الآية ٢٥ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٢٥ من سورة يونس

وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ٢٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 73 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٥ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٥ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( والله يدعو إلى دار السلام ) الآية : لما ذكر تعالى الدنيا وسرعة [ عطبها و ] زوالها ، رغب في الجنة ودعا إليها ، وسماها دار السلام أي : من الآفات ، والنقائص والنكبات ، فقال : ( والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) .

قال أيوب عن أبي قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " قيل لي : لتنم عينك ، وليعقل قلبك ، ولتسمع أذنك فنامت عيني ، وعقل قلبي ، وسمعت أذني .

ثم قيل : سيد بنى دارا ، ثم صنع مأدبة ، وأرسل داعيا ، فمن أجاب الداعي دخل الدار ، وأكل من المأدبة ، ورضي عنه السيد ، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ، ولم يأكل من المأدبة ، ولم يرض عنه السيد فالله السيد ، والدار الإسلام ، والمأدبة الجنة ، والداعي محمد صلى الله عليه وسلم .

وهذا حديث مرسل ، وقد جاء متصلا من حديث الليث ، عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال ، عن جابر بن عبد الله ، رضي الله عنه ، قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال : " إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي ، وميكائيل عند رجلي ، يقول أحدهما لصاحبه : اضرب له مثلا .

فقال : اسمع سمعت أذنك ، واعقل عقل قلبك ، إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارا ، ثم بنى فيها بيتا ، ثم جعل فيها مأدبة ، ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه ، فمنهم من أجاب الرسول ، ومنهم من تركه ، فالله الملك ، والدار الإسلام ، والبيت الجنة ، وأنت يا محمد الرسول ، فمن أجابك دخل الإسلام ، ومن دخل الإسلام دخل الجنة ، ومن دخل الجنة أكل منها " رواه ابن جرير .

وقال قتادة : حدثني خليد العصري ، عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من يوم طلعت فيه شمسه إلا وبجنبتيها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين : يا أيها الناس ، هلموا إلى ربكم ، إن ما قل وكفى ، خير مما كثر وألهى " .

قال : وأنزل ذلك في القرآن ، في قوله : ( والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) رواه ابن أبي حاتم ، وابن جرير .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لعباده: أيها الناس ، لا تطلبوا الدنيا وزينتَها، فإن مصيرها إلى فناءٍ وزوالٍ ، كما مصير النبات الذي ضربه الله لها مثلا إلى هلاكٍ وبَوَارٍ، ولكن اطلبوا الآخرة الباقية، ولها فاعملوا، وما عند الله فالتمسوا بطاعته، فإن الله يدعوكم إلى داره، وهي جناته التي أعدَّها لأوليائه، تسلموا من الهموم والأحزان فيها، وتأمنوا من فناء ما فيها من النَّعيم والكرامة التي أعدَّها لمن دخلها، وهو يهدي من يشاء من خلقه فيوفقه لإصابة الطريق المستقيم، وهو الإسلام الذي جعله جل ثناؤه سببًا للوصول إلى رضاه ، وطريقًا لمن ركبه وسلك فيه إلى جِنانه وكرامته، (26) كما:- 17604- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: " الله " ، السلام، ودارُه الجنة.

17605- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: (والله يدعو إلى دار السلام) ، قال: " الله " هو السلام، ودارُه الجنة.

17606- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال، قيل لي: " لتنم عينُك، وليعقِل قلبك، ولتسمع أُذُنك " فنامت عيني، وعقل قلبي، وسمعت أذني.

ثم قيل: " سيّدٌ بنى دارًا، ثم صنع مأدُبة، ثم أرسل داعيا، فمن أجاب الداعي دخل الدار ، وأكل من المأدبة ، ورضي عنه السيد.

ومن لم يجب الداعي ، لم يدخل الدار ، ولم يأكل من المأدبة ، ولم يرضَ عنه السيد "، فالله السيد، والدار الإسلام، والمأدبة الجنة، والداعي محمد صلى الله عليه وسلم ".

(27) 17607- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)، ذكر لنا أن في التوراة مكتوبًا: " يا باغي الخير هلمّ ، ويا باغي الشرِّ انتَهِ".

17608- حدثني الحسين بن سلمة بن أبي كبشة قال ، حدثنا عبد الملك بن عمرو قال ، حدثنا عباد بن راشد، عن قتادة قال ، حدثني خُلَيد العَصَريّ، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من يوم طلعت فيه شمسه إلا وبجَنَبَتَيْها ملكان يناديان، يسمعُه خلق الله كلهم إلا الثَّقلين (28) : " يا أيها الناس هلمُّوا إلى ربِّكم، إنّ ما قلَّ وكفى خير مما كثر وأَلْهَى ".

قال: وأنـزل ذلك في القرآن في قوله: (والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم).

(29) 17609- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن جابر بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فقال: إني رأيت في المنام كأنَّ جبريل عند رأسي ، وميكائيل عند رجلي، يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا !

فقال: اسْمَع سمعتْ أُذنك، واعقل عَقَل قلبك، إنما مَثَلك ومَثَل أمتك ، كمثل ملك اتخذ دارًا ، ثم بنى فيها بيتًا ، ثم جعل فيها مأدُبة، ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تركه .

فالله الملك، والدار الإسلام، والبيتُ الجنَّة، وأنت يا محمد الرسولُ، من أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل ما فيها.

(30) ------------------------ الهوامش: (26) انظر تفسير " الهداية " و " الصراط المستقيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( هدى ) ، ( سرط) ، ( قوم ) .

(27) الأثر : 17606 - " أبو قلابة " ، هو : " عبد الله بن زيد الجرمي " ، أحد أعلام التابعين ، مضى مرارًا .

فهذا خبر " مرسل " ، وسيأتي نحوه متصلا في تخريج الأثر رقم : 17609 .

(28) " الجنبة " ( بفتح الجيم والنون ، وبفتحها وإسكان النون ) الناحية ، ورواة الحديث يروون " الجنبة " فتحتين ، وأهل اللغة يؤثرون سكون النون .

ويستدلون على ذلك بقول أبي صعترة البولاني : فمـا نُطْفَـةٌ مِـنْ حَـبِّ مُزْنٍ تَقَاذَفَتْ بــه جَنْبَتَـا الجُـودِيِّ والليـلُ دَامِسُ بِـأَطْيَبِ مَـنْ فِيهَا , وَمَا ذُقْتُ طَعْمَهُ , وَلكِـنَّنِي فِيمـا تَـرَى العَيْـنُ فَـارِسُ والذي رواه أهل الحديث جيد صحيح .

(29) الأثر : 17608 - " الحسين بن سلمة بن إسماعيل بن يزيد بن أبي كبشة الأزدي الطحان " ، شيخ الطبري ، ثقة .

روى عنه الترمذي وابن ماجه وغيرهما ، مترجم في التهذيب ، وأبي ابن حاتم 1 / 2 / 54 .

و " عبد الملك بن عمرو " ، هو " أبو عامر العقدي " ، ثقة ، مضى مرارًا كثيرة ، آخرها رقم : 12795 .

و" عباد بن راشد التميمي " ، ثقة وليس بالقوي ، روى له البخاري مقرونا بغيره ، مضى برقم : 11060 ، 12527 .

و" خليد بن عبد الله العصري " ، روى عن أبي الدرداء ، وقال ابن حبان في الثقات ، وذكره : يقال إن هذا مولى لأبي الدرداء .

وفرق البخاري في الكبير بين " خليد مولى أبي الدرداء " ، و " خليد بن عبد الله العصري " ، وكذلك ابن أبي حاتم .

مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 1 / 181 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 383 .

وهذا خبر صحيح الإسناد ، ورواه أحمد في مسنده مطولا 5 : 197 ، من طريق همام ، عن قتادة ، عن خليد العصري .

وزيادته : " وَلَا آبَت شمس قَطُّ إلا بعث بِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَان يُناديان ، يُسْمِعان أهل الأرض إلا الثَّقلين : اللهمّ أعطِ مُنْفقًا خلفًا ، وأعط مُمْسكًا تَلَفًا " .

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 304 ، مطولًا ، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه ، والبيهقي في شعب الإيمان .

(30) الأثر : 17069 - " خالد بن يزيد الجمحي المصري " ثقة مضى مرارًا ، آخرها رقم : 13377 .

و"سعيد بن أبي هلال الليثي المصري " ، ثقة ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 17429 ، روايته عن جابر مرسلة ، وحديثه عن جابر أورده البخاري معلقًا ، متابعة .

وفي الترمذي : " سعيد بن أبي هلال ، لم يدرك جابرًا " .

فهذا خبر مرسل عن جابر ، وصله الحاكم في المستدرك 2 : 338 من طريق " عبد الله بن صالح ، عن الليث بن سعد ، عن خالد بن يزيد ، عن سعيد بن أبي هلال قال : سمعت أبا جعفر محمد بن على بن الحسين ، وتلا هذه الآية : " والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم" فقال : حدثني جابر بن عبد الله " ، ثم قال الحاكم : " هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي " .

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 304 ، وزاد نسبته إلى ابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل ، بمثل لفظ الحاكم وإسناده .

وكان في المطبوعة : " أكل منها " ، وهو موافق لما في سائر المراجع ، وأثبت ما في المخطوطة ، لأنه واضح لا إشكال في قراءته ، ولا في معناه .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم قوله تعالى والله يدعو إلى دار السلام لما ذكر وصف هذه الدار وهي دار الدنيا وصف الآخرة فقال : إن الله لا يدعوكم إلى جمع الدنيا بل يدعوكم إلى الطاعة لتصيروا إلى دار السلام ، أي إلى الجنة .

قال قتادة والحسن : السلام هو الله ، وداره الجنة ; وسميت الجنة دار السلام لأن من دخلها سلم من الآفات .

ومن أسمائه سبحانه السلام ، وقد بيناه في " الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى " .

ويأتي في سورة " الحشر " إن شاء الله .

وقيل : المعنى والله يدعو إلى دار السلامة .

والسلام والسلامة بمعنى كالرضاع والرضاعة ; قاله الزجاج .

قال الشاعر :تحيي بالسلامة أم بكر وهل لك بعد قومك من سلاموقيل : أراد والله يدعو إلى دار التحية ; لأن أهلها ينالون من الله التحية والسلام ، وكذلك من الملائكة .

قال الحسن : إن السلام لا ينقطع عن أهل الجنة ، وهو تحيتهم ; كما قال : وتحيتهم فيها سلام .

وقال يحيى بن معاذ : يا ابن آدم ، دعاك الله إلى دار السلام فانظر من أين تجيبه ، فإن أجبته من دنياك دخلتها ، وإن أجبته من قبرك منعتها .

وقال ابن عباس : الجنان سبع : دار الجلال ، ودار السلام ، وجنة عدن ، وجنة المأوى ، وجنة الخلد ، وجنة الفردوس ، وجنة النعيم .قوله تعالى ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم عم بالدعوة إظهارا لحجته ، وخص بالهداية استغناء عن خلقه .

والصراط المستقيم ، قيل : كتاب الله ; رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الصراط المستقيم كتاب الله تعالى .

[ ص: 242 ] وقيل : الإسلام ; رواه النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقيل : الحق ; قاله قتادة ومجاهد .

وقيل : رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده أبو بكر وعمر رضي الله عنهما .

وروى جابر بن عبد الله قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال : رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي فقال أحدهما لصاحبه اضرب له مثلا فقال له اسمع سمعت أذناك واعقل عقل قلبك وإنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارا ثم بنى فيها بيتا ثم جعل فيها مأدبة ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه فالله الملك والدار الإسلام والبيت الجنة وأنت يا محمد الرسول فمن أجابك دخل في الإسلام ومن دخل في الإسلام دخل الجنة ومن دخل الجنة أكل مما فيها ثم تلا يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .

ثم تلا قتادة ومجاهد : والله يدعو إلى دار السلام .

وهذه الآية بينة الحجة في الرد على القدرية ; لأنهم قالوا : هدى الله الخلق كلهم إلى صراط مستقيم ، والله قال : ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فردوا على الله نصوص القرآن .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

عم تعالى عباده بالدعوة إلى دار السلام، والحث على ذلك، والترغيب، وخص بالهداية من شاء استخلاصه واصطفاءه، فهذا فضله وإحسانه، والله يختص برحمته من يشاء، وذلك عدله وحكمته، وليس لأحد عليه حجة بعد البيان والرسل، وسمى الله الجنة ‏"‏دار السلام‏"‏ لسلامتها من جميع الآفات والنقائص، وذلك لكمال نعيمها وتمامه وبقائه، وحسنه من كل وجه‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( والله يدعو إلى دار السلام ) قال قتادة : السلام هو الله ، وداره : الجنة .

وقيل : السلام بمعنى السلامة ، سميت الجنة دار السلام لأن من دخلها سلم من الآفات .

وقيل : المراد بالسلام التحية سميت الجنة دار السلام ، لأن أهلها يحيي بعضهم بعضا بالسلام والملائكة تسلم عليهم .

قال الله تعالى : " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم " ( الرعد - 23 ) .

وروينا عن جابر قال : جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقال بعضهم : إنه نائم ، وقال بعضهم : إن العين نائمة والقلب يقظان ، فقالوا : إن لصاحبكم هذا مثلا .

قال : فاضربوا له مثلا .

فقال بعضهم : مثله كمثل رجل بنى دارا ، وجعل فيها مأدبة ، وبعث داعيا ، فمن أجاب الداعي : دخل الدار ، وأكل من المأدبة ، ومن لم يجب الداعي : لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة ، فقالوا أولوها له يفقهها ، قال بعضهم : إنه نائم ، وقال بعضهم : إن العين نائمة والقلب يقظان ، فقالوا : فالدار الجنة والداعي محمد صلى الله عليه وسلم ، فمن أطاع محمدا فقد أطاع الله ، ومن عصى محمدا فقد عصى الله ، ومحمد فرق بين الناس " .

( ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) فالصراط المستقيم هو الإسلام ، عم بالدعوة لإظهار الحجة ، وخص بالهداية استغناء عن الخلق .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والله يدعو إلى دار السلام» أي السلامة، وهي الجنة بالدعاء إلى الإيمان «ويهدي من يشاء» هدايته «إلى صراط مستقيم» دين الإسلام.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والله يدعوكم إلى جناته التي أعدها لأوليائه، ويهدي مَن يشاء مِن خَلْقه، فيوفقه لإصابة الطريق المستقيم، وهو الإسلام.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - حال الحياة الدنيا ، وقصر مدة التمتع بها ، أتبع ذلك بدعوة الناس جميعا إلى العمل الصالح الذى يوصلهم إلى الجنة فقال - تعالى - :( والله يدعوا إلى دَارِ .

.

.

)المقصود بدار السلام : الجنة التي أعدها الله - تعالى - لعباده المؤمنين ، وسميت بذلك ، لأنها الدار التي سلم أهلها من كل ألم وآفة .

أو لأن تحيتهم فيها سلام ، أو لأن السلام من أسماء الله - تعالى - فأضيفت إليه تعظيما لشأنها ، وتشريفا لقدرها ، كما يقال للكعبة : بيت الله .وقوله : ( والله يدعوا إلى دَارِ السلام .

.

.

) معطوف على محذوف يدل عليه السياق .والتقدير : الشيطان يدعوكم إلى إيثار متاع الحياة الدنيا وزخرفها ، والله - تعالى - يدعو الناس جميعا إلى الإِيمان الحق الذى يوصلهم إلى دار كرامته .وقوله : ( وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) وهو المؤدى بصاحبه إلى رضوان الله ومغفرته .والمراد بالصراط المستقيم : الدين الحق الذى شرعه الله لعباده .

وبلغه لهم عن طريق نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

المسألة الأولى: في كيفية النظم.

اعلم أنه تعالى لما نفر الغافلين عن الميل إلى الدنيا بالمثل السابق، رغبهم في الآخرة بهذه الآية.

ووجه الترغيب في الآخرة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مثلي ومثلكم شبه سيد بنى داراً ووضع مائدة وأرسل داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المائدة ورضي عنه السيد، ومن لم يجب لم يدخل ولم يأكل ولم يرض عنه السيد فالله السيد، والدار دار الإسلام، والمائدة الجنة، والداعي محمد عليه السلام».

وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وبجنيبها ملكان يناديان بحيث يسمع كل الخلائق إلا الثقلين.

أيها الناس؛ هلموا إلى ربكم والله يدعوا إلى دار السلام».

المسألة الثانية: لا شبهة أن المراد من دار السلام الجنة، إلا أنهم اختلفوا في السبب الذي لأجله حصل هذا الاسم على وجوه: الأول: أن السلام هو الله تعالى، والجنة داره.

ويجب علينا هاهنا بيان فائدة تسمية الله تعالى بالسلام، وفيه وجوه: أحدها: أنه لما كان واجب الوجود لذاته فقد سلم من الفناء والتغير، وسلم من احتياجه في ذاته وصفاته إلى الافتقار إلى الغير، وهذه الصفة ليست إلا له سبحانه كما قال: ﴿ والله الغنى وَأَنتُمُ الفقراء  ﴾ وقال: ﴿ يا أيها الناس أَنتُمُ الفقراء إِلَى الله  ﴾ .

وثانيها: أنه تعالى يوصف بالسلام بمعنى أن الخلق سلموا من ظلمه، قال: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ  ﴾ ولأن كل ما سواه فهو ملكه وملكه، وتصرف الفاعل في ملك نفسه لا يكون ظلماً.

ولأن الظلم إنما يصدر إما عن العاجز أو الجاهل أو المحتاج، ولما كان الكل محالاً على الله تعالى، كان الظلم محالاً في حقه.

وثالثها: قال المبرد: إنه تعالى يوصف بالسلام بمعنى أنه ذو السلام، أي الذي لا يقدر على السلام إلا هو، والسلام عبارة عن تخليص العاجزين عن المكاره والآفات.

فالحق تعالى هو الساتر لعيوب المعيوبين، وهو المجيب لدعوة المضطرين، وهو المنتصف للمظلومين من الظالمين.

قال المبرد: وعلى هذا التقدير: السلام مصدر سلم.

القول الثاني: السلام جمع سلامة، ومعنى دار السلام: الدار التي من دخلها سلم من الآفات.

فالسلام هاهنا بمعنى السلامة، كالرضاع بمعنى الرضاعة.

فإن الإنسان هناك سلم من كل الآفات، كالموت والمرض والألم والمصائب ونزعات الشيطان والكفر والبدعة والكد والتعب.

والقول الثالث: أنه سميت الجنة بدار السلام لأنه تعالى يسلم على أهلها قال تعالى: ﴿ سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ  ﴾ والملائكة يسلمون عليهم أيضاً، قال تعالى: ﴿ جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ  سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ  ﴾ وهم أيضاً يحيي بعضهم بعضاً بالسلام قال تعالى: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سلام  ﴾ وأيضاً فسلامهم يصل إلى السعداء من أهل الدنيا، قال تعالى: ﴿ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلْيَمِينِ  فَسَلَٰمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلْيَمِينِ  ﴾ .

المسألة الثالثة: اعلم أن كمال جود الله تعالى وكمال قدرته وكمال رحمته بعباده معلوم، فدعوته عبيده إلى دار السلام، تدل على أن دار السلام قد حصل فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، لأن العظيم إذا استعظم شيئاً ورغب فيه وبالغ في ذلك الترغيب، دل ذلك على كمال حال ذلك الشيء، لا سيما وقد ملأ الله هذا الكتاب المقدس من وصف الجنة مثل قوله: ﴿ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةٍ نَعِيمٍ  ﴾ ونحن نذكر هاهنا كلاماً كلياً في تقرير هذا المطلوب، فنقول: الإنسان إنما يسعى في يومه لغده.

ولكل إنسان غدان، غد في الدنيا وغد في الآخرة.

فنقول: غد الآخرة خير من غد الدنيا من وجوه أربعة: أولها: أن الإنسان قد لا يدرك غد الدنيا وبالضرورة يدرك غد الآخرة.

وثانيها: أن بتقدير أن يدرك غد الدنيا فلعله لا يمكنه أن ينتفع بما جمعه، إما لأنه يضيع منه ذلك المال أو لأنه يحصل في بدنه مرض يمنعه من الانتفاع به.

أما غد الآخرة فكلما اكتسبه الإنسان لأجل هذا اليوم، فإنه لابد وأن ينتفع به.

وثالثها: أن بتقدير أن يجد غد الدنيا ويقدر على أن ينتفع بماله، إلا أن تلك المنافع مخلوطة بالمضار والمتاعب، لأن سعادات الدنيا غير خالصة عن الآفات، بل هي ممزوجة بالبليات، والاستقراء يدل عليه.

ولذلك قال عليه السلام: «من طلب مالم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق» فقيل يا رسول الله وما هو؟

قال: «سرور يوم بتمامه» وأما منافع عز الآخرة فهي خالصة عن الغموم والهموم والأحزان سالمة عن كل المنفرات.

ورابعها: أن بتقدير أن يصل الإنسان إلى عز الدنيا وينتفع بسببه، وكان ذلك الانتفاع خالياً عن خلط الآفات، إلا أنه لابد وأن يكون منقطعاً.

ومنافع الآخرة دائمة مبرأة عن الانقطاع، فثبت أن سعادات الدنيا مشوبة بهذه العيوب الأربعة، وأن سعادات الآخرة سالمة عنها.

فلهذا السبب كانت الجنة دار السلام.

المسألة الرابعة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفر والإيمان بقضاء الله تعالى قالوا: إنه تعالى بين في هذه الآية أنه دعا جميع الخلق إلى دار السلام، ثم بين أنه ما هدى إلا بعضهم فهذه الهداية الخاصة يجب أن تكون مغايرة لتلك الدعوة العامة، ولا شك أيضاً أن الأقدار والتمكين وإرسال الرسل وإنزال الكتب أمور عامة، فوجب أن تكون هذه الهداية الخاصة مغايرة لكل هذه الأشياء، وما ذاك إلا ما ذكرناه من أنه تعالى خصه بالعلم والمعرفة دون غيره.

واعلم أن هذه الآية مشكلة على المعتزلة وما قدروا على إيراد الأسئلة الكثيرة، وحاصل ما ذكره القاضي في وجهين: الأول: أن يكون المراد ويهدي الله من يشاء إلى إجابة تلك الدعوة، بمعنى أن من أجاب الدعاء وأطاع واتقى فإن الله يهديه إليها.

والثاني: أن المراد من هذه الآية الألطاف.

وأجاب أصحابنا عن هذين الوجهين بحرف واحد، وهو أن عندهم أنه يجب على الله فعل هذه الهداية، وما كان واجباً لا يكون معلقاً بالمشيئة، وهذا معلق بالمشيئة، فامتنع حمله على ما ذكروه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ دَارُ السلام ﴾ الجنة، أضافها إلى اسمه تعظيماً لها.

وقيل السلام السلامة؛ لأنّ أهلها سالمون من كل مكروه.

وقيل: لفشوّ السلام بينهم وتسليم الملائكة عليهم ﴿ إِلاَّ قِيلاً سلاما سلاما ﴾ [الواقعة: 26] ﴿ وَيَهْدِى ﴾ ويوفق ﴿ مَن يَشَآء ﴾ وهم الذين علم أنّ اللطف يجدي عليهم، لأنّ مشيئته تابعة لحكمته ومعناه: يدعو العباد كلهم إلى دار السلام، ولا يدخلها إلاّ المهديون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ﴾ دارِ السَّلامَةِ مِنَ التَّقَضِّي والآفَةِ، أوْ دارِ اللَّهِ وتَخْصِيصُ هَذا الِاسْمِ أيْضًا لِلتَّنْبِيهِ عَلى ذَلِكَ، أوْ دارٍ يُسَلِّمُ اللَّهُ والمَلائِكَةُ فِيها عَلى مَن يَدْخُلُها والمُرادُ الجَنَّةُ.

﴿ وَيَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ بِالتَّوْفِيقِ.

﴿ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ هو طَرِيقُها وذَلِكَ الإسْلامُ والتَّدَرُّعُ بِلِباسِ التَّقْوى، وفي تَعْمِيمِ الدَّعْوَةِ وتَخْصِيصِ الهِدايَةِ بِالمَشِيئَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأمْرَ غَيْرُ الإرادَةِ وأنَّ المُصِرَّ عَلى الضَّلالَةِ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ رُشْدَهُ.

﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى ﴾ المَثُوبَةُ الحُسْنى.

﴿ وَزِيادَةٌ ﴾ وما يَزِيدُ عَلى المَثُوبَةِ تَفَضُّلًا لِقَوْلِهِ: ﴿ وَيَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ ﴾ وقِيلَ الحُسْنى مِثْلُ حَسَناتِهِمْ والزِّيادَةُ عَشْرُ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ وأكْثَرَ، وقِيلَ الزِّيادَةُ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ، وقِيلَ الحُسْنى الجَنَّةُ والزِّيادَةُ هي اللِّقاءُ.

﴿ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ ﴾ لا يَغْشاها.

﴿ قَتَرٌ ﴾ غُبَرَةٌ فِيها سَوادٌ.

﴿ وَلا ذِلَّةٌ ﴾ هَوانٌ، والمَعْنى لا يَرْهَقُهم ما يَرْهَقُ أهْلُ النّارِ أوْ لا يَرْهَقُهم ما يُوجِبُ ذَلِكَ مِن حُزْنٍ وسُوءِ حالٍ.

﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ دائِمُونَ لا زَوالَ فِيها ولا انْقِراضَ لِنَعِيمِها بِخِلافِ الدُّنْيا وزَخارِفِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والله يدعو إلى دار السلام} وهى الجنة أضافها إلى اسمه تعظيماً لها أو السلام والسلامة لأن أهلها سالمون من كل مكروه وقيل لفشوا السلام بينهم وتسليم الملائكة عليهم إلا قيلا سلاما سلاما {وَيَهْدِى مَن يَشَاء} ويوفق من يشاء {إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ} إلى الإسلام أو طريق السنة فالدعوة عامة على لسان رسول الله بالدلالة والهداية

يونس (٢٦ _ ٢٨)

خاصة من لطف المرسل بالتوفيق والعناية والمعنى يدعوا العباد كلهم إلى دار السلام ولا يدخلها إلا المهديون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ﴾ تَرْغِيبٌ لِلنّاسِ في الحَياةِ الأُخْرَوِيَّةِ الباقِيَةِ إثْرَ تَرْغِيبِهِمْ عَنِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ الفانِيَةِ أيْ يَدْعُو النّاسَ جَمِيعًا إلى الجَنَّةِ حَيْثُ يَأْمُرُهم بِما يُفْضِي إلَيْها وسُمِّيَتِ الجَنَّةُ بِذَلِكَ لِسَلامَةِ أهْلِها عَنْ كُلِّ ألَمٍ وآفَةٍ أوْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ أوْ لِأنَّ خَزَنَتَها يَقُولُونَ لَهم سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ أوْ لِأنَّ بَعْضَهم يَسْلَمُ فِيها عَلى بَعْضٍ فالسَّلامُ إمّا بِمَعْنى السَّلامَةِ أوْ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ أوْ لِأنَّ السَّلامَ مِن أسْمائِهِ تَعالى ومَعْناهُ هو الَّذِي مِنهُ وبِهِ السَّلامَةُ أوْ ذُو السَّلامَةِ عَنْ جَمِيعِ النَّقائِضِ فَأُضِيفَتْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لِلتَّشْرِيفِ كَما في بَيْتِ اللَّهِ تَعالى لِلْكَعْبَةِ ولِأنَّهُ لا مِلْكَ لِغَيْرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ فِيها ظاهِرًا وباطِنًا ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَن فِيها سالِمٌ عَما مَرَّ لِلنَّظَرِ إلى مَعْنى السَّلامَةِ في أصْلِهِ ويَدُلُّ عَلى قَصْدِهِ تَخْصِيصُهُ بِالإضافَةِ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ مِن أسْمائِهِ تَعالى ﴿ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ هِدايَتَهُ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ 25﴾ مُوَصِّلٍ إلى تِلْكَ الدّارِ وهو الدِّينُ الحَقُّ وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الهِدايَةَ غَيْرُ الدَّعْوَةِ إلى ذَلِكَ وعَلى أنَّ الأمْرَ مُغايِرٌ لِلْإرادَةِ حَيْثُ عَمَّمَ سُبْحانَهُ الدَّعْوَةَ إذْ حَذَفَ مَفْعُولَها وخَصَّ الهِدايَةَ بِالمَشِيئَةِ المُساوِيَةِ لِلْإرادَةِ عَلى المَشْهُورِ إذْ قَيَّدَها بِها وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجَماعَةُ وقالَ المُعْتَرِلَةُ: إنَّ المُرادَ بِالهِدايَةِ التَّوْفِيقُ والإلْطافُ ومُغايَرَةُ الدَّعْوَةِ والأمْرُ لِذَلِكَ ظاهِرَةٌ فَإنَّ الكافِرَ مَأْمُورٌ ولَيْسَ بِمُوَفَّقٍ وأنَّ مْنَ يَشاءُ هو مِن عِلْمِ سُبْحانَهُ أنَّ اللُّطْفَ يَنْفَعُ فِيهِ لِأنَّ مَشِيئَتَهُ تَعالى شَأْنُهُ تابِعَةٌ لِلْحِكْمَةِ فَمَن عَلِمَ أنَّهُ لا يَنْفَعُ فِيهِ اللُّطْفُ لَمْ يُوَفِّقْهُ ولَمْ يَلْطُفْ بِهِ إذِ التَّوْفِيقُ لِمَن عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ عَبَثٌ والحِكْمَةُ مُنافِيَةٌ لِلْعَبَثِ فَهو جَلَّ وعَلا يَهْدِي مَن يَنْفَعُهُ اللُّطْفُ وإنْ أرادَ اهْتِداءَ الكُلِّ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ، يعني: يدعو إلى عمل الجنة، وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ، وهو الدين القيم، ويقال: إن عطاءه على وجهين: خاص، وعام.

فأما العطاء الخاص فالتوفيق والعصمة واليقين، وأما العطاء العام فالصحة والنعمة والفراغ والأمن.

والدعوة هنا عامة والهداية خاصة، فقد دعا جميع الناس بقوله تعالى: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ ثم قال: وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فجعل الهداية خاصا لأنها فضله، وفضل الله يؤتيه من يشاء.

وقال قتادة: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ والله هو السلام وداره الجنة.

ويقال: السلام هو السلامة، وإنما سميت الجنة دار السلام، لأنها سالمة من الآفات والأمراض وغير ذلك.

روى أبو أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس أن النبيّ  قال: «نَاَمَتْ عَيْنِي وَعَقَلَ قَلْبِي وَسَمِعَتْ أُذُنِي، ثُمَّ قِيلَ لِي: إِنَّ سَيِّداً بَنَى دَاراً وَصَنَعَ مَائِدَةً وَأَرْسَلَ دَاعِياً، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنَ المَائِدَةِ وَرَضِيَ عَنْهُ السّيّد، ومن لم يجب الداعي، لم يدخل الدار، ولم يأكل من المأدبة ولم يرض عَنْهُ السَّيِّدُ» (١)  وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ يعني: يكرم من يشاء بالمعرفة من كان أهلاً لذلك إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني: إلى دين الإسلام.

(١) عزاه السيوطي 4/ 356 إلى ابن مردويه.

وأخرجه ابن مردويه عن ابن مسعود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» وفي الحديث في نار جهنم: «لَهِيَ أَسْوَدُ مِنَ القَارِ» «٢» وما حفظ للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فليس بشَاذٍ.

ص: وَرُدَّ بأَنْ «أَسْوَدُ» مِنْ «فَعِلَ» لا من «افعل» : تقولُ: سَوِدَ فَهُوَ أَسْوَدُ، وإِنما امتنع من «سَوِدَ» ونحوِه عِنْد البصريّين لأنه لون.

انتهى.

هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣) إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)

وقوله سبحانه: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ...

الآية: تعديدُ نِعَمٍ منه سبحانه على عباده.

وقوله سبحانه: دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ: أي: نسوا الأصنام والشركاء، وأفردوا الدعاء للَّه سبحانه، وذكَر الطبريُّ في ذلك، عَنْ بعض العلماء حكايةَ قَوْلِ العَجَمِ:

«هيا شرا هيا» ، ومعناه: يا حيّ يا قيّوم، ويَبْغُونَ: معناه: يُفسدون.

وقوله: مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا متاع: خبر مبتدأ محذوفٍ، تقديره هو متاع، أو ذلك مَتَاعٌ، ومعنى الآية: إِنما بغيكم وإِفسادكم/ مُضِرٌّ لكم، وهو في حالة الدنيا، ثم تَلْقَوْنَ عقابه في الآخرة، قال سفيان بن عُيَيْنة: إِنما بغيكم علَى أنفسِكُمْ متاع الحياة الدنيا: أي تُعَجَّلُ لكم عقوبته وعلى هذا قالوا: البَغْيُ يَصْرَعُ أهله.

قال ع «٣» : وقالوا: البَاغِي مصروعٌ: قال تعالى: ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ [الحج: ٦٠] ، وقال النبيُّ عليه السلام: «ما ذَنْبٌ أَسْرَعُ عُقُوبَةً مِنْ بَغْيٍ» .

وقوله سبحانه: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي: تفاخُرُ الحياة الدنيا وزينتها بالمال

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ.

وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ  ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَمَّ بِالدَّعْوَةِ وخَصَّ الهِدايَةَ مَن شاءَ، لِأنَّ الحُكْمَ لَهُ في خَلْقِهِ.

وَفِي المُرادِ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: كِتابُ اللَّهِ، رَواهُ عَلِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ  .

والثّانِي: الإسْلامُ، رَواهُ النَّوّاسُ بْنُ سَمْعانَ عَنِ النَّبِيِّ  .

والثّالِثُ: الحَقُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والرّابِعُ: المُخْرِجُ مِنَ الضَّلالاتِ والشُّبَهِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الحُسْنى: كَلِمَةٌ مُسْتَغْنًى عَنْ وصْفِها ونَعْتِها، لِأنَّ العَرَبَ تُوقِعُها عَلى الخَلَّةِ المَحْبُوبَةِ المَرْغُوبِ فِيها المَفْرُوحِ بِها، فَكانَ الَّذِي تَعَلَّمَهُ العَرَبُ مِن أمْرِها يُغْنِي عَنْ نَعْتِها، فَكَذَلِكَ المَزِيدُ عَلَيْها مَحْمُولٌ عَلى مَعْناها ومُتَعَرَّفٌ مِن جِهَتِها، يَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: فَلَمّا تَنازَعْنا الحَدِيثَ وأسْمَحَتْ هَصَرْتُ بِغُصْنٍ ذِي شَمارِيخَ مَيّالِ فَصِرْنا إلى الحُسْنى ورَقَّ كَلامُنا ∗∗∗ ورُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَةً أيَّ إذْلالِ أيْ: إلى الأمْرِ المَحْبُوبِ.

وهَصَرْتُ بِمَعْنى مَدَدْتُ.

والغُصْنُ كِنايَةٌ عَنِ المَرْأةِ.

والباءُ مُؤَكِّدَةٌ لِلْكَلامِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: ألْقى بِيَدِهِ إلى الهَلاكِ، يُرِيدُونَ: ألْقى يَدَهُ.

والشَّمارِيخُ كِنايَةٌ عَنِ الذَّوائِبِ.

ورُضْتُ، مَعْناهُ: أذْلَلْتُ.

ومِن أجْلِ هَذا قالَ: أيَّ إذْلالٍ، ولَمْ يَقُلْ: أيَّ رِياضَةٍ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالحُسْنى خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها الجَنَّةُ، رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  ، وبِهِ قالَ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّها الواحِدَةُ مِنَ الحَسَناتِ بِواحِدَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: النُّصْرَةُ قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سابِطٍ.

والرّابِعُ: الجَزاءُ في الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: الأُمْنِيَةُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

وفي الزِّيادَةِ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها النَّظَرُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

رَوى مُسْلِمٌ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ صُهَيْبٍ «عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: " الزِّيادَةُ: النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ "» .

وبِهَذا القَوْلِ قالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، وحُذَيْفَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّ الزِّيادَةَ غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ لَها أرْبَعَةُ أبْوابٍ، رَواهُ الحَكَمُ عَنْ عَلِيٍّ، ولا يَصِحُّ.

والثّالِثُ: أنَّ الزِّيادَةَ: مُضاعَفَةُ الحَسَنَةِ إلى عَشْرِ أمْثالِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.

والرّابِعُ: أنَّ الزِّيادَةَ: مَغْفِرَةٌ ورِضْوانٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والخامِسُ: أنَّ الزِّيادَةَ: أنَّ ما أعْطاهم في الدُّنْيا لا يُحاسِبُهم بِهِ في القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والسّادِسُ: أنَّ الزِّيادَةَ: ما يَشْتَهُونَهُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَرْهَقُ ﴾ أيْ: لا يَغْشى ﴿ وُجُوهَهم قَتَرٌ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ: " قَتْرٌ " بِإسْكانِ التّاءِ، وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ السَّوادُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَوادُ الوُجُوهِ مِنَ الكَآبَةِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: القُتَرُ: الغَبَرَةُ الَّتِي مَعَها سَوادٌ.

والثّانِي: أنَّهُ دُخانُ جَهَنَّمَ، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّالِثُ: الخِزْيُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: الغُبارُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

وَفِي الذِّلَّةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الكَآبَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الهَوانُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واللهُ يَدْعُو إلى دارِ السَلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَسَبُوا السَيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللهِ مِنَ عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ نَصَّتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الدُعاءَ إلى الشَرْعِ عامٌّ في كُلِّ بَشَرٍ، والهِدايَةُ الَّتِي هي الإرْشادُ مُخْتَصَّةٌ بِمَن قُدِّرَ إيمانُهُ، و"السَلامِ"، قِيلَ: هو اسْمُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فالمَعْنى يَدْعُو إلى دارِهِ الَّتِي هي الجَنَّةُ، وإضافَتُها إلَيْهِ إضافَةُ مُلْكٍ إلى مالِكٍ، فَقِيلَ: السَلامُ: بِمَعْنى السَلامَةِ، أيْ: مِن دَخَلَها ظَفِرَ بِالسَلامَةِ وأمِنَ الفِناءَ والآفاتِ، وهَذِهِ الآيَةُ رادَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ.

وقَدْ ورَدَتْ في دَعْوَةِ اللهِ تَعالى عِبادَهُ أحادِيثَ مِنها رُؤْيا النَبِيِّ  جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ، ومَثَّلا دَعْوَةَ اللهِ، ومُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ الداعِيَ، والمِلَّةَ المَدْعُوَّ إلَيْها، والجَنَّةَ الَّتِي هي ثَمَرَةُ الغُفْرانِ بِالمَأْدُبَةِ يَدْعُو إلَيْها مَلِكٌ إلى مَنزِلِهِ.

وذَكَرَ قَتادَةُ في كَلامِهِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ: ذُكِرَ لَنا أنَّ في التَوْراةِ مَكْتُوبًا: "يا باغِيَ الخَيْرِ هَلُمَّ، ويا باغِيَ الشَرِّ انْتَهِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ﴾ الآيَةُ، قالَتْ فِرْقَةٌ وهي الجُمْهُورُ: الحُسْنى: الجَنَّةُ، والزِيادَةُ: النَظَرُ إلى وجْهِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ورُوِيَ في نَحْوِ ذَلِكَ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ  رَواهُ صُهَيْبٌ، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عن أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ، وحُذَيْفَةَ، وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وعامِرِ بْنِ سَعْدٍ، وعَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: الزِيادَةُ: غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الحُسْنى: هي الحَسَنَةُ، والزِيادَةُ: هي تَضْعِيفُ الحَسَناتِ إلى سَبْعِمِائَةٍ فَدُونَها حَسَبَما رُوِيَ في نَصِّ الحَدِيثِ، وتَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ  ﴾ ، وهَذا قَوْلٌ يُعَضِّدُهُ النَظَرُ، ولَوْلا عِظَمُ القائِلِينَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ لِتَرَجَّحَ هَذا القَوْلُ، وطَرِيقُ تَرْجِيحِهِ أنَّ الآيَةَ تَتَضَمَّنُ اقْتِرانًا بَيْنَ ذِكْرِ عُمّالِ الحَسَناتِ وعُمّالِ السَيِّئاتِ، فَوَصَفَ المُحْسِنِينَ بِأنَّ لَهم -عَلى إحْسانِهِمْ- حُسْنى زِيادَةً مِن جِنْسِها، ووَصَفَ المُسِيئِينَ بِأنَّ لَهم بِالسَيِّئَةِ مِثْلَها، فَتَعادَلَ الكَلامانِ.

وعَبَّرَ عَنِ الحَسَناتِ بِالحُسْنى مُبالَغَةً إذْ هي عَشْرَةٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: الحُسْنى عامٌّ في كُلِّ حُسْنى فَهي تَعُمُّ جَمِيعَ ما قِيلَ، ووَعَدَ اللهُ تَعالى في جَمِيعِها بِالزِيادَةِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ ﴾ ، ولَوْ كانَ مَعْنى الحُسْنى الجَنَّةَ لَكانَ في القَوْلِ تَكْرِيرٌ بِالمَعْنى، عَلى أنَّ هَذا يُنْفَصَلُ عنهُ بِأنَّهُ وصْفُ المُحْسِنِينَ بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ وأنَّهم لا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ ﴾ عَلى جِهَةِ المَدْحِ لَهُمْ، أيْ: أُولَئِكَ مُسْتَحِقُّوها وأصْحابُها حَقًّا وبِاسْتِيجابٍ.

و"يَرْهَقُ" مَعْناهُ: يَغْشى مَعَ ذِلَّةٍ وتَضْيِيقٍ، والقَتَرُ: الغُبارُ المُسْوَدُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: مُتَوَّجٌ بِرِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ...

مَوْجٌ تَرى وسْطَهُ الراياتِ والقَتَرا وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْمَشُ، وأبُو رَجاءٍ: "قَتْرٌ" بِسُكُونِ التاءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ كَسَبُوا السَيِّئاتِ ﴾ الآيَةُ، اخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في رَفْعِ "الجَزاءِ" بِمَ هُوَ؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: التَقْدِيرُ: "لَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَقْدِيرُ: "جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُها" والباءُ زائِدَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ رَفْعُ "الجَزاءِ" عَلى المُبْتَدَإ، وخَبَرُهُ في "الَّذِينَ" لِأنَّ "والَّذِينَ" مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "لِلَّذِينَ أحْسَنُوا"، فَكَأنَّهُ قالَ: "وَلِلَّذِينِ كَسَبُوا السَيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها"، وعَلى الوَجْهِ الآخَرِ فَقَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ كَسَبُوا السَيِّئاتِ ﴾ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وتَعُمُّ السَيِّئاتُ هاهُنا الكُفْرَ والمَعاصِيَ، فَمَثَلَ سَيِّئَةِ الكُفْرِ التَخْلِيدُ في النارِ، ومَثَلَ سَيِّئَةِ المَعاصِي مَصْرُوفٌ إلى مَشِيئَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

والعاصِمُ: المُنَجِّي والمُجِيرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ  ﴾ ، وَ"أُغْشِيَتْ": كُسِيَتْ، ومِنهُ الغِشاوَةُ، والقِطَعُ: جَمْعُ قِطْعَةٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "قِطْعًا" بِسُكُونِ الطاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الطاءِ، والقِطْعُ: الجُزْءُ مِنَ اللَيْلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَيْلِ  ﴾ ، وهَذا يُرادُ بِهِ الجُزْءُ مِن زَمانِ اللَيْلِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ الجُزْءُ مِن سَوادِهِ، و"مُظْلِمًا" نَعْتٌ لِقَطْعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الذِكْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: "مِنَ اللَيْلِ"، فَإذا كانَ نَعْتًا فَكانَ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ الجُمْلَةِ، ولَكِنْ قَدْ يَجِيءُ بَعْدَها، وتَقْدِيرُ الجُمْلَةِ: "قِطْعًا اسْتَقَرَّ مِنَ اللَيْلِ مُظْلِمًا" عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ  ﴾ .

ومَن قَرَأ "قِطَعًا" عَلى جَمْعِ قِطْعَةٍ فَنَصْبُ "مُظْلِمًا" عَلى الحالِ مِنَ اللَيْلِ، والعامِلُ في الحالِ "مِن" إذْ هي العامِلُ في ذِي الحالِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "كَأنَّما يُغْشى وُجُوهَهم قِطْعٌ مِنَ اللَيْلِ مُظْلِمٌ"، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "قِطَعٌ مِنَ اللَيْلِ مُظْلِمٌ" بِتَحْرِيكِ الطاءِ في "قِطَعٍ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الجملة معطوفة على جملة ﴿ كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ﴾ [يونس: 24]، أي نفصل الآيات التي منها آية حالة الدنيا وتقضيها، وندعو إلى دار السلام دارِ الخلد.

ولما كانت جملة ﴿ كذلك نفصل الآيات ﴾ [يونس: 24] تذييلاً وكان شأن التذييل أن يكون كاملاً جامعاً مستقلاً جعلت الجملة المعطوفة عليها مثلها في الاستقلال فعُدل فيها عن الإضمار إلى الإظهار إذْ وضع قوله: ﴿ والله يدعو ﴾ موضع ندعو لأن الإضمار في الجملة يجعلها محتاجة إلى الجملة التي فيها المعاد.

وحُذف مفعول ﴿ يدعو ﴾ لقصد التعميم، أي يدعو كل أحد.

والدعوة هي: الطلب والتحريض.

وهي هنا أوامر التكليف ونواهيه.

ودار السلام: الجنة، قال تعالى: ﴿ لهم دار السلام عند ربهم ﴾ ، وقد تقدم وجه تسميتها بذلك في سورة [الأنعام: 127].

والهداية: الدلالة على المقصود النافع، والمراد بها هنا خَلْق الاهتداء إلى المقصود بقرينة قوله: مَن يشاء } بعد قوله: ﴿ والله يدعُو ﴾ المفيد التعميمَ فإن الدعوة إلى الجنة دلالة عليها فهي هداية بالمعنى الأصلي فتعين أنَّ ﴿ يهدي ﴾ هنا معناه إيجاد الهداية بمعنى آخر، وهي حصول الاهتداء بالفعل، أي خلق حصوله بأمر التكوين، كقوله: ﴿ فريقاً هدَى وفريقاً حق عليهم الضلالة ﴾ [الأعراف: 30] وهذا التكوين يقع إما في كل جزئية من جزئيات الاهتداء على طريقة الأشاعرة، وإما بخلق الاستعداد له بحيث يقدر على الاهتداء عند حصول الأدلة على طريقة المعتزلة وهما متقاربان في الحال، وشؤون الغيب خَفية.

وقد تقدم شيء من ذلك عند قوله تعالى: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ [الفاتحة: 6].

والصراط المستقيم: الطريق الموصل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَجَعَلْناها حَصِيدًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ذاهِبًا.

الثّانِي: يابِسًا.

﴿ كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: كَأنْ لَمْ تَعْمُرْ بِالأمْسِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: كَأنَّهُ لَمْ تَعْشَ بِالأمْسِ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: وغَنِيَتْ سَبْتًا بَعْدَ مَجْرى داحِسٍ لَوْ كانَ لِلنَّفْسِ اللَّجُوجِ خُلُودٌ الثّالِثُ: كَأنْ لَمْ تَقُمْ بِالأمْسِ، ومِن قَوْلِهِمْ غَنِي فُلانٌ بِالمَكانِ إذا أقامَ فِيهِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

الرّابِعُ كَأنْ لَمْ تَنْعَمْ بِالأمْسِ، قالَهُ قَتادَةُ أيْضًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ.

وَفي تَسْمِيَتِها دارَ السَّلامِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ السَّلامَ هو اللَّهُ، والجَنَّةُ دارُهُ.

الثّانِي: لِأنَّها دارُ السَّلامَةِ مِن كُلِّ آفَةٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ وَيَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ في هِدايَتِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالتَّوْفِيقِ والمَعُونَةِ.

الثّانِي: بِإظْهارِ الأدِلَّةِ وإقامَةِ البَراهِينِ.

وَفي الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى، رَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: « (الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى)» .

الثّانِي: أنَّهُ الإسْلامُ، رَواهُ النَّوّاسُ بْنُ سَمْعانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

الثّالِثُ: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ  وصاحِباهُ مِن بَعْدِهِ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، قالَهُ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الحَقُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ يَوْمًا فَقالَ: (رَأيْتُ في المَنامِ كَأنَّ جِبْرِيلَ عِنْدَ رَأْسِي ومِيكائِيلَ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: أضْرِبْ لَهُ مَثَلًا، فَقالَ: اسْمَعْ سَمِعَتْ أُذُنُكَ، واعْقِلْ، عَقَلَ قَلْبُكَ، إنَّما مَثَلُكَ ومَثَلُ أُمَّتِكَ كَمَثَلِ مَلِكٍ اتَّخَذَ دارًا ثُمَّ بَنى فِيها بَيْتًا ثُمَّ جَعَلَ فِيها مائِدَةً ثُمَّ بَعَثَ رَسُولًا يَدْعُو النّاسَ إلى طَعامِهِ فَمِنهم مَن أجابَ الرَّسُولَ ومِنهم مَن تَرَكَهُ، فاللَّهُ المَلِكُ، والدّارُ الإسْلامُ، والبَيْتُ الجَنَّةُ، وأنْتَ يا مُحَمَّدُ الرَّسُولُ فَمَن أجابَكَ دَخَلَ في الإسْلامِ، ومَن دَخَلَ في الإسْلامِ دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن دَخَلَ الجَنَّةَ أكَلَ مِمّا فِيها)» ثُمَّ تَلا قَتادَةُ ومُجاهِدٌ.

﴿ واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو نعيم والدمياطي في معجمه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ﴾ يقول يدعو إلى عمل الجنة، والله السلام والجنة داره.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ قال: يهديهم للمخرج من الشبهات والفتن والضلالات.

وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الايمان عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من يوم طلعت شمسه إلا وكل بجنبتيها ملكان يناديان نداء يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم إن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ولا آبت شمسه إلا وكل بجنبتيها ملكان يناديان نداء يسمعه خلق الله كلهم غير الثقلين: اللهم أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً.

فأنزل الله في ذلك كله قرآناً في قول الملكين: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم ﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ وأنزل في قولهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً ﴿ والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى ﴾ [ الليل: 1- 2] إلى قوله: ﴿ للعسرى ﴾ [ الليل: 10]» .

وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن سعيد بن أبي هلال رضي الله عنه.

سمعت أبا جعفر محمد بن علي رضي الله عنه وتلا ﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ فقال: حدثني جابر رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال «إني رأيت في المنام كان جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه: ضرب له مثلاً فقال: اسمع سمعت أذناك، واعقل عقل قلبك، إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ داراً، ثم بنى فيها بيتاً، ثم جعل فيها مأدبة، ثم بعث رسولاً يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول ومنهم فيها مأدبة، فالله هو الملك، والدار الإِسلام، والبيت الجنة وأنت يا محمد رسول، فمن أجابك دخل الإِسلام، ومن دخل الإِسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل منها» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «استتبعني النبي صلى الله عليه وسلم فانطلقنا حتى أتينا موضعاً لا ندري ما هو؟

فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه في حجري، ثم إن نفراً أتوا عليهم ثياب بيض طوال وقد أغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله رضي الله عنه: فارعبت منهم.

فقالوا: لقد أعطى هذا العبد خيراً إن عينه نائمة والقلب يقظان، ثم قال بعضهم لبعض: اضربوا له ونَتَأوَّلَ نحن أو نضرب نحن وتَتَأَوَّلون أنتم.

فقال بعضهم: مثله كمثل سيد اتخذ مأدبة، ثم ابتنى بيتاً حصيناً، ثم أرسل إلى الناس فمن لم يأت طعامه عذبه عذاباً شديداً.

قال الآخرون: أما السيد فهو رب العالمين، وأما البنيان فهو الإِسلام، والطعام الجنة، وهذا الداعي فمن اتبعه كان في الجنة ومن لم يتبعه عذب عذاباً أليماً، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استيقظ فقال: ما رأيت يا ابن أم عبد؟

فقلت: رأيت كذا وكذا!

فقال: أُخفِيَ علي مما قالوا شيء، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم نفر من الملائكة» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن سيداً بنى داراً واتخذ مأدبة وبعث داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ورضي عنه السيد، ألا وإن السيد الله، والدار الإِسلام، والمأدبة الجنة، والداعي محمد صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: ما من ليلة إلا ينادي منادياً يا صاحب الخير هلم ويا صاحب الشر اقصر.

فقال رجل للحسن رضي الله عنه: أتجدها في كتاب الله؟

قال: نعم ﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ﴾ قال: ذكر لنا أن في التوراة مكتوباً: يا باغي الخير هلم، ويا باغي الشر انته.

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه.

أنه كان إذا قرأ ﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ﴾ قال: لبيك ربنا وسعديك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾ أي: ببعث الرسول، ونصب الأدلة يدعو إلى الجنة، ودار السلام هي الجنة، وذكرنا الكلام فيها عند قوله تعالى: ﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ  ﴾ ، وذكرنا في السلام قولين؛ أحدهما: أنه اسم الله تعالى؛ لأنه سلم مما يلحق الخلق من الغير والفناء (١) (٢) وقال النضر بن شميل: سمى نفسه سلامًا؛ لأن الخلق سلموا من ظلمه (٣) ﴿ وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ  ﴾ وأمثاله (٤) القول الثاني: أن السلام جمع سلامة، ومعنى دار السلام: الدار التي من دخلها سلم من الآفات؛ كالموت والمرض والألم والمصائب ونزغات الشيطان والكدّ والعناء، وخوف العاقبة، وغير ذلك بما يكون في الدنيا.

وقال قوم: سميت الجنة دار السلام؛ لأن الله تعالى يسلم على أهلها، قال الله تعالى: ﴿ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ  ﴾ ، والملائكة يسلمون عليهم أيضًا] (٥) ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ  ﴾ ، وهم أيضًا يحيّي بعضهم بعضًا بالسلام، قال الله تعالى عنهم: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ﴾ (٦) (٧) ﴿ دَارُ السَّلَام  ﴾ زيادة بيان هاهنا.

وقول (٨) ﴿ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ، قال المفسرون وأصحاب الحقائق (٩) (١٠) (١) انظر: "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 215.

(٢) رواه عنه الزجاج في"معاني القرآن وإعرابه" 2/ 253، والأزهرى في "تهذيب اللغة" (سلم) 2/ 1742، على أن السياق في الموضعين يحتمل أن القول للزجاج، لكن ابن منظور أثبت القول للمبرد، انظر: "لسان العرب" (سلم) 4/ 2078.

(٣) انظر: "زاد المسير" 8/ 25، ولم يعين القائل.

(٤) "الزاهر" 1/ 64 بنحوه.

(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

(٦) ذكر نحو هذا القول مختصرًا الثعلبي 7/ 12 ب، والبغوي 4/ 129.

(٧) رواه الثعلبي 7/ 12 ب.

(٨) ساقط من (ح).

(٩) أصحاب الحقائق عرفًا هم الباحثون في السلوك وأعمال القلوب، المتعرفون إلى الله عن طريق الذوق والكشف، وغالب ما يدعونه من الحقائق بدع وأهواء.

انظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" 10/ 156، 159، 171.

والظاهر أن المؤلف هنا يعني علماء الكلام، وانظر النص بنحوه في: "الإبانة عن أصول الديانة" ص 216، وكتاب "الإرشاد إلى قواطع الأدلة" ص 191، وكتاب "أصول الدين" لأبي منصور البغدادي ص 140.

(١٠) انظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 12 ب، والبغوي 4/ 129، والسمرقندي 2/ 94، "الوسيط" للمؤلف 2/ 544.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والله يدعوا إلى دَارِ السلام ﴾ أي إلى الجنة، وسميت دار السلام أي دار السلامة من العناء والتعب، وقيل: السلام هنا اسم الله: أي يدعو إلى داره ﴿ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ ذكر الدعوة إلى الجنة عامة مطلقة والهداية خاصة بمن يشاء ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ ﴾ الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله، وقيل: الحسنى جزاء الحسنة بعشر أمثالها والزيادة التضعيف فوق ذلك إلى سبعمائة، والأول أصح لوروده في الحديث وكثرة القائلين به ﴿ قَتَرٌ ﴾ أي غبار بغير الوجه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يمكرون ﴾ بياء الغيبة: سهل وروح.

الباقون: بالتاء الفوقانية.

﴿ ينشركم ﴾ النون: ابن عامر ويزيد.

الباقون ﴿ يسيركم ﴾ من التسيير ﴿ متاع ﴾ بالنصب: حفص والمفضل.

الباقون بالرفع ﴿ قطعاً ﴾ بسكون الطاء: ابن كثير وعلي وسهل ويعقوب.

والآخرون بفتحها ﴿ تتلو ﴾ بتاءين من التلاوة: حمزة وعلي وخلف وروح، وروي عن عاصم ﴿ نبلو ﴾ بالنون ثم الباء الموحدة.

﴿ كل نفس ﴾ بالنصب الباقون: بتاء التأنيث ﴿ كل ﴾ بالرفع.

الوقوف: ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ مكراً ﴾ ط، ﴿ تمكرون ﴾ ه ﴿ والبحر ﴾ ط ﴿ في الفلك ﴾ ج ط للعدول مع أن جواب "إذا" منتظر، ﴿ أحيط بهم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ دعوا ﴾ بدل من ﴿ ظنوا ﴾ لأن دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك فهو متلبس به، وإن جعل ﴿ دعوا ﴾ جواباً عن سؤال سائل فما صنعوا كان للوقف وجه.

﴿ الدين ﴾ ج لاحتمال إضمار القول وجعل الدعاء في معنى القول ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ بغير الحق ﴾ ط.

﴿ على أنفسكم ﴾ ط، إلا لمن جعله متعلقاً بــ ﴿ بغيكم ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الأنعام ﴾ ط ﴿ عليها ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا".

﴿ بالأمس ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ السلام ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ وزيادة ﴾ ط ﴿ ولا ذلة ﴾ ط، ﴿ الجنة ﴾ ج ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ بمثلها ﴾ لا لأن قوله ﴿ وترهقهم ﴾ معطوف على محذوف أي يلزمهم جزاء سيئة وترهقهم ذلة.

﴿ عاصم ﴾ ج ط لأن الكاف لا يتعلق بــ ﴿ عاصم ﴾ مع تعلقها بذلة قبله معنىً، لأن رهق الذلة سواد الوجه المعبر عنه بقوله كأنما ﴿ مظلماً ﴾ ط ﴿ أصحاب النار ﴾ ج ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ وشركاؤكم ﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ لغافلين ﴾ ه ﴿ يفترون ﴾ ه.

التفسير: لما بين في الآية المتقدمة أنهم يطلبون الآيات الزائدة عناداً ومكراً ولجاجاً أكد ذلك بقوله: ﴿ وإذا أذقنا ﴾ روي أنه  سلط القحط على أهل مكة سبع سنين ثم رحمهم وأنزل الأمطار النافعة، ثم إنهم أضافوا تلك المنافع إلى الأصنام - وقيل نسبوها إلى الأنواء - فقابلوا نعم الله بالكفران فذلك مكرهم وهو احتيالهم في دفع آيات الله بكل ما يقدرون عليه من إلقاء شبهة أو تخليط في المناظرة.

وفي تخصيص الإذاقة بجانب الرحمة دليل على أن الكثير من الرحمة قليل بالنسبة إلى رحمته الواسعة.

وفيه أن الإنسان لغاية ضعفه الفطري لا يطيق أدنى الرحمة كما أنه لا يطيق أدنى الألم الذي يمسه.

قال في الكشاف: معنى مستهم خالطتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم.

وهذا أيضاً من جملة الضعف لأنه نسي ما عهده من الضر الشديد.

و "إذا" الثانية للمفاجأة وقع مقام الفاء في جواب الشرط كما في قوله: ﴿ إذا هم يسخطون  ﴾ وفائدته أن يعلم أنهم فاجأوا وقوع المكر منهم في وقت الإذاقة وسارعوا إليه ولم يلبثوا قدر ما ينفضون عن رؤوسهم غبار الضر ولهذا قال  ﴿ قل الله أسرع مكراً ﴾ يقدر على إيصال جزاء مكرهم إليهم قبل أن يرتد إليهم طرفهم ولكنه يمهلهم لأجل معلوم ليتضاعف خبثهم مع كونه محفوظاً بيانه قوله ﴿ إن رسلنا يكتبون ما تمكرون ﴾ وقد مر تحقيق هذا في تفسير قوله: ﴿ ويرسل عليكم حفظة  ﴾ .

واعلم أن مضمون هذه الآية قريب من مضمون قوله: ﴿ وإذا مس الإنسان الضر  ﴾ إلا أن هذه زائدة عليها بدقيقة هي أنهم بعد الإعراض عن الدعاء يطلبون الغوائل ويقابلون الرحمة بالمكر والخديعة ولا يرضون رأساً برأس.

ثم ضرب لأجل ما وصفهم به مثالاً حتى ينكشف المقصود تمام الانكشاف فقال: ﴿ هو الذي يسيركم ﴾ ومن قرأ ﴿ ينشركم ﴾ فكقوله: ﴿ فانتشروا في الأرض  ﴾ قال بعض العلماء: المسير في البحر هو الله  وتعالى ، وأما في البر فالمراد من التسيير التمكين والإقدار.

والحق أن جميع الأفعال والحركات مستندة إلى إحداث الله  ، غاية ذلك أن آثار إقداره وإحداثه في البحر أظهر كما مر في تفسير قوله: ﴿ والفلك التي تجري في البحر  ﴾ قال القفال: هو الله الهادي لكم إلى السير في البحر طلباً للمعاش، وهو المسير لكم لأجل أنه هيأ لكم أسباب ذلك السير.

وحتى لانتهاء الغاية والغاية مضمون الجملة الشرطية بكمالها، فالقيود المعتبرة في الشرط ثلاثة: أولها الكون في الفلك، وثانيها جري الفلك بهم بالريح الطيبة، والضمير في ﴿ جرين ﴾ للفلك على أنها جمع كما مر.

وثالثها فرحهم بها.

والقيود المعتبرة في الجزاء ثلاثة أيضاً: أوّلها ﴿ جاءتها ﴾ أي الفلك أو الريح الطيبة تلتها ريح عاصف ذات عصوف كلابن لذات اللبن، أو لأن لفظ الريح مذكر والعصوف شدة هبوب الريح.

وثانيها ﴿ وجاءهم الموج من كل مكان ﴾ أي من جميع جوانب أحياز الفلك، والموج ما ارتفع من الماء فوق البحر.

وثالثها ﴿ وظنوا أنهم أحيط بهم ﴾ أي غلب على ظنونهم الهلاك.

وأصله أن العدوّ إذا أحاط بقوم أو بلد فقد دنوا من البوار، فجعل إحاطة العدوّ بالشخص مثلاً في الهلاك.

وقرىء ﴿ في الفلكي ﴾ والياء زائدة كما في "الأحمري" أو أريد به الماء الغمر الذي لا تجري الفلك إلا فيه.

قال في الكشاف: وإنما التفت في قوله: ﴿ وجرين بهم ﴾ إلى آخره من الخطاب الى الغيبة للمبالغة كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: الانتقال من مقام الخطاب إلى مقام الغيبة في هذه الآية دليل المقت والتبعيد كما أن عكس ذلك في قوله: ﴿ إياك نعبد  ﴾ دليل الرضا والتقريب.

قلت: هذا وجه حسن.

أما قوله: ﴿ دعوا الله مخلصين ﴾ فقد قال ابن عباس: تركوا الشرك ولم يشركوا به من آلهتهم شيئاً، وأقروا لله بالربوبية والوحدانية.

وقال الحسن: ليس هذا إخلاص الإيمان لكن لأجل العلم بأنه لا ينجيهم من ذلك إلا الله فيكون ذلك جارياً مجرى الإيمان الاضطراري.

وقال ابن زيد: هؤلاء المشركون يدعون مع الله ما يدعون، فإذا جاء الضر والألم لم يدعوا إلا الله.

وعن أبي عبيدة: أن المراد من ذلك الدعاء قولهم: "أهيا شراهياً" تفسيره "يا حي يا قيوم" يحكى أن رجلاً قال لجعفر الصادق  : ما الدليل على إثبات الصانع؟

فقال: أخبرني عن حرفتك.

فقال: التجارة في البحر قال: صف لي كيف حالك؟

فقال: ركبت البحر فانكسرت السفينة وبقيت على لوح من ألواحها وجاءت الرياح العاصفة.

قال جعفر الصادق  : هل وجدت في قلبك تضرعاً؟

فقال: نعم.

قال جعفر: فإلهك هو الذي تضرعت إليه في ذلك الوقت.

﴿ لئن أنجيتنا من هذه ﴾ الشدة كما مر في الأنعام ﴿ يبغون في الأرض بغير الحق ﴾ البغي قصد الاستعلاء بالظلم من قولك بغى الجرح إذا ترامى إلى الفساد، وأصله الطلب فلهذا أكد المعنى بقوله: ﴿ بغير الحق ﴾ قال في الكشاف: إنما زاد هذا القيد احترازاً من استيلاء المسلمين على أرض الكفرة بهدم دورهم وإحراق زروعهم كما فعل رسول الله  ببني قريظة.

قلت: ويحتمل أن يراد بغير شبهة حق عندهم كقوله ﴿ ويقتلون النبيين بغير الحق  ﴾ من قرأ متاع بالنصب فما قبله جملة تامة أي إنما بغيكم وبال على أنفسكم وهو مصدر مؤكد كأنه قيل: يتمتعون متاع الحياة الدنيا.

ومن قرأ بالرفع فإما على أن التقدير هو متاع الدنيا بعد تمام الكلام، أو على أنه خبر وقوله: ﴿ على أنفسكم ﴾ صلة أي إنما بغيكم على أمثالكم والذين جنسهم جنسكم يعني بغى بعضكم على بعض منفعة الحياة الدنيا ولا بقاء لها والبغي من منكرات المعاصي قال  : "أسرع الخير ثواباً صلة الرحم وأعجل الشر عقاباً البغي واليمين الفاجرة" وروي "اثنتان يعجلهما الله في الدنيا: البغي وعقوق الوالدين" .

وعن محمد بن كعب: ثلاث من كن فيه كن عليه: البغي والنكث والمكر.

قال  : ﴿ إنما بغيكم على أنفسكم ﴾ أي لا يتهيأ لكم بغي بعضكم على بعض إلا أياماً قلائل وهي مدة حياتكم مع قصرها وسرعة انقضائها ﴿ ثم ﴾ إلى ما وعدنا من المجازاة ﴿ مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ﴾ وهو في هذا الموضع وعيد بالعقاب كقول الرجل في معرض التهديد سأخبرك بما فعلت.

ثم ذكر مثلاً لمن يبغي في الأرض ويغتر بالدنيا ويشتد تمسكه بها فقال: ﴿ إنما مثل الحياة الدنيا ﴾ أي صفتها العجيبة الشأن ﴿ كماء أنزلناه من السماء فاختلط به ﴾ أي اشتبك بسبب هذا الماء ﴿ نبات الأرض ﴾ فيحتمل أن يراد أن نباته ثم وصوله إلى حد الكمال كليهما بسبب المطر، ويحتمل أن يراد أن النبات كان في أول بروزه ومبدإ حدوثه غير مهتز ولا مترعرع، فإذا نزل المطر عليه اهتز وربا حتى اختلط بعض الأنواع ببعض وتكاثف.

﴿ حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ﴾ قال الجوهري: الزخرف الذهب ثم يشبه به كل مموه مزوّر.

﴿ وازينت ﴾ أصله تزينت فأدغم واجتلبت لذلك همزة الوصل.

وهذا كلام في نهاية الفصاحة وفيه تشبيه الأرض بالعروس التي تأخذ الثياب الفاخرة من كل لون فتلبسها، ثم تزين بجميع الأقسام المعهودة لها من حمرة وبياض ونحوها ﴿ وظن أهلها ﴾ أي غلب على ظنونهم أو تيقنوا ﴿ أنهم قادرون عليها ﴾ متمكنون من تحصيل ريعها.

﴿ أتاها أمرنا ﴾ بإهلاكها واستئصالها وضربها ببعض العاهات.

﴿ ليلاً أو نهاراً ﴾ أي حين غفلتهم بالنوم أو حين اشتغالهم وتقلبهم في طلب معايشهم ﴿ فجعلناها ﴾ أي زرعها ﴿ حصيداً ﴾ شبيهاً بما يحصد من الزرع في قطعه واستئصاله.

﴿ كأن لم تغن ﴾ أي كأن الشأن لم يلبث زرعها ﴿ بالأمس ﴾ أي في زمان قريب.

يقال: غنى بالمكان بالكسر يغنى بالفتح إذا أقام به.

والأمس مثل في الوقت القريب.

هذا والصحيح عند علماء البيان أن هذا التشبيه من التشبيه المركب.

قال في الكشاف: شبهت حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض نعيمها بحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطاماً بعدما التف وتكاثف وزين الأرض بخضرته ورفيفه.

وقيل: المراد أن عاقبة هذه الحياة التي ينفقها المرء في باب الدنيا كعاقبة هذا النبات الذي حين عظم الرجاء به وقع اليأس منه، لأن الغالب أن المتمسك بالدنيا إذا اطمأن بها وعظمت رغبته فيها وانتظم أمره بعض الانتظام أتاه الموت.

وتلخيصه أنه كما لم يحصل لذلك الزرع عاقبة تحمد فكذلك المغتر بالدنيا المحب لها لا يحصل له عاقبة تحمد.

ويحتمل أن يكون هذا مثلاً لمن لا يؤمن بالمعاد، فإن الأرض المزينة إذا زال حسنها فإنه يعود رونقها مرة أخرى فكذا النشور ﴿ كذلك نفصل الآيات ﴾ نذكر واحدة منها بعد الأخرى لتكون كثرتها وتواليها سبباً لقوة اليقين وموجباً لزوال الشك ﴿ لقوم يتفكرون ﴾ في أحوال الآفاق والأنفس.

ثم لما نفر المكلفين عن الميل إلى الدنيا بالمثل السابق رغبهم في الآخرة بقوله: ﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ﴾ ومثله ما روي عن النبي  أنه قال: "سيد بنى داراً وصنع مائدة وأرسل داعياً فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل ورضي عنه السيد، ومن لم يجب لم يدخل ولم يأكل ولم يرض عنه السيد، فالله السيد والدار دار السلام والمائدة الجنة والداعي محمد  " وعنه  : "ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وبجنبيها ملكان يناديان بحيث يسمع كل الخلائق إلا الثلقين أيها الناس هلموا إلى ربكم والله يدعو إلى دار السلام" واتفقوا على أن دار السلام هي الجنة واختلفوا في سبب التسمية.

فقيل: لأن السلام هو الله والجنة داره فالإضافة للتشريف، وإنما أطلق اسم السلام عليه  لأنه سلم من الفناء والتغير ومن جميع سمات النقص والحدوث ومن الظلم والعجز والجهل وهو القادر على تخليص المضطرين عن المكاره والآفات، وكفى بدار أضافها الله  لنفسه فضلاً وشرفاً وبهجة وسروراً.

وقيل: سميت دار السلام لأن من دخلها سلم من الآفات والمخافات.

وقيل: لفشوّ السلام بينهم ﴿ تحيتهم فيها سلام  ﴾ ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم  ﴾ ﴿ سلام قولاً من رب رحيم  ﴾ واعلم أن الدعوة عامة ولكن الهداية خاصة فلذلك قال ﴿ ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ ومن هنا ذهب أهل السنة إلى أن الهداية والضلالة والخير والشر كلها بمشيئة الله  وإرادته.

وقالت المعتزلة: المراد ويهدي من يشاء إلى إجابة تلك الدعوة ويعنون أن من أجاب الدعاء وأطاع واتقى فإن الله يهديه إليها.

والمراد من الهداية الألطاف، ثم قسم أهل الدعوة إلى قسمين وبين حال كل طائفة فقال: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ ولا بد من تفسير هذه الألفاظ الثلاثة: فعن ابن عباس أحسنوا أي ذكروا كلمة لا إله إلا الله، وذهب غيره إلى أن المراد إتيان الطاعات واجتناب المنهيات لأن الدرجات العالية لا تليق إلا بهم.

وأما الحسنى فقال في الكشاف: المراد المثوبة الحسنى.

وقال ابن الأنباري: العرب توقع هذه اللفظة على الخلة المحبوبة والخصلة المرغوب فيها، ولذلك ترك موصوفها.

وأما الزيادة فحملها أهل السنة على رؤية الله لأن اللام في الحسنى للمعهود بين المسلمين من المنافع التي أعدها الله  لعباده، فالزيادة عليها تكون مغايرة لها فما هي إلا الرؤية.

وقالت المعتزلة: الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه، ورؤية الله  بعد تسليم جوازها ليست من جنس نعيم الجنة، فالمراد بها ما يزيد على المثوبة من التفضل كقوله: ﴿ ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله  ﴾ وزيف بأن الزيادة إذا كان المزيد عليه مقدراً بمقدار معين وجب أن يكون من جنسه كما لو قال الرجل لغيره: أعطيتك عشرة أمنان من الحنطة وزيادة.

أما إذا كان غير مقدر كما لو قال: أعطيتك الحنطة زيادة.

لم يجب أن تكون الزيادة من جنس المزيد عليه.

والمذكور في الآية لفظة الحسنى وهي الجنة وإنها مطلقة، فالزيادة عليها شيء مغاير لكل ما في الجنة.

وعن علي  : الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة.

وعن ابن عباس: الحسنى الجنة والزيادة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.

وعن مجاهد: مغفرة من الله ورضوان.

وعن يزيد بن سمرة: هي أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول: ما تريدون أن أمطركم فلا يريدون شيئاً إلا أمطرتهم.

هذا شأن المنافع الحاصلة لهم، وأما أنها منافع خالصة عن الكدورات فأفاد ذلك بقوله: ﴿ ولا يرهق ﴾ أي لا يغشى ﴿ وجوههم قتر ﴾ غبرة فيها سواد ﴿ ولا ذلة ﴾ ولا أثر هوان وكسوف بال.

ثم أشار إلى كون تلك المنافع الخالصة آمنة من الانقطاع بقوله: ﴿ أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ﴾ وهذا معنى قول علماء الأصول "الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم" ثم بين حال الفريق الآخر بقوله: ﴿ والذين ﴾ أي وجزاء الذين ﴿ كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها ﴾ أي جزاؤهم أن تجازى سيئة واحد بسيئة مثلها لا يزاد عليها.

ومن جوز العطف على عاملين مختلفين جوز أن يكون التقدير: وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها.

قالت المعتزلة: وفيه دليل على أن المراد بالزيادة في الآية المتقدمة الفضل، لأنه دل بترك الزيادة على السيئة على عدله فناسب أن يكون قد دل هناك بإثبات الزيادة على المثوبة على فضله.

﴿ وترهقهم ذلة ﴾ فإنهم حين ماتوا ناقصين خالين عن الملكات الحميدة كان شعورهم بذلك سبباً لذلهم وهوانهم على أنفسهم، وهذا على قاعدة حكماء الإسلام أن الجهل سواد وظلمة كما أن العلم والمعرفة بياض ونور ومنه قول الشبلي  : كل بيت أنت ساكنه *** غير محتاج إلى السرج ومريض أنت عائده *** قد أتاه الله بالفرج ﴿ ما لهم من الله من عاصم ﴾ أي لا يعصمهم أحد من عذابه وسخطه، أو ما لهم من جهة الله ومن عنده من يعصمهم كما للمؤمنين.

والتحقيق أنه لا عاصم من الله لأحد في الدنيا ولا في الآخرة إلا بإذن الله إلا أن هذا المعنى في الآخرة أظهر كقوله: ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ ثم بالغ في الكشف عن سواد وجوههم فقال: ﴿ كأنما أغشيت ﴾ أي ألبست ﴿ وجوههم قطعاً من الليل ﴾ من قرأ بسكون الطاء فمعناه البعض والطائفة و ﴿ مظلماً ﴾ صفته.

ومن قرأ بفتحها على أنه جمع قطعه فمظلماً حال من الليل والعامل فيه إما معنى الفعل في ﴿ من الليل ﴾ أو ﴿ أغشيت ﴾ لأن قوله: ﴿ من الليل ﴾ صفة لقوله: ﴿ قطعاً ﴾ فكان إفضاء العامل إلى الموصوف كإفضائه الى الصفة قاله في الكشاف.

واعلم أن جمعاً من العلماء ذهبوا إلى أن المراد بقوله: ﴿ والذين كسبوا السيئات ﴾ هم الكفار لأن سواد الوجه من علامات الكفر بدليل قوله: ﴿ فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم  ﴾ وقوله: ﴿ ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة  ﴾ ولقوله بعدها ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ والضمير عائد إلى ﴿ هؤلاء ﴾ .

ثم إنه وصفهم بالشرك.

وقال الآخرون: اللفظ عام يتناول الكافر والفاسق إلا أن الآيات المذكورة مخصصة.

ثم شرع بعض أحوال المشركين في القيامة فقال: ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ منصوب بإضمار "اذكر" أو ظرف متعلق بتبلو أي في يوم كذا تبلو كل نفس.

وحاصل الكلام أنه يحشر العابد والمعبود ليسألوا فيتبرأ المعبود من العابد خلاف ما كانوا يزعمون من قولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله.

وفيه إشارة إلى أن الممكن لا نسبة له إلى الواجب الحق، فإذا اتخذ الممكن معبوداً برىء من ذلك في مقام لا ينفع إلا الصدق.

قال في الكشاف: ﴿ مكانكم ﴾ أي الزموا مكانكم لا تبرحوا حتى تنظروا ما نفعل بكم.

وعند أبي علي هو اسم من أسماء الأفعال وحركته حركة بناء وهو كلمة وعيد عند العرب.

و ﴿ أنتم ﴾ لتأكيد الضمير في ﴿ مكانكم ﴾ لسده مسد قوله: "الزموا".

﴿ وشركاؤكم ﴾ عطف عليه.

﴿ فزيلنا بينهم ﴾ ففرقنا بينهم وقطعنا الوصل التي كانت بينهم في الدنيا.

قيل: عين الكلمة "واو" لأنه من زال يزول.

وإنما قلبت ياء لأن وزن الكلمة "فيعل" أي زيولنا مثل بيطره أعل إعلال سيد.

وقيل: هي من زلت الشيء أزيله، فعينه على هذا ياء والوزن "فعل" ونظير زيلنا قوله: ﴿ ونادى أصحاب الأعراف  ﴾ لأن حكم الله بأنه سيكون كالكائن ﴿ وقال شركاؤهم ﴾ في صحة هذه الإضافة وجوه منها: أنهم جعلوا نصيباً من أموالهم لتلك الأصنام فهم شركاؤهم.

ومنها أنهم متشاركون في الخطاب في قوله: ﴿ مكانكم ﴾ ومنها أنهم أثبتوا هذه الشركة والشركاء.

وقيل: هم الملائكة لقوله: ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ﴾ وقيل: كل من عبد من دون الله.

وقيل: الأصنام لأن هذا الخطاب مشتمل على التهديد وأنه لا يليق بالملائكة المقربين.

وكيف تنطق هذه الأصنام؟

وقيل: لأن الله يخلق فيهم الحياة والعقل والنطق.

ثم هل يبقيهم أو يفنيهم؟

الكل محتمل ولا اعتراض لأحد عليه.

وقيل: يخلق فيهم الكلام فقط.

وهذا الخطاب تهديد في حق العابدين فهل يكون تهديداً في حق المعبودين؟

قالت المعتزلة لا، لأنه لا ذنب للمعبودين ومن لا ذنب له يقبح من الله تهديده وتخويفه.

وقالت الأشاعرة: لا يسأل عما يفعل.

أما قول الشركاء ﴿ ما كنتم إيانا تعبدون ﴾ وهم كانوا قد عبدوهم فالمراد أنكم ما عبدتمونا بأمرنا وإرادتنا لقولهم: ﴿ فكفى بالله شهيداً ﴾ الآية.

ومن أعظم أسباب الغفلة كونها جمادات لا حس لها ولا شعور.

وقيل: لما في ذلك الموقف من الدهشة والحيرة فذلك الكذب يجري مجرى كذب الصبيان والمجانين والمدهوشين.

وقيل: إنهم ما أقاموا لأعمال الكفار وزناً فجعلوها كالعدم.

وقيل: المراد أنهم عبدوا الشياطين حيث أمروهم باتخاذ الأنداد، ومن جوز الكذب في القيامة فلا إشكال.

و ﴿ هنالك ﴾ أي في ذلك المقام وفي ذلك الموقف أو في ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان.

﴿ تبلوا كل نفس ﴾ تختبر وتذوق ﴿ ما أسلفت ﴾ من العمل.

ومن قرأ بالنون فالمعنى نفعل بها فعل الخابر، أو نصيب بالبلاء وهو العذاب كل نفس عاصية لأجل ما أسلفت من الشر.

ومن قرأ ﴿ تتلو ﴾ بتائين فمعناه تتبع ما أسفلت لأن عمله هو الذي يهديه إلى طريق الجنة أو إلى طريق النار.

أو تقرأ في صحيفتها ما قدمت من خير أو شر.

﴿ وردّوا إلى الله مولاهم الحق ﴾ الصادق ربوبيته ﴿ وضل عنهم ﴾ وضاع عنهم ﴿ ما كانوا ﴾ يدعون أنهم شركاء الله أو ما كانوا يختلفون من شفاعة الآلهة.

والحاصل أنهم يرجعون عن الباطل ويعترفون بالحق حين لا ينفعهم ذلك.

التأويل: ﴿ وإذا أذقنا الناس ﴾ ذوق توبة وإنابة أو ذوق كشف وشهود ﴿ من بعد ضراء ﴾ وهي الفسوق والأخلاق الذميمة وحجب الأوصاف ﴿ إذا لهم مكر في آياتنا ﴾ بإظهارها إلى غير أهلها بشرف النفس وطلب الجاه والقبول.

﴿ قل الله أسرع مكراً ﴾ فيستدرجهم عن تلك المقامات إلى دركات البعد ﴿ من حيث لا يشعرون ﴾ ﴿ هو الذي يسيركم ﴾ في بر البشرية وبحر الروحانية، أو في بر العبودية وبحر الربوبية ﴿ حتى إذا كنتم ﴾ في فلك جذبات العناية ﴿ وجرين بهم ﴾ بهبوب نسيم شهود الجمال ﴿ وفرحوا ﴾ بالوصول والوصال ﴿ جاءتها ﴾ نكباء تجلى صفات الجلال ﴿ وجاءهم ﴾ موج البلايا والمحن من أماكن النعم والبلاء موكل بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل ﴿ فلما أنجاهم ﴾ فيه إشارة إلى أن أرباب الطلب لما وصلوا بجذبات الحق إلى شهود الجمال واستغراق لجج بحر الجلال، استقبلتهم عواصف العزة والكبرياء فيستدرجهم إلى البغي وهو الطلب في أرض ما سوى الحق غير الحق ﴿ كماء أنزلناه ﴾ من سماء القلب إلى أرض البشرية ﴿ فاختلط به ﴾ الصفات المولدة من أرض البشرية ﴿ مما يأكل الناس والأنعام ﴾ من الصفات الحميدة الإنسانية والذميمة البهيمية ﴿ أتاها ﴾ حكمنا الأزلي ﴿ ليلاً ﴾ عند استيلاء ظلمات صفات النفس ﴿ أو نهاراً ﴾ عند بقاء ضوء الفيض الروحاني، لكنه بامتزاج القوة الخيالية والوهمية وقع في ورطة العقائد الباطلة كما لبعض الفلاسفة والمبتدعة.

﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ﴾ وهي مقام الفناء لأن صاحبه يسلم عن آفات الحجب أو مقام العلم والمعرفة لأن صاحبه يسلم عن آفة الأثنينية والجهالة ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ بجذبات العناية ﴿ إلى صراط مستقيم ﴾ يؤدي إلى السير بالله في الله.

﴿ للذين أحسنوا الحسنى ﴾ فالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، والحسنى هي شواهد الحق والنظر إليه، والزيادة الجنة وما فيها من النعيم أو هي ما زاد على النظر من إفناء الناسوتية في اللاهوتية والله ولي التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ ﴾ اختلف فيه؛ قيل: الجنة، والسلام: الله أضافها إلى نفسه؛ كقوله: ﴿ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ  ﴾ فأضاف الجنة إلى السلام إن كان دار السلام هي الجنة، فهو - والله أعلم - لأن المساجد هي أمكنة يقام فيها القرب، والجنة هي مكان اللذة وقضاء الشهوة، فأضافها إلى السلام لما يسلم أهلها عن جميع الآفات، والمساجد خصت بالإضافة إلى الله  ؛ لأنها أمكنة يقام فيها القرب.

وقال بعضهم: دار السلام: الإسلام.

ثم يحتمل كل واحد من التأويلين وجهين بما سمى الإسلام دار السلام والجنة، كذلك سمى الإسلام دار السلام؛ لأنه يأمن ويسلم كل من دخل فيه عن جميع الأهوال والآفات التي تكون.

والثاني: سمى [الإسلام دار السلام] أضافه إلى نفسه؛ كقوله: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ...

﴾ الآية [الزمر: 22]، أخبر أنه على نور من ربه؛ فعلى ذلك إضافة الإسلام إليه.

ومن قال: دار السلام الجنة سمى دار السلام؛ لأن كل من دخل الجنة سلم وأمن عن الأهوال كلها والآفات جميعاً.

والثاني: دار: الجنة، والسلام: الله أضاف إليه؛ لأنها دار أوليائه، وقد تضاف إلى الله على إرادة أوليائه، والله أعلم.

وروي في بعض الأخبار عن أبي قلابة أن النبي  قال: "قيل لي لتنم عينك، وليعقل قلبك، ولتسمع أذنك فنامت عيني وعقل قلبي وسمعت أذني، ثم قيل لي: سيد بنى داراً وجعل مأدبة وأرسل داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ورضي عنه السيد، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة ولم يرض عنه السيد فالله السيد، والدار الإسلام، والمأدبة الجنة، والداعي محمد  " إن ثبت هذا الخبر ففيه أن الدار الإسلام على ما قاله بعض أهل التأويل وفي خبر آخر عن جابر بن عبد الله قال: "خرج علينا رسول الله  يوماً فقال: رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي، قال أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا، قال: اسمع سمعت أذنك، وأعقل عقل قلبك، إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ داراً ثم بنى فيها بنياناً فأتمه، ثم جعل فيها المأدبة، ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تركه، فالله الملك والدار الإسلام والبيت الجنة، وأنت يا محمد الرسول، ومن أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل ما فيها" هذا يدل - أيضاً - إن ثبت أن الدار التي ذكر في الآية هو الإسلام، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ...

﴾ الآية: ذكر الاستثناء في الهداية، ولم يذكر في الدعاء؛ ليعلم [أن] لا كل من يدعو إلى دار السلام يهديه، وإنما [يهدي به] من يعلم منه أنه يختار الهدى وذلك على القدرية.

ثم الهدى على وجوه ثلاثة.

أحدها: الدعاء كقوله: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ  ﴾ .

والثاني: هو البيان كقوله: ﴿ هُدًى وَرَحْمَةً ﴾ يعني القرآن.

والثالث: التوفيق والعصمة إذا وفق اهتدى، والهدى هاهنا التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ﴾ : اختلف فيه؛ قال بعضهم: للذين أحسنوا في الدنيا لهم الحسنى في الآخرة جزاء ذلك الإحسان وهي الجنة، سمى الجنة الحسنى؛ لأنها جزاء الإحسان، كما سمى النار السوءى؛ كقوله: ﴿ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤأَىٰ  ﴾ لأنها جزاء السوء؛ كقوله: ﴿ هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ  ﴾ ﴿ وَزِيَادَةٌ ﴾ قيل: المحبة في قلوب العباد يحبه كل محسن، وهيبة له في قلوب الناس يهابه كل أحد على غير سلطان له ولا يد.

وقال قائلون: قوله: ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ﴾ أي: مثل تلك الحسنة وزيادة التضعيف، حتى تكون عشرا وسبعمائة وما شاء الله، يدل على ذلك قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا  ﴾ .

وقال قائلون: [قوله]: ﴿ وَزِيَادَةٌ ﴾ الرؤية: رؤية الرب والنظر؛ كقوله  : ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ  إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  ﴾ .

وقال قائلون: الزيادة قبول حسناته مع ما فيها من الخلط بالسيئات، يقبل حسناته بفضله.

وإن كانت تشوبها السيئات ورضاه عنه، وذلك طريقه الفضل والإحسان؛ إذ قد سبق من الله  إليه من النعم ما لا يقدر القيام على وفاء نعمة منها طول عمره.

وعن علي بن أبي طالب -  - قال: "الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب".

فلا ندري ما الزيادة التي ذكرها عز وجل في الآية إلا بالخبر عن الله.

وقال قائلون: الحسنى ما تقدره العقول وتدركها وتصورها الأوهام، وأما الزيادة فهي التي لا تقدرها العقول ولا تدركها ولا تصورها الأوهام؛ كقوله  : "ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ ﴾ قيل: لا يغشى وجوههم الغبار والريح على ما وصف وجوه أهل النار، وهو قوله: ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ  تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ  ﴾ ، ولكن على ما وصف وجوه أهل الجنة بقوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ  ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ  ﴾ ، وذلك - والله أعلم - آثار إحسانهم التي أحسنوا في الدنيا، ولما لم يروا النعم التي كانت لهم من سواه ولم يصرفوا شكرها إلى غيره، والغبرة والقترة التي ذكر لأهل النار هي آثار السيئات التي عملوها في الدنيا من عبادتهم دون الله وصرفهم شكر النعم إلى غيره ونحو ذلك من صنيعهم الذي صنعوا في الدنيا، والله أعلم.

﴿ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والله يدعو جميع الناس إلى جنته التي هي دار السلام، يسلم فيها الناس من المصائب والهموم، ويسلمون من الموت، والله يوفق من شاء من عباده إلى دين الإسلام الموصل إلى دار السلام هذه.

من فوائد الآيات الله أسرع مكرًا بمن مكر بعباده المؤمنين.

بغي الإنسان عائد على نفسه ولا يضر إلا نفسه.

بيان حقيقة الدنيا في سرعة انقضائها وزوالها، وما فيها من النعيم فهو فانٍ.

الجنّة هي مستقر المؤمن؛ لما فيها من النعيم والسلامة من المصائب والهموم.

<div class="verse-tafsir" id="91.a629L"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.5 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 0 يوم
لا إله إلا الله