تفسير الآية ٢٥ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٢٥ من سورة يونس

وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَـٰمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ٢٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 60 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢٥ من سورة يونس من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢٥ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( والله يدعو إلى دار السلام ) الآية : لما ذكر تعالى الدنيا وسرعة [ عطبها و ] زوالها ، رغب في الجنة ودعا إليها ، وسماها دار السلام أي : من الآفات ، والنقائص والنكبات ، فقال : ( والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) .

قال أيوب عن أبي قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " قيل لي : لتنم عينك ، وليعقل قلبك ، ولتسمع أذنك فنامت عيني ، وعقل قلبي ، وسمعت أذني .

ثم قيل : سيد بنى دارا ، ثم صنع مأدبة ، وأرسل داعيا ، فمن أجاب الداعي دخل الدار ، وأكل من المأدبة ، ورضي عنه السيد ، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ، ولم يأكل من المأدبة ، ولم يرض عنه السيد فالله السيد ، والدار الإسلام ، والمأدبة الجنة ، والداعي محمد صلى الله عليه وسلم .

وهذا حديث مرسل ، وقد جاء متصلا من حديث الليث ، عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال ، عن جابر بن عبد الله ، رضي الله عنه ، قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال : " إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي ، وميكائيل عند رجلي ، يقول أحدهما لصاحبه : اضرب له مثلا .

فقال : اسمع سمعت أذنك ، واعقل عقل قلبك ، إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارا ، ثم بنى فيها بيتا ، ثم جعل فيها مأدبة ، ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه ، فمنهم من أجاب الرسول ، ومنهم من تركه ، فالله الملك ، والدار الإسلام ، والبيت الجنة ، وأنت يا محمد الرسول ، فمن أجابك دخل الإسلام ، ومن دخل الإسلام دخل الجنة ، ومن دخل الجنة أكل منها " رواه ابن جرير .

وقال قتادة : حدثني خليد العصري ، عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من يوم طلعت فيه شمسه إلا وبجنبتيها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين : يا أيها الناس ، هلموا إلى ربكم ، إن ما قل وكفى ، خير مما كثر وألهى " .

قال : وأنزل ذلك في القرآن ، في قوله : ( والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) رواه ابن أبي حاتم ، وابن جرير .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لعباده: أيها الناس ، لا تطلبوا الدنيا وزينتَها، فإن مصيرها إلى فناءٍ وزوالٍ ، كما مصير النبات الذي ضربه الله لها مثلا إلى هلاكٍ وبَوَارٍ، ولكن اطلبوا الآخرة الباقية، ولها فاعملوا، وما عند الله فالتمسوا بطاعته، فإن الله يدعوكم إلى داره، وهي جناته التي أعدَّها لأوليائه، تسلموا من الهموم والأحزان فيها، وتأمنوا من فناء ما فيها من النَّعيم والكرامة التي أعدَّها لمن دخلها، وهو يهدي من يشاء من خلقه فيوفقه لإصابة الطريق المستقيم، وهو الإسلام الذي جعله جل ثناؤه سببًا للوصول إلى رضاه ، وطريقًا لمن ركبه وسلك فيه إلى جِنانه وكرامته، (26) كما:- 17604- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة قال: " الله " ، السلام، ودارُه الجنة.

17605- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: (والله يدعو إلى دار السلام) ، قال: " الله " هو السلام، ودارُه الجنة.

17606- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال، قيل لي: " لتنم عينُك، وليعقِل قلبك، ولتسمع أُذُنك " فنامت عيني، وعقل قلبي، وسمعت أذني.

ثم قيل: " سيّدٌ بنى دارًا، ثم صنع مأدُبة، ثم أرسل داعيا، فمن أجاب الداعي دخل الدار ، وأكل من المأدبة ، ورضي عنه السيد.

ومن لم يجب الداعي ، لم يدخل الدار ، ولم يأكل من المأدبة ، ولم يرضَ عنه السيد "، فالله السيد، والدار الإسلام، والمأدبة الجنة، والداعي محمد صلى الله عليه وسلم ".

(27) 17607- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)، ذكر لنا أن في التوراة مكتوبًا: " يا باغي الخير هلمّ ، ويا باغي الشرِّ انتَهِ".

17608- حدثني الحسين بن سلمة بن أبي كبشة قال ، حدثنا عبد الملك بن عمرو قال ، حدثنا عباد بن راشد، عن قتادة قال ، حدثني خُلَيد العَصَريّ، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من يوم طلعت فيه شمسه إلا وبجَنَبَتَيْها ملكان يناديان، يسمعُه خلق الله كلهم إلا الثَّقلين (28) : " يا أيها الناس هلمُّوا إلى ربِّكم، إنّ ما قلَّ وكفى خير مما كثر وأَلْهَى ".

قال: وأنـزل ذلك في القرآن في قوله: (والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم).

(29) 17609- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن جابر بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فقال: إني رأيت في المنام كأنَّ جبريل عند رأسي ، وميكائيل عند رجلي، يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا !

فقال: اسْمَع سمعتْ أُذنك، واعقل عَقَل قلبك، إنما مَثَلك ومَثَل أمتك ، كمثل ملك اتخذ دارًا ، ثم بنى فيها بيتًا ، ثم جعل فيها مأدُبة، ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تركه .

فالله الملك، والدار الإسلام، والبيتُ الجنَّة، وأنت يا محمد الرسولُ، من أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل ما فيها.

(30) ------------------------ الهوامش: (26) انظر تفسير " الهداية " و " الصراط المستقيم " فيما سلف من فهارس اللغة ( هدى ) ، ( سرط) ، ( قوم ) .

(27) الأثر : 17606 - " أبو قلابة " ، هو : " عبد الله بن زيد الجرمي " ، أحد أعلام التابعين ، مضى مرارًا .

فهذا خبر " مرسل " ، وسيأتي نحوه متصلا في تخريج الأثر رقم : 17609 .

(28) " الجنبة " ( بفتح الجيم والنون ، وبفتحها وإسكان النون ) الناحية ، ورواة الحديث يروون " الجنبة " فتحتين ، وأهل اللغة يؤثرون سكون النون .

ويستدلون على ذلك بقول أبي صعترة البولاني : فمـا نُطْفَـةٌ مِـنْ حَـبِّ مُزْنٍ تَقَاذَفَتْ بــه جَنْبَتَـا الجُـودِيِّ والليـلُ دَامِسُ بِـأَطْيَبِ مَـنْ فِيهَا , وَمَا ذُقْتُ طَعْمَهُ , وَلكِـنَّنِي فِيمـا تَـرَى العَيْـنُ فَـارِسُ والذي رواه أهل الحديث جيد صحيح .

(29) الأثر : 17608 - " الحسين بن سلمة بن إسماعيل بن يزيد بن أبي كبشة الأزدي الطحان " ، شيخ الطبري ، ثقة .

روى عنه الترمذي وابن ماجه وغيرهما ، مترجم في التهذيب ، وأبي ابن حاتم 1 / 2 / 54 .

و " عبد الملك بن عمرو " ، هو " أبو عامر العقدي " ، ثقة ، مضى مرارًا كثيرة ، آخرها رقم : 12795 .

و" عباد بن راشد التميمي " ، ثقة وليس بالقوي ، روى له البخاري مقرونا بغيره ، مضى برقم : 11060 ، 12527 .

و" خليد بن عبد الله العصري " ، روى عن أبي الدرداء ، وقال ابن حبان في الثقات ، وذكره : يقال إن هذا مولى لأبي الدرداء .

وفرق البخاري في الكبير بين " خليد مولى أبي الدرداء " ، و " خليد بن عبد الله العصري " ، وكذلك ابن أبي حاتم .

مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 1 / 181 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 383 .

وهذا خبر صحيح الإسناد ، ورواه أحمد في مسنده مطولا 5 : 197 ، من طريق همام ، عن قتادة ، عن خليد العصري .

وزيادته : " وَلَا آبَت شمس قَطُّ إلا بعث بِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَان يُناديان ، يُسْمِعان أهل الأرض إلا الثَّقلين : اللهمّ أعطِ مُنْفقًا خلفًا ، وأعط مُمْسكًا تَلَفًا " .

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 304 ، مطولًا ، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه ، والبيهقي في شعب الإيمان .

(30) الأثر : 17069 - " خالد بن يزيد الجمحي المصري " ثقة مضى مرارًا ، آخرها رقم : 13377 .

و"سعيد بن أبي هلال الليثي المصري " ، ثقة ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 17429 ، روايته عن جابر مرسلة ، وحديثه عن جابر أورده البخاري معلقًا ، متابعة .

وفي الترمذي : " سعيد بن أبي هلال ، لم يدرك جابرًا " .

فهذا خبر مرسل عن جابر ، وصله الحاكم في المستدرك 2 : 338 من طريق " عبد الله بن صالح ، عن الليث بن سعد ، عن خالد بن يزيد ، عن سعيد بن أبي هلال قال : سمعت أبا جعفر محمد بن على بن الحسين ، وتلا هذه الآية : " والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم" فقال : حدثني جابر بن عبد الله " ، ثم قال الحاكم : " هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي " .

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 304 ، وزاد نسبته إلى ابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل ، بمثل لفظ الحاكم وإسناده .

وكان في المطبوعة : " أكل منها " ، وهو موافق لما في سائر المراجع ، وأثبت ما في المخطوطة ، لأنه واضح لا إشكال في قراءته ، ولا في معناه .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم قوله تعالى والله يدعو إلى دار السلام لما ذكر وصف هذه الدار وهي دار الدنيا وصف الآخرة فقال : إن الله لا يدعوكم إلى جمع الدنيا بل يدعوكم إلى الطاعة لتصيروا إلى دار السلام ، أي إلى الجنة .

قال قتادة والحسن : السلام هو الله ، وداره الجنة ; وسميت الجنة دار السلام لأن من دخلها سلم من الآفات .

ومن أسمائه سبحانه السلام ، وقد بيناه في " الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى " .

ويأتي في سورة " الحشر " إن شاء الله .

وقيل : المعنى والله يدعو إلى دار السلامة .

والسلام والسلامة بمعنى كالرضاع والرضاعة ; قاله الزجاج .

قال الشاعر :تحيي بالسلامة أم بكر وهل لك بعد قومك من سلاموقيل : أراد والله يدعو إلى دار التحية ; لأن أهلها ينالون من الله التحية والسلام ، وكذلك من الملائكة .

قال الحسن : إن السلام لا ينقطع عن أهل الجنة ، وهو تحيتهم ; كما قال : وتحيتهم فيها سلام .

وقال يحيى بن معاذ : يا ابن آدم ، دعاك الله إلى دار السلام فانظر من أين تجيبه ، فإن أجبته من دنياك دخلتها ، وإن أجبته من قبرك منعتها .

وقال ابن عباس : الجنان سبع : دار الجلال ، ودار السلام ، وجنة عدن ، وجنة المأوى ، وجنة الخلد ، وجنة الفردوس ، وجنة النعيم .قوله تعالى ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم عم بالدعوة إظهارا لحجته ، وخص بالهداية استغناء عن خلقه .

والصراط المستقيم ، قيل : كتاب الله ; رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الصراط المستقيم كتاب الله تعالى .

[ ص: 242 ] وقيل : الإسلام ; رواه النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقيل : الحق ; قاله قتادة ومجاهد .

وقيل : رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه من بعده أبو بكر وعمر رضي الله عنهما .

وروى جابر بن عبد الله قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال : رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي فقال أحدهما لصاحبه اضرب له مثلا فقال له اسمع سمعت أذناك واعقل عقل قلبك وإنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارا ثم بنى فيها بيتا ثم جعل فيها مأدبة ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه فالله الملك والدار الإسلام والبيت الجنة وأنت يا محمد الرسول فمن أجابك دخل في الإسلام ومن دخل في الإسلام دخل الجنة ومن دخل الجنة أكل مما فيها ثم تلا يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .

ثم تلا قتادة ومجاهد : والله يدعو إلى دار السلام .

وهذه الآية بينة الحجة في الرد على القدرية ; لأنهم قالوا : هدى الله الخلق كلهم إلى صراط مستقيم ، والله قال : ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فردوا على الله نصوص القرآن .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

عم تعالى عباده بالدعوة إلى دار السلام، والحث على ذلك، والترغيب، وخص بالهداية من شاء استخلاصه واصطفاءه، فهذا فضله وإحسانه، والله يختص برحمته من يشاء، وذلك عدله وحكمته، وليس لأحد عليه حجة بعد البيان والرسل، وسمى الله الجنة ‏"‏دار السلام‏"‏ لسلامتها من جميع الآفات والنقائص، وذلك لكمال نعيمها وتمامه وبقائه، وحسنه من كل وجه‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( والله يدعو إلى دار السلام ) قال قتادة : السلام هو الله ، وداره : الجنة .

وقيل : السلام بمعنى السلامة ، سميت الجنة دار السلام لأن من دخلها سلم من الآفات .

وقيل : المراد بالسلام التحية سميت الجنة دار السلام ، لأن أهلها يحيي بعضهم بعضا بالسلام والملائكة تسلم عليهم .

قال الله تعالى : " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم " ( الرعد - 23 ) .

وروينا عن جابر قال : جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقال بعضهم : إنه نائم ، وقال بعضهم : إن العين نائمة والقلب يقظان ، فقالوا : إن لصاحبكم هذا مثلا .

قال : فاضربوا له مثلا .

فقال بعضهم : مثله كمثل رجل بنى دارا ، وجعل فيها مأدبة ، وبعث داعيا ، فمن أجاب الداعي : دخل الدار ، وأكل من المأدبة ، ومن لم يجب الداعي : لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة ، فقالوا أولوها له يفقهها ، قال بعضهم : إنه نائم ، وقال بعضهم : إن العين نائمة والقلب يقظان ، فقالوا : فالدار الجنة والداعي محمد صلى الله عليه وسلم ، فمن أطاع محمدا فقد أطاع الله ، ومن عصى محمدا فقد عصى الله ، ومحمد فرق بين الناس " .

( ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) فالصراط المستقيم هو الإسلام ، عم بالدعوة لإظهار الحجة ، وخص بالهداية استغناء عن الخلق .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والله يدعو إلى دار السلام» أي السلامة، وهي الجنة بالدعاء إلى الإيمان «ويهدي من يشاء» هدايته «إلى صراط مستقيم» دين الإسلام.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والله يدعوكم إلى جناته التي أعدها لأوليائه، ويهدي مَن يشاء مِن خَلْقه، فيوفقه لإصابة الطريق المستقيم، وهو الإسلام.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - حال الحياة الدنيا ، وقصر مدة التمتع بها ، أتبع ذلك بدعوة الناس جميعا إلى العمل الصالح الذى يوصلهم إلى الجنة فقال - تعالى - :( والله يدعوا إلى دَارِ .

.

.

)المقصود بدار السلام : الجنة التي أعدها الله - تعالى - لعباده المؤمنين ، وسميت بذلك ، لأنها الدار التي سلم أهلها من كل ألم وآفة .

أو لأن تحيتهم فيها سلام ، أو لأن السلام من أسماء الله - تعالى - فأضيفت إليه تعظيما لشأنها ، وتشريفا لقدرها ، كما يقال للكعبة : بيت الله .وقوله : ( والله يدعوا إلى دَارِ السلام .

.

.

) معطوف على محذوف يدل عليه السياق .والتقدير : الشيطان يدعوكم إلى إيثار متاع الحياة الدنيا وزخرفها ، والله - تعالى - يدعو الناس جميعا إلى الإِيمان الحق الذى يوصلهم إلى دار كرامته .وقوله : ( وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) وهو المؤدى بصاحبه إلى رضوان الله ومغفرته .والمراد بالصراط المستقيم : الدين الحق الذى شرعه الله لعباده .

وبلغه لهم عن طريق نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

المسألة الأولى: في كيفية النظم.

اعلم أنه تعالى لما نفر الغافلين عن الميل إلى الدنيا بالمثل السابق، رغبهم في الآخرة بهذه الآية.

ووجه الترغيب في الآخرة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مثلي ومثلكم شبه سيد بنى داراً ووضع مائدة وأرسل داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المائدة ورضي عنه السيد، ومن لم يجب لم يدخل ولم يأكل ولم يرض عنه السيد فالله السيد، والدار دار الإسلام، والمائدة الجنة، والداعي محمد عليه السلام».

وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وبجنيبها ملكان يناديان بحيث يسمع كل الخلائق إلا الثقلين.

أيها الناس؛ هلموا إلى ربكم والله يدعوا إلى دار السلام».

المسألة الثانية: لا شبهة أن المراد من دار السلام الجنة، إلا أنهم اختلفوا في السبب الذي لأجله حصل هذا الاسم على وجوه: الأول: أن السلام هو الله تعالى، والجنة داره.

ويجب علينا هاهنا بيان فائدة تسمية الله تعالى بالسلام، وفيه وجوه: أحدها: أنه لما كان واجب الوجود لذاته فقد سلم من الفناء والتغير، وسلم من احتياجه في ذاته وصفاته إلى الافتقار إلى الغير، وهذه الصفة ليست إلا له سبحانه كما قال: ﴿ والله الغنى وَأَنتُمُ الفقراء  ﴾ وقال: ﴿ يا أيها الناس أَنتُمُ الفقراء إِلَى الله  ﴾ .

وثانيها: أنه تعالى يوصف بالسلام بمعنى أن الخلق سلموا من ظلمه، قال: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ  ﴾ ولأن كل ما سواه فهو ملكه وملكه، وتصرف الفاعل في ملك نفسه لا يكون ظلماً.

ولأن الظلم إنما يصدر إما عن العاجز أو الجاهل أو المحتاج، ولما كان الكل محالاً على الله تعالى، كان الظلم محالاً في حقه.

وثالثها: قال المبرد: إنه تعالى يوصف بالسلام بمعنى أنه ذو السلام، أي الذي لا يقدر على السلام إلا هو، والسلام عبارة عن تخليص العاجزين عن المكاره والآفات.

فالحق تعالى هو الساتر لعيوب المعيوبين، وهو المجيب لدعوة المضطرين، وهو المنتصف للمظلومين من الظالمين.

قال المبرد: وعلى هذا التقدير: السلام مصدر سلم.

القول الثاني: السلام جمع سلامة، ومعنى دار السلام: الدار التي من دخلها سلم من الآفات.

فالسلام هاهنا بمعنى السلامة، كالرضاع بمعنى الرضاعة.

فإن الإنسان هناك سلم من كل الآفات، كالموت والمرض والألم والمصائب ونزعات الشيطان والكفر والبدعة والكد والتعب.

والقول الثالث: أنه سميت الجنة بدار السلام لأنه تعالى يسلم على أهلها قال تعالى: ﴿ سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ  ﴾ والملائكة يسلمون عليهم أيضاً، قال تعالى: ﴿ جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ  سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ  ﴾ وهم أيضاً يحيي بعضهم بعضاً بالسلام قال تعالى: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سلام  ﴾ وأيضاً فسلامهم يصل إلى السعداء من أهل الدنيا، قال تعالى: ﴿ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلْيَمِينِ  فَسَلَٰمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلْيَمِينِ  ﴾ .

المسألة الثالثة: اعلم أن كمال جود الله تعالى وكمال قدرته وكمال رحمته بعباده معلوم، فدعوته عبيده إلى دار السلام، تدل على أن دار السلام قد حصل فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، لأن العظيم إذا استعظم شيئاً ورغب فيه وبالغ في ذلك الترغيب، دل ذلك على كمال حال ذلك الشيء، لا سيما وقد ملأ الله هذا الكتاب المقدس من وصف الجنة مثل قوله: ﴿ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةٍ نَعِيمٍ  ﴾ ونحن نذكر هاهنا كلاماً كلياً في تقرير هذا المطلوب، فنقول: الإنسان إنما يسعى في يومه لغده.

ولكل إنسان غدان، غد في الدنيا وغد في الآخرة.

فنقول: غد الآخرة خير من غد الدنيا من وجوه أربعة: أولها: أن الإنسان قد لا يدرك غد الدنيا وبالضرورة يدرك غد الآخرة.

وثانيها: أن بتقدير أن يدرك غد الدنيا فلعله لا يمكنه أن ينتفع بما جمعه، إما لأنه يضيع منه ذلك المال أو لأنه يحصل في بدنه مرض يمنعه من الانتفاع به.

أما غد الآخرة فكلما اكتسبه الإنسان لأجل هذا اليوم، فإنه لابد وأن ينتفع به.

وثالثها: أن بتقدير أن يجد غد الدنيا ويقدر على أن ينتفع بماله، إلا أن تلك المنافع مخلوطة بالمضار والمتاعب، لأن سعادات الدنيا غير خالصة عن الآفات، بل هي ممزوجة بالبليات، والاستقراء يدل عليه.

ولذلك قال عليه السلام: «من طلب مالم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق» فقيل يا رسول الله وما هو؟

قال: «سرور يوم بتمامه» وأما منافع عز الآخرة فهي خالصة عن الغموم والهموم والأحزان سالمة عن كل المنفرات.

ورابعها: أن بتقدير أن يصل الإنسان إلى عز الدنيا وينتفع بسببه، وكان ذلك الانتفاع خالياً عن خلط الآفات، إلا أنه لابد وأن يكون منقطعاً.

ومنافع الآخرة دائمة مبرأة عن الانقطاع، فثبت أن سعادات الدنيا مشوبة بهذه العيوب الأربعة، وأن سعادات الآخرة سالمة عنها.

فلهذا السبب كانت الجنة دار السلام.

المسألة الرابعة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الكفر والإيمان بقضاء الله تعالى قالوا: إنه تعالى بين في هذه الآية أنه دعا جميع الخلق إلى دار السلام، ثم بين أنه ما هدى إلا بعضهم فهذه الهداية الخاصة يجب أن تكون مغايرة لتلك الدعوة العامة، ولا شك أيضاً أن الأقدار والتمكين وإرسال الرسل وإنزال الكتب أمور عامة، فوجب أن تكون هذه الهداية الخاصة مغايرة لكل هذه الأشياء، وما ذاك إلا ما ذكرناه من أنه تعالى خصه بالعلم والمعرفة دون غيره.

واعلم أن هذه الآية مشكلة على المعتزلة وما قدروا على إيراد الأسئلة الكثيرة، وحاصل ما ذكره القاضي في وجهين: الأول: أن يكون المراد ويهدي الله من يشاء إلى إجابة تلك الدعوة، بمعنى أن من أجاب الدعاء وأطاع واتقى فإن الله يهديه إليها.

والثاني: أن المراد من هذه الآية الألطاف.

وأجاب أصحابنا عن هذين الوجهين بحرف واحد، وهو أن عندهم أنه يجب على الله فعل هذه الهداية، وما كان واجباً لا يكون معلقاً بالمشيئة، وهذا معلق بالمشيئة، فامتنع حمله على ما ذكروه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ دَارُ السلام ﴾ الجنة، أضافها إلى اسمه تعظيماً لها.

وقيل السلام السلامة؛ لأنّ أهلها سالمون من كل مكروه.

وقيل: لفشوّ السلام بينهم وتسليم الملائكة عليهم ﴿ إِلاَّ قِيلاً سلاما سلاما ﴾ [الواقعة: 26] ﴿ وَيَهْدِى ﴾ ويوفق ﴿ مَن يَشَآء ﴾ وهم الذين علم أنّ اللطف يجدي عليهم، لأنّ مشيئته تابعة لحكمته ومعناه: يدعو العباد كلهم إلى دار السلام، ولا يدخلها إلاّ المهديون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ حالُها العَجِيبَةُ في سُرْعَةِ تَقَضِّيها وذَهابِ نَعِيمِها بَعْدَ إقْبالِها واغْتِرارِ النّاسِ بِها.

﴿ كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ ﴾ فاشْتَبَكَ بِسَبَبِهِ حَتّى خالَطَ بَعْضُهُ بَعْضًا.

﴿ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ ﴾ مِنَ الزُّرُوعِ والبُقُولِ والحَشِيشِ.

﴿ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها ﴾ حُسْنَها وبَهْجَتَها.

﴿ وازَّيَّنَتْ ﴾ تَزَيَّنَتْ بِأصْنافِ النَّباتِ وأشْكالِها وألْوانِها المُخْتَلِفَةِ كَعَرُوسٍ أخَذَتْ مِن ألْوانِ الثِّيابِ والزِّيَنِ فَتَزَيَّنَتْ بِها، ﴿ وازَّيَّنَتْ ﴾ أصْلُهُ تَزَيَّنَتْ فَأُدْغِمَ وقَدْ قُرِئَ عَلى الأصْلِ « وأزْيَنَتْ» عَلى أفْعَلَتْ مِن غَيْرِ إعْلالٍ كَأغْيَلَتْ، والمَعْنى صارَتْ ذاتَ زِينَةٍ « وازْيانَتْ» كابْياضَّتْ.

﴿ وَظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها ﴾ مُتَمَكِّنُونَ مِن حَصْدِها ورَفْعِ غَلَّتِها.

﴿ أتاها أمْرُنا ﴾ ضَرَبَ زَرْعَها ما يَجْتاحُهُ.

﴿ لَيْلا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها ﴾ فَجَعَلْنا زَرْعَها.

﴿ حَصِيدًا ﴾ شَبِيهًا بِما حُصِدَ مِن أصْلِهِ.

﴿ كَأنْ لَمْ تَغْنَ ﴾ كَأنْ لَمْ يَغْنَ زَرْعُها أيْ لَمْ يَلْبَثْ، والمُضافُ مَحْذُوفٌ في المَوْضِعَيْنِ لِلْمُبالَغَةِ وقُرِئَ بِالياءِ عَلى الأصْلِ.

﴿ بِالأمْسِ ﴾ فِيما قَبِيلُهُ وهو مَثَلٌ في الوَقْتِ القَرِيبِ والمُمَثَّلِ بِهِ مَضْمُونُ الحِكايَةِ وهو زَوالُ خُضْرَةِ النَّباتِ فَجْأةً وذَهابُهُ حُطامًا بَعْدَ ما كانَ غَضًّا والتَفَّ، وزَيَّنَ الأرْضَ حَتّى طَمِعَ فِيهِ أهْلُهُ وظَنُّوا أنَّهُ قَدْ سَلِمَ مِنَ الجَوائِحِ لا الماءِ وإنْ ولِيَهُ حَرْفُ التَّشْبِيهِ لِأنَّهُ مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ.

﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ فَإنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والله يدعو إلى دار السلام} وهى الجنة أضافها إلى اسمه تعظيماً لها أو السلام والسلامة لأن أهلها سالمون من كل مكروه وقيل لفشوا السلام بينهم وتسليم الملائكة عليهم إلا قيلا سلاما سلاما {وَيَهْدِى مَن يَشَاء} ويوفق من يشاء {إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ} إلى الإسلام أو طريق السنة فالدعوة عامة على لسان رسول الله بالدلالة والهداية

يونس (٢٦ _ ٢٨)

خاصة من لطف المرسل بالتوفيق والعناية والمعنى يدعوا العباد كلهم إلى دار السلام ولا يدخلها إلا المهديون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ﴾ تَرْغِيبٌ لِلنّاسِ في الحَياةِ الأُخْرَوِيَّةِ الباقِيَةِ إثْرَ تَرْغِيبِهِمْ عَنِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ الفانِيَةِ أيْ يَدْعُو النّاسَ جَمِيعًا إلى الجَنَّةِ حَيْثُ يَأْمُرُهم بِما يُفْضِي إلَيْها وسُمِّيَتِ الجَنَّةُ بِذَلِكَ لِسَلامَةِ أهْلِها عَنْ كُلِّ ألَمٍ وآفَةٍ أوْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ أوْ لِأنَّ خَزَنَتَها يَقُولُونَ لَهم سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ أوْ لِأنَّ بَعْضَهم يَسْلَمُ فِيها عَلى بَعْضٍ فالسَّلامُ إمّا بِمَعْنى السَّلامَةِ أوْ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ أوْ لِأنَّ السَّلامَ مِن أسْمائِهِ تَعالى ومَعْناهُ هو الَّذِي مِنهُ وبِهِ السَّلامَةُ أوْ ذُو السَّلامَةِ عَنْ جَمِيعِ النَّقائِضِ فَأُضِيفَتْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لِلتَّشْرِيفِ كَما في بَيْتِ اللَّهِ تَعالى لِلْكَعْبَةِ ولِأنَّهُ لا مِلْكَ لِغَيْرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ فِيها ظاهِرًا وباطِنًا ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَن فِيها سالِمٌ عَما مَرَّ لِلنَّظَرِ إلى مَعْنى السَّلامَةِ في أصْلِهِ ويَدُلُّ عَلى قَصْدِهِ تَخْصِيصُهُ بِالإضافَةِ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ مِن أسْمائِهِ تَعالى ﴿ ويَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ هِدايَتَهُ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ 25﴾ مُوَصِّلٍ إلى تِلْكَ الدّارِ وهو الدِّينُ الحَقُّ وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الهِدايَةَ غَيْرُ الدَّعْوَةِ إلى ذَلِكَ وعَلى أنَّ الأمْرَ مُغايِرٌ لِلْإرادَةِ حَيْثُ عَمَّمَ سُبْحانَهُ الدَّعْوَةَ إذْ حَذَفَ مَفْعُولَها وخَصَّ الهِدايَةَ بِالمَشِيئَةِ المُساوِيَةِ لِلْإرادَةِ عَلى المَشْهُورِ إذْ قَيَّدَها بِها وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجَماعَةُ وقالَ المُعْتَرِلَةُ: إنَّ المُرادَ بِالهِدايَةِ التَّوْفِيقُ والإلْطافُ ومُغايَرَةُ الدَّعْوَةِ والأمْرُ لِذَلِكَ ظاهِرَةٌ فَإنَّ الكافِرَ مَأْمُورٌ ولَيْسَ بِمُوَفَّقٍ وأنَّ مْنَ يَشاءُ هو مِن عِلْمِ سُبْحانَهُ أنَّ اللُّطْفَ يَنْفَعُ فِيهِ لِأنَّ مَشِيئَتَهُ تَعالى شَأْنُهُ تابِعَةٌ لِلْحِكْمَةِ فَمَن عَلِمَ أنَّهُ لا يَنْفَعُ فِيهِ اللُّطْفُ لَمْ يُوَفِّقْهُ ولَمْ يَلْطُفْ بِهِ إذِ التَّوْفِيقُ لِمَن عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يَنْفَعُهُ عَبَثٌ والحِكْمَةُ مُنافِيَةٌ لِلْعَبَثِ فَهو جَلَّ وعَلا يَهْدِي مَن يَنْفَعُهُ اللُّطْفُ وإنْ أرادَ اهْتِداءَ الكُلِّ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ، يعني: يدعو إلى عمل الجنة، وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ، وهو الدين القيم، ويقال: إن عطاءه على وجهين: خاص، وعام.

فأما العطاء الخاص فالتوفيق والعصمة واليقين، وأما العطاء العام فالصحة والنعمة والفراغ والأمن.

والدعوة هنا عامة والهداية خاصة، فقد دعا جميع الناس بقوله تعالى: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ ثم قال: وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فجعل الهداية خاصا لأنها فضله، وفضل الله يؤتيه من يشاء.

وقال قتادة: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ والله هو السلام وداره الجنة.

ويقال: السلام هو السلامة، وإنما سميت الجنة دار السلام، لأنها سالمة من الآفات والأمراض وغير ذلك.

روى أبو أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس أن النبيّ  قال: «نَاَمَتْ عَيْنِي وَعَقَلَ قَلْبِي وَسَمِعَتْ أُذُنِي، ثُمَّ قِيلَ لِي: إِنَّ سَيِّداً بَنَى دَاراً وَصَنَعَ مَائِدَةً وَأَرْسَلَ دَاعِياً، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنَ المَائِدَةِ وَرَضِيَ عَنْهُ السّيّد، ومن لم يجب الداعي، لم يدخل الدار، ولم يأكل من المأدبة ولم يرض عَنْهُ السَّيِّدُ» (١)  وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ يعني: يكرم من يشاء بالمعرفة من كان أهلاً لذلك إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني: إلى دين الإسلام.

(١) عزاه السيوطي 4/ 356 إلى ابن مردويه.

وأخرجه ابن مردويه عن ابن مسعود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» وفي الحديث في نار جهنم: «لَهِيَ أَسْوَدُ مِنَ القَارِ» «٢» وما حفظ للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فليس بشَاذٍ.

ص: وَرُدَّ بأَنْ «أَسْوَدُ» مِنْ «فَعِلَ» لا من «افعل» : تقولُ: سَوِدَ فَهُوَ أَسْوَدُ، وإِنما امتنع من «سَوِدَ» ونحوِه عِنْد البصريّين لأنه لون.

انتهى.

هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣) إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)

وقوله سبحانه: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ...

الآية: تعديدُ نِعَمٍ منه سبحانه على عباده.

وقوله سبحانه: دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ: أي: نسوا الأصنام والشركاء، وأفردوا الدعاء للَّه سبحانه، وذكَر الطبريُّ في ذلك، عَنْ بعض العلماء حكايةَ قَوْلِ العَجَمِ:

«هيا شرا هيا» ، ومعناه: يا حيّ يا قيّوم، ويَبْغُونَ: معناه: يُفسدون.

وقوله: مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا متاع: خبر مبتدأ محذوفٍ، تقديره هو متاع، أو ذلك مَتَاعٌ، ومعنى الآية: إِنما بغيكم وإِفسادكم/ مُضِرٌّ لكم، وهو في حالة الدنيا، ثم تَلْقَوْنَ عقابه في الآخرة، قال سفيان بن عُيَيْنة: إِنما بغيكم علَى أنفسِكُمْ متاع الحياة الدنيا: أي تُعَجَّلُ لكم عقوبته وعلى هذا قالوا: البَغْيُ يَصْرَعُ أهله.

قال ع «٣» : وقالوا: البَاغِي مصروعٌ: قال تعالى: ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ [الحج: ٦٠] ، وقال النبيُّ عليه السلام: «ما ذَنْبٌ أَسْرَعُ عُقُوبَةً مِنْ بَغْيٍ» .

وقوله سبحانه: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي: تفاخُرُ الحياة الدنيا وزينتها بالمال

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ ﴾ هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلدُّنْيا الفانِيَةِ، فَشَبَّهَها بِمَطَرٍ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ ﴿ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ ﴾ يَعْنِي التَفَّ النَّباتُ بِالمَطَرِ، وكَثُرَ ﴿ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ ﴾ مِنَ الحُبُوبِ وغَيْرِها ﴿ والأنْعامُ ﴾ مِنَ المَرْعى.

﴿ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: زِينَتُها بِالنَّباتِ.

وأصْلُ الزُّخْرُفِ: الذَّهَبُ، ثُمَّ يُقالُ لِلنَّقْشِ والنُّورِ والزَّهْرِ وكُلِّ شَيْءٍ زُيِّنَ: زُخْرُفٌ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الزُّخْرُفُ كَمالُ حُسْنِ الشَّيْءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وازَّيَّنَتْ ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ " وازَّيَّنَتْ " بِالتَّشْدِيدِ.

وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنُ، وابْنُ يَعْمَرَ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وقَطْعِها ساكِنَةً الزّايِ:، عَلى وزْنِ وأفْعَلَتْ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ " وازَّيَّنَتْ " بِالتَّشْدِيدِ، فالمَعْنى: وتَزَيَّنَتْ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ:، وأُسْكِنَتِ الزّايُ: فاجْتُلِبَتْ لَها ألِفُ الوَصْلِ؛ ومَن قَرَأ " وأزْيَنَتْ " بِالتَّخْفِيفِ عَلى أفْعَلَتْ، فالمَعْنى: جاءَتْ بِالزِّينَةِ.

وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ: " وتَزَيَّنَتْ " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَظَنَّ أهْلُها ﴾ أيْ: أيْقَنَ أهْلُ الأرْضِ " أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها " أيْ: عَلى ما أنْبَتَتْهُ، فَأخْبَرَ عَنِ الأرْضِ، والمُرادُ النَّباتُ، لِأنَّ المَعْنى مَفْهُومٌ.

" أتاها أمْرُنا " أيْ: قَضاؤُنا بِإهْلاكِها ﴿ فَجَعَلْناها حَصِيدًا ﴾ أيْ: مَحْصُودًا لا شَيْءَ فِيها.

والحَصِيدُ: المَقْطُوعُ المُسْتَأْصَلُ.

﴿ كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ تُعْمَرْ.

والمَغانِي: المَنازِلُ الَّتِي يَعْمُرُها النّاسُ بِالنُّزُولِ فِيها.

يُقالُ: غَنِينا بِالمَكانِ: إذا نَزَلُوا بِهِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: " كَأنْ لَمْ يَغْنَ " بِالياءِ، يَعْنِي الحَصِيدَ.

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: تَأْوِيلُ الآيَةِ: أنَّ الحَياةَ في الدُّنْيا سَبَبٌ لِاجْتِماعِ المالِ وما يَرُوقُ مِن زَهْرَةِ الدُّنْيا ويُعْجِبُ، حَتّى إذا اسْتَتَمَّ ذَلِكَ عِنْدَ صاحِبِهِ، وظَنَّ أنَّهُ مُمَتَّعٌ بِذَلِكَ، سُلِبَ عَنْهُ بِمَوْتِهِ، أوْ بِحادِثَةٍ تُهْلِكُهُ، كَما أنَّ الماءَ سَبَبٌ لِالتِفافِ النَّباتِ وكَثْرَتِهِ، فَإذا تَزَيَّنَتْ بِهِ الأرْضُ، وظَنَّ النّاسُ أنَّهم مُسْتَمْتِعُونَ بِذَلِكَ، أهْلَكَهُ اللَّهُ، فَعادَ ما كانَ فِيها كَأنْ لَمْ يَكُنْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ الناسُ والأنْعامُ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضِ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها أتاها أمْرُنا لَيْلا أو نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ المَعْنى: إنَّما مَثَلُ تَفاخُرِ الحَياةِ الدُنْيا وزِينَتِها بِالمالِ والبَنِينَ إذْ يَصِيرُ ذَلِكَ إلى الفَناءِ كَمَطَرٍ نَزَلَ مِنَ السَماءِ فاخْتَلَطَ، ووَقَفَ هُنا بَعْضُ القُرّاءِ عَلى مَعْنى: فاخْتَلَطَ الماءُ بِالأرْضِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ: ﴿ بِهِ نَباتُ الأرْضِ ﴾ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ المُقَدَّمِ، ويَحْتَمِلُ -عَلى هَذا- أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "بِهِ" عَلى الماءِ أو عَلى الِاخْتِلاطِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ القَوْلُ.

ووَصَلَتْ فِرْقَةٌ فَرُفِعَ "النَباتُ" عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: "فاخْتَلَطَ"، أيِ:اخْتَلَطَ النَباتُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ بِسَبَبِ الماءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِمّا يَأْكُلُ الناسُ ﴾ يُرِيدُ الزُرُوعَ والأشْجارَ ونَحْوَ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿ والأنْعامُ ﴾ يُرِيدُ سائِرَ العُشْبِ المَرْعِيِّ.

و ﴿ أخَذَتِ الأرْضُ ﴾ لَفْظَةٌ كَثُرَتْ في مِثْلِ هَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿ خُذُوا زِينَتَكُمْ  ﴾ .

والزُخْرُفُ: التَزَيُّنُ بِالألْوانِ، وقَدْ يَجِيءُ الزُخْرُفُ بِمَعْنى الذَهَبِ إذِ الذَهَبُ مِنهُ، وقَرَأ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ، وأبُو جَعْفَرٍ، والسَبْعَةُ، وشَيْبَةُ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ: "وازَّيَّنَتْ"، أصْلُهُ: تَزَيَّنَتْ، سُكِّنَتِ التاءُ لِتُدْغَمَ فاحْتِيجَ إلى ألْفِ وصْلٍ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَتَزَيَّنَتْ" وهَذِهِ أصْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، والشَعْبِيُّ، وقَتادَةُ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وعِيسى: "وَأزْيَنَتْ" عَلى مَعْنى: حَضَرَتْ زِينَتُها كَما تَقُولُ: أحْصَدَ الزَرْعُ، و"أزْيَنَتْ" عَلى مِثالِ: أفْعَلَتْ، وقالَ عَوْفُ بْنُ أبِي جَمِيلَةَ: كانَ أشْياخُنا يَقْرَؤُونَها: "وازْيانَّتْ" النُونُ شَدِيدَةٌ والألِفُ ساكِنَةٌ قَبْلَها، وهي قِراءَةُ أبِي عُثْمانَ النَهْدِيِّ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "وازَيَأْنَّتْ"، وهي لُغَةٌ مِنها قَوْلُ الشاعِرِ: .......................

∗∗∗ إذا ما الهَوادِي بِالعَبِيطِ احْمَأرَّتْ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وازّايَنَتْ"، والمَعْنى في هَذا كُلِّهِ: ظَهَرَتْ زِينَتُها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَظَنَّ أهْلُها ﴾ عَلى بابِها.

والضَمِيرُ في "عَلَيْها" عائِدٌ عَلى الأرْضِ، والمُرادُ ما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونَباتٍ، وهَذا الكَلامُ فِيهِ تَشْبِيهُ جُمْلَةِ أمْرِ الحَياةِ الدُنْيا بِهَذِهِ الجُمْلَةِ المَوْصُوفَةِ أحْوالُها، و"حَتّى" غايَةٌ، وهي حَرْفُ ابْتِداءٍ لِدُخُولِها عَلى "إذا"، ومَعْناها مُتَّصِلٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ قادِرُونَ عَلَيْها ﴾ ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ بَدَأ الجَوابُ، والأمْرُ الآتِي واحِدُ الأُمُورِ كالرِيحِ والصِرِّ والسَمُومِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وتَقْسِيمُهُ لَيْلًا أو نَهارًا تَنْبِيهٌ عَلى الخَوْفِ وارْتِفاعُ الأمْنِ في كُلِّ وقْتٍ، و"حَصِيدًا": فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وعَبَّرَ بِحَصِيدٍ عَنِ التالِفِ الهالِكِ مِنَ النَباتِ وإنْ لَمْ يَهْلَكْ بِحَصادٍ إذِ الحُكْمُ فِيهِما واحِدٌ، وكَأنَّ الآفَةَ حَصَدَتْهُ قَبْلَ أوانِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ كَأنْ لَمْ تَغْنَ ﴾ أيْ: كَأنْ لَمْ تَنْعَمْ ولَمْ تَنْضُرْ ولَمْ تُغْرِ بِغَضارَتِها، وقَرَأ قَتادَةُ "يَغْنَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، يَعْنِي الحَصِيدَ، وقَرَأ مَرْوانُ: "كَأنْ لَمْ تَتَغَنَّ" بِتاءَيْنِ مِثْلُ تَتَفَعَّلُ، والمَغانِي: المَنازِلُ المَعْمُورَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وقَدْ نَغْنى بِها ونَرى عُصُورًا ∗∗∗ ∗∗∗ بِها يَقْتَدْنَنا الخُرُدَ الخِذالا وفِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ" وما كُنّا لِنُهْلِكَها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها "كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ"، رَواها عنهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

وقِيلَ: إنَّ فِيهِ: "وَما كانَ اللهُ لِيُهْلِكَها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها"، وقَرَأ أبُو الدَرْداءِ: "لِقَوْمٍ يَتَذَكَّرُونَ".

ومَعْنى الآيَةِ التَحْذِيرُ مِنَ الِاغْتِرارِ بِالدُنْيا إذْ هي مُعَرَّضَةٌ لِلتَّلَفِ وأنْ يُصِيبَها ما أصابَ هَذِهِ الأرْضَ المَذْكُورَةَ بِمَوْتٍ أو غَيْرِهِ مِن رَزايا الدُنْيا، وخَصَّ المُتَفَكِّرِينَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لِلْمَنزِلَةِ، ولِيَقَعَ التَسابُقُ إلى هَذِهِ الرُتْبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الجملة معطوفة على جملة ﴿ كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ﴾ [يونس: 24]، أي نفصل الآيات التي منها آية حالة الدنيا وتقضيها، وندعو إلى دار السلام دارِ الخلد.

ولما كانت جملة ﴿ كذلك نفصل الآيات ﴾ [يونس: 24] تذييلاً وكان شأن التذييل أن يكون كاملاً جامعاً مستقلاً جعلت الجملة المعطوفة عليها مثلها في الاستقلال فعُدل فيها عن الإضمار إلى الإظهار إذْ وضع قوله: ﴿ والله يدعو ﴾ موضع ندعو لأن الإضمار في الجملة يجعلها محتاجة إلى الجملة التي فيها المعاد.

وحُذف مفعول ﴿ يدعو ﴾ لقصد التعميم، أي يدعو كل أحد.

والدعوة هي: الطلب والتحريض.

وهي هنا أوامر التكليف ونواهيه.

ودار السلام: الجنة، قال تعالى: ﴿ لهم دار السلام عند ربهم ﴾ ، وقد تقدم وجه تسميتها بذلك في سورة [الأنعام: 127].

والهداية: الدلالة على المقصود النافع، والمراد بها هنا خَلْق الاهتداء إلى المقصود بقرينة قوله: مَن يشاء } بعد قوله: ﴿ والله يدعُو ﴾ المفيد التعميمَ فإن الدعوة إلى الجنة دلالة عليها فهي هداية بالمعنى الأصلي فتعين أنَّ ﴿ يهدي ﴾ هنا معناه إيجاد الهداية بمعنى آخر، وهي حصول الاهتداء بالفعل، أي خلق حصوله بأمر التكوين، كقوله: ﴿ فريقاً هدَى وفريقاً حق عليهم الضلالة ﴾ [الأعراف: 30] وهذا التكوين يقع إما في كل جزئية من جزئيات الاهتداء على طريقة الأشاعرة، وإما بخلق الاستعداد له بحيث يقدر على الاهتداء عند حصول الأدلة على طريقة المعتزلة وهما متقاربان في الحال، وشؤون الغيب خَفية.

وقد تقدم شيء من ذلك عند قوله تعالى: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ [الفاتحة: 6].

والصراط المستقيم: الطريق الموصل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَجَعَلْناها حَصِيدًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ذاهِبًا.

الثّانِي: يابِسًا.

﴿ كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: كَأنْ لَمْ تَعْمُرْ بِالأمْسِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: كَأنَّهُ لَمْ تَعْشَ بِالأمْسِ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: وغَنِيَتْ سَبْتًا بَعْدَ مَجْرى داحِسٍ لَوْ كانَ لِلنَّفْسِ اللَّجُوجِ خُلُودٌ الثّالِثُ: كَأنْ لَمْ تَقُمْ بِالأمْسِ، ومِن قَوْلِهِمْ غَنِي فُلانٌ بِالمَكانِ إذا أقامَ فِيهِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

الرّابِعُ كَأنْ لَمْ تَنْعَمْ بِالأمْسِ، قالَهُ قَتادَةُ أيْضًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ.

وَفي تَسْمِيَتِها دارَ السَّلامِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ السَّلامَ هو اللَّهُ، والجَنَّةُ دارُهُ.

الثّانِي: لِأنَّها دارُ السَّلامَةِ مِن كُلِّ آفَةٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ وَيَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ في هِدايَتِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالتَّوْفِيقِ والمَعُونَةِ.

الثّانِي: بِإظْهارِ الأدِلَّةِ وإقامَةِ البَراهِينِ.

وَفي الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى، رَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: « (الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى)» .

الثّانِي: أنَّهُ الإسْلامُ، رَواهُ النَّوّاسُ بْنُ سَمْعانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

الثّالِثُ: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ  وصاحِباهُ مِن بَعْدِهِ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، قالَهُ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الحَقُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ يَوْمًا فَقالَ: (رَأيْتُ في المَنامِ كَأنَّ جِبْرِيلَ عِنْدَ رَأْسِي ومِيكائِيلَ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: أضْرِبْ لَهُ مَثَلًا، فَقالَ: اسْمَعْ سَمِعَتْ أُذُنُكَ، واعْقِلْ، عَقَلَ قَلْبُكَ، إنَّما مَثَلُكَ ومَثَلُ أُمَّتِكَ كَمَثَلِ مَلِكٍ اتَّخَذَ دارًا ثُمَّ بَنى فِيها بَيْتًا ثُمَّ جَعَلَ فِيها مائِدَةً ثُمَّ بَعَثَ رَسُولًا يَدْعُو النّاسَ إلى طَعامِهِ فَمِنهم مَن أجابَ الرَّسُولَ ومِنهم مَن تَرَكَهُ، فاللَّهُ المَلِكُ، والدّارُ الإسْلامُ، والبَيْتُ الجَنَّةُ، وأنْتَ يا مُحَمَّدُ الرَّسُولُ فَمَن أجابَكَ دَخَلَ في الإسْلامِ، ومَن دَخَلَ في الإسْلامِ دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن دَخَلَ الجَنَّةَ أكَلَ مِمّا فِيها)» ثُمَّ تَلا قَتادَةُ ومُجاهِدٌ.

﴿ واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو نعيم والدمياطي في معجمه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ﴾ يقول يدعو إلى عمل الجنة، والله السلام والجنة داره.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ قال: يهديهم للمخرج من الشبهات والفتن والضلالات.

وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الايمان عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من يوم طلعت شمسه إلا وكل بجنبتيها ملكان يناديان نداء يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم إن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ولا آبت شمسه إلا وكل بجنبتيها ملكان يناديان نداء يسمعه خلق الله كلهم غير الثقلين: اللهم أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً.

فأنزل الله في ذلك كله قرآناً في قول الملكين: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم ﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ وأنزل في قولهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً ﴿ والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى ﴾ [ الليل: 1- 2] إلى قوله: ﴿ للعسرى ﴾ [ الليل: 10]» .

وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن سعيد بن أبي هلال رضي الله عنه.

سمعت أبا جعفر محمد بن علي رضي الله عنه وتلا ﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ فقال: حدثني جابر رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال «إني رأيت في المنام كان جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه: ضرب له مثلاً فقال: اسمع سمعت أذناك، واعقل عقل قلبك، إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ داراً، ثم بنى فيها بيتاً، ثم جعل فيها مأدبة، ثم بعث رسولاً يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول ومنهم فيها مأدبة، فالله هو الملك، والدار الإِسلام، والبيت الجنة وأنت يا محمد رسول، فمن أجابك دخل الإِسلام، ومن دخل الإِسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل منها» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «استتبعني النبي صلى الله عليه وسلم فانطلقنا حتى أتينا موضعاً لا ندري ما هو؟

فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه في حجري، ثم إن نفراً أتوا عليهم ثياب بيض طوال وقد أغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله رضي الله عنه: فارعبت منهم.

فقالوا: لقد أعطى هذا العبد خيراً إن عينه نائمة والقلب يقظان، ثم قال بعضهم لبعض: اضربوا له ونَتَأوَّلَ نحن أو نضرب نحن وتَتَأَوَّلون أنتم.

فقال بعضهم: مثله كمثل سيد اتخذ مأدبة، ثم ابتنى بيتاً حصيناً، ثم أرسل إلى الناس فمن لم يأت طعامه عذبه عذاباً شديداً.

قال الآخرون: أما السيد فهو رب العالمين، وأما البنيان فهو الإِسلام، والطعام الجنة، وهذا الداعي فمن اتبعه كان في الجنة ومن لم يتبعه عذب عذاباً أليماً، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استيقظ فقال: ما رأيت يا ابن أم عبد؟

فقلت: رأيت كذا وكذا!

فقال: أُخفِيَ علي مما قالوا شيء، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم نفر من الملائكة» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن سيداً بنى داراً واتخذ مأدبة وبعث داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ورضي عنه السيد، ألا وإن السيد الله، والدار الإِسلام، والمأدبة الجنة، والداعي محمد صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: ما من ليلة إلا ينادي منادياً يا صاحب الخير هلم ويا صاحب الشر اقصر.

فقال رجل للحسن رضي الله عنه: أتجدها في كتاب الله؟

قال: نعم ﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ﴾ قال: ذكر لنا أن في التوراة مكتوباً: يا باغي الخير هلم، ويا باغي الشر انته.

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه.

أنه كان إذا قرأ ﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ﴾ قال: لبيك ربنا وسعديك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾ أي: ببعث الرسول، ونصب الأدلة يدعو إلى الجنة، ودار السلام هي الجنة، وذكرنا الكلام فيها عند قوله تعالى: ﴿ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ  ﴾ ، وذكرنا في السلام قولين؛ أحدهما: أنه اسم الله تعالى؛ لأنه سلم مما يلحق الخلق من الغير والفناء (١) (٢) وقال النضر بن شميل: سمى نفسه سلامًا؛ لأن الخلق سلموا من ظلمه (٣) ﴿ وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ  ﴾ وأمثاله (٤) القول الثاني: أن السلام جمع سلامة، ومعنى دار السلام: الدار التي من دخلها سلم من الآفات؛ كالموت والمرض والألم والمصائب ونزغات الشيطان والكدّ والعناء، وخوف العاقبة، وغير ذلك بما يكون في الدنيا.

وقال قوم: سميت الجنة دار السلام؛ لأن الله تعالى يسلم على أهلها، قال الله تعالى: ﴿ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ  ﴾ ، والملائكة يسلمون عليهم أيضًا] (٥) ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ  ﴾ ، وهم أيضًا يحيّي بعضهم بعضًا بالسلام، قال الله تعالى عنهم: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ﴾ (٦) (٧) ﴿ دَارُ السَّلَام  ﴾ زيادة بيان هاهنا.

وقول (٨) ﴿ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ، قال المفسرون وأصحاب الحقائق (٩) (١٠) (١) انظر: "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 215.

(٢) رواه عنه الزجاج في"معاني القرآن وإعرابه" 2/ 253، والأزهرى في "تهذيب اللغة" (سلم) 2/ 1742، على أن السياق في الموضعين يحتمل أن القول للزجاج، لكن ابن منظور أثبت القول للمبرد، انظر: "لسان العرب" (سلم) 4/ 2078.

(٣) انظر: "زاد المسير" 8/ 25، ولم يعين القائل.

(٤) "الزاهر" 1/ 64 بنحوه.

(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).

(٦) ذكر نحو هذا القول مختصرًا الثعلبي 7/ 12 ب، والبغوي 4/ 129.

(٧) رواه الثعلبي 7/ 12 ب.

(٨) ساقط من (ح).

(٩) أصحاب الحقائق عرفًا هم الباحثون في السلوك وأعمال القلوب، المتعرفون إلى الله عن طريق الذوق والكشف، وغالب ما يدعونه من الحقائق بدع وأهواء.

انظر: "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" 10/ 156، 159، 171.

والظاهر أن المؤلف هنا يعني علماء الكلام، وانظر النص بنحوه في: "الإبانة عن أصول الديانة" ص 216، وكتاب "الإرشاد إلى قواطع الأدلة" ص 191، وكتاب "أصول الدين" لأبي منصور البغدادي ص 140.

(١٠) انظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 12 ب، والبغوي 4/ 129، والسمرقندي 2/ 94، "الوسيط" للمؤلف 2/ 544.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَجَرَيْنَ بِهِم ﴾ الضمير المؤنث في جرين للفلك، والضمير في بهم للناس، وفيه الخروج من الخطاب إلى الغيبة، وهو يسمى الالتفات، وجواب إذا كنتم قوله: جاءتها ريح عاصف، وقوله: دعوا الله.

قال الزمخشري: هو بدل من ظنوا، ومعناه: دعوا الله وحده وكفروا بمن دونه ﴿ مَّتَاعَ الحياوة الدنيا ﴾ رفع على أنه خبر ابتداء مضمر تقديره: وذلك متاع، أو يكون خبر إنما بغيكم، ويختلف الوقف باختلاف الإعراب ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الحياوة الدنيا كَمَآءٍ أنزلناه مِنَ السمآء ﴾ معنى الآية تحقير الدنيا وبيان سرعة فنائها وشبهها بالمطر الذي يخرج به النبات، ثم تصيب ذلك النبات آفة عند حسنه وكماله ﴿ مِمَّا يَأْكُلُ الناس ﴾ كالزرع والفواكه ﴿ والأنعام ﴾ يعني: المرعى التي ترعاها من العشب وغيره ﴿ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا ﴾ تمثل بالعروس إذا تزينت بالحلي والثياب ﴿ قادرون عَلَيْهَآ ﴾ أي متمكنون من الانتفاع بها ﴿ أَتَاهَآ أَمْرُنَا ﴾ أي بعض الجوائح كالريح، والصر، وغير ذلك ﴿ فجعلناها حَصِيداً ﴾ أي جعلنا زرعها كالذي حصد وإن كان لم يحصد ﴿ كَأَن لَّمْ تَغْنَ ﴾ كأن لم تنعم.

أي لم توجد.

انظر الطبري.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لقضي إليهم ﴾ مبنياً للفاعل ﴿ أجلهم ﴾ بالنصب: ابن عامر ويعقوب.

الآخرون مبنياً للمفعول ورفع ﴿ أجلهم ﴾ أو بدله بضم اللام وسكون الهاء: روى خلف عن الكسائي والاختبار عنه وعن غيره الإشمام ﴿ لي أن ﴾ بفتح الياء وكذلك ﴿ إني أخاف ﴾ : أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ نفسي أن ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.

﴿ ولأدراكم ﴾ بلام الابتداء فعلاً مثبتاً: روى أبو ربيعة عن البزي وحمزة.

وقرأ حمزة وعلي وأبو عمرو وخلف وورش من طريق النجاري والخراز عن جبيرة وهبيرة وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان، وحماد ويحيى من طريق أبي حمدون بالإمالة فعلاً ماضياً منفياً بلا.

الباقون:مثله ولكن بالتفخيم.

﴿ تشركون ﴾ بتاء الخطاب وكذلك في "النحل" و "الروم": حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالياء.

الوقوف: ﴿ أجلهم ﴾ ط لأن ما بعده مستقبل فنحن نذر ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ أو قائماً ﴾ ط ﴿ مسه ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ ليؤمنوا ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ أو بدله ﴾ ط.

﴿ نفسي ﴾ ج ط لأن "ان" النافية لها صدر الكلام ولكن القائل متحد ﴿ إليّ ﴾ ط ج لمثل ما قلنا ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ به ﴾ ط والوصل أولى للفاء أو لشدة اتصال المعنى ﴿ من قبله ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ فاختلفوا ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ج ط للابتداء بالأمر مع الفاء ﴿ فانتظروا ﴾ ج لاحتمال الابتداء أو التعليل ﴿ المنتظرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  ابتدأ في هذه السورة بذكر شبهات القوم؛ فالأولى أنهم تعجبوا من تخصيص الله محمداً  بالنبوة فأزال ذلك التعجب بالإنكار وبالدلائل الدالة على صحة المبدا والمعاد فكأنه قيل: إنه ما جاء إلا بدليل التوحيد والإقرار بالمعاد فليس للتعجب معنى.

ثم شرع في شبهة أخرى وهي أنهم كانوا يقولون أبداً اللهم إن كان محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء فأجابهم بقوله: ﴿ ولو يعجل الله ﴾ الآية.

وقال القاضي: لما ذكر الوعيد على عدم الإيمان بالمبدإ والمعاد ذكر أن ذلك العذاب من حقه أن يتأخر عن هذه الحياة الدنيا وإلا نافى التكليف.

وقال القفال: لما وصفهم فيما مر بالغفلة أكد ذلك بأن من غاية غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب فبيّن الله تعالى أنه لا مصلحة في تعجيل إيصال الشر إليهم فلعلهم يؤمنون، أو يخرج من أصلابهم من يؤمن.

كانوا عند نزول الشدائد يدعون الله بكشفها كما يجيء في الآية التالية، وفي الرخاء كانوا يستعجلون النبي بالعذاب فقال ما معناه: ولو عجلنا لهم الشر الذي دعوا به كما يعجل لهم الخير ونجيبهم إليه لأميتوا وأهلكوا.

قال في الكشاف: أصل الكلام ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير.

فوضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل منه لهم.

وقيل: التعجيل معناه طلب العجلة إلا أن الاستعجال أشهر وأظهر.

فمعنى الآية لو أراد الله عجلة الشر للناس كما أرادوا عجلة الخير لهم.

وقيل: هما متلازمان فكل معجل يلزمه الاستعجال إلا أنه  وصف نفسه بتكوين العجلة ووصفهم بطلبها لأن اللائق به التكوين واللائق بهم الطلب.

وسمي العذاب في الآية شراً لأنه أذى وألم في حق المعاقب به.

ثم إن قوله ﴿ لو يعجل ﴾ كان متضمناً لمعنى نفي التعجيل فيمكن أن يكون قوله ﴿ فنذرهم ﴾ معطوفاً على منوي كأنه قيل: ولكن لا يعجل فيذرهم إلزاماً للحجة أو لمصالح أخرى.

ثم بين أنهم كاذبون في استعجال الشر ولو أصابهم ما طلبوه أظهروا العجل والطيش فقال: ﴿ وإذا مس الإنسان الضر ﴾ أي هذا الجنس ﴿ دعانا لجنبه ﴾ اللام في معنى الوقت كقولك: جئته لشهر كذا.

وإن شئت قلت في موضع الحال لأن الظرف والحال متآخيان فيصح عطف أحدهما على الآخر وتأويل أحدهما بالآخر أي دعانا مضطجعاً ﴿ أو قاعداً أو قائماً ﴾ أو وقت اضطجاعه وقعوده وقيامه.

والمراد أنه يدعو الله في جميع أحواله لا يفتر عن الدعاء.

ثم إن خص الضر بالمرض احتمل أن يراد أنه يدعو الله حين كان مضطجعاً غير قادر على القعود أو قاعداً غير قادر على القيام، أو قائماً لا يطيق المشي إلى أن يخف كل الخفة ويرزق الصحة بكمالها.

أو يراد أن من المضرورين من هو أسوأ حالاً وهو صاحب الفراش، ومنهم من هو أخف وهو القادر على القعود، ومنهم المستطيع للقيام وكلهم لا يصبرون على الضراء.

قال بعض المفسرين: الإنسان ههنا هو الكافر.

ومنهم من بالغ فقال: كل موضع في القرآن ورد فيه ذكر الإنسان فالمراد به الكافر.

وهذا شبه تحكم لورود مثل قوله  : ﴿ هل أتى على الإنسان  ﴾ إلا أن يساعده نقل صحيح.

والأصح عند العلماء العموم لأن الإنسان خلق ضعيفاً لا يصبر على اللأواء ولا يشكر عند النعماء إلا من عصمه الله وقليل ما هم، وهم الذين نظرهم في جميع الأحوال على المقدر المؤجل للأمور حسب إرادته ومشيئته فلا جرم إن أصابهم السراء شكروا وإن أصابهم الضراء صبروا فأفنوا إرادتهم في إرادته ورضوا بقضائه.

قال الزجاج: في الآية تقديم وتأخير والتقدير: وإذا مس الإنسان الضر لجنبه أو قاعداً أو قائماً: وضعف بأن تعديد أحوال الدعاء أبلغ من تعديد أحوال الضر لأنه إذا كان داعياً على الدوام ثم نسي ذلك في وقت الرخاء كان أعجب.

ومعنى ﴿ مرّ ﴾ مضى على طريقته التي له قبل مس الضراء ومرّ عن موقف الدعاء والتضرع لا يرجع إليه.

ومعنى ﴿ كأن لم يدعنا ﴾ كأنه لم يدعنا فخفف وحذف ضمير الشأن ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك التزيين ﴿ زين للمسرفين ما كانوا يعملون ﴾ من تتبع الشهوات.

والمزين هو الله  أو النفس أو الشيطان مفرع عن مسألة الجبر والقدر وقد مر مراراً.

قال العلماء: سمي الكافر مسرفاً لأنه أنفق ماله من الاستعداد الشريف من القوى البدنية والأموال النفيسة في الأمور الخسيسة الزائلة من الأصنام التي هي أحقر من لا شيء، ومن الشهوات الفانية التي لا أصل لها ولا دوام.

والمسرف في اللغة هو الذي ينفق المال الكثير لأجل الغرض الخسيس فصح ما قلنا.

ثم ذكر ما يجري مجرى الردع والزجر لهم عن إلقاء الشبه والأغاليط فقال: ﴿ ولقد أهلكنا القرون ﴾ وقد مضى تفسير القرن في أول الأنعام ﴿ ولما ﴾ ظرف لأهلكنا والواو في ﴿ وجاءتهم ﴾ للحال أي ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم ﴿ رسلهم ﴾ بالدلائل والحجج على صدقهم وهي المعجزات.

وقوله: ﴿ وما كانوا ليؤمنوا ﴾ إما أن يكون عطفاً على ﴿ ظلموا ﴾ أو يكون اعتراضاً واللام لتأكيد النفي، وإن الله قد علم منهم أنهم يصرون على الكفر والسبب في إهلاكهم تكذيب الرسل وعلم الله بإصرارهم ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الجزاء وهو الاستئصال الكلي نجزي كل مجرم، وفيه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم رسول الله  .

ثم خاطب الذين بعث إليهم رسول الله  بقوله: ﴿ ثم جعلناكم خلائف ﴾ أي استخلفناكم ﴿ في الأرض ﴾ بعد تلك القرون ﴿ لننظر كيف تعملون ﴾ خيراً أو شراً.

استعير النظر للعمل الحقيقي الذي لا يتطرق إليه شك، ويعني به العلم الذي يتعلق به الجزاء كما مر في "الأعراف".

قال قتادة: صدق الله ربنا ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا فأروا الله من أعمالكم خيراً بالليل والنهار.

ثم حكى نوعاً ثالثاً من شبهاتهم فقال: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ أي لا يؤمنون بالمعاد لأن كل من كان مؤمناً بالنشور فإنه يرجو ثواب الله ويخاف عقابه، وانتفاء اللازم دليل انتفاء الملزوم.

طلبوا من الرسول أحد أمرين: إما الإتيان بقرآن غير هذا القرآن مع بقاء هذا القرآن على حاله، إما تبديل هذا القرآن بنسخ بعض الآيات ووضع أخرى في مكانها.

فأمره الله  أن يقول في جوابهم ﴿ ما يكون لي ﴾ أي ما ينبغي وما يحل ﴿ أن أبدله من تلقاء نفسي ﴾ من قبل نفسي فنفى عن نفسه أحد القسمين الذي هو أسهل وأقل ليلزم منه نفي الأصعب الأكثر بالطريق الأولى.

ثم أكد الجواب بقوله: ﴿ إن أتبع ﴾ أي ما أتبع ﴿ إلا ما يوحى إلي ﴾ إن نسخت آية تبعت النسخ وإن بدلت آية مكان آية تبعت التبديل.

وقد تمسك بهذا نفاة القياس ونفاة جواز الاجتهاد وأجيب بأن رجوعهما أيضاً إلى الوحي.

ونقل عن ابن عباس أن قوله: ﴿ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ منسوخ بقوله: ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر  ﴾ وضعف بأن النسخ إنما يكون في الأحكام والتعبدات لا في ترتيب العقاب على المعصية.

قال المفسرون: هذا الالتماس منهم يحتمل أن يكون على سبيل السخرية.

فقد روى مقاتل والكلبي أنهم خمسة نفر من مشركي مكة وهم المستهزؤون في قوله: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين  ﴾ .

ويحتمل أن يكون على سبيل التجربة والامتحان حتى إنه إن فعل ذلك علموا أنه كاذب، أو أرادوا أن هذا القرآن مشتمل على ذم آلهتهم فطلبوا قرآناً آخر لا يكون كذلك.

ثم أكد كون هذا القرآن من عند الله  وأنه غير مستبد في إيراده فقال: ﴿ لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ﴾ ولا أعلمكم الله ﴿ به ﴾ على لساني.

ومن قرأ بلام الابتداء.

فمعناه ما تلوته أنا عليكم ولأخبركم الله به على لسان غيري، ولكنه يمنّ على من يشاء من عباده فرآني أهلاً لذلك دون غيري.

وقرىء ﴿ لا أدرأكم به ﴾ بالهمزة.

ووجهه أن تكون الهمزة مقلوبة من الألف، أو يكون من الدرء الدفع.

ومعنى ادرأته جعلته دارئاً أي لم أجعلكم بتلاوته خصماً تدرؤنني بالجدال وتكذبونني ﴿ فقد لبثت فيكم عمراً ﴾ أي بعضاً معتبراً من العمر وهو أربعون سنة ﴿ من قبله ﴾ أي من قبل نزول القرآن ﴿ أفلا تعقلون ﴾ فيه قدح في صحة عقولهم لأن ظهور مثل هذا الكتاب العظيم المشتمل على علوم الأوّلين والآخرين المعجز للثقلين عن معارضته على من عرفوا حاله من عدم التعلم والمدارسة ومخالطة العلماء إذا شك فيه أنه من قبيل الوحي والمدد السماوي، كان ذلك إنكاراً للضروريات وافتراء على الله فلهذا قال ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ الآية.

وفيه أن هذا القرآن لو لم يكن من عند الله ثم نسبه الرسول  إلى الله لم يكن أحد أظلم منه.

ثم قبح الله أصنامهم معارضة لهم بنقيض مقصودهم من الالتماس فقال ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ﴾ إن لم يعبدوه ﴿ ولا ينفعهم ﴾ إن عبدوه ومن حق المعبود أن يكون مثيباً معاقباً.

وفيه إشعار بأنها جماد، والمعبود لا بد أن يكون أكمل من العابد، وإذا كانت المنافع والمضار كلها من الله فلا تليق العبادة إلا له ﴿ ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ قد ذكرنا وجه ذلك في أوائل سورة البقرة في قوله: ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون  ﴾ ثم أنكر عليهم معتقدهم بقوله: ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم ﴾ والمراد أنه لا وجود لكونهم شفعاء إذ لو كان موجوداً لكان معلوماً للعالم بالذات المحيط بجميع المعلومات وهذا مجاز مشهور.

تقول: ما علم الله ذلك مني.

والمقصود أنه ما وجد منك ذلك قط.

وفي قوله: ﴿ في السموات ولا في الأرض ﴾ تأكيد آخر لنفيه لأن ما لم يوجد فيهما فهو منتفٍ معدوم.

قوله: {  وتعالى عما يشركون} إما أن يكون من تمام ما أمر النبي  أن يقول لهم، أو ابتداء كلام من الله  تنزيهاً لنفسه عن إشراكهم أو عن الشركاء الذين يشركونهم به.

ثم بيّن أن عبادة الأصنام بدعة وأن الناس - يعني العرب أو البشر كلهم - كانوا على الدين الحق فاختلفوا.

وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة في قوله: ﴿ كان الناس أمة واحدة  ﴾ والمقصود ههنا تقبيح صورة الشرك وعبادة الأصنام من دون الله في أعينهم، وتنفير طباعهم عن مثل هذا الأمر المستحدث الفظيع ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ من بناء أمر الثواب والعقاب على التكليف لا على الإلجاء والقسر، أو من تأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة، أو من قوله: "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ لقضى بينهم ﴾ عاجلاً ولميز المحق من المبطل.

ثم ذكر نوعاً رابعاً من أغاليطهم فقال: ﴿ ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد مر تفسيره في "الأنعام" في قوله: ﴿ لولا نزل عليه آية من ربه  ﴾ كأنهم لم يعتدّوا بالقرآن آية فاقترحوا غيره تعنتاً.

﴿ فقال إنما الغيب لله ﴾ هو المختص بعلمه ﴿ فانتظروا ﴾ نزول ما اقترحتموه وهذا أمر فيه تهديد ووعيد والله ورسوله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية قيل: في ضرب مثل الحياة الدنيا بالزرع الذي ذكر وجوه.

قال بعضهم: قوله: ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ في سرعة فنائها وانقطاعها ووجوب زوالها مثل ذلك الزرع الذي ذكر [في سرعة هلاكه وانقطاعه وزواله عن صاحبه.

أو أن يقال: إنما مثل الحياة الدنيا فيما يسر به ويبتهج مثل صاحب الزرع الذي ذكر] فيما سر به وابتهج، ثم كان ما ذكر: ﴿ كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ ﴾ .

وقال بعضهم: إنما مثل الحياة الدنيا للحياة الدنيا فيما ينفقون فيها، مثل صاحب الزرع الذي ذكر ينفق عليه لما يأمل من المنافع ويطمع منه ثم كان ما ذكر ولو علم في الابتداء أن أمر زرعه يئول ويصير إلى ما صار لكان لا ينفق؛ فعلى ذلك صاحب الحياة الدنيا لو علم أن عاقبة أمر نفقته تصير حسرة عليه وندامة ما أنفق، كما أن صاحب الزرع الذي ذكر وبلغ المبلغ الذي ذكر لو علم أن عاقبته كما كان ما أنفق عليه، أو لو علم أنه لا ينتفع به ما أنفق تلك النفقة، أي: لو علم أن سروره وابتهاجه به لا يبقى ولا يدوم إلى آخره ما تكلف ذلك، أو لو علم أنها تزول عنه وتنقطع عن تلك السرعة ما أنفق ذلك وما تكلف الذي تكلف.

ويحتمل ضرب مثل الحياة الدنيا بما ذكر من النبات وجهين: أحدهما: يخبر عن سرعة زوالها وانقطاعها كالنبات [الذي ذكر أنه يتسارع إلى الزوال والانقطاع لما يصيبه من الآفة فعلى ذلك الدنيا.

والثاني يخبر عن تغيرها وانقلاب أمرها كالنبات] الذي يتغير في أدنى مدة ووقت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ ﴾ قيل: حسنها، وازينت وحسنت فأنبتت من ألوان النبات.

وقال أبو عوسجة: زخرفها: زينتها من النبت، و ﴿ حَصِيداً ﴾ أي: محصودا كما يحصد الحصاد، والحصاد: الزرع، ﴿ كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ ﴾ أي: لم تعش، [والمغاني هي] المواضع التي يعيش فيها الناس، قال: وواحد المغاني مغنى.

وقال القتبي: وأصل الزخرف الذهب؛ يقال للنقش والذهبة وكل شيء زين: زخرف، وقال: ﴿ كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ ﴾ والمغاني: المنازل واحدها مغنى.

وقال بعضهم: ﴿ كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ ﴾ أي: لم تنغم.

وقيل: لم تعمر.

وقال بعضهم: هو من الغِنَى، أي: كأن لم تكن غنيا بالأمس، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ ﴾ أي: ظن أهل الدنيا فيما ينفقون أنهم قادرون على تلك النفقة، كما ظن صاحب الزرع أنه قادر على ذلك الزرع.

وقوله: ﴿ أَتَاهَآ أَمْرُنَا ﴾ قيل: عذابنا سمي أمراً؛ لأنه بأمره أتاه، وفيه أنه لم يأته عن غفلة وسهو، ولكن عن علم وأمر؛ عظة لهم وتنبيهاً؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ كأن الآيات في هذا الموضع المواعظ، أي: فيما ذكر من ضرب مثل الحياة الدنيا بالنبات والزرع الذي ذكر عظة وتنبيه لمن تفكر فيه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والله يدعو جميع الناس إلى جنته التي هي دار السلام، يسلم فيها الناس من المصائب والهموم، ويسلمون من الموت، والله يوفق من شاء من عباده إلى دين الإسلام الموصل إلى دار السلام هذه.

من فوائد الآيات الله أسرع مكرًا بمن مكر بعباده المؤمنين.

بغي الإنسان عائد على نفسه ولا يضر إلا نفسه.

بيان حقيقة الدنيا في سرعة انقضائها وزوالها، وما فيها من النعيم فهو فانٍ.

الجنّة هي مستقر المؤمن؛ لما فيها من النعيم والسلامة من المصائب والهموم.

<div class="verse-tafsir" id="91.a629L"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر