الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ١٢ من سورة يونس
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 83 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ١٢ من سورة يونس من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يخبر تعالى عن الإنسان وضجره وقلقه إذا مسه الضر ، كقوله : ( وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ) [ فصلت : 51 ] أي : كثير ، وهما في معنى واحد ؛ وذلك لأنه إذا أصابته شدة قلق لها وجزع منها ، وأكثر الدعاء عند ذلك ، فدعا الله في كشفها وزوالها عنه في حال اضطجاعه وقعوده وقيامه ، وفي جميع أحواله ، فإذا فرج الله شدته وكشف كربته ، أعرض ونأى بجانبه ، وذهب كأنه ما كان به من ذاك شيء ، ( مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه ) ثم ذم تعالى من هذه صفته وطريقته فقال : ( كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون ) فأما من رزقه الله الهداية والسداد والتوفيق والرشاد ، فإنه مستثنى من ذلك ، كما قال تعالى : ( إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات ) [ هود : 11 ] ، وكقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عجبا لأمر المؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له : إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له " ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن .
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: وإذا أصاب الإنسان الشدة والجهد (29) ، (دعانا لجنبه) ، يقول: استغاث بنا في كشف ذلك عنه ، ( لجنبه) ، يعني مضطجعًا لجنبه.
، (أو قاعدًا أو قائمًا) بالحال التي يكون بها عند نـزول ذلك الضرّ به ، (فلما كشفنا عنه ضره) ، يقول: فلما فرّجنا عنه الجهد الذي أصابه (30) ، (مرّ كأن لم يدعنا إلى ضر مسه) ، يقول: استمرَّ على طريقته الأولى قبل أن يصيبه الضر، (31) ونسي ما كان فيه من الجهد والبلاء أو تناساه، وترك الشكر لربه الذي فرّج عنه ما كان قد نـزل به من البلاء حين استعاذ به، وعاد للشرك ودَعوى الآلهةِ والأوثانِ أربابًا معه.
يقول تعالى ذكره: (كذلك زيّن للمسرفين ما كانوا يعملون) ، يقول: كما زُيِّن لهذا الإنسان الذي وصفنا صفتَه ، (32) استمرارُه على كفره بعد كشف الله عنه ما كان فيه من الضر، كذلك زُيّن للذين أسرفوا في الكذِب على الله وعلى أنبيائه، فتجاوزوا في القول فيهم إلى غير ما أذن الله لهم به، (33) ما كانوا يعملون من معاصي الله والشرك وبه.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 17578- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله: (دعانا لجنبه) ، قال: مضطجعًا.
-------------------------- الهوامش : (29) انظر تفسير " المس " فيما سلف 14 : 64 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
، وتفسير " الضر " فيما سلف من فهارس اللغة ( ضرر ) .
(30) انظر تفسير " الكشف " فيما سلف 11 : 354 / 13 : 73 .
(31) انظر تفسير " مر " فيما سلف 13 : 304 ، 305 .
(32) انظر تفسير " التزيين " فيما سلف 14 : 245 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(33) انظر تفسير " الإسراف " فيما سلف 12 : 458 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
قوله تعالى وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملونقوله تعالى وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه قيل : المراد بالإنسان هنا الكافر ، قيل : هو أبو حذيفة بن المغيرة المشرك ، تصيبه البأساء والشدة والجهد .
دعانا لجنبه أي على جنبه مضطجعا .أو قاعدا أو قائما وإنما أراد جميع حالاته ; لأن الإنسان لا يعدو إحدى هذه الحالات الثلاث .
قال بعضهم : إنما بدأ بالمضطجع لأنه بالضر أشد في غالب الأمر ، فهو يدعو أكثر ، واجتهاده أشد ، ثم القاعد ثم القائم .فلما كشفنا عنه ضره مر أي استمر على كفره ولم يشكر ولم يتعظ .
قلت : وهذه صفة كثير من المخلصين الموحدين ، إذا أصابته العافية مر على ما كان عليه [ ص: 232 ] من المعاصي ; فالآية تعم الكافر وغيره .كأن لم يدعنا قال الأخفش : هي " كأن " الثقيلة خففت ، والمعنى كأنه وأنشد :وي كأن من يكن له نشب يح بب ومن يفتقر يعش عيش ضركذلك زين أي كما زين لهذا الدعاء عند البلاء والإعراض عن الرخاء .
زين للمسرفين أي للمشركين أعمالهم من الكفر والمعاصي .
وهذا التزيين يجوز أن يكون من الله ، ويجوز أن يكون من الشيطان ، وإضلاله دعاؤه إلى الكفر .
وهذا إخبار عن طبيعة الإنسان من حيث هو، وأنه إذا مسه ضر، من مرض أو مصيبة اجتهد في الدعاء، وسأل الله في جميع أحواله، قائما وقاعدا ومضطجعا، وألح في الدعاء ليكشف الله عنه ضره. {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ} أي: استمر في غفلته معرضا عن ربه، كأنه ما جاءه ضره، فكشفه الله عنه، فأي ظلم أعظم من هذا الظلم؟" يطلب من الله قضاء غرضه، فإذا أناله إياه لم ينظر إلى حق ربه، وكأنه ليس عليه لله حق. وهذا تزيين من الشيطان، زين له ما كان مستهجنا مستقبحا في العقول والفطر. {كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ} أي: المتجاوزين للحد {مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}
قوله تعالى : ( وإذا مس الإنسان الضر ) الجهد والشدة ، ( دعانا لجنبه ) أي : على جنبه مضطجعا ، ( أو قاعدا أو قائما ) يريد في جميع حالاته ، لأن الإنسان لا يعدو إحدى هذه الحالات .
( فلما كشفنا ) دفعنا ( عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه ) أي استمر على طريقته الأولى قبل أن يصيبه الضر ، ونسي ما كان فيه من الجهد والبلاء ، كأنه لم يدعنا إلى ضر مسه أي : لم يطلب منا كشف ضر مسه .
( كذلك زين للمسرفين ) المجاوزين الحد في الكفر والمعصية ، ( ما كانوا يعملون ) من العصيان .
قال ابن جريج : كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون من الدعاء عند البلاء وترك الشكر عند الرخاء .
وقيل : معناه كما زين لكم أعمالكم زين للمسرفين الذين كانوا من قبلكم أعمالهم .
«وإذا مس الإنسان» الكافر «الضُّرُّ» المرض والفقر «دعانا لجنبه» أي مضطجعا «أو قاعدا أو قائما» أي في كل حال «فلما كشفنا عنه ضُره مرَّ» على كفره «كأن» مخففة واسمها محذوف، أي كأنه «لم يدعنا إلى ضرٍّ مسه كذلك» كما زُيّن له الدعاء عند الضرر والإعراض عند الرخاء «زُيِّن للمسرفين» المشركين «ما كانوا يعملون».
وإذا أصاب الإنسانَ الشدةُ استغاث بنا في كشف ذلك عنه مضطجعًا لجنبه أو قاعدًا أو قائمًا، على حسب الحال التي يكون بها عند نزول ذلك الضرِّ به.
فلما كشفنا عنه الشدة التي أصابته استمرَّ على طريقته الأولى قبل أن يصيبه الضر، ونسي ما كان فيه من الشدة والبلاء، وترك الشكر لربه الذي فرَّج عنه ما كان قد نزل به من البلاء، كما زُيِّن لهذا الإنسان استمراره على جحوده وعناده بعد كشف الله عنه ما كان فيه من الضر، زُيِّن للذين أسرفوا في الكذب على الله وعلى أنبيائه ما كانوا يعملون من معاصي الله والشرك به.
ثم صور - سبحانه - طبيعة الإِنسان فى حالتي العسر واليسر فقال : ( وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ .والمس : اتصال أحد الشيئين بآخر على وجه الإِحساس والإِصابة .والضر : ما يصيب الإِنسان من سوء الحال فى نفسه أو بدنه أو غيرهما مما يحبه ويشتهيه .والمعنى : ( وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر ) عن طريق المرض أو الفقر أو غيرها ( دَعَانَا ) بإلحاح وتضرع لكي نكشفه عنه ، فهو تارة يدعونا وهو مضطجع على جنبه ، وتارة يدعونا وهو قاعد ، وتارة يدعونا وهو قائم على قدميه .( فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ ) وما أصابه من سوء ( مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ ) أي : مضى واستمر فى غفلته الأولى حتى لكأنه لم تنزل به كروب ، ولم يسبق له أن دعانا بإلحاح لكشفها .وخص - سبحانه - هذه الأحوال بالذكر ، لعدم خلو الإِنسان عنها فى العادة .وقيل : يصح أن يراد بهذه الأحوال تعميم أصناف المضار ، لأنها قد تكون خفيفة فيدعو الله وهو قائم ، وقد تكون متوسطة فيدعوه وهو قاعد ، وقد تكون ثقيلة فيدعوه وهو نائم .ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : " فإن قلت : فما فائدة ذكر هذه الأحوال؟قلت : معناه أن المضرور لا يزال داعيا لا يفتر عن الدعاء حتى يزول عنه الضر ، فهو يدعونا فى حالاته كلها ، سواء أكان منبطحا عاجزاً عن النهوض ، أم كان قاعداً لا يقدر على القيام ، أم كان قائما لا يطيق المشي .ويجوز أن يراد أن من المضرورين من هو أشد حالا وهو صاحب الفراش ، ومنهم من هو أخف ، وهو القادر على القعود ، ومنهم المستطيع للقيام ، وكلهم لا يستغنون عن الدعاء واستدفاع البلاء ، لأن الإِنسان للجنس .
.
.وفي التعبير بالمس إشارة إلى أن ما أصابه من ضر حتى لو كان يسيراً فإنه لا يترك الدعاء والابتهال إلى الله بأن يكشفه عنه .وقوله : ( لجنبه ) فى موضع الحال من فاعل ( دعانا ) و ( أو ) لتنويع الأحوال ، أو لأصناف المضار .والتعبير بقوله - سبحانه ( مر ) يمثل أدق تصوير لطبيعة الإِنسان الذى يدعو الله عند البلاء ، وينساه عند الرخاء ، فهو فى حالة البلاء يدعو الله فى كل الأحوال ، فإذا ما انكشف عنه البلاء مر واندفع فى تيار الحياة .
يدون كابح ، ولا زاجر ، ولا مبالاة ، وبدون توقف ليتدبر أو ليعتبر .
.ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( كذلك زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) أى : كما زين لهذا الإِنسان الدعاء عند البلاء والإِعراض عند الرخاء ، زين لهؤلاء المسرفين المتجاوزين لحدود الله ، ما كانوا يعملونه من إعراض عن ذكره ، ومن غفلة عن حكمته وعن سننه فى كونه .قال الآلوسى : " وفى الآية ذم لمن يترك الدعاء فى الرخاء ويهرع إليه فى الشدة ، واللائق بحال العاقل التضرع إلى مولاه فى السراء والضراء .فإن ذلك أرجى للإِجابة .
ففي الحديث الشريف : " تعرف إلى الله فى الرخاء يعرفك فى الشدة " .وأخرج أبو الشيخ عن أبي الدرداء قال : ادع الله يوم سرائك يستجيب لك يوم ضرائك .وفى حديث للترمذي عن أبى هريرة ورواه الحاكم عن سلمان وقال صحيح الإِسناد " من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكروب ، فليكثر من الدعاء عن الرخاء " .وقال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : " وقد ذم الله - تعالى - من هذه طريقته وصفته فى الدعاء .
أما من رزقه الله الهداية والسداد والتوفيق والرشاد فإنه مستثنى من ذلك ، - لأنه يدعو الله فى الشدة والرخاء - ، وفي الحديث الشريف : " عجباً لأمر المؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيراً له : إن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له ، وإن أصابته سراء فشكر كان خيراً له ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن " .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: في كيفية النظم وجهان: الأول: أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنه لو أنزل العذاب على العبد في الدنيا لهلك ولقضى عليه، فبين في هذه الآية ما يدل على غاية ضعفه ونهاية عجزه، ليكون ذلك مؤكداً لما ذكره من أنه لو أنزل عليه العذاب لمات.
الثاني: أنه تعالى حكى عنهم أنهم يستعجلون في نزول العذاب، ثم بين في هذه الآية أنهم كاذبون في ذلك الطلب والاستعجال، لأنه لو نزل بالإنسان أدنى شيء يكرهه ويؤذيه، فإنه يتضرع إلى الله تعالى في إزالته عنه وفي دفعه عنه وذلك يدل على أنه ليس صادقاً في هذا الطلب.
المسألة الثانية: المقصود من هذه الآية، بيان أن الإنسان قليل الصبر عند نزول البلاء، قليل الشكر عند وجدان النعماء والآلاء، فإذا مسه الضر أقبل على التضرع والدعاء مضطجعاً أو قائماً أو قاعداً مجتهداً في ذلك الدعاء طالباً من الله تعالى إزالة تلك المحنة، وتبديلها بالنعمة والمنحة، فإذا كشف تعالى عنه ذلك بالعافية أعرض عن الشكر، ولم يتذكر ذلك الضر ولم يعرف قدر الإنعام، وصار بمنزلة من لم يدع الله تعالى لكشف ضره، وذلك يدل على ضعف طبيعة الإنسان وشدة استيلاء الغفلة والشهوة عليه، وإنما ذكر الله تعالى ذلك تنبيهاً على أن هذه الطريقة مذمومة، بل الواجب على الإنسان العاقل أن يكون صابراً عند نزول البلاء شاكراً عند الفوز بالنعماء، ومن شأنه أن يكون كثير الدعاء والتضرع في أوقات الراحة والرفاهية.
حتى يكون مجاب الدعوة في وقت المحنة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من سره أن يستجاب له عند الكرب والشدائد فليكثر الدعاء عند الرخاء».
واعلم أن المؤمن إذا ابتلي ببلية ومحنة، وجب عليه رعاية أمور: فأولها: أن يكون راضياً بقضاء الله تعالى غير معترض بالقلب واللسان عليه.
وإنما وجب عليه ذلك لأنه تعالى مالك على الإطلاق وملك بالاستحقاق.
فله أن يفعل في ملكه وملكه ما شاء كما يشاء، ولأنه تعالى حكيم على الإطلاق وهو منزه عن فعل الباطل والعبث، فكل ما فعله فهو حكمة وصواب، وإذا كان كذلك فحينئذ يعلم أنه تعالى إن أبقى عليه تلك المحنة فهو عدل، وإن أزالها عنه فهو فضل، وحينئذ يجب عليه الصبر والسكوت وترك القلق والاضطراب.
وثانيها: أنه في ذلك الوقت إن اشتغل بذكر الله تعالى والثناء عليه بدلاً عن الدعاء كان أفضل، لقوله عليه السلام حكاية عن رب العزة من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ولأن الاشتغال بالذكر اشتغال بالحق، والاشتغال بالدعاء اشتغال بطلب حظ النفس، ولا شك أن الأول أفضل، ثم إن اشتغل بالدعاء وجب أن يشترط فيه أن يكون إزالته صلاحاً في الدين، وبالجملة فإنه يجب أن يكون الدين راجحاً عنده على الدنيا.
وثالثها: أنه سبحانه إذا أزال عنه تلك البلية فإنه يجب عليه أن يبالغ في الشكر وأن لا يخلو عن ذلك الشكر في السراء والضراء، وأحوال الشدة والرخاء، فهذا هو الطريق الصحيح عند نزول البلاء.
وهاهنا مقام آخر أعلى وأفضل مما ذكرناه، وهو أن أهل التحقيق قالوا: إن من كان في وقت وجدان النعمة مشغولاً بالنعمة لا بالمنعم كان عند البلية مشغولاً بالبلاء لا بالمبلي، ومثل هذا الشخص يكون أبداً في البلاء، أما في وقت البلاء فلا شك أنه يكون في البلاء، وأما في وقت حصول النعماء فإن خوفه من زوالها يكون أشد أنواع البلاء، فإن النعمة كلما كانت أكمل وألذ وأقوى وأفضل، كان خوف زوالها أشد إيذاء وأقوى إيحاشاً، فثبت أن من كان مشغولاً بالنعمة كان أبداً في لجة البلية.
أما من كان في وقت النعمة مشغولاً بالمنعم، لزم أن يكون في وقت البلاء مشغولاً بالمبلي.
وإذا كان المنعم والمبلي واحداً، كان نظره أبداً على مطلوب واحد، وكان مطلوبه منزهاً عن التغير مقدساً عن التبدل ومن كان كذلك كان في وقت البلاء وفي وقت النعماء، غرقاً في بحر السعادات، واصلاً إلى أقصى الكمالات، وهذا النوع من البيان بحر لا ساحل له، ومن أراد أن يصل إليه فليكن من الواصلين إلى العين دون السامعين للأثر.
المسألة الثالثة: اختلفوا في ﴿ الإنسان ﴾ في قوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر ﴾ فقال بعضهم: إنه الكافر، ومنهم من بالغ وقال: كل موضع في القرآن ورد فيه ذكر الإنسان، فالمراد هو الكافر، وهذا باطل، لأن قوله: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَٰقِيهِ فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ ﴾ لا شبهة في أن المؤمن داخل فيه، وكذلك قوله: ﴿ هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مّنَ الدهر ﴾ وقوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ ﴾ وقوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ﴾ فالذي قالوه بعيد، بل الحق أن نقول: اللفظ المفرد المحلى بالألف واللام حكمه أنه إذا حصل هناك معهود سابق انصرف إليه، وإن لم يحصل هناك معهود سابق وجب حمله على الاستغراق صوناً له عن الإجمال والتعطيل.
ولفظ ﴿ الإنسان ﴾ هاهنا لائق بالكافر، لأن العمل المذكور لا يليق بالمسلم ألبتة.
المسألة الرابعة: في قوله: ﴿ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا ﴾ وجهان: الوجه الأول: أن المراد منه ذكر أحوال الدعاء فقوله: ﴿ لِجَنبِهِ ﴾ في موضع الحال بدليل عطف الحالين عليه، والتقدير: دعانا مضطجعاً أو قاعداً أو قائماً.
فإن قالوا: فما فائدة ذكر هذه الأحوال؟
قلنا: معناه: إن المضرور لا يزال داعياً لا يفتر عن الدعاء إلى أن يزول عنه الضر، سواء كان مضطجعاً أو قاعداً أو قائماً.
والوجه الثاني: أن تكون هذه الأحوال الثلاثة تعديداً لأحوال الضر، والتقدير: وإذا مس الإنسان الضر لجنبه أو قاعداً أو قائماً دعانا وهو قول الزجاج.
والأول: أصح، لأن ذكر الدعاء أقرب إلى هذه الأحوال من ذكر الضر، ولأن القول بأن هذه الأحوال أحوال للدعاء يقتضي مبالغة الإنسان في الدعاء، ثم إذا ترك الدعاء بالكلية وأعرض عنه كان ذلك أعجب.
المسألة الخامسة: في قوله: ﴿ مَرَّ ﴾ وجوه: الأول: المراد منه أنه مضى على طريقته الأولى قبل مس الضر ونسي حال الجهد.
الثاني: مر عن موقف الابتهال والتضرع لا يرجع إليه كأنه لا عهد له به.
المسألة السادسة: قوله تعالى: ﴿ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إلى ضُرّ مَّسَّهُ ﴾ تقديره: كأنه لم يدعنا، ثم أسقط الضمير عنه على سبيل التخفيف ونظيره قوله تعالى: ﴿ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ ﴾ قال الحسن: نسي ما دعا الله فيه، وما صنع الله به في إزالة ذلك البلاء عنه: المسألة السابعة: قال صاحب النظم: قوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ الإنسان ﴾ ﴿ إِذَا ﴾ موضوعة للمستقبل.
ثم قال: ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا ﴾ وهذا للماضي، فهذا النظم يدل على أن معنى الآية أنه هكذا كان فيما مضى وهكذا يكون في المستقبل.
فدل ما في الآية من الفعل المستقبل على ما فيه من المعنى المستقبل، وما فيه من الفعل الماضي على ما فيه من المعنى الماضي، وأقول البرهان العقلي مساعد على هذا المعنى وذلك لأن الإنسان جبل على الضعف والعجز وقلة الصبر، وجبل أيضاً على الغرور والبطر والنسيان والتمرد والعتو، فإذا نزل به البلاء حمله ضعفه وعجزه على كثرة الدعاء والتضرع، وإظهار الخضوع والانقياد، وإذا زال البلاء ووقع في الراحة استولى عليه النسيان فنسي إحسان الله تعالى إليه، ووقع في البغي والطغيان والجحود والكفران.
فهذه الأحوال من نتائج طبيعته ولوازم خلقته، وبالجملة فهؤلاء المساكين معذورون ولا عذر لهم.
المسألة الثامنة: في قوله تعالى: ﴿ كذلك زُيّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ أبحاث: البحث الأول: أن هذا المزين هو الله تعالى أو النفس أو الشيطان، فرع على مسألة الجبر والقدر وهو معلوم.
البحث الثاني: في بيان السبب الذي لأجله سمى الله سبحانه الكافر مسرفاً.
وفيه وجوه: الوجه الأول: قال أبو بكر الأصم: الكافر مسرف في نفسه وفي ماله ومضيع لهما، أما في النفس فلأنه جعلها عبداً للوثن، وأما في المال فلأنهم كانوا يضيعون أموالهم في البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.
الوجه الثاني: قال القاضي: إن من كانت عادته أن يكون عند نزول البلاء كثير التضرع والدعاء، وعند زوال البلاء ونزول الآلاء معرضاً عن ذكر الله متغافلاً عنه غير مشتغل بشكره، كان مسرفاً في أمر دينه متجاوزاً للحد في الغفلة عنه، ولا شبهة في أن المرء كما يكون مسرفاً في الإنفاق فكذلك يكون مسرفاً فيما يتركه من واجب أو يقدم عليه من قبيح، إذا تجاوز الحد فيه.
الوجه الثالث: وهو الذي خطر بالبال في هذا الوقت، أن المسرف هو الذي ينفق المال الكثير لأجل الغرض الخسيس، ومعلوم أن لذات الدنيا وطيباتها خسيسة جداً في مقابلة سعادات الدار الآخرة.
والله تعالى أعطاه الحواس والعقل والفهم والقدرة لاكتساب تلك السعادات العظيمة، فمن بذل هذه الآلات الشريفة لأجل أن يفوز بهذه السعادات الجسمانية الخسيسة، كان قد أنفق أشياء عظيمة كثيرة، لأجل أن يفوز بأشياء حقيرة خسيسة، فوجب أن يكون من المسرفين.
البحث الثالث: الكاف في قوله تعالى: ﴿ كذلك ﴾ للتشبيه.
والمعنى: كما زين لهذا الكافر هذا العمل القبيح المنكر زُيِّن للمسرفين ما كانوا يعملون من الإعراض عن الذكر ومتابعة الشهوات.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِجَنبِهِ ﴾ في موضع الحال، بدليل عطف الحالين عليه أي دعانا مضطجعاً ﴿ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا ﴾ .
فإن قلت: فما فائدة ذكر هذه الأحوال؟
قلت: معناه أنّ المضرور لا يزال داعياً لا يفتر عن الدعاء حتى يزول عنه الضرّ، فهو يدعونا في حالاته كلها- إن كان مضطجعاً عاجز النهض متخاذل النوء أو كان قاعداً لا يقدر على القيام، أو كان قائماً لا يطيق المشي والمضطرب- إلى أن يخف كل الخفة ويرزق الصحة بكمالها والمسحة بتمامها.
ويجوز أن يراد أن من المضرورين من هو أشدّ حالاً وهو صاحب الفراش.
ومنهم من هو أخفّ وهو القادر على القعود.
ومنهم المستطيع للقيام، وكلهم لا يستغنون عن الدعاء واستدفاع البلاء، لأنّ الإنسان للجنس ﴿ مَرَّ ﴾ أي مضى على طريقته الأولى قبل مسّ الضرّ، ونسي حال الجهد.
أو مرّ عن موقف الابتهال والتضرع لا يرجع إليه، كأنه لا عهد له به ﴿ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا ﴾ ، كأنه لم يدعنا، فخفف وحذف ضمير الشأن قال: كَأَنْ ثَدْيَاهُ حُقّانِ ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك التزيين ﴿ زُيّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ﴾ زين الشيطان بوسوسته أو الله بخذلانه وتخليته ﴿ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ من الإعراض عن الذكر واتباع الشهوات.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا ﴾ لِإزالَتِهِ مُخْلِصًا فِيهِ.
﴿ لِجَنْبِهِ ﴾ مُلْقًى لِجَنْبِهِ أيْ مُضْطَجِعًا.
﴿ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا ﴾ وفائِدَةُ التَّرْدِيدِ تَعْمِيمُ الدُّعاءِ لِجَمِيعِ الأحْوالِ أوْ لِأصْنافِ المَضارِّ.
﴿ فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ ﴾ يَعْنِي مَضى عَلى طَرِيقَتِهِ واسْتَمَرَّ عَلى كُفْرِهِ أوْ مَرَّ عَنْ مَوْقِفِ الدُّعاءِ لا يَرْجِعُ إلَيْهِ.
﴿ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا ﴾ كَأنَّهُ لَمْ يَدْعُنا فَخُفِّفَ وحُذِفَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ كَما قالَ: ونَحْرٌ مُشْرِقُ اللَّوْنِ.
.
.
كَأنْ ثَدْياهُ حُقّانِ ﴿ إلى ضُرٍّ مَسَّهُ ﴾ إلى كَشْفِ ضُرٍّ.
﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ.
﴿ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ الِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ والإعْراضِ عَنِ العِباداتِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَإِذَا مَسَّ الإنسان} أصابه والمراد به الكافر {الضر دَعَانَا} أي دعا الله لإزالته {لِجَنبِهِ} في موضع الحال بدليل عطف الحالين أي {أَوْ قَاعِدًا
أَوْ قَائِمًا} عليه أي دعانا مضطجعا وفائدة ذكر هذه الأحوال أن المضرور لا يزال داعياً لا يفتر عن الدعاء حتى يزول عنه الضر فهو يدعونا فى حالاته كلها كان مضطجعاً عاجزاً عن النهوض أو قاعداً لا يقدر على القيام أو قائماً لا يطيق المشي {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ} أزلنا ما به {مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إلى ضُرّ مَّسَّهُ} أي مضى على طريقته الأولى قبل مس الضر ونسي حال الجهد أو مر عن موقف الابتهال والتضرع لا يرجع إليه كأنه لا عهد له به والأصل كأنه لم يدعنا فخفف وحذف ضمير الشأن {كذلك} مثل ذلك التزيين {زُيّنَ لِلْمُسْرِفِينَ} للمجاوزين الحد في الكفر زين الشيطان بوسوسته {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من الإعراض عن الذكر واتباع الكفر
﴿ وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ ﴾ أيْ إذا أصابَهُ جِنْسُ الضُّرِّ مِن مَرَضٍ وفَقْرٍ وغَيْرِهِما مِنَ الشَّدائِدِ إصابَةً يَسِيرَةً وقِيلَ: مُطْلَقًا ﴿ دَعانا ﴾ لِكَشْفِهِ وإزالَتِهِ ﴿ لِجَنْبِهِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ ولِذا عَطَفَ عَلَيْهِ الحالَ الصَّرِيحَةَ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا ﴾ أيْ دَعانا مُضْطَجِعًا أوْ مُلْقًى لِجَنْبِهِ واللّامُ عَلى ظاهِرِها وقِيلَ: إنَّها بِمَعْنى عَلى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ ﴾ ولا حاجَةَ إلَيْهِ وقَدْ يُعَبَّرُ بِعَلى وهي تُفِيدُ اسْتِعْلاءَهُ عَلَيْهِ واللّامُ تُفِيدُ اخْتِصاصَ كَيْنُونَتِهِ واسْتِقْرارَهُ بِالجَنْبِ إذْ لا يُمْكِنُهُ الِاسْتِقْرارُ عَلى غَيْرِ تِلْكَ الهَيْئَةِ فَفِيهِ مُبالَغَةٌ زائِدَةٌ واخْتُلِفَ في ذِي الحالِ فَقِيلَ: إنَّهُ فاعِلُ ﴿ دَعانا ﴾ وقِيلَ: هو مَفْعُولُ ﴿ مَسَّ ﴾ واسْتُضْعِفَ بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما تَأخُّرُ الحالِ عَنْ مَحَلِّها مِن غَيْرِ داعٍ الثّانِي أنَّ المَعْنى عَلى أنَّهُ يَدْعُو كَثِيرًا في كُلِّ أحْوالِهِ إلّا أنَّهُ خَصَّ المَعْدُوداتِ بِالذِّكْرِ لِعَدَمِ خُلُوِّ الإنْسانِ عَنْها عادَةً لا أنَّ الضُّرَّ يُصِيبُهُ في كُلِّ أحْوالِهِ: وأُجِيبُ عَنْ هَذا بِأنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِن مَسَّهُ الضُّرُّ في هَذِهِ الأحْوالِ دُعاؤُهُ فِيها أيْضًا لِأنَّ القَيْدَ في الشَّرْطِ قَيْدٌ في الجَوابِ فَإذا قُلْتَ: إذا جاءَ زَيْدٌ فَقِيرًا أحْسَنّا إلَيْهِ فالمَعْنى أحْسَنّا إلَيْهِ في حالِ فَقْرِهِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأظْهَرَ هو الأوَّلُ واعْتَبَرَ بَعْضُهم تَوْزِيعَ هَذِهِ الأحْوالِ عَلى أفْرادِ الإنْسانِ عَلى مَعْنى أنَّ مِنَ الإنْسانِ مَن يَدْعُو عَلى هَذِهِ الحالَةِ ومِنهُ مَن يَدْعُو عَلى تِلْكَ وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذِهِ الأحْوالِ تَعْمِيمَ أصْنافِ المَضارِّ لِأنَّها إمّا خَفِيفَةٌ لا تَمْنَعُ الشَّخْصَ القِيامَ أوْ مُتَوَسِّطَةٌ تَمْنَعُهُ القِيامَ دُونَ القُعُودِ أوْ شَدِيدَةٌ تَمْنَعُهُ مِنها وانْفَهامَ ذَلِكَ مِنها بِمَعُونَةِ السِّياقِ و(إذا) قِيلَ إنَّها عَلى أصْلِها وقِيلَ إنَّها لِلْمُضِيِّ ﴿ فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ ﴾ الَّذِي مَسَّهُ غَبَّ ما دَعانا كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ ﴿ مَرَّ ﴾ أيْ مَضى واسْتَمَرَّ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلُ ونَسِيَ حالَةَ الجَهْدِ والبَلاءِ أوْ مَرَّ عَنْ مَوْقِفِ الدُّعاءِ والِابْتِهالِ ونَأى بِجانِبِهِ والمُرُورُ عَلى الأوَّلِ مَجازٌ وعَلى الثّانِي باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ ويَكُونُ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ الدُّعاءِ ﴿ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا ﴾ أيْ كَأنَّهُ لَمْ يَدْعُنا فَخَفَّفَ وحَذَفَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ووَجْهٌ مُشْرِقُ النَّحْرِ كَأنْ ثَدْياهُ حُقّانِ فَإنَّ الأصْلَ فِيهِ كَأنَّهُ فَخَفَّفَ كَأنَّ وحَذَفَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ لَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ هِشامٍ في شَواهِدِهِ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ إذْ يَجُوزُ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْوَجْهِ أوْ لِلصَّدْرِ عَلى رِوايَةٍ - وصَدْرٍ - ورُوِيَ كَأنَّ ثَدْيَيْهِ عَلى إعْمالِ كَأنَّ في اسْمٍ مَذْكُورٍ ولا يَبْعُدُ أنْ يَجُوزَ ذَلِكَ في الرِّوايَةِ الأُولى عَلى بَعْضِ اللُّغاتِ والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ﴿ مَرَّ ﴾ أيْ مَرَّ مُشَبَّهًا بِمَن لَمْ يَدْعُنا ﴿ إلى ضُرٍّ ﴾ أيْ إلى كَشْفِهِ لِأنَّهُ المَدْعُوُّ إلَيْهِ وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ وإلى بِمَعْنى اللّامِ أيْ لِضُرٍّ ﴿ مَسَّهُ ﴾ والظّاهِرُ أنَّ هَذا وصْفٌ لِجِنْسِ الإنْسانِ مُطْلَقًا أوالكافِرِ مِنهُ بِاعْتِبارِ حالِ بَعْضِ الأفْرادِ مِمَّنْ هو مُتَّصِفٌ بِهَذِهِ الصِّفاتِ وذَكَرَ الشِّهابُ أنَّ لِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالإنْسانِ هُنا ثَلاثَةَ أقْوالٍ فَقِيلَ: الجِنْسُ وقِيلَ: الكافِرُ وقِيلَ: شَخْصٌ مُعَيَّنٌ وعَلَيْهِ لا حاجَةَ إلى الِاعْتِبارِ لَكِنْ لا اعْتِبارَ لَهُ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ العَجِيبِ ﴿ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ﴾ أيْ لِلْمَوْصُوفِينَ بِما ذَكَرَ مِنَ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ (ما كانُوا يَعْلَمُونَ 12) مِنَ الإعْراضِ عَنِ الذَّكَرِ والدُّعاءِ والِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ والإسْرافُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ وسُمُّوا أُولَئِكَ مُسْرِفِينَ لَمّا أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أعْطاهُمُ القُوى والمَشاعِرَ لِيَصْرِفُوها إلى مَصارِفِها ويَسْتَعْمِلُوها فِيما خُلِقَتْ لَهُ مِنَ العُلُومِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ وهم قَدْ صَرَفُوها إلى ما لا يَنْبَغِي مَعَ أنَّها رَأْسُ مالِهِمْ وفاعِلُ التَّزْيِينِ إمّا مالِكُ المُلْكِ جَلَّ شَأْنُهُ وإمّا الشَّيْطانُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ وكَذَلِكَ فَتَذَكَّرْ.
وتَعَلُّقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِما قَبْلَها قِيلَ مِن حَيْثُ إنَّ في كُلٍّ مِنهُما إمْلاءً لِلْكَفَرَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِدْراجِ بَعْدَ الإنْقاذِ مِنَ الشَّرِّ المُقَرَّرِ في الأُولى ومِنَ الضُّرِّ المُقَرَّرِ في الأُخْرى وذَكَرَ الإمامُ في وجْهِ الِانْتِظامِ مَعَ الآيَةِ الأُولى وجْهَيْنِ الأوَّلُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الأُولى أنَّهُ لَوْ أنْزَلَ العَذابَ عَلى العَبْدِ في الدُّنْيا لَهَلَكَ وأكَّدَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ حَيْثُ دَلَّتْ عَلى غايَةِ ضَعْفِهِ ونِهايَةِ عَجْزِهِ والثّانِي أنَّهُ سُبْحانَهُ أشارَ في الأُولى إلى أنَّ الكَفَرَةَ يَسْتَعْجِلُونَ نُزُولَ العَذابِ وبَيَّنَ جَلَّ شَأْنُهُ في هَذِهِ أنَّهم كاذِبُونَ في ذَلِكَ الطَّلَبِ حَيْثُ أفادَتْ أنَّهُ لَوْ نَزَلَ بِالإنْسانِ أدْنى شَيْءٍ يَكْرَهُهُ فَإنَّهُ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ تَعالى في إزالَتِهِ عَنْهُ انْتَهى ولِكُلِّ وُجْهَةٌ وفِي الآيَةِ ذَمٌّ لِمَن يَتْرُكُ الدُّعاءَ في الرَّخاءِ ويُهْرَعُ إلَيْهِ في الشِّدَّةِ واللّائِقُ بِحالِ الكامِلِ التَّضَرُّعُ إلى مَوْلاهُ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ فَإنَّ ذَلِكَ أرْجى لِلْإجابَةِ فَفي الحَدِيثِ: «تَعَرَّفْ إلى اللَّهِ في الرَّخاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ» وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «ادْعُ اللَّهَ تَعالى يَوْمَ سَرّائِكَ يَسْتَجِبْ لَكَ يَوْمَ ضَرائِكَ» وفي حَدِيثٍ لِلتِّرْمِذِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ورَواهُ الحاكِمُ عَنْ سَلْمانَ وقالَ: صَحِيحُ الإسْنادِ: «مَن سَرَّهُ أنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عِنْدَ الشَّدائِدِ والكُرُوبِ فَلْيُكْثِرِ الدُّعاءَ في الرَّخاءِ» .
والآثارُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ، قال مقاتل: وذلك حين تمنى النضر بن الحارث السّهمي العذاب، فنزل قوله: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ يقول: لو استجيب لهم في الشر استعجالهم بالخير، يعني: كما يحبون أن يستجاب لهم في الخير.
لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ في الدنيا بالهلاك.
وقال مجاهد والضحاك والكلبي: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ يعني: العقوبة، إذا دعا على نفسه وولده وعلى صاحبته: أخزاك الله، ولعنك الله، كما يعجل لهم الخير إذا دعوه بالرحمة والرزق والعافية، لماتوا وهلكوا.
وقال القتبي: هذا من الإضمار ومعناه وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ، يعني: إجابتهم بالشر اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ، يعني: كإجابتهم بالخير.
وإنَّما صار اسْتِعْجالَهُمْ نصباً على معنى مثل استعجالهم.
قرأ ابن عامر لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ بالنصب، يعني: لقضى الله أجلهم، لأنه اتصل بقوله: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ، وقرأ الباقون لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ بالضم على معنى فعل ما لم يسم فاعله.
ثم قال: فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقاءَنا، يعني: بترك الذين لا يخافون البعث بعد الموت.
فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ، يعني: يتحيرون ويترددون فيها مجازاة لهم.
قوله تعالى: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ يقول إذ مس الكافر ما يكره من المرض والفقر والبلاء، دَعانا يقول أخلص في الدعاء إلينا لِجَنْبِهِ، يعني: وهو مطروح على جنبه إذا اشتد به المرض، أَوْ قاعِداً إذا كانت العلة أهون، أَوْ قائِماً إذا بقي فيه أثر العلة.
ويقال: دعانا في الأحوال كلها مضطجعاً كان، أَوْ قَائِماً، أَوْ قَاعِداً.
فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ، يعني: فلمّا رفعنا عنه بلاءه، مَرَّ يقول: استمر على ترك الدعاء ونسي الدعاء.
ويقال: مَرَّ في العافية على ما كان عليه قبل أن يبتلى، ولم يتعظ بما ناله.
كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ، يعني: إلى بلاء أصابه قبل ذلك فلم يشكره.
ويقال: معناه أَمِنَ من أن يصيبه مثل الضر الذي دعا فيه حين مسّه كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ، يعني: المشركين مَا كانُوا يَعْمَلُونَ ، يعني: بالدعاء عند الشدة وترك الدعاء عند الرخاء.
<div class="verse-tafsir"
الهُذَلِيِّ معناه: لَمْ يَرْجُ فَقَدْ لَسْعِهَا، قال ابن زَيْد: هذه الآية في الكُفَّار «١» .
وقوله سبحانه: وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا: يريد: كَانَتْ مُنتَهى غرضهم، وقال قتادة في تفسير هذه الآية: إِذا شئْتَ رأَيْت هذا الموصُوفَ صاحِبَ دنيا، لها يغضبُ، ولها يرضَى، ولها يفرح، ولها يهتَمُّ ويحزن، فكأَنَّ قتادةَ صَوَّرها في العصاةِ «٢» ، ولا يترتب ذلك إِلا مع تأوُّل الرَّجَاءِ على بابه لأن المؤمِنَ العاصِيَ مستَوْحِشٌ من آخرته، فأما على التأويلِ الأول، فمن لا يخافُ اللَّه، فهو كَافِرٌ.
وقوله: وَاطْمَأَنُّوا بِها: تكميلٌ في معنى القناعةِ بها، والرفْضِ لغيرها.
وقوله: وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ: يحتمل أنْ يكون ابتداء إِشارةٍ إِلى فرقةٍ أُخرَى، ثم عقَّب سبحانه بذكْر الفرقة الناجيَةِ، فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ ...
الآية، الهدايةُ في هذه الآية تحتملُ وجْهين:
أحدهما: أن يريد أنَّه يديمهم ويثبِّتهم.
الثَّانِي: أنْ يريد أنه يرشدُهم إِلى طريق الجِنانِ في الآخرة.
وقوله: بِإِيمانِهِمْ يحتملُ أَنْ يريد: بسبب إِيمانهم، ويحتمل أن يكونَ الإِيمانُ هو نَفْس الهُدَى، أيْ، يهديهم إِلى طريق الجنة بنور إِيمانهم.
قال مجاهد: يكون لهم إِيمانُهم نوراً يمشُونَ به، ويتركَّب هذا التأويل، على ما رُوِيَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «أَنَّ العَبْدَ المُؤْمِنَ، إِذَا قَامَ مِنْ قَبْرِهِ لِلْحَشْرِ تَمَثَّلَ لَهُ رَجُلٌ جَمِيلُ الوَجْهِ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟
فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ فَيَقُودُهُ إِلَى الجَنَّةِ، وبعَكْسِ هذا في الكَافِرِ، ونحو هذا مما أسنده الطبري «٣» وغيره.
دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠)
وقوله سبحانه: دَعْواهُمْ: أي: دعاؤهم فيها وسُبْحانَكَ اللَّهُمَّ: تَقْدِيسٌ وتسبيحٌ وتنزيهٌ لجلاله سبحانه عن كلِّ ما لا يليق به، وقال علي بن أبي طالب في ذلك: هي كلماتٌ رَضِيَهَا اللَّه تعالى لنفْسه «٤» ، وقال طلحة بن عبيد اللَّه/: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه مَا
مَعْنَى سُبْحَانَ اللَّهِ؟
فَقَالَ: مَعْنَاهَا: «تَنْزِيهاً للَّهِ مِنَ السُّوءِ» ، وَحُكِيَ عن بعض المفسِّرين أَنهم رَوَوْا أَنَّ هذه الكلمةَ إِنَّما يقولها المؤمنُ عِنْدَ ما يشتهي الطَّعَام، فإِنه إِذا رأَى طائِراً أَو غير ذلك، قال: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ، فنزلتْ تلك الإِرادة بَيْنَ يديه فَوْقَ ما اشتهى.
رواه ابنُ جُرَيْج وسفيانُ بن عُيَيْنة، وعبارة الداوديّ عن ابنِ جُرَيْج: «دَعْواهُمْ فيها» : قال: إِذا مَرَّ بهم الطائرُ يَشْتَهُونه، كان دعواهم به سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ، فيأكلون منه ما يَشْتَهُونَ، ثم يطيرُ، وإِذا جاءتهم الملائكةُ بما يَشْتَهُونَ، سَلَّمُوا عَلَيْهم، فذلك قولُهُ: وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ، وإِذا أَكلوا حاجتهم، قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، فذلك قوله: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
وقوله سبحانه: وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ: يريدُ تسليمَ بعضهم على بعض، والتحيَّة:
مأخوذة مِنْ تَمَنِّي الحياةِ للإِنسان والدُّعاءِ بها، يقالُ: حَيَّاهُ ويُحيِّيه ومنه قَوْلُ زُهَيْرِ بن جنَابٍ: [الكامل]
مِنْ كُلِّ مَا نَالَ الفَتَى ...
قَدْ نِلْتُهُ إِلاَّ التَّحِيَّهْ «١»
يريد: دعاء الناس للمُلُوكِ بالحياةِ، وقال بعضُ العلماء: وَتَحِيَّتُهُمْ يريد: تسليم اللَّه تعالَى عليهم، والسَّلام: مأخوذً من السَّلامة، وَآخِرُ دَعْواهُمْ: أي: خاتمةُ دعائهِم وكلامِهِمْ في كلِّ موطِنٍ حَمْدُ اللَّه وشُكْرُهُ، عَلَى ما أسبغ عليهم من نعمه، وقال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٢» .
في تفسير هذه الآية قولان:
الأول: أَنَّ المَلَكَ يأتيهم بما يشتهون، فيقول: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، أي: سَلِمْتُم، فَيَرُدُّون عليه، فإِذا أكلوا، قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
الثاني: أنَّ معنى «تَحِيَّتُهُمْ» : أي: تحيَّة بعضهم بعضاً، فقد ثبت في الخبر: «أن اللَّه تعالى خلق آدَمَ، ثم قَالَ لَهُ: اذْهَبْ إِلى أُولَئِكَ النَّفَر مِنَ المَلاَئِكَةِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ، فَجَاءَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا لَهُ: وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ: هَذِهِ تَحِيَّتُكَ، وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتَكَ مِنْ بَعْدِكَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» «٣» ، وبَيَّنَ في القرآن هاهنا أنها تحيتهم في الجنّة،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي حُذَيْفَةَ واسْمُهُ هاشِمُ بْنُ المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المَخْزُومِيُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ عَطاءٌ.
و " الضُّرُّ ": الجَهْدُ والشِّدَّةُ.
واللّامُ في قَوْلِهِ: " لِجَنْبِهِ " بِمَعْنى " عَلى " .
وفي مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إذا مَسَّهُ الضُّرُّ دَعا عَلى جَنْبِهِ، أوْ دَعا قاعِدًا، أوْ دَعا قائِمًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: إذا مَسَّهُ الضُّرُّ في هَذِهِ الأحْوالِ، دَعا، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أعْرَضَ عَنِ الدُّعاءِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والثّانِي: مَرَّ في العافِيَةِ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ أنْ يُبْتَلى، ولَمْ يَتَّعِظْ بِما يَنالُهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: مَرَّ طاغِيًا عَلى تَرْكِ الشُّكْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " كَأنْ " هَذِهِ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، المَعْنى: كَأنَّهُ لَمْ يَدْعُنا، قالَتِ الخَنْساءُ: كَأنْ لَمْ يَكُونُوا حِمًى يُتَّقى إذِ النّاسُ إذْ ذاكَ مَن عَزَّ بَزّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ﴾ المَعْنى: كَما زُيِّنَ لِهَذا الكافِرِ الدُّعاءُ عِنْدَ البَلاءِ، والإعْراضُ عِنْدَ الرَّخاءِ، كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ، وهُمُ المُجاوِزُونَ الحَدَّ في الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، عَمَلُهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهم فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ ﴿ وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أو قاعِدًا أو قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عنهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: "نَزَلَتْ في دُعاءِ الرَجُلِ عَلى نَفْسِهِ أو مالِهِ أو ولَدِهِ ونَحْوِ هَذا، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ لَوْ فَعَلَ مَعَ الناسِ في إجابَتِهِ إلى المَكْرُوهِ مِثْلَ ما يُرِيدُونَ فِعْلَهُ مَعَهم في إجابَتِهِ إلى الخَيْرِ لِأهْلَكَهُمْ، ثُمَّ حَذَفَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ جُمْلَةً يَتَضَمَّنُها الظاهِرُ تَقْدِيرُها: ولا يَفْعَلُ ذَلِكَ ولَكِنْ يَذْرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ، فاقْتُضِبَ القَوْلُ وتُوُصِّلَ إلى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ﴾ ، فَتَأمَّلْ هَذا التَقْدِيرَ تَجِدْهُ صَحِيحًا، و ﴿ اسْتِعْجالَهُمْ ﴾ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، والتَقْدِيرُ: مِثْلَ اسْتِعْجالِهِمْ، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: تَعْجِيلًا مِثْلَ اسْتِعْجالِهِمْ، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ.
وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَماءِ ﴾ ، وَقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ائْتِنا بِما تَعِدُنا ﴾ وما جَرى مَجْراهُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لَقُضِيَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ "الأجَلُ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ، وعَوْفٌ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، ويَعْقُوبُ: "لَقَضى" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ "الأجَلَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "لَقَضَيْنا"، والأجْلُ -فِي هَذا المَوْضِعِ- أجْلُ المَوْتِ، ومَعْنى "قَضى" في هَذِهِ الآيَةِ: أكْمَلَ وفَرَغَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أو صَنَعُ السَوابِغِ تُبَّعُ وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ في هَذا المَعْنى: قَضَيْتُ أُمُورًا ثُمَّ غادَرْتُ بَعْدَها ∗∗∗ ∗∗∗ فَوائِحَ في أكْمامِها لَمْ تُفَتَّقِ وتَعَدّى "قَضى" في هَذِهِ الآيَةِ بِـ "إلى" لَمّا كانَ بِمَعْنى: فَرَغَ، وفَرَغَ يَتَعَدّى بِإلى ويَتَعَدّى بِاللامِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرٍ: ألْآنَ فَقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ فَصِرْتُ عَلى جَماعَتِها عَذابا وَمِنَ الآخَرِ قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَقَلانِ ﴾ ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا"، و"يَرْجُونَ" في هَذا المَوْضِعِ عَلى بابِها، والمُرادُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ فَهم لا يَرْجُونَ لِقاءَ اللهِ، والرَجاءُ مُقْتَرِنٌ أبَدًا بِخَوْفٍ، والطُغْيانُ: الغُلُوُّ في الأمْرِ وتَجاوُزُ الحَدِّ، والعَمَهُ: الخَبْطُ في ضَلالٍ، فَهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ ذامَّةً لِخُلُقٍ ذَمِيمٍ هو في الناسِ، يَدْعُونَ في الخَيْرِ فَيُرِيدُونَ تَعْجِيلَ الإجابَةِ فَيَحْمِلُهم أحْيانًا سُوءُ الخُلُقِ عَلى الدُعاءِ في الشَرِّ، فَلَوْ عَجَّلَ لَهم لَهَلَكُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُرُّ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا عِتابٌ عَلى سُوءِ الخُلُقِ مِن بَعْضِ الناسِ، ومُضَمَّنُهُ النَهْيُ عن مِثْلِ هَذا، والأمْرُ بِالتَسْلِيمِ إلى اللهِ تَعالى والضَراعَةِ إلَيْهِ في كُلِّ حالٍ، والعِلْمُ بِأنَّ الخَيْرَ والشَرَّ مِنهُ لا رَبَّ غَيْرُهُ، وقَوْلُهُ: "لِجَنْبِهِ" في مَوْضِعِ حالٍ، كَأنَّهُ قالَ: مُضْطَجِعًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ "الإنْسانِ"، والعامِلُ فِيهِ "مَسَّ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في "دَعانا" والعامِلُ فِيهِ "دَعا" وهُما مَعْنَيانِ مُتَبايِنانِ.
و"الضُرُّ" لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ الأمْراضِ والرَزايا في النَفْسِ والمالِ والأحِبَّةِ، هَذا قَوْلُ اللُغَوِيِّينَ، وقِيلَ: هو مُخْتَصٌّ بِرَزايا البَدَنِ: الهُزالُ والمَرَضُ، وقَوْلُهُ: "مَرَّ" يَقْتَضِي أنَّ نُزُولَها في الكُفّارِ ثُمَّ هي بَعْدُ تَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ تَحْتَ مَعْناها مِن كافِرٍ أو عاصٍ، فَمَعْنى الآيَةِ: مَرَّ في إشْراكِهِ بِاللهِ وقِلَّةِ تَوَكُّلِهِ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: "زُيِّنَ" إنْ قَدَّرْناهُ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى فَهو خَلْقُهُ الكُفْرَ لَهم واخْتِراعُهُ في نُفُوسِهِمْ صُحْبَةَ أعْمالِهِمُ الفاسِدَةِ ومُثابَرَتِهِمْ عَلَيْها، وإنْ قَدَّرْنا ذَلِكَ مِنَ الشَيْطانِ فَهو بِمَعْنى الوَسْوَسَةِ والمُخادَعَةِ، ولَفْظَةُ التَزْيِينِ قَدْ جاءَتْ في القُرْآنِ بِهَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ مَرَّةً مِن فِعْلِ اللهِ تَعالى ومَرَّةً مِن فِعْلِ الشَياطِينِ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ ولو يعجل الله للناس الشر ﴾ [يونس: 11] الآية، لأن الغرض الأهم من كلتيهما هو الاعتبار بذميم أحوال المشركين تفظيعاً لحالهم وتحذيراً من الوقوع في أمثالها بقرينة تنهية هذه الآية بجملة ﴿ كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون ﴾ .
فلما بُين في الآية السابقة وجه تأخير عذاببِ الاستئصال عنهم وإرجاء جزائهم إلى الآخرة بُين في هذه الآية حالهم عندما يمسهم شيء من الضر وعندما يُكشف الضر عنهم.
فالإنسان مراد به الجنس، والتعريف باللام يفيد الاستغراق العرفي، أي الإنسان الكافر، لأن جمهور الناس حينئذٍ كافرون، إذ كان المسلمون قبل الهجرة لا يعْدُون بضعة وسبعين رجلاً مع نسائهم وأبنائهم الذين هم تبع لهم.
وبهذا الاعتبار يكون المنظور إليهم في هذا الحكم هم الكافرون، كما في قوله تعالى: ﴿ ويقول الإنسان أئذا ما مِت لسَوف أخرج حيا ﴾ [مريم: 66] وقوله: ﴿ يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسوّاك ﴾ [الانفطار: 6، 7].
ويأخذ المسلمون من هذا الحكم ما يناسب مقدار ما في آحادهم من بقايا هذه الحال الجاهلية فيفيق كلٌّ من غفلته.
وعدل عن الإتيان بالضمير الراجع إلى (الناس) من قوله: ﴿ ولو يجعل الله للناس الشر ﴾ [يونس: 11] لأن في ذكر لفظ الإنسان إيماء إلى التذكير بنعمة الله عليهم إذ جعلهم، من أشرف الأنواع الموجودة على الأرض.
ومن المفسرين من جعل اللام في الإنسان للعهد وجعل المراد به أبا حذيفة بن المغيرة المخزومي، واسمه مُهَشِّم، وكان مشركاً، وكان أصابه مرض.
والضر تقدم في قوله: ﴿ وإن يمسسك الله بضر ﴾ في سورة والدعاء: هنا الطلب والسؤال بتضرع.
واللام في قوله: لجنبه } بمعنى (على) كقوله تعالى: ﴿ يخرون لِلأذقان ﴾ [الإسراء: 109] وقوله: ﴿ وتلَّه للجبين ﴾ [الصافات: 103].
ألا ترى أنه جاء في موضع اللام حرف (على) في قوله تعالى: ﴿ فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جُنوبكم ﴾ [النساء: 103] وقوله: ﴿ الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ﴾ [آل عمران: 190] ونحوه قول جابر بن جني التغلبي: تناولَه بالرمح ثم انثنى به *** فخَرَّ صريعاً لليدين وللفم أي على اليدين وعلى الفم، وهو متولد من معنى الاختصاص الذي هو أعم معاني اللام، لأن الاختصاص بالشيء يقع بكيفيات كثيرة منها استعلاؤه عليه.
وإنما سلك هنا حرف الاختصاص للإشارة إلى أن الجنب مختص بالدعاء عند الضر ومتصل به فبالأولى غيره.
وهذا الاستعمال منظور إليه في بيت جابر والآيتين الأخريين كما يظهر بالتأمل، فهذا وجه الفرق بين الاستعمالين.
وموضع المجرور في موضع الحال، ولذلك عطف ﴿ أو قاعداً أو قائماً ﴾ بالنصب.
وإنما جعل الجنب مجروراً باللام ولم ينصب فيقال مثلاً مضطجعاً أو قاعداً أو قائماً لتمثيل التمكن من حالة الراحة بذكر شق من جسده لأن ذلك أظهر في تمكنه، كما كان ذكر الإعطاء في الآيتين الأخريين وبيت جابر أظهر في تمثيل الحالة بحيث جمع فيها بين ذكر الأعضاء وذكر الأفعال الدالة على أصل المعنى للدلالة على أنه يدعو الله في أندر الأحوال ملابَسَةً للدعاء، وهي حالة تطلب الراحة وملازمة السكون.
ولذلك ابتدئ بذكر الجنب، وأما زيادة قوله: ﴿ أو قاعداً أو قائماً ﴾ فلقصد تعميم الأحوال وتكميلها، لأن المقام مقام الإطناب لزيادة تمثيل الأحوال، أي دعانا في سائر الأحوال لا يلهيه عن دعائنا شيء.
والجنب: واحد الجنوب.
وتقدم في قوله: ﴿ فتكوى بها جباههم وجنوبهم ﴾ في سورة [براءة: 35].
والقعود: الجلوس.
والقيام: الانتصاب.
وتقدم في قوله: ﴿ وإذا أظلم عليهم قاموا ﴾ في سورة [البقرة: 20].
و (إذا) هٌّا لمجرد الظرفية وتوقيتتِ جوابها بشرطها، وليست للاستقبال كما هو غالب أحوالها لأن المقصود هنا حكاية حال المشركين في دعائهم الله عند الاضطرار وإعراضهم عنه إلى عبادة آلهتهم عند الرخاء، بقرينة قوله: كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون } إذ جعلها حالاً للمسرفين.
وإذ عبر عن عملهم بلفظ ﴿ كانوا ﴾ الدال على أنه عملهم في ماضي أزمانهم، ولذلك جيء في شرطها وجوابها وما عطف عليهما بأفعال المضي لأن كون ذلك حالهم فيما مضى أدخلُ في تسجيله عليهم مما لو فرض ذلك من حالهم في المستقبل إذ لعل فيهم من يتعظ بهذه الآية فيقطع عن عمله هذا أو يساق إلى النظر في الحقيقة.
ولهذا فرع عليه جملة: ﴿ فلما كشفنا عنه ضره مرَّ ﴾ لأن هذا التفريع هو المقصود من الكلام إذ الحالة الأولى وهي المفرع عليها حالة محمودة لولا ما يعقبها.
والكشف: حقيقته إظهار شيء عليه ساتر أو غطاء.
وشاع إطلاقه على مطلق الإزالة.
إما على طريقة المجاز المرسل بعلاقة الإطلاق، وإما على طريقة الاستعارة بتشبيه المزال بشيء ساتر لشيء.
والمرور: هنا مجازي بمعنى استبدال حالة بغيرها.
شُبه الاستبدال بالانتقال من مكان إلى آخر لأن الانتقال استبدال، أي انتقل إلى حال كحَال من لم يسبق له دعاؤُنا، أي نسي حالة اضطراره واحتياجه إلينا فصار كأنه لم يقع في ذلك الاحتياج.
و (كأنْ) مخففة كأنَّ، واسمها ضمير الشأن حذف على ما هو الغالب.
وعدي الدعاء بحرف (إلى) في قوله: ﴿ إلى ضر ﴾ دون اللام كما هو الغالب في نحو قوله: دعوت لما نابني مسورا *** على طريقة الاستعارة التبعية بتشبيه الضر بالعدو المفاجئ الذي يدعو إلى من فاجأه ناصراً إلى دفعه.
وجَعْل (إلى) بمعنى اللام بُعد عن بلاغة هذا النظم وخلط للاعتبارات البلاغية.
وجملة: ﴿ كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون ﴾ تذييل يعم ما تقدم وغيره، أي هكذا التزيين الشيطاني زين لهم ما كانوا يعملون من أعمالهم في ماضي أزمانهم في الدعاء وغيره من ضلالاتهم.
وتقدم القول في معنى مَوقع (كذلك) في أمثال هذه الآية عند قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا ﴾ في سورة [البقرة: 143] وقوله: ﴿ كذلك زينا لكل أمة عملهم ﴾ في سورة [الأنعام: 108]، فالإشارة إلى التزيين المستفاد هنا وهو تزيين إعراضهم عن دعاء الله في حالة الرخاء، أي مثلَ هذا التزيين العجيب زين لكل مُسرف عمله.
والإسراف: الإفراط والإكثار في شيء غير محمود.
فالمراد بالمسرفين هنا الكافرون.
واختير لفظ المسرفين} لدلالته على مبالغتهم في كفرهم، فالتعريف في المسرفين للاستغراق ليشمل المتحدث عنهم وغيرهم.
وأسند فعل التزيين إلى المجهول لأن المسلمين يعلمون أن المزين للمسرفين خواطرهم الشيطانية، فقد أسند فعل التزيين إلى الشيطان غيرَ مرة، أو لأن معرفة المزين لهم غيرُ مهمة ههنا وإنما المهم الاعتبار والاتعاظ باستحسانهم أعمالهم الذميمة استحساناً شنيطاً.
والمعنى أن شأن الأعمال الذميمة القبيحة إذا تكررت من أصحابها أن تصير لهم دُربة تُحسن عندهم قبائحها فلا يكادون يشعرون بقبحها فكيف يقلعون عنها كما قيل: يقضى على المرء في أيام محنته حتى يَرى حسناً ما ليس بالحسن <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إذا مَسَّهُ الضُّرُّ دَعا رَبَّهُ في هَذِهِ الأحْوالِ.
الثّانِي: دَعا رَبَّهُ فَيَكُونُ مَحْمُولًا عَلى الدُّعاءِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير ﴾ قال: هو قول إنسان لولده وماله إذا غضب عليه: اللهمَّ لا تبارك فيه والعنه ﴿ لقضي إليهم أجلهم ﴾ قال: لأهلك من دعا عليه ولأماته.
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير ﴿ ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير ﴾ قال: قول الرجل للرجل: اللهمَّ اخزه اللهمَّ العنه، قال: وهو يحب أن يستجاب له كما يحب اللهمَّ اغفر له اللهمَّ ارحمه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: هو دعاء الرجل على نفسه وماله بما يكره أن يستجاب له.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ ﴾ أي: مضطجعا على جنبه؛ ولهذا المعنى عطف عليه بالحال، كقوله: ﴿ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ﴾ فنسق ﴿ وَكَهْلًا ﴾ على ﴿ فِي الْمَهْدِ ﴾ ؛ لأن معناه: ويكلم الناس صغيرًا وكبيرًا، قال ابن الأنباري: وهذا كما يقول القائل إنا بخير وكثير صيدنا، فيعطف (كثيراً) على الباء، إذ تأويلها: إنا مخصبون (١) قال ابن عباس: إذا أصاب الكافر ما يكره من فقر أو مرض أو بلاءً أو شدة أخلص في الدعاء مضطجعًا كان أو قائمًا أو قاعدًا (٢) قال أبو إسحاق: وجائز أن يكون: وإذا مس الإنسان الضر لجنبه أو مسه قاعدًا أو مسه قائمًا دعانا (٣) (٤) قال: ومما يزيد هذا القول فسادًا أنّ اللام في قوله (لجنبه) إذا انتصب بـ (مس) لم يجز أن يدخل بين (دعانا) وما يتعلق به كتعلق الصلة، والفاء في قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا ﴾ يتصل ما (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ ﴾ \[قال ابن عباس: فلما كشفنا عنه\] (٧) (٨) وقال الفراء: استمر على طريقته الأولى قبل أن يصيبه البلاء (٩) وقال الزجاج: مرّ في العافية على ما كان عليه قبل (١٠) (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ ﴾ ، قال الأخفش: ﴿ كَأَنْ لَمْ ﴾ يريد: كأنه لم، فخففت، ومثله: ﴿ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا ﴾ (١٣) (١٤) (١٥) وقال صاحب النظم في هذه الآية: ﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ﴾ : (وإذا) موضوعة للمستقبل، ثم قال: ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا ﴾ وهذا واجب ماضٍ، فهذا النظم محمول على الاشتراك من أن المعنى فيه: إنه هكذا كان فيما مضى، وهكذا يكون في المستأنف، فدل ما فيه من [الفعل المستأنف على ما فيه من المعنى المستأنف، وما فيه من] (١٦) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ، قال المفسرون: [يقول: كما زُين لهذا الكافر الدعاء عند البلاء والإعراض عند الرخاء، زُين للمسرفين عملهم (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) قال ابن عباس: يريد بالمسرفين: المشركين (٢٢) قال ابن كيسان: أسرفوا على أنفسهم إذ عبدوا الوثن (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (١) لم أجده.
(٢) ذكره المؤلف في "الوسيط " 2/ 540، وبنحوه ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 12، والفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 209.
(٣) اهـ.
كلام أبي إسحاق الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 9.
(٤) ساقط من (م).
(٥) في (ى): (بما)، وهو خطأ.
(٦) لم أجد مصدره، وانظر: "التبيان في إعراب القرآن" ص 434، فقد ضعف أبو البقاء أيضاً قول الزجاج المذكور.
(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).
(٨) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 540 مختصرًا، و"زاد المسير" 4/ 12 بلا نسبة.
(٩) "معاني القرآن" 1/ 459.
(١٠) ساقط من (ى).
(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 9.
(١٢) في (ى): (الجاهلية).
(١٣) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 369.
(١٤) في (م): (فيه).
(١٥) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 540، ولم أجده عند غيره.
(١٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).
(١٧) ذكره بنحوه الرازي في "تفسيره" 17/ 52، وأبو حيان في "البحر المحيط" 5/ 130.
(١٨) انظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 7 ب، والبغوي 4/ 124، وابن الجوزي 4/ 13.
(١٩) في (م): (بإسرارهم)، وهو خطأ.
(٢٠) ما بين المعقوفين ساقط من النسخ عدا (م).
(٢١) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 9.
(٢٢) رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 209.
(٢٣) "الوسيط" 2/ 540، ولم أجده في مصدر آخر.
(٢٤) هو: عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، أبو الوليد، كبير قريش، واحد ساداتها في الجاهلية، أدرك الإسلام ولم يسلم، بل عاند وتكبر، وشهد بدرًا مع المشركين وقتل فيها سنة 2 هـ.
انظر: "السيرة النبوية" 1/ 276، "الأعلام" 4/ 200.
(٢٥) هو: الوليد بن المغيرة بن عبد الله المخزومي، أبو عبد شمس، كان من قضاة العرب في الجاهلية، ومن زعماء قريش وأثريائها، أدرك الإسلام وهو هرم، فقاوم دعوته، وسعى لإطفاء نوره حتى هلك سنة 1 هـ.
انظر: "السيرة النبوية" 1/ 277، "الأعلام" 8/ 122.
(٢٦) "زاد المسير" 3/ 12، "الوسيط" 2/ 540.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ﴾ أي: لو يعجل الله للناس الشر كما يحبون تعجيل الخير لهلكوا سريعاً، ونزلت الآية عند قوم: في دعاء الإنسان على نفسه وماله وولده، وقيل: نزلت في الذين قالوا: ﴿ إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء ﴾ [الأنفال: 32] ﴿ وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا ﴾ عتابٌ في ضمنه نهيٌ لمن يدعو الله عند الضر، ويغفل عنه عند العافية ﴿ لِجَنبِهِ ﴾ أي مضطجعاً، وروي أنها نزلت في أبي حذيفة بن المغيرة لمرض كان به.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ الۤر ﴾ بالإمالة وكذلك ما بعده: أبو عمرو وخلف وحمزة وعلي والخراز عن هبيرة والنجاري عن ورش ويحيى وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
﴿ لساحر ﴾ بالألف: ابن كثير وعاصم وحمزة وعلي وخلف.
الآخرون ﴿ لسحر ﴾ ﴿ حقاً أنه ﴾ بالفتح.
يزيد.
﴿ ضياء ﴾ بالهمز حيث كان: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل ﴿ يفصل ﴾ بالياء: ابن كثير وعمرو وسهل ويعقوب وحفص والمفضل والعجلي.
الباقون بالنون.
﴿ واطمأنوا ﴾ بغير همز: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.
الوقوف: ﴿ الۤر ﴾ ق كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه ط ﴿ عند ربهم ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يدبر الأمر ﴾ ط ﴿ إذنه ﴾ ط ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط، ﴿ حقاً ﴾ ط، إلا لمن قرأ ﴿ أنه ﴾ بالفتح.
﴿ بالقسط ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه ﴿ والحساب ﴾ ط ﴿ إلا بالحق ﴾ ط لمن قرأ ﴿ نفصل ﴾ بالنون، ومن قرأ بالياء أمكنه أن يجعل ﴿ يفصل ﴾ حالاً.
﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه لا لأن ﴿ أولئك ﴾ خبر "إن" ﴿ بإيمانهم ﴾ ج ط للحذف تقديره يهديهم ربهم بإيمانهم إلى دار البقاء مع اتحاد المقصود وتمام الموعود ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ سلام ﴾ ج ط لأن الجملتين وإن اتفقتا فقد اعترضت جملة معطوفة أخرى لأن قوله ﴿ وآخر دعواهم ﴾ معطوف على ﴿ دعواهم ﴾ الأوّل ﴿ العالمين ﴾ ه.
التفسير: اتفقوا على أن قوله ﴿ الر ﴾ ليس بآية وعلى أن ﴿ طه ﴾ آية.
ولعل الفرق أن ﴿ الر ﴾ لا يشاكل مقاطع الآية التي بعده، عن ابن عباس ﴿ الۤر ﴾ معناه أنا الله أرى.
وقيل: لا رب غيري.
وقيل: الۤر وحم ون اسم الرحمن ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات، والتبعيد للتعظيم، والكتاب السورة، والحكيم ذو الحكمة لاشتماله عليها أو وصف بصفة من تكلم به ومنه قولهم للقصيدة حكيمة.
وقيل: "فعيل" بمعنى "فاعل" لأنه يحكم بين الحق والباطل، أو يحكم بأن محمداً صادق لأن القرآن أظهر معجزاته وأبقاها.
وقيل: بمعنى مفعول أي حكم فيه بجميع المأمورات والمنهيات وقيل: بمعنى المحكم والإحكام المنع من الفساد وذلك أنه لا يمحوه الماء ولا يحرقه النار ولا يغيره الدهور.
ويحتمل أن يقال: الكتاب الحكيم هو القرآن أو اللوح المحفوظ أو التوراة والإنجيل، لأن جميع الكتب الإلهية متوافقة في الأصول، ويجوز أن يكون ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن.
واعلم أنه لما ختم السورة المتقدمة بقوله: ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ صدر هذه السورة بتعديد بعض الحروف على طريق التحدي، وذلك أن حروف القرآن من جنس الحروف التي يتلفظون بها فلولا أنه معجز لعارضوه وناقضوه.
ولما بين بهذا الطريق أن محمداً رسول حق من عند الله أنكر على كفار قريش تعجبهم من كونه رسولاً فقال: ﴿ أكان للناس عجباً ﴾ نصب على أنه خبر كان واسمه ﴿ أن أوحينا ﴾ وفائدة اللام في قوله: ﴿ للناس ﴾ مع تقديمه هي أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتحدثون بها، ثم إن تعجبهم إما أن يكون من جعل البشر رسولا أو من تخصيص محمد بالوحي والنبوة فقد روي أنهم كانوا يقولون العجب أن الله لم يجد رسولاً يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب، وكلا الأمرين ليس بعجب، أما الأول فلأن الجنس إلى الجنس أميل ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً ﴾ ﴿ قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً ﴾ .
وأما الثاني فلأن الفقر واليتم لا يوجب في النبوة قدحاً لأن الله غني عن العالمين ﴿ وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ﴾ وإنما المعتبر في الاستنباء كونه متصفاً بالصدق والأمانة والتقوى، وكان لمحمد في ذلك قبل بعثه اليد الطولى إذ كان يدعى محمداً الأمين.
و "أن" في قوله: ﴿ أن أنذر الناس ﴾ هي المفسرة لأن الإيحاء فيه معنى القول، أو مخففة من الثقيلة وقد عملت في ضمير شأن مقدر معناه إنه أي إن الشأن قولنا أنذر الناس.
وقوله: ﴿ وبشر الذين آمنوا أن لهم ﴾ أي بأن لهم، والإنذار إخبار مع تخويف وإنه عام للناس كلهم، ولكن البشارة خاصة بالمؤمنين.
ويحتمل أن يراد بالناس الكفار فقط ويمكن أن يكون تعجبهم عائداً إلى الإنذار والتبشير وليس ذلك بعجب بل المنكر في العقول تعطيل الأعمال وأن يترك الإنسان سدىً، وإرسال الرسل أمر ما أخلى الله المكلفين عنه شيئاً من الأزمنة، وبه تتم الماليكة والأمر والنهي والإذن والمنع والثواب والجزاء.
وإنما قدم الإنذار على التبشير لأن الإنذار تحذير عن فعل ما لا ينبغي، والتبشير ترغيب في فعل ما ينبغي والتخلية مقدمة على التحلية.
ومعنى ﴿ قدم صدق ﴾ سابقة فضل ومنزلة رفيعة أي سبق لهم عند الله خير.
قال أحمد بن يحيى: القدم كل ما قدمت من خير.
وقال ابن الأنباري: كناية عن العمل الذي لا يقع فيه تأخير ولا إبطاء.
والسبب في إطلاق القدم على السابقة أن السعي والسبق لا يحصل إلا بالقدم فسمي المسبب باسم السبب كما سميت النعمة يداً لأنها تعطى باليد، وإضافة القدم إلى صدق لأجل المبالغة وللتنبيه على أنها من السوابق العظيمة أي القدم التي يصدق ويحق أن تسمى قدماً.
وأما عبارات المفسرين فمنهم من قال: قدم صدق هي الأعمال الصالحة، ومنهم من قال الثواب، ومنها من قال شفاعة محمد .
أما قوله: ﴿ قال الكافرون ﴾ فقال القفال: فيه إضمار والتقدير: فلما أنذرهم قالوا ذلك.
ثم من قرأ لساحر بالألف فقوله هذا إشارة إلى النبي ، ومن قرأ السحر إشارة إلى القرآن وفيه دليل على عجزهم واعترافهم بأنهم قاصرون عن معارضته كالسحر، ومن هنا جوز بعضهم أن يكونوا أرادوا به المدح أي إنه لكمال فصاحته وتعذر الإتيان بمثله جارٍ مجرى السحر.
ثم لما أنكر عليهم تعجبهم من الأمور المذكورة وهي الواسطة أراد أن يقيم البرهان عليها بإثبات المبدأ ويبين غايتها بإثبات المعاد وذلك في آيتين متواليتين.
وقد مر في الأعراف تفسير قوله: ﴿ إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ﴾ فلا حاجة إلى الإعادة.
ثم ذكر ما يدل على مزيد عظمته وجلاله وأنه لا يخرج أمر من الأمور من قضائه وتقديره فقال: ﴿ يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ﴾ وإنما فقد العاطف لأنهما كالتفسير والتفصيل لما دل عليه قوله: ﴿ إن ربكم الله ﴾ الخ.
والأمر الشأن أراد به أحوال الخلق وأحوال ملكوت السموات والأرض والعرش.
والمعنى أنه يقضي ويقدر بمقتضى الحكمة ويفعل ما يفعله المصيب في أفعاله الناظر في أدبار الأمور وعواقبها لئلا يدخل في الوجود ما لا ينبغي.
قال الزجاج: إن الكفار الذين خوطبوا بهذه الآية كانوا يقولون إن الأصنام شفعاؤنا عند الله فرد الله عليهم بأنه ليس لأحد أن يشفع إليه في شيء إلا بعد إذنه لأنه أعلم بموضع الحكمة والصواب فلا يجوز لهم أن يسألوه ما لا يعلمون أنه صواب وصلاح.
ففي قوله: ﴿ يدبر الأمر ﴾ إشارة إلى استقلاله في التصرف جانب المبدأ، وفي قوله ﴿ ما من شفيع ﴾ إشارة إلى استقلاله في طرف المعاد.
ويمكن أن يقال: المراد أنه خلق العالم على أحسن الوجوه وأقربها من الأصلح مع أنه ما كان هناك شفيع يشفع في تحصيل المصالح فدل ذلك على أنه محسن إلى عباده مريد للخير والرأفة بهم كامل العناية بأحوالهم.
قال أبو مسلم: الشفيع معناه الثاني من الشفع الذي يخالف الوتر أي خلق السموات والأرض وحده ولا حي معه ولا شريك يعينه ثم خلق الملائكة والثقلين، والمراد أنه لم يدخل في الوجود أحد إلا من بعد أن قال له: "كن" حتى كان وحصل.
ثم أشار إلى المعلوم بالأوصاف المذكورة فقال: ﴿ ذلكم الله ربكم ﴾ الذي يستأهل منكم العبادة بإزاء النعم الجسام من خلق السموات والأرض بما فيهما وعليهما ﴿ فاعبدوه ﴾ وحده ﴿ أفلا تذكرون ﴾ فيه تنبيه على وجوب الاعتبار والنظر في الدلائل الدالة على عظمته وجلاله.
ثم شرع في إثبات المعاد فقال: ﴿ إليه مرجعكم ﴾ أي رجوعكم ﴿ جميعاً ﴾ مجموعين.
وتقديم الجار والمجرور للاختصاص والمعنى لا ترجعون في العاقبة إلا إلى جزائه وحكمه فاستعدوا للقائه، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ وعد الله حقاً ﴾ وفيه تأكيدان كما مر.
ثم قال: ﴿ إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ وهو استئناف فيه معنى التعليل كأنه قال إن الذي قدر على الإبداء يقدر على الإعادة بالطريق الأولى كقوله: ﴿ وننشئكم فيما لا تعلمون ﴾ يعني أنه لما كان قادراً على إنشاء ذواتكم أوّلاً ثم على إنشاء أجزائكم حال حياتكم ثانياً شيئاً فشيئاً من غير أن تكونوا عالمين بوقت حدوثه وبوقت نموّه، وجب القطع بأنه لا يمتنع عليه إعادة تلك الأجزاء بعد البلى والتفرق.
ومن قرأ ﴿ أنه ﴾ بالفتح فعلى حذف لام التعليل أي لأنه، أو على أنه منصوب بالفعل الذي نصب وعد الله أي وعد الله وعداً بدء الخلق ثم إعادته، ويجوز أن يكون مرفوعاً بما نصب حقاً أي حق حقاً بدء الخلق.
ثم ذكر غاية الإعادة وحكمتها فقال: ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ قال المفسرون: في الآية إضمار والتقدير أنه يبدأ الخلق ليأمرهم بالعبادة ثم يميتهم ثم يعيدهم ليجزي.
وإنما حسن هذا الحذف لتقدم قوله: ﴿ فاعبدوه ﴾ ولأن الإعادة لا تكون إلا بعد الإماتة والإعدام.
وقوله: ﴿ بالقسط ﴾ أي بالعدل متعلق بـ ﴿ يجزي ﴾ أي ليجزيهم بقسطه ويوفيهم أجرهم أو ليجزيهم بقسطهم وبما لم يظلموا أنفسهم حين آمنوا وعملوا صالحاً وهذا وجه حسن لطباق قوله: ﴿ بما كانوا يكفرون ﴾ وفي قوله: ﴿ والذين كفروا ﴾ من غير أن يدخل لام العاقبة في الجملة كما أدخلها في الأولى دليل على أنه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب، وإنما جاء التعذيب لغرض وقوعهم في طريق القهر.
والحميم الماء الذي أسخن بالنار حتى انتهى حره.
قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على عدم منزلة بين المنزلتين على ما يقول بها المعتزلة.
وأجيب بأن عدم الذكر لا يدل على العدم ورُدَّ بأن الفساق أكثر من أهل الطاعة فكيف يجوز طي ذكرهم؟
واعلم أن للعلماء في إثبات المعاد طريقين: الأول طريق القائلين بالحسن والقبح العقليين، والثاني طريق من يقول لا يجب على الله شيء أصلاً يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
أما الفريق الأول فلهم على وجوب المعاد حجج عقلية منها: أنه خلق الخلق وأعطاهم عقولاً وقدراً فيجب في حكمته أن يرغبهم في الخيرات ويزجرهم عن السيئات، وهذا الترغيب والزجر لا يمكن إلا بربط الثواب على الفعل والعقاب على الترك.
هذا في المأمورات وبالعكس في المنهيات، وذلك الثواب المرغب والعقاب المرهب غير حاصل في الدنيا فلا بد من دار أخرى هي دار الآخرة ليحصل فيها ذلك وإلا لزم أن يكون الله كاذباً في قوله: ﴿ ليجزي ﴾ الخ.
فإن قيل: لم لا يكفي في الترغيب والردع ما أودع الله في العقول من تحسين الخيرات وتقبيح المنكرات فلا يحتاج إلى الوعد والوعيد؟
ولئن سلم فلم لا يجوز أن يكون الغرض من الترغيب والترهيب نظام العالم لا أنه يفعل ذلك ولا يلزم منه الكذب على الله، ألستم تخصصون أكثر عمومات القرآن ثم تزعمون أنه لا كذب؟
سلمنا أنه يفعل لكن لم لا يجوز أن يكون الثواب والعقاب هو ما يصل إلى الإنسان في دار الدنيا من الراحات والآلام؟
فالجواب أن العقل وإن كان يدعو إلى فعل الخير وترك الشر إلا أن الهوى والنفس يدعوان إلى الانهماك في الشهوات الجسمانية، وإذا حصل هذا التعارض فلا بد من مرجح وما ذاك إلا ترتيب الوعد والوعيد على الأعمال، وتجويز الخلف في ذلك مناف للغرض، وأخذ الأجرة إنما يكون بعد الفراغ من العمل والعبد ما دام في الدنيا فهو في العمل، وقد ترى أزهد الناس وأعلمهم مبتلى بالآفات والبليات، وأفسقهم وأجهلهم في أتم اللذات والمسرات.
ومنها أن صريح العقل يوجب في حكمة الحكيم أن يفرق بين المحسن والمسيء والمظلوم والظالم وأن لا يجعل من كفر به وعصاه كمن آمن به وأطاعه وليس هذه التفرقة في الدنيا كما قيل: كم عالم عالم أعيت مذاهبه *** وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا فلا بد من دار أخرى يظهر فيها التفاوت.
ومنها أنه كلف عبيده بأن يعبدوه، والحكيم إذا أمر عبده بشيء فلا بد أن يجعله فارغ البال منتظم الأحوال حتى يمكنه الاشتغال بأداء تكليفه، والناس جبلوا على طلب اللذات والتبادر إلى تحصيل أسباب الراحات فلو لم يكن زاجر من خوف المعاد لوقع الهرج والمرج والفتن وحينئذٍ لا يتفرغ المكلف لأداء ما أمر به.
فإن قيل: لم لا يكفي في نظام العالم مهابه الملوك وسياستهم؟
قلنا: إن لم يكن السلطان قاهراً قادراً على الرعية فلا فائدة فيه، وإن كان قاهراً غالباً ولا خوف له من المعاد فحينئذٍ يقدم على أنواع الظلم والإيذاء لأن الداعية النفسانية قائمة ولا وازع له في الدنيا ولا في الآخرة.
ومنها أنه خلق هذا العالم وخلق فيه الناس، والعبث لا يليق بالحكيم الرحيم فوجب أن يقال: إنه خلقهم لمقصود ومصلحة وخير وليس ذلك في الدنيا لأن لذات هذا العالم جسمانية لا حقيقة لها إلا إزالة الألم، وإزالة الألم أمر عدمي وكان هذا حاصلاً قبل الوجود فلا يبقى للتخليق فائدة.
وأيضاً إن لذات الدنيا مشوبة بالآلام بل اللذة في الدنيا كالقطرة من البحر فعلمنا أن للرحة دار أخرى.
فإن قيل: ليس أنه يعذب أهل النار لا لمصلحة وفائدة لهم؟
قلنا: الفرق أن ذلك الألم استحقوه على أعمالهم وهذا الألم الحاصل في الدنيا غير مستحق فوجب أن يعقبه خيرات عظيمة وإلا فينافي كونه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
ومنها أنه لو لم يحصل للإنسان معاد لكان أحسن من جميع الحيوانات لأنها تشاركه في اللذات الحسية لأن الروث في مذاق الجعل كاللوز في فم الإنسان، والإنسان يزيد عليها بعقل هو سبب تألمه وتأذيه في أغلب الأحوال، يتفكر في الأحوال الماضية فيتأسف، ويتأمل في الأحوال الآتية فيخاف، فلو لم يكن للإنسان معاد به يكمل حاله ويظهر سعادته كان عقله سبباً لشقائه وخسته دون شرفه ومزيته.
ومنها أن إيصال النعم إما أن يكون مشوباً بالآفات أو خالصاً عنها، فلما أنعم الله علينا في الدنيا بالمرتبة الأولى وجب أن ينعم علنيا بالمرتبة الثانية في دار أخرى إظهاراً لكمال القدرة والرأفة والحكمة، فهناك ينعم على المطيعين ويعفو عن المذنبين ويزيل الغموم والهموم والآفات والمخافات.
ومما يقوّي هذا الكلام أن الإنسان دائماً في الترقي من حين كونه جنيناً في بطن أمه إلى أن يخلص من ذلك السجن ويخرج إلى فضاء الدنيا، وإلى أن ينتقل من تناول اللبن والشد الوثيق في المهد إلى تناول الأطعمة اللذيذة والمشي والعدو إلى أن يصير أميراً نافذ الحكم على الخلق أو عالماً مشرفاً على حقائق الأشياء، فوجب بحكم هذا الاستقراء أن يكون حاله بعد الموت أشرف وأبهى من اللذات العاجلة المشوبة بالآلام.
ومنها طريقة الاحتياط فإنا إذا آمنا بالمعاد وتأهبنا له فإن كان هذا المذهب حقاً فقد نجونا وهلك المنكر، وإن كان باطلاً لم يضرنا هذا الاعتقاد، غاية ذلك فوات بعض اللذات الزائلة المشوبة بالمنغصات.
ومنها أن أحوال الإنسان من صباه إلى هرمه تضاهي حال الأرض من الربيع إلى الشتاء.
ثم إنا نرى الأرض في الربيع الثاني تعود إلى تلك الحياة فلم لا يعقل مثل ذلك في الإنسان؟
ومنها أن الإنسان إنما يتولد من نطفة تولدت من الأغذية الكائنة من الأجزاء العنصرية المتفرقة في مشارق الأرض ومغاربها، فإذا مات وتفرقت تلك الأجزاء فكيف يمتنع أن تجتمع مرة أخرى على مثال الاجتماع الأول؟
ومنها أن النظر في تغيرات العالم أدى إلى إثبات صانع حكيم قادر قاهر، والعقل يحكم بأن هذا الحكيم لا يليق به أن يترك عبيده هملاً يكذبون عليه ويجورون، فلا بد من أن يكون له أمر ونهي ووعد ووعيد من غير تجويز خلف فيهما كما مر، ولا يتحقق جميع ذلك إلا في دار الجزاء.
وأما الفريق الآخر الذين لا يعللون أفعال الله برعاية المصالح فإنهم يقولون: المعاد أمر جائز الوجود لأن تعلق النفس بالبدن لما كان في المرة الأولى جائزاً فالمرة الثانية أيضاً جائزة.
ثم إن إله العالم قادر مختار عالم بجميع المعلومات الكليات والجزئيات فلا يعجز تمييز أجزاء بدن زيد - وإن اختلطت بأجزاء التراب والبحار - عن أجزاء بدن عمرو، وإذا ثبت هذا الإمكان وقد دل الدليل على صدق الأنبياء عليهم السلام وعلى أن القرآن كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ثم إنهم قطعوا بوقوع هذا الممكن والقرآن مشحون بآيات البعث والجزاء فوجب علينا القطع بالمعاد الجسماني.
وأما شبهة المنكرين فمن ذلك أنهم قالوا الدار الآخرة إن كانت شراً من هذه فالتبديل سفه، وإن كانت مثلها فعبث، وإن كانت خيراً منها فإما أن يقال إنه قادر على خلق ذلك الأجود أولاً ثم تركه وفعل الأرذل فذلك سفه، أو يقال إنه ما كان قادراً ثم حدثت له القدرة فذلك انتقال من العجز إلى القدرة ومن الجهل إلى الحكمة فهو محال على القديم.
والجواب أن كلاً من الدارين خير في وقتها فالأولى لتحصيل الكمالات النفسانية الممكنة للنوع الإنساني من قبيل العلم والعمل، والأخرى للراحة والجزاء، ومن ذلك أنهم قالوا: حركات الأفلاك مستديرة والمستدير لا ضد له وما لا ضد له لا يقبل الفساد.
والجواب ما ذكرنا في كتبنا الحكمية من أن كل جسم مركب وكل مركب ينحل لا محالة.
ولئن سلمنا أنها أزلية فحركاتها غير أزلية لأن الحركة عبارة عن الانتقال من حال إلى حال، وهذه الماهية تقتضي المسبوقية بالحالة المنتقل عنها والأزلية تنافي المسبوقية بالغير فكان الجمع بين الأزل والحركة محالاً.
ولئن سلم أن الحركة أزلية فلم لا يجوز أن يكون بعض أوضاع الأفلاك مقتضياً لإعادة المعدومات من الأشخاص الإنسانية؟
ومن ذلك أنهم قالوا: الإنسان عبارة عن هذا البدن ذي الأجزاء لا كيف كانت بل بشرط وقوعها على تأليف مخصوص، لأن أجزاء البدن كانت موجودة قبل هذا الإنسان والموجود مغاير للمعدوم.
فإذا مات الإنسان وتفرقت أجزاؤه فقد عدمت تلك الصورة والأعراض وعود المعدوم محال.
وأجيب بأن الإنسان ليس عبارة عن هذا الجسد وإنما هو النفس سواء كانت جوهراً مجرداً مفارقاً أو جسماً مخصوصاً لطيفاً باقياً في جميع أحوال البدن من الصبا إلى الهرم مصوناً عن التحلل والتبدل وهو الذي يسميه المتكلمون بالأجزاء الأصلية.
ومن ذلك أنهم قالوا: إذا قتل الإنسان واغتذى به إنسان آخر لزم أن تعاد تلك الأجزاء في بدن كل واحد من الشخصين وذلك محال.
وأجيب بعين ما مر وهي أن الأجزاء الأصلية لا تصير جزءاً من إنسان آخر.
فهذه خلاصة وما وصل إليه العقول من أمر المعاد والله أعلم بحقائق الأمور.
ثم عدد بعض نعمه على المكلفين فقال: ﴿ هو الذي جعل الشمس ضياء ﴾ وهو أجوف واوي مهموز اللام قلبت واوه ياء لكسرة ما قبلها، ومن قرأ بهمزتين بينهما ألف فمحمول على القلب لأن إذا قدم اللام على العين وقع حرف العلة على الطرف فانقلب همزة كما في "كساء".
وهو إما أن يكون جمع ضوء كحوض وحياض، أو مصدر ضاء يضوء مثل قام قياماً وصام صياماً، ولا بد من تقدير مضاف أي جعل الشمس ذات ضياء والقمر ذا نور إلا أن يحمل على المبالغة فجعلا نفس الضياء والنور كما يقال للرجل الكريم إنه كرم وجود.
والضياء أقوى من النور.
ولا خلاف بين العقلاء أن ضوء الشمس كيفية قائمة بها لذاتها، أما نور القمر فقد ذهب جمهور الحكماء إلى أنه مستفاد من الشمس وبذلك يقع اختلاف أحواله من الهلالية إلى البدرية كما بينا في تفسير قوله : { ﴿ يسألونك عن الأهلة ﴾ ﴿ وقدره منازل ﴾ قال في الكشاف: أي قدّر مسيره منازل أو قدره ذا منازل.
ومنزلة القمر المسافة التي يقطعها في يوم وليلة بحركته الخاصة به وجملتها ثمانية وعشرون وأساميها مشهورة: الشرطين الثريا البطين الخ.
وهي كواكب ثابتة معروفة عندهم جعلوها علامات المنازلة، فنرى القمر كل ليلة نازلاً بقرب أحدها وذلك أنهم قسموا دور الفلك وهو اثنا عشر برجاً على ثمانية وعشرين - عدد أيام القمر - فأصاب كل برج منزلان وثلث فسموا كل منزل بالعلامة التي وقعت وقت التسمية بحذائه.
ثم ذكر بعض منافعهما العائدة على المكلفين فقال: ﴿ لتعلموا عدد السنين والحساب ﴾ حساب الأوقات من الأشهر والأيام والليالي.
وقد ذكرنا السنة الشمسية والسنة القمرية وكيفية دوران إحداهما على الأخرى في تفسير قوله : ﴿ إن عدة الشهور ﴾ الآية فلا حاجة إلى التكرار، ثم أشار إلى سائر منافعهما وخواصهما بقوله: ﴿ ما خلق الله ذلك ﴾ المذكور ﴿ إلا ﴾ ملتبساً ﴿ بالحق ﴾ والصواب دون الباطل والعبث، فالشمس سلطان النهار والقمر خليفتها بالليل، وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى فصولها الأربعة، وبالفصول تنتظم مصالح هذا العالم ويتحصل معايش الخلائق، وبحركة القمر يحصل الشهور، وباختلاف حاله في زيادة النور ونقصانه تختلف أحوال الرطوبات إلى غير ذلك من الخواص التي يرشد إليها التأمل والتدبر ولهذا قال: ﴿ يفصل الآيات لقوم يعلمون ﴾ لأنهم هم الذين ينتفعون بهذه الدلائل.
وقيل: المراد بالعلم ههنا العقل الذي يعم الكل.
ثم ذكر المنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار وقد مر تفسيره في سورة "البقرة" في قوله: ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ .
ومعنى قوله: ﴿ وما خلق الله في السموات والأرض ﴾ كقوله: ﴿ وما خلق الله من شيء ﴾ وقد مر في آخر "الأعراف".
وإنما خص كونها آيات بالمتقين لأنهم يحذرون العاقبة فيدعوهم الحذر إلى التدبر والنظر.
قال القفال: من تدبر في هذه الأحوال علم أن الدنيا مخلوقة لشقاء الناس وأن خالقها وخالقهم ما أهملهم بل جعلها لهم دار عمل، وإذا كان كذلك فلا بد من أمر ونهي ثم من ثواب وعقاب ليتميز المحسن عن المسيء، فهذه الأحوال في الحقيقة دالة على صحة القول بالمبدإ والمعاد.
ثم شرع في شرح أحوال من لا يؤمن بالمعاد ومن يؤمن به فقال: ﴿ إن الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ عن ابن عباس ومقاتل والكلبي: معناه لا يخافون البعث كقوله : ﴿ وهم من الساعة مشفقون ﴾ واستبعد الأكثرون تفسير الرجاء بالخوف وقالوا: إنه بمعنى الطمع أي لا يطمعون في حسن لقائه كما يأمله السعداء، أو لا يتوقعونه أصلاً لأنهم لا يؤمنون بالمعاد فهم ذاهلون عن طلب اللذات الحقيقية فارغون عن التوجه نحو السعادات الباقية ﴿ ورضوا ﴾ مع ذلك ﴿ بالحياة الدنيا ﴾ الحسية الخسيسة ﴿ واطمأنوا بها ﴾ سكنوا إليها سكون العاشق إلى معشوقه وهذه غاية الانهماك الاستغراق في اللذات الجسمانية ﴿ والذين هم عن آياتنا غافلون ﴾ فلا يعتبرون بالآيات ولا ينظرون في الدلائل الموصلة إلى حقيقة المبدإ والمعاد، فلم يقبلوها بالتقليد ولم ينظروا إليها بعين الاجتهاد ﴿ أولئك مأواهم النار ﴾ فيه معنى الجزاء ولذلك تعلق به قوله: ﴿ بما كانوا يكسبون ﴾ وفيه أن الأعمال السابقة هي المؤثرة في حصول العذاب الجسماني وهو النار المحسوسة، والعذاب الروحاني وهو نار البعد من المألوفات والقطيعة من السعادات الباقيات فيكون مثاله مثال من أخرج عن مجالسة معشوقه فألقي في بئر ظلمانية لا إلف بها ولا مؤنس بل يكون فيها أنواع المؤذيات وأصناف الموحشات نعوذ بالله من تلك الحالات.
وهذا حال من لا يؤمن بالمعاد فلا يعمل له، وأما حال الذي يؤمن به فذلك قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ استكملوا من جهة القوة النظرية ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ استكملوا من قبل القوة العملية أو صدقوا بقوله ثم حققوا التصديق بالعمل الصالح الذي جاءت به الأنبياء والكتب من عند الله، أو أشغلوا قلوبهم وأرواحهم بتحصيل المعرفة ثم جوارحهم بالخدمة حتى تكون عيونهم مشغولة بالاعتبار، وآذانهم باستماع كلام الله، وألسنتهم بذكر الله وسائر أعضائهم بطاعة الله : ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾ قال أكثر المفسرين: معناه يهديهم إلى الجنة ثواباً لهم على إيمانهم وأعمالهم الصالحة.
ومعنى قوله: ﴿ بإيمانهم ﴾ أي بإيمانهم هذا المضموم إليه العمل الصالح، وهذا التفسير يوافق قوله : ﴿ يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ﴾ وقوله : "إن المؤمن إذا خرج من قبره صوّر له عمله الصالح في صورة حسنة فيقول له: أنا عملك فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة.
والكافر إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة سيئة فيقول: أنا عملك فينطلق به إلى النار" .
وقيل: معنى الآية إن إيمانهم يهديهم إلى مزايا من الألطاف ولوامع من الأنوار بحيث تزول بواسطتها عنهم الشكوك والشبهات فتؤدي إلى حصول المثوبات ولذلك جعل ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ بياناً له وتفسيراً لأن التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها.
فهذه الهداية عبارة عن الفوائد الزوائد الحاصلة في الدنيا بعد الإيمان.
قال القفال: فعلى هذا الوجه كان المعنى يهديهم ربهم بإيمانهم وتجري من تحتهم الأنهار إلا أنه حذف الواو وجعل قوله: ﴿ تجري ﴾ خبراً مستأنفاً منقطعاً عما قبله.
والتحقيق في تقرير هذا الوجه أن العلم نور والجهل ظلمة والروح كاللوح والعلوم والمعارف كالنقوش ولكن حالهم بالضد من النقوش الجسمانية، فإن تزاحم النقوش الجسمانية يكدر اللوح وتوارد النقوش المعنوية وتكاثرها يزيد لوح الروح لمعاناً وإشراقاً حتى إنه يقوى بها على تحصيل المعارف الباقية بسهولة، فليس فهم الرجل المنتهي للعلوم والحقائق كفهم المبتدىء، فإن الإنسان إذا آمن بالله فقد أشرق روحه بنور المعرفة، وإذا واظب على الأعمال الصالحة حصلت له ملكة التوجه إلى الآخرة والإعراض عن الدنيا، ولا تزال تتزايد إشراقات هذه المعارف والملكات فيرتقي في معارجها لحظة فلحظة، ولما كان لا نهاية لمراتب المعارف والأنوار العقلية فلا نهاية لمراتب هذه الهداية.
وفي قوله: ﴿ يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾ دليل لمن قال إن العلم بالمقدمتين لا يوجب العلم بالنتيجة ولكنهما يعدّان الذهن لحصول الفيض من الجواد المطلق.
ومعنى ﴿ تجري من تحتهم الأنهار ﴾ أنهم يكونون في البساتين على مواضع مرتفعة كالسرر والأرائك والأنهار تجري من بين أيديهم.
﴿ دعواهم فيها ﴾ قال بعض المفسرين: أي دعاؤهم ونداؤهم كما يدعو القانت بقوله: اللهم إياك نعبد: وقيل: الدعاء العبادة كقوله: ﴿ وأعتزلكم وما تدعون من دون الله ﴾ وإنما تكون هذه عبادتهم لا على سبيل التكليف بل على سبيل الإلهام والعادة ابتهاجاً بذكر الله.
وقيل: الادعاء بين المتخاصمين والمعنى أن أهل الجنة يدعون في الدنيا والآخرة تنزيه الله من المعايب والإقرار له بالإلهية.
قال القفال: أصله من الدعاء لأن الخصم يدعو خصمه إلى من يحكم بينهما.
وقيل: أي طريقتهم وسيرتهم وذلك لأن المدعي للشيء مواظب عليه فيمكن أن يجعل الدعوى كناية عن الملازمة وإن لم يكن في قولهم سبحانك اللهم دعاء ولا دعوى.
وقيل: أي تمنيهم كقوله: ﴿ ولهم ما يدعون ﴾ أي ما يتمنونه.
وتقول العرب: ادّع عليّ ما شئت أي تمن فكان تمنيهم في الجنة ليس إلا تسبيح الله وتقديسه، ولقد كانوا في الدنيا يدعون في الحروب من يسكنون إليه ويستنصرونه فيقولون: يا آل فلان فأخبر الله عنهم أن أنسهم في الجنة بذكر الله وسكونهم بتحميده ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ أي بعضهم يحيي بعضاً بالسلام.
وقيل: هي تحية الله أو الملائكة إياهم إضافة للمصدر إلى المفعول ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد ﴾ هي "أن" المخففة من الثقيلة وأصله أنه الحمد ﴿ لله ﴾ على أن الضمير للشأن.
قال أهل الظاهر من المفسرين: في سبب تخصيص هذه الأذكار بأهل الجنة أن قوله: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ علم بين أهل الجنة وخدامهم إذا سمعوا ذلك منهم أتوهم بما يشتهونه.
قال ابن جريج: ورد في الأخبار أنه إذا مرّ بهم طير يشتهونه قالوا: ﴿ سبحانك اللهم ﴾ فيأتيهم الملك بذلك المشتهى، فإذا نالوا منه شهوتهم قالوا: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ وقال القاضي: إنه وعد المتقين بالثواب العظيم فإذا دخل أهل الجنة الجنة ووجدوا تلك المواعيد قالوا سبحانك اللهم أي نسبحك عن الخلف في الوعد.
وقيل: ألهم الله بني آدم في الجنة بعد انقراض الدنيا ما افتخر به الملائكة قبلهم في قولهم: ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾ ويمكن أن يقال: إن لكل إنسان معراجاً بحسب قوته فإذا وصل العارف الصادق إلى صفات جلال الله قال سبحانك، وإذا ارتقى منها إلى الذات قال اللهم، فإذا عجز عن ذلك المضمار واحترق في أوائل تلك الأنوار رجع من عالم الجلال إلى عالم الإكرام فأفاض الخير على جميع المحتاجين ويدفع المخافات والمكاره عنهم بكل ما أمكنه وذلك قوله: ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ ثم إذا شاهدوا أثر نعمة الله عليهم بالاستفاضة والإفاضة اختتموا الكلام بقولهم: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ .
وعلى هذا يدور أمرهم في العروج والنزول ما داموا في الدنيا فيكون كذلك حالهم في العقبى لقوله: "كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون".
التأويل: ﴿ الۤر ﴾ فيه إشارتان: إحداهما من الحق المحق إلى حبيبه محمد كأنه قال: بآلائي عليك في الأزل وأنت في العدم وبلطفي عليك في الوجود وبرحمتي ورأفتي لك من الأزل إلى الأبد.
والثانية من الحق لنبيه إليه يقول بإنسك معي حين خلقت روحي ولم يكن ثالث، وبلبيك الذي أجبتني به حين دعوتك للخروج من العدم فقلت: ياسين أي يا سيد فقلت: لبيك وسعديك والخير كله بيديك.
وبرجوعك منك إلى حين قلت لنفسك بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ ﴿ تلك ﴾ أي هذه الآيات المنزلة عليك ﴿ آيات الكتاب الحكيم ﴾ الذي وعدتك في الأزل وراثته لك ولأمتك.
والحكيم الحاكم على الكتب كلها فلا ينسخه كتاب وهو ينسخ الشرائع والأحكام والكتب كلها ﴿ إلى رجل منهم ﴾ لما رأى فيه رجولية قبول الوحي دون غيره، ويحتمل أن يكون معنى للناس الناسي عهد الله ﴿ قدم صدق ﴾ محمد لأنه أول من خرج من العدم إلى الوجود، أو هو العناية الأزلية "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ لساحر مبين ﴾ صدقوا في أنهم مسحورون إلا أنه سحرهم سحرة صفات فرعون النفس.
إن الذي يربيكم هو الذي خلق السموات سموات أرواحكم وأرض نفوسكم من ستة أنواع هي: الروح والقلب والعقل والنفس الحيواني والنفس النباتي والصورة المعدنية ﴿ ثم استوى ﴾ على العرش القلب ﴿ يدبر ﴾ أمر السعادة والشقاوة يقلبه كيف يشاء.
﴿ إليه مرجعكم جميعاً ﴾ فرجعوا مقبولين بجذبات العناية التي صورتها خطاب ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ وحقيقتها انجذاب القلب إلى الله ونتيجتها عزوف النفس عن الدنيا واستواء الذهب والمدر عندها ورجوع المردودين بغير الاختيار بالسلاسل والأغلال.
ومن نتائجه تعلقات الدنيا واستيلاء صفات النفس ﴿ بالقسط ﴾ أي لكل بحسب كماله ونقصانه.
جعل شمس الروح ضياء يستنير بها قمر القلب إذا وقع في مواجهتها، وإذا وقع في مقابلة أرض النفس انكسف ولهذا سمي قلباً لتقلب أحواله بين الروح والنفس.
وتلك الأحوال هي منازله ومقاماته لتعلموا عدد سنين المقامات وحساب الكشوف والمشاهدات ﴿ إن في اختلاف ﴾ ليل صفات البشرية ونهار صفات الروحانية ﴿ وما خلق الله ﴾ في سموات الروحانية وأرض البشرية من الأوصاف والأخلاق وتبدل الأحوال ﴿ لآيات ﴾ دالة على التوحيد ﴿ لقوم يتقون ﴾ الأخلاق الذميمة ﴿ والذين هم عن آياتنا غافلون ﴾ وإن لم يركنوا إلى الدنيا وتمتعاتها كالرهابين والبراهمة وبعض الفلاسفة والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُمْ بِٱلْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ﴾ .
كأن الآية على الإخبار كأنه قال: ولو يعجل الله للناس الشر إذا استعجلوه كما يعجل لهم الخير إذا استعجلوه - لقضي إليهم أجلهم؛ لأنه ليس يذكر في ظاهر الآية استعجالهم الشر إنما يذكر تعجيله، ولكن فيه ما ذكر من الإضمار إضمار الاستعجال، ومنه ما ذكر في غير آية من القرآن استعجالهم العذاب؛ كقوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ الآية [النحل: 1]، وقولهم: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً ﴾ الآية [الأنفال: 32] ونحو ذلك، كانوا يستعجلون العذاب استعجال تضرع، فيقول: لو عجل لهم العذاب إذا استعجلوه كما يعجل لهم الخير إذا استعجلوه - لقضي أجلهم، يقول: لهلكوا أو فنوا، هذا التأويل في أهل الكفر خاصة عند استعجالهم العذاب استعجال تضرع وسؤال، ويشبه أن يكون هذا في جملة الخلق على غير تصريح سؤال، ولكن عند ارتكابهم الشر بقوله: لو يعجل الله للناس الشر باكتسابهم الشر وبارتكابهم إياه [وقت اكتسابهم، كما يعجل لهم الخير] وقت اكتسابهم الخير - لقضي إليهم أجلهم، أي: لو عجل لهم جزاء شرهم وقت اكتسابهم الشر، كما يعجل لهم جزاء خيرهم، لكان ما ذكر ما يستوجبون بارتكابهم الشر وقت فعلهم إياه لقضي إليهم أجلهم، لكنه لم يعجل لهم ذلك وأخره إلى المدة التي جعل لآجالهم.
ويمكن وجه آخر: وهو ما يدعو بعضهم على بعض باللعن والخزي، يقول الرجل عند شدة الغضب: اللهم العن فلانا، اللهم أخزه، ونحو ذلك من الدعوات، يقول: لو عجل لهم هذا كما يعجل لهم عند دعاء بعضهم لبعض بالرحمة والسعة - لقضي إليهم أجلهم؛ لهلكوا وفنوا، ويكون ذلك انقضاء أجلهم، ويكون ذلك على وجوه ثلاثة.
أحدها: استعجال سؤال وتضرع، الذي ذكرنا.
والثاني: بأفعالهم وارتكابهم الشر وقت ارتكابهم.
والثالث: الأسباب التي بها يرتكبون ويفعلون.
وقوله: ﴿ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ﴾ يحتمل: لقضي [أجلهم قبل المدة التي جعل لهم.
والثاني: لقضي أجلهم؛ أي: يجعل أجلهم ذلك، ففيه دلالة ألاَّ يهلك أحد قبل أجله و] لا يقدم ولا يؤخر، فهو ما ذكر: ﴿ لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ .
هو ما ذكرنا أن من حكمه ألا يعاقب.
أحداً من الكفرة في [الدنيا بصنيعه] الذي صنع، وقد يعجل لهم جزاء خيراتهم في الدنيا؛ كما ساق إليهم من أنواع النعم، ولكن من حكمه أن يؤخر عقوبتهم إلى يوم القيامة؛ فذلك تأويله، والله أعلم.
﴿ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ أي: نتركهم يترددون في أعمالهم، [وجرمهم إلى] الوقت الذي وعد لهم العذاب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً ﴾ : قال بعض أهل التأويل: إن جميع ما ذُكر في القرآن الإنسان فالمراد منه الكافر؛ من ذلك قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ ﴾ ، وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ ﴾ ونحوه، لكن هذا لا نعلم أنه أراد به الكافر، فلئن كان ما ذكروا فإن أهل الإيمان يدخلون في هذا الخطاب، إذا كان منهم ما يكون من الكفرة؛ لأن من أهل الإيمان من يقبل على الدعاء والتضرع إلى الله عند مس الحاجة والشدة، فإذا انجلى ذلك وانكشف عنه ترك ذلك الدعاء الذي كان دعا، وذلك التضرع الذي كان يتضرع إليه، فدخل في ذلك.
ثم قوله: ﴿ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً ﴾ : ليس على إرادة حقيقة الجنب والقعود والقيام، ولكن على الدعاء في كل حال، أي: يدعونه في كل حال؛ لما عرفوا أن الذين كانوا يعبدون من دون الله لا يملكون دفع ما حل بهم من الشدائد والمضار - أقبلوا على الله بالتضرع والدعاء إليه في كشف ذلك عنهم.
ثم أخبر عن سفههم وشدة تعنتهم وعودهم إلى الحال التي كانوا من قبل فقال: ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ ﴾ : يقول - والله أعلم -: مر كأن لم يدعنا قد نسينا في الرخاء كأن لم يعرفنا [واستمر على ترك الدعاء في الرخاء، وقوله: ﴿ كَذٰلِكَ ﴾ عرفنا ما كانوا يعملون والإسراف هو العدوان] والتعدي عن الحد الذي جعل له وهو وضع الأموال والأنفس في الموضع الذي لا ينتفعون بها في عبادة الأصنام وغيرها، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وإذا أصاب الإنسانَ المسرف على نفسه مرض أو سوء حال، دعانا متذللًا متضرعًا مضطجعًا على جنبه أو قاعدًا أو قائمًا؛ رجاء أن يُزَال ما به من ضر، فلما استجبنا دعاءه، وأزلنا ما به من ضر مضى على ما كان عليه كأنه لم يدعنا لكشف ضر أصابه، كما زُيِّن لهذا المعرض الاستمرار في ضلاله زُيِّن للمتجاوزين للحدود بكفرهم ما كانوا يعملونه من الكفر والمعاصي، فلا يتركونه.
<div class="verse-tafsir" id="91.emoX1"