرت به، والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واتبع -أيها الرسول- ما يوحيه إليك ربك واعمل به، واصبر على إيذاء من خالفك من قومك، وعلى تبليغ ما أمرت بتبليغه، واستمر على ذلك حتَّى يحكم الله فيهم بحكمه بنصرك عليهم في الدنيا، وبعذابهم في الآخرة إن ماتوا على كفرهم.

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده