الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٢٦ من سورة يونس
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 97 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢٦ من سورة يونس من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يخبر تعالى أن لمن أحسن العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح أبدله الحسنى في الدار الآخرة ، كما قال تعالى : ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) [ الرحمن : 60 ] .
وقوله : ( وزيادة ) هي تضعيف ثواب الأعمال بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، وزيادة على ذلك [ أيضا ] ويشمل ما يعطيهم الله في الجنان من القصور والحور والرضا عنهم ، وما أخفاه لهم من قرة أعين ، وأفضل من ذلك وأعلاه النظر إلى وجهه الكريم ، فإنه زيادة أعظم من جميع ما أعطوه ، لا يستحقونها بعملهم ، بل بفضله ورحمته وقد روي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم ، عن أبي بكر الصديق ، وحذيفة بن اليمان ، وعبد الله بن عباس [ قال البغوي وأبو موسى وعبادة بن الصامت ] وسعيد بن المسيب ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وعبد الرحمن بن سابط ، ومجاهد ، وعكرمة ، وعامر بن سعد ، وعطاء ، والضحاك ، والحسن ، وقتادة ، والسدي ، ومحمد بن إسحاق ، وغيرهم من السلف والخلف .
وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد : حدثنا عفان ، أخبرنا حماد بن سلمة ، عن ثابت البناني ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن صهيب ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) وقال : " إذا دخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ، نادى مناد : يا أهل الجنة ، إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه .
فيقولون : وما هو ؟
ألم يثقل موازيننا ، ويبيض وجوهنا ، ويدخلنا الجنة ، ويزحزحنا من النار ؟
" .
قال : " فيكشف لهم الحجاب ، فينظرون إليه ، فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه ، ولا أقر لأعينهم " .
وهكذا رواه مسلم وجماعة من الأئمة ، من حديث حماد بن سلمة ، به .
وقال ابن جرير : أخبرنا يونس ، أخبرنا ابن وهب : أخبرنا شبيب ، عن أبان عن أبي تميمة الهجيمي ؛ أنه سمع أبا موسى الأشعري يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يبعث يوم القيامة مناديا ينادي : يا أهل الجنة - بصوت يسمع أولهم وآخرهم - : إن الله وعدكم الحسنى وزيادة ، الحسنى : الجنة .
وزيادة : النظر إلى وجه الرحمن عز وجل " .
ورواه أيضا ابن أبي حاتم ، من حديث أبي بكر الهذلي عن أبي تميمة الهجيمي ، به .
وقال ابن جرير أيضا : حدثنا ابن حميد ، حدثنا إبراهيم بن المختار عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن كعب بن عجرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) قال : النظر إلى وجه الرحمن عز وجل .
وقال أيضا : حدثنا ابن عبد الرحيم حدثنا عمرو بن أبي سلمة ، سمعت زهيرا عمن سمع أبا العالية ، حدثنا أبي بن كعب : أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) قال : " الحسنى : الجنة ، والزيادة : النظر إلى وجه الله عز وجل " .
ورواه ابن أبي حاتم أيضا من حديث زهير ، به .
وقوله تعالى : ( ولا يرهق وجوههم قتر ) أي : قتام وسواد في عرصات المحشر ، كما يعتري وجوه الكفرة الفجرة من القترة والغبرة ، ( ولا ذلة ) أي : هوان وصغار ، أي : لا يحصل لهم إهانة في الباطن ، ولا في الظاهر ، بل هم كما قال تعالى في حقهم : ( فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا ) أي : نضرة في وجوههم ، وسرورا في قلوبهم ، جعلنا الله منهم بفضله ورحمته ، آمين .
القول في تأويل قوله تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: للذين أحسنوا عبادَة الله في الدنيا من خلقه ، فأطاعوه فيما أمر ونَهَى ، (الحسنى).
* * * ثم اختلف أهل التأويل في معنى " الحسنى " ، و " الزيادة " اللتين وعدهما المحسنين من خلقه.
فقال بعضهم: " الحسنى "، هي الجنة، جعلها الله للمحسنين من خلقه جزاء ، " والزيادة عليها " ، النظر إلى الله.
* ذكر من قال ذلك: 17610- حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، عن أبي بكر الصديق: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) ، قال: النظر إلى وجه ربهم.
(1) 17611- حدثنا سفيان قال ، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن قيس، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، عن سعيد بن نمران، عن أبي بكر: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) ، قال: النظر إلى وجه الله.
(2) 17612- حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)، قال: النظر إلى وجه ربهم.
17613- حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد قال: في هذه الآية: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) ، قال: " الزيادة "، النظر إلى وجه الرحمن.
17614- حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسلم بن نذير، عن حذيفة: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) قال: النظر إلى وجه ربهم.
(3) 17615- حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي قال ، حدثنا شريك قال: سمعت أبا إسحاق يقول في قول الله: (وزيادة) ، قال: النظر إلى وجه الرحمن.
17616- حدثني علي بن عيسى قال ، حدثنا شبابة قال ، حدثنا أبو بكر الهذلي قال: سمعت أبا تميمة الهُجَيْمِيّ ، يحدِّث عن أبي موسى الأشعري قال: إذا كان يومُ القيامة بعث الله إلى أهل الجنة مناديًا ينادي: " هل أنجزكم الله ما وعدكم " !
فينظرون إلى ما أعد الله لهم من الكرامة، فيقولون: نعم!
فيقول: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) ، النظرُ إلى وجه الرحمن.
(4) 17617- حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال: أخبرنا ابن المبارك، عن أبي بكر الهذلي قال: أخبرنا أبو تميمة الهجيمي قال، سمعت أبا موسى الأشعري يخطب على منبر البصرة يقول: إن الله يبعث يوم القيامة مَلَكًا إلى أهل الجنة فيقول: " يا أهل الجنة ، هل أنجزكم الله ما وعدكم " !
فينظرون، (5) فيرون الحليّ والحُلل والثمار والأنهار والأزواجَ المطهَّرة، فيقولون: " نعم، قد أنجزنا الله ما وعدنا "!
ثم يقول الملك: " هل أنجزكم الله ما وعدكم "؟
ثلاث مرات، فلا يفقدون شيئًا مما وُعِدوا، فيقولون: " نعم "!
فيقول: " قد بقى لكم شيءٌ، إن الله يقول: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) ، ألا إن الحسنى الجنة، والزيادة النظرُ إلى وجه الله ".
(6) 17618- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني شبيب، عن أبان، عن أبي تميمة الهجيمي: أنه سمع أبا موسى الأشعري يحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يبعث يوم القيامة مناديًا ينادي أهل الجنة بصوت يسمع أوّلهم وآخرهم: (7) " إن الله وعدكم الحسنى وزيادةً، فالحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الرحمن ".
(8) 17619- حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)، قال: النظر إلى وجه ربهم.
وقرأ: وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ ، قال: بعد النظر إلى وجْه ربهم.
17620- حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سليمان بن المغيرة قال، أخبرنا ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى في قوله: (وزيادة) ، قال: قيل له: أرأيت قوله: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) ؟
قال: إن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة فأُعطوا فيها ما أُعْطُوا من الكرامة والنعيم، قال: نودوا : " يا أهل الجنة ، إن الله قد وعدكم الزيادة، فيتجلى لهم " ، قال ابن أبي ليلى: فما ظنك بهم حين ثَقُلت موازينهم، وحين صارت الصُّحف في أيمانهم، وحين جاوزوا جسر جهنم ودخلوا الجنة، وأعطوا فيها ما أعطوا من الكرامة والنعيم؟
كل ذلك لم يكن شيئًا فيما رأوا!.
(9) 17621- .
.
.
.
قال، حدثنا ابن المبارك، عن معمر ، وسليمان بن المغيرة، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) ، قال: النظر إلى وجه ربهم.
17622- .
.
.
.
قال: حدثنا الحجاج ، ومعلّى بن أسد قالا حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: إذا دخل أهل الجنة الجنةَ قال لهم: إنه قد بقي من حقكم شيءٌ لم تُعْطَوْه!
قال: فيتجلى لهم تبارك وتعالى.
قال: فيصغر عندهم كل شيء أعطوه.
قال: ثم قال: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) ، قال: الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه ربهم، ولا يرهقُ وجوههم قترٌ ولا ذلةٌ بعد ذلك.
17623- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) ، النظر إلى وجه الله.
17624- حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا هوذة قال ، حدثنا عوف، عن الحسن في قول الله: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) ، النظر إلى الربّ.
17625- حدثنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار قالا حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) ، قال: إذا دخل أهل الجنة الجنةَ ، وأهلُ النارِ النارَ، نودوا: " يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا " !
قالوا: ما هو؟
ألم تبيّض وجوهنا، وتُثْقِل موازيننا، وتُدخلنا الجنة، وتُنْجِنَا من النار؟
فيكشف الحجابُ، فيتجلى لهم، فوالله ما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه ، ولفظ الحديث لعمرو.
17626- حدثني المثنى قال ، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا حماد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب قال، تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) ، قال: " إذا دخل أهل الجنة الجنةَ، وأهل النار النار، نادى منادٍ: " يا أهل الجنة، إنّ لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكُمُوه " .
فيقولون: " وما هو؟
ألم يُثقل الله موازيننا، ويبيِّض وجوهنا؟
ثم ذكر سائر الحديث نحو حديث عمرو بن علي ، وابن بشار، عن عبد الرحمن.
(10) 17627- .
.
.
.
قال، حدثنا الحماني قال ، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن نمران، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) ، قال: النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى.
(11) 17628- .
.
.
.
قال: حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، مثله.
17629- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: قوله: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) ، بلغنا أن المؤمنين لما دَخلوا الجنة ناداهم منادٍ: إن الله وعدكم الحسنى وهي الجنة، وأما الزيادة، فالنظر إلى وجه الرحمن.
17630- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، مثله.
17631- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا إبراهيم بن المختار، عن ابن جريج، عن عطاء، عن كعب بن عجرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) ، قال: الزيادة، النظرُ إلى وجه الرحمن تبارك وتعالى.
(12) 17632- .
.
.
.
قال، حدثنا جرير، عن ليث، عن عبد الرحمن بن سابط قال: " الحسني"، النضرة ، و " الزيادة "، النظر إلى وجه الله.
17633- حدثنا ابن البرقي قال ، حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال، سمعت زهيرًا، عمن سمع أبا العالية قال ، حدثنا أبيّ بن كعب: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن قول الله (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) ، قال: الحسنى: الجنة ، والزيادة النظر إلى وجه الله.
(13) * * * وقال آخرون في " الزيادة " ، بما:- 17634- حدثنا به يحيى بن طلحة قال ، حدثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن الحكم، عن علي رضي الله عنه: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) ، قال: " الزيادة "، غرفة من لؤلؤة واحدةٍ لها أربعة أبواب.
(14) 17635- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن الحكم، عن علي رضي الله عنه، نحوه، إلا أنه قال: فيها أربعة أبواب.
17636- .
.
.
.قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن الحكم بن عتيبة، عن علي رضي الله عنه، مثل حديث يحيى بن طلحة، عن فضيل ، سواءً.
* * * وقال آخرون: " الحسنى " واحدةٌ من الحسنات بواحدة ، و " الزيادة "، التضعيف إلى تمام العشر.
* ذكر من قال ذلك.
17637- حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) ، قال: هو مثل قوله: وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ، [سورة ق: 35] ، يقول: يجزيهم بعملهم، ويزيدهم من فضله.
وقال: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ، [سورة الأنعام: 160].
17638- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن علقمة بن قيس: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)، قال قلت: هذه الحسنى، فما الزيادة؟
قال: ألم تر أن الله يقول: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ؟
17639- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول في هذه الآية: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)، قال: الزيادة: بالحسنة عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف.
* * * * وقال آخرون: " الحسنى " حسنة مثل حسنة ، و " الزيادة " زيادة مغفرة من الله ورضوان.
* ذكر من قال ذلك: 17640- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (للذين أحسنوا الحسنى)، مثلها حسنى ، " وزيادة " ، مغفرة ورضوان.
* * * وقال آخرون: " الزيادة " ، ما أعطوا في الدنيا.
*ذكر من قال ذلك: 17641- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) ، قال: " الحسنى "، الجنة ، " وزيادة " ما أعطاهم في الدنيا ، لا يحاسبهم به يوم القيامة.
وقرءوا : وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا ، [سورة العنكبوت: 27] ، قال: ما آتاه مما يحب في الدنيا، عجل له أجره فيها.
* * * وكان ابن عباس يقول في قوله: (للذين أحسنوا الحسنى) ، بما:- 17642- حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (للذين أحسنوا الحسنى) ، يقول: للذين شهدوا أن لا إله إلا الله.
* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تبارك وتعالى وَعَد المحسنين من عباده على إحسانهم الحسنى ، أن يجزيهم على طاعتهم إيّاه الجنة ، وأن تبيض وجوههم، ووعدهم مع الحسنى الزيادة عليها.
ومن الزيادة على إدخالهم الجنة أن يكرمهم بالنظر إليه، وأن يعطيهم غُرفا من لآلئ، وأن يزيدَهم غفرانا ورضوانًا، كل ذلك من زيادات عطاء الله إياهم على الحسنى التي جعلها الله لأهل جناته.
وعمّ ربنا جل ثناؤه بقوله: (وزيادة)، الزيادات على " الحسنى "، فلم يخصص منها شيئًا دون شيء، وغير مستنكَرٍ من فضل الله أن يجمع ذلك لهم، بل ذلك كله مجموع لهم إن شاء الله.
فأولى الأقوال في ذلك بالصواب ، أن يُعَمَّ ، كما عمَّه عز ذكره.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26) قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله: (ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة) ، لا يغشى وجوههم كآبة، ولا كسوف ، حتى تصير من الحزن كأنما علاها قترٌ.
* * * و " القتر " الغبار ، وهو جمع " قَتَرَةٍ" ومنه قول الشاعر: (15) مُتَــوَّجٌ بِــرِداءِ المُلْــكِ يَتْبَعُــهُ مَـوْجٌ تَـرَى فَوْقَـهُ الرَّايـاتِ وَالْقَتَرَا (16) يعني ب " القتر " الغبار.
* * * ، (ولا ذلة)، ولا هوان (17) ، ( أولئك أصحاب الجنة ) ، يقول: هؤلاء الذين وصفت صفتهم ، هم أهل الجنة وسكانها ، (18) ومن هو فيها (19) ، ( هم فيها خالدون ) ، يقول : هم فيها ماكثون أبدًا ، لا تبيد ، فيخافوا زوال نعيمهم، ولا هم بمخرجين فتتنغَّص عليهم لذَّتُهم.
(20) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* * * وكان ابن أبي ليلى يقول في قوله: (ولا يرهق وجوههم قتر) ما:- 17643- حدثنا محمد بن منصور الطوسي قال ، حدثنا عفان قال ، حدثنا حماد بن زيد قال ، حدثنا زيد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: (ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة)، قال: بعد نظرهم إلى ربِّهم.
(21) 17644- حدثني المثنى قال ، حدثنا الحجاج ، ومعلَّى بن أسد قالا حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، بنحوه.
17645- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: (ولا يرهق وجوههم قتر) ، قال: سوادُ الوجوه.
------------------------ الهوامش : (1) الأثر : 17610 - " عامر بن سعد البجلي " ، تابعي ثقة ، له في الصحيح حديث واحد ، وروايته عن أبي بكر الصديق ، مرسلة .
مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 321 .
وهذا الخبر ، أخرجه الآجري في الشريعة ص : 257 ، من طرق ، مرسلًا .
(2) الأثر : 17611 - " سعيد بن نمران الناعطي " ، روى عن أبي بكر الصديق ، روى عنه عامر بن سعد العجلي ، وكان سعيد بن نمران الناعطي ، من أصحاب علي بن أبي طالب ، وضمه إلى عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب ، حين ولاه اليمن ، وشهد اليرموك ، وكان ابنه مسافر بن سعيد بن نمران من أصحاب المختار ، مترجم في الكبير 2 / 1 / 473 ، وابن أبي حاتم ، 2 / 1 / 68 ، وابن سعد 6 : 56 ، وقال البخاري " سمع أبا بكر " ، ولكن العجيب أن ابن حجر ترجم له في لسان الميزان 3 : 46 ، وقال : " مجهول " ، وكذلك قال الذهبي في ميزان الاعتدال 1 : 392 .
فأخشى أن يكون ذلك تجاوزًا من الذهبي وابن حجر ، وأنهما عنيا بقولهما " مجهول " أن حال روايته وسماعه من أبي بكر هو المجهول ، لا سعيد بن نمران نفسه .
وإلا فكيف يكون مجهولا ، وهو مذكور مترجم ، وله عند الطبري في تاريخه ذكر 4 : 126 ، في حوادث سنة 14 ، في فتح اليرموك ثم في سنة 17 ( 4 : 194 ) في خبر سعد بن أبي وقاص وعمر بن الخطاب ، وأن سعدًا " أرسل إلى قوم من نساب العرب وذوي رأيهم وعقلائهم منهم سعيد بن نمران ، ومشعلة بن نعيم " .
وفي باب ذكر الكتاب من بدء أمر الإسلام ( تاريخ الطبري 7 : 198 ) : " وكان يكتب لعلي ، سعيد بن نمران الهمداني ، ثم ولّى قضاء الكوفة لابن الزبير " .
وذكره وكيع أيضًا في أخبار القضاة 2 : 396 ، 397 ، وقال : " لما قدم علي الكوفة ، ولى سعيد بن نمران الهمداني ثم عزله، وولى مكانه عبيدة السلماني" ثم قال في ص 397 : " فاستقضى ابن الزبير سعيد بن نمران الهمداني، فقضى ثلاث سنين " .
وذكر كتابته لعلي ، الجهشياري في الوزراء والكتاب ص : 23 .
فثبت بهذا أنه معروف مشهور ، وأما " المجهول " ، فهو حال سماعه من أبي بكر ، لولا ما قاله البخاري من أنه سمع أبا بكر .
ومهما يكن من أمر ، فهذا خبر في إسناده نظر .
خرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 306 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة ، وابن خزيمة ، وابن المنذر ، وأبي الشيخ ، والدارقطني ، وابن منده في الرد على الجهمية ، واللالكائي والآجري ، والبيهقي ، كلاهما في الرؤية .
(3) الأثر : 17614 - " مسلم بن نذير السعدي " ، ويقال : " مسلم بن يزيد " ، ويقال إن " يزيد " جده .
روى عن حذيفة ، روى عنه أبو إسحاق السبيعي ، وهو من أهل الكوفة ، كان قليل الحديث ، ويذكرون أنه كان يؤمن بالرجعة .
مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 1 / 273 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 197 ، 199 في " مسلم بن يزيد السعدي " .
وابن سعد 6 : 159 .
و " نذير " بضم النون ، على التصغير .
(4) الأثر : 17616 - " أبو بكر الهذلي " ، ضعيف بمرة ، مضى مرارًا آخرها رقم : 14690 .
و " أبو تميمة الهجيمي " ، هو " طريف بن مجالد " ، تابعي ثقة .
مترجم في التهذيب ، والكبير 2/2/356 ، وابن أبي حاتم 2/1/492 ، وهذا خبر ضعيف الإسناد ، وسيأتي في الأثرين التاليين .
(5) في المطبوعة : " فينظرون ، إلى ما أعد الله لهم من الكرامة ، فيرون " ، زاد على المخطوطة ما ليس فيها ، أظنه فعله متابعًا لما جاء في الأثر السالف .
(6) الأثر : 17617 - هو مكرر الذي قبله مطولا ، وهو ضعيف بمرة ، لضعف " أبي بكر الهذلي " ، كما سلف .
(7) في المخطوطة " يسمع ألهم آخرهم " ، وكأن الصواب ما في المطبوعة .
(8) الأثر : 17618 - " شبيب بن سعيد التيمي الحبطي " ، أحاديثه مستقيمة ، ومضى برقم : 6613 ، 12085 ، غير أن ابن وهب حدث عنه بأحاديث مناكير ، قال ابن عدي : " ولعل شبيبًا لما قدم مصر في تجارته ، كتب عنه ابن وهب من حفظه ، فغلط ووهم .
وأرجو أن لا يتعمد الكذب وإذا حدث عنه ابنه أحمد ، فكأنه شبيب آخر يعني ، يجود " .
و " أبان " ، هو " أبان بن أبي عياش فيروز " ، مولى عبد القيس ، كان رجلا صالحًا سخيًّا ، فيه غفلة ، يهم في الحديث ويخطئ فيه حتى أسقطوا روايته ، وحتى قال فيه شعبة : " لأن أشرب من بول حماري أحب إلي من أن أقول : حدثني أبان ، ولأن يزني الرجل ، خير من أن يروى من أبان " .
ومضى برقم : 6728 .
فهذا أيضًا خبر هالك الإسناد .
وخبر أبي موسى الأشعري ، خرجه السيوطي في الدر المنثور 3 : 305 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم ، والدارقطني في الرؤية ، وابن مردويه .
(9) الأثر : 17620 - الآثار من رقم : 17619 إلى رقم : 17623 ، راجع آخر التعليق التالي .
(10) الأثر : 17626 - هذا خبر صحيح ، رواه مسلم في صحيحه 3 : 16 ، 17 ، من طريق عبد الرحمن بن مهدي ، عن حماد بن سلمة ، ومن طريق يزيد بن هارون عن حماد.
ورواه أبو داود الطياليسي في مسنده ص:186 رقم 2315، روايته عن حماد بن سلمة.
ورواه أحمد في مسنده ( 4 : 332 ، 333 ) من ثلاث طرق ، من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن حماد ، ومن طريق يزيد بن هارون عن حماد ، ومن طريق عفان عن حماد ، ثم رواه في مسنده ( 6 : 15 ) من طريق يزيد ، عن حماد .
ورواه ابن ماجه في سننه ص 67 ، رقم : 187 من طريق حجاج بن المنهال ، عن حماد .
ورواه الترمذي في كتاب التفسير من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن حماد ، ثم قال : " حديث حماد بن سلمة، هكذا رواه غير واحد عن حماد بن سلمة مرفوعا، وروى سليمان بن المغيرة هذا الحديث عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قوله ، ولم يذكر فيه : عن صهيب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم " .
وهذا الذي أشار إليه الترمذي ، هو ما رواه أبو جعفر من رقم : 17619 - 17623 .
ورواه الآجري في الشريعة : 261 من طريق يزيد بن هارون عن حماد ، ومن طريق هناد بن السري ، عن قبيصة بن عقبة ، عن حماد .
(11) الأثر : 17627 - " سعيد بن نمران " مضى برقم : 17611 ، ولم يذكر أن أبا إسحاق السبيعي ، سمع من سعيد بن نمران ، وظاهر أن بينهما " عامر بن سعد " ، كما سلف في الآثار من رقم : 17610 - 17613 .
(12) الأثر : 17631 - " إبراهيم بن المختار التميمي " ، " حبويه " ، " أبو إسماعيل الرازي " .
روى عن شعبة ، ومالك ، وابن جريج ، وغيرهم .
قال ابن معين : " ليس بذاك " ، وقال البخاري : " فيه نظر " ، وقال ابن حبان في الثقات : " يتقي حديثه من رواية ابن حميد عنه " .
مترجم في التهذيب والكبير 1 / 1 / 329 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 138 ، وميزان الاعتدال 1 : 31 .
و" عطاء " ، هو " عطاء بن أبي مسلم الخراساني " وهو " عطاء بن ميسرة " ، مضى مرارًا .
وروى عن الصحابة مرسلا ، كابن عباس ، وعدي بن عدي الكندي ، والمغيرة بن شعبة ، وأبي هريرة ، وأبي الدرداء ، وأنس ، وكعب بن عجرة ، ومعاذ بن جبل ، وغيرهم .
فهذا خبر ضعيف الإسناد لضعف " إبراهيم بن المختار " ، ولأنه من مرسل عطاء عن كعب بن عجرة .
(13) الأثر : 17633 - هذا خبر ضعيف إسناده ، لجهالة من روى عن أبي العالية .
(14) الأثر : 17634 - " الحكم " ، هو " الحكم بن عتيبة الكندي " مضى مرارًا ، والثابت سماعه من التابعين ، فإنه ولد سنة 50 ، ومات سنة 113 ، وكان فيه تشيع إلا أن ذلك لم يظهر منه .
فهذا حديث ضعيف لإرساله عن علي .
(15) هو الفرزدق .
(16) ديوانه : 290 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 277 ، واللسان ( قتر ) ، وغيرها ، ورواية ديوانه " معتصب برداء الملك " ، وهذا بيت من قصيدة مدح فيها بشر بن مروان ، وقبله : كُـــلُّ امْــرِئٍ لِلْخَــوْفِ أَمَّنَــهُ بِشْـرُ بْـنُ مَرْوَانَ وَالمَذْعُورُ مَنْ ذَعَرَا فَـرْعٌ تَفَـرَّعَ فِـي الأَعْيـاصِ مَنْصِبُهُ والعـامِرَيْنِ , لَـهُ العِـرنَيْنُ مِنْ مُضَرَا (17) انظر تفسير " الذلة " فيما سلف 13 : 133 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(18) انظر تفسير " أصحاب الجنة " فيما سلف من فهارس اللغة (صحب ) .
(19) في المطبوعة : " ومن هم فيها " ، غير ما في المخطوطة لغير طائل .
(20) انظر تفسير " الخلود " فيما سلف من فهارس اللغة (خلد ) .
(21) الأثر : 17643 - " محمد بن منصور بن داود الطوسي " ، شيخ الطبري ، مضى برقم : 6653 .
قوله تعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدونقوله تعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة روي من حديث أنس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : وزيادة قال : للذين أحسنوا العمل في الدنيا لهم الحسنى وهي الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم وهو قول أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب في رواية .
وحذيفة وعبادة بن الصامت وكعب بن عجرة وأبي موسى وصهيب وابن عباس في رواية ، وهو قول جماعة من التابعين ، وهو الصحيح في الباب .
وروى مسلم في صحيحه عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله تبارك وتعالى تريدون شيئا أزيدكم فيقولون ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار قال فيكشف الحجاب فما [ ص: 243 ] أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل وفي رواية ثم تلا للذين أحسنوا الحسنى وزيادة وخرجه النسائي أيضا عن صهيب قال قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : هذه الآية للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال : إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم موعدا عند الله يريد أن ينجزكموه قالوا ألم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويجرنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر ولا أقر لأعينهم .
وخرجه ابن المبارك في دقائقه عن أبي موسى الأشعري موقوفا ، وقد ذكرناه في كتاب التذكرة ، وذكرنا هناك معنى كشف الحجاب ، والحمد لله .
وخرج الترمذي الحكيم أبو عبد الله رحمه الله : حدثنا علي بن حجر حدثنا الوليد بن مسلم عن زهير عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الزيادتين في كتاب الله ; في قوله للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال : النظر إلى وجه الرحمن وعن قوله : وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون قال : عشرون ألفا .
وقد قيل : إن الزيادة أن تضاعف الحسنة عشر حسنات إلى أكثر من ذلك ; روي عن ابن عباس .
وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة آلاف باب .
وقال مجاهد : الحسنى حسنة مثل حسنة ، والزيادة مغفرة من الله ورضوان .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : الحسنى الجنة ، والزيادة ما أعطاهم الله في الدنيا من فضله لا يحاسبهم به يوم القيامة .
وقال عبد الرحمن بن سابط : الحسنى البشرى ، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم ; قال الله تعالى : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة .
وقال يزيد بن شجرة : الزيادة أن تمر السحابة بأهل الجنة فتمطرهم من كل النوادر التي لم يروها ، وتقول : يا أهل الجنة ، ما تريدون أن أمطركم ؟
فلا يريدون شيئا إلا أمطرتهم إياه .
وقيل : الزيادة أنه ما يمر عليهم مقدار يوم من أيام الدنيا إلا حتى يطيف بمنزل أحدهم سبعون ألف ملك ، مع كل ملك هدايا من عند الله ليست مع صاحبه ، ما رأوا مثل تلك الهدايا قط ; فسبحان الواسع العليم الغني الحميد العلي الكبير العزيز القدير البر الرحيم المدبر الحكيم اللطيف الكريم الذي لا تتناهى مقدوراته .وقيل : أحسنوا أي معاملة الناس ، الحسنى : شفاعتهم ، والزيادة : إذن الله تعالى فيها وقبوله .[ ص: 244 ] قوله تعالى ولا يرهق قيل : معناه يلحق ; ومنه قيل : غلام مراهق إذا لحق بالرجال .
وقيل : يعلو .
وقيل : يغشى ; والمعنى متقارب .قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون قتر غبار .
ولا ذلة أي مذلة ; كما يلحق أهل النار ; أي لا يلحقهم غبار في محشرهم إلى الله ولا تغشاهم ذلة .
وأنشد أبو عبيدة للفرزدق :متوج برداء الملك يتبعه موج ترى فوقه الرايات والقتراوقرأ الحسن " قتر " بإسكان التاء .
والقتر والقترة والقترة بمعنى واحد ; قاله النحاس .
وواحد القتر قترة ; ومنه قوله تعالى : ترهقها قترة أي تعلوها غبرة .
وقيل : قتر كآبة وكسوف .
ابن عباس : القتر سواد الوجوه .
ابن بحر : دخان النار ; ومنه قتار القدر .
وقال ابن ليلى : هو بعد نظرهم إلى ربهم عز وجل .قلت : هذا فيه نظر ; فإن الله عز وجل يقول : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون إلى قوله لا يحزنهم الفزع الأكبر وقال في غير آية : ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون وقال : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا الآية .
وهذا عام فلا يتغير بفضل الله في موطن من المواطن لا قبل النظر ولا بعده وجه المحسن بسواد من كآبة ولا حزن ، ولا يعلوه شيء من دخان جهنم ولا غيره .
وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون .
ولما دعا إلى دار السلام، كأن النفوس تشوقت إلى الأعمال الموجبة لها الموصلة إليها، فأخبر عنها بقوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} أي: للذين أحسنوا في عبادة الخالق، بأن عبدوه على وجه المراقبة والنصيحة في عبوديته، وقاموا بما قدروا عليه منها، وأحسنوا إلى عباد الله بما يقدرون عليه من الإحسان القولي والفعلي، من بذل الإحسان المالي، والإحسان البدني، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهلين، ونصيحة المعرضين، وغير ذلك من وجوه البر والإحسان. فهؤلاء الذين أحسنوا، لهم \"الحسنى\" وهي الجنة الكاملة في حسنها و \"زيادة\" وهي النظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه، والفوز برضاه والبهجة بقربه، فبهذا حصل لهم أعلى ما يتمناه المتمنون، ويسأله السائلون. ثم ذكر اندفاع المحذور عنهم فقال: {وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ} أي: لا ينالهم مكروه، بوجه من الوجوه، لأن المكروه، إذا وقع بالإنسان، تبين ذلك في وجهه، وتغير وتكدر. وأما هؤلاء ـ فهم كما قال الله عنهم ـ {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيم} {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} الملازمون لها {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} لا يحولون ولا يزولون، ولا يتغيرون.
قوله تعالى : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) أي : للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى ، وهي الجنة ، وزيادة : وهي النظر إلى وجه الله الكريم ، هذا قول جماعة من الصحابة ، منهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، وحذيفة ، وأبو موسى ، وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم ، وهو قول الحسن ، وعكرمة وعطاء ، ومقاتل ، والضحاك ، والسدي .
أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ ، أنبأنا أبو العباس محمد بن يعقوب إملاء ، حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق الصنعاني ، حدثنا الأسود بن عامر ، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت - يعني البناني - عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن صهيب رضي الله عنه قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) قال : إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد : يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه ، قالوا : ما هذا الموعود؟
ألم يثقل موازيننا ، ويبيض وجوهنا ، ويدخلنا الجنة ، ويجرنا من النار؟
قال : فيرفع الحجاب فينظرون إلى وجه الله عز وجل .
قال : فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إليه " .
وروي عن ابن عباس : أن الحسنى هي أن الحسنة بمثلها والزيادة هي التضعيف عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف .
وقال مجاهد : الحسنى : حسنة مثل حسنة ، والزيادة المغفرة والرضوان .
( ولا يرهق ) لا يغشى ( وجوههم قتر ) غبار ، جمع قترة .
قال ابن عباس وقتادة : سواد الوجه ، ( ولا ذلة ) هوان .
قال قتادة : كآبة .
قال ابن أبي ليلى : هذا بعد نظرهم إلى ربهم .
( أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) .
«للذين أحسنوا» بالإيمان «الحسنى» الجنة «وزيادة» هي النظر إليه تعالى كما في حديث مسلم «ولا يرهق» يغشى «وجوههم قترٌ» سواد «ولا ذلة» كآبة «أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون».
للمؤمنين الذين أحسنوا عبادة الله فأطاعوه فيما أمر ونهى، الجنةُ، وزيادة عليها، وهي النظر إلى وجه الله تعالى في الجنة، والمغفرةُ والرضوان، ولا يغشى وجوههم غبار ولا ذلة، كما يلحق أهل النار.
هؤلاء المتصفون بهذه الصفات هم أصحاب الجنة ماكثون فيها أبدًا.
وقوله : ( لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ .
.
.
) بيان لحسن عاقبة الذين استجابوا لدعوته ، واتبعوا صراطه المستقيم .أى : للمؤمنين الصادقين الذين قدموا فى دنياهم الأعمال الصالحة ، المنزلة الحسني ، والمئوية الحسنى وهى الجنة ، ولهم زيادة على ذلك التفضل من الله - تعالى - عليهم بالنظر إلى وجهه الكريم .وتفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم ، مأثور عن جمع من الصحابة منهم أبو بكر ، وعلي بن أبي طالب ، وابن مسعود ، وأبو موسى الأشعري وغيرهم - رضي الله عنهم .ومستندهم فى ذلك الأحاديث النبوية التى وردت فى هذا الشأن والتى منها ما أخرجه مسلم فى صحيحه عن صهيب - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تلا هذه الآية ( لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ .
.
.
) .وقال : " إذا دخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ، نادى مناد : يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا .
يريد أن ينجزكموه فيقولون : ما هو؟
ألم يثقل موازيننا؟
ألم ببيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار؟
قال : فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه ، فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه ، ولا أقر لأعينهم " .وذكر بعضهم أن المراد بالزيادة هنا : " مضاعفة الحسنات بعشر أمثالها أو أكثر أو مغفرته - سبحانه - ما فرط منهم فى الدنيا ، ورضوانه عليهم فى الآخرة " .والحق أن التفسير الوادر عن الصحابة .
والمؤيد بما جاء فى الأحاديث النبوية هو الواجب الاتباع ، ولا يصح العدول عنه .
ولا مانع من أن يمن الله عليهم بما يمن من مضاعفة الحسنات ومن المغفرة والرضوان ، بعد نظرهم إلى وجهه الكريم ، أو قبل ذلك .ولذا قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : قوله : ( وزيادة ) هى تضعيف ثواب الأعمال .
.
وأفضل من ذلك النظر إلى وجهه الكريم .
فإنه زيادة أعظم من جميع ما يعطوه ..
وقد روى تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهة الكريم عن جمع من السلف والخلف ، وقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فى ذلك ، ومنها ما رواه ابن جرير عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الله يبعث يوم القيامة مناديا ينادي يا أهل الجنة - بصوت يسمعه أولهم وآخرهم - إن الله وعدكم الحسنى وزيادة .
فالحسنى الجنة ، والزيادة النظر إلى وجه الرحمن عز وجل " .وعن أبي بن كعب أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قول الله - تعالى - ( لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ ) قال : " الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله - تعالى - " .والمقصود بقوله : ( وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ ) الإِخبار عن خلوص نعيمهم من كل ما يكدر الصفو ، إثر بيان ما أعطاهم من رضوان .وقوله : ( يرهق ) من الرهق بمعى الغشيان والتغطية .
يقال : رهقه يرهقه رهقا - من باب طرب - أي غشية وغطاه بسرعة .والقتر والقترة : الغبار والدخان الذى فيه سواد والذلة : الهوان والصغار .
يقال : ذل فلان يذل ذل وذلا ، إذا أصابه الصغار والحقارة .أى : ولا يغطي وجوههم يوم القيامة شيء مما يغطي وجوه الكفار ، من السواد والهوان والصغار .وهذه الجملة بما اشتملت عليه من المعاني ، توحى بأن فى يوم القيامة من الزحام والأهوال والكروب .
ما يجعل آثار الحزن أو الفرح ظاهرة على الوجوه والمشاعر ، فهناك وجوه ( عَلَيْهَا غَبَرَةٌ .
تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ) وهناك وجوه ( نَّاضِرَةٌ .
إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) وقوله : ( أولئك أَصْحَابُ الجنة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) تذييل قصد به تأكيد مدحهم ومسرتهم .أى : أولئك المتصفون بتلك الصفات الكريمة أهم أصحاب دار السلام ، وهم خالدون فيها خلودا أبديا ، لا خوف معه ولا زوال .
اعلم أنه تعالى لما دعا عباده إلى دار السلام، ذكر السعادات التي تحصل لهم فيها فقال: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ ﴾ فيحتاج إلى تفسير هذه الألفاظ الثلاثة.
أما اللفظ الأول: وهو قوله: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ﴾ فقال ابن عباس: معناه: للذين ذكروا كلمة لا إله إلا الله.
وقال الأصم: معناه: للذين أحسنوا في كل ما تعبدوا به، ومعناه: أنهم أتوا بالمأمور به كما ينبغي، واجتنبوا المنهيات من الوجه الذي صارت منهياً عنها.
والقول الثاني: أقرب إلى الصواب لأن الدرجات العالية لا تحصل إلا لأهل الطاعات.
وأما اللفظ الثاني: وهو ﴿ الحسنى ﴾ فقال ابن الأنباري: الحسنى في اللغة تأنيث الأحسن، والعرب توقع هذه اللفظة على الحالة المحبوبة والخصلة المرغوب فيها، ولذلك لم تؤكد، ولم تنعت بشيء، وقال صاحب الكشاف: المراد: المثوبة الحسنى.
ونظير هذه الآية قوله: ﴿ هَلْ جَزَاء الإحسان إِلاَّ الإحسان ﴾ .
وأما اللفظ الثالث: وهو الزيادة.
فنقول: هذه الكلمة مبهمة، ولأجل هذا اختلف الناس في تفسيرها، وحاصل كلامهم يرجع إلى قولين: القول الأول: أن المراد من منها رؤية الله سبحانه وتعالى.
قالوا: والدليل عليه النقل والعقل.
أما النقل: فالحديث الصحيح الوارد فيه، وهو أن الحسنى هي الجنة، والزيادة هي النظر إلى الله سبحانه وتعالى.
وأما العقل: فهو أن الحسنى لفظة مفردة دخل عليها حرف التعريف، فانصرف إلى المعهود السابق، وهو دار السلام.
والمعروف من المسلمين والمتقرر بين أهل الإسلام من هذه اللفظة هو الجنة، وما فيها من المنافع والتعظيم.
وإذا ثبت هذا، وجب أن يكون المراد من الزيادة أمراً مغايراً لكل ما في الجنة من المنافع والتعظيم، وإلا لزم التكرار.
وكل من قال بذلك قال: إنما هي رؤية الله تعالى.
فدل ذلك على أن المراد من هذه الزيادة: الرؤية.
ومما يؤكد هذا وجهان: الأول: أنه تعالى قال: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ فأثبت لأهل الجنة أمرين: أحدهما: نضرة الوجوه والثاني: النظر إلى الله تعالى، وآيات القرآن يفسر بعضها بعضاً فوجب حمل الحسنى هاهنا على نضرة الوجوه، وحمل الزيادة على رؤية الله تعالى.
الثاني: أنه تعالى قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً ﴾ أثبت له النعيم، ورؤية الملك الكبير، فوجب هاهنا حمل الحسنى والزيادة على هذين الأمرين.
القول الثاني: أنه لا يجوز حمل هذه الزيادة على الرؤية.
قالت المعتزلة ويدل على ذلك وجوه: الأول: أن الدلائل العقلية دلت على أن رؤية الله تعالى ممتنعة.
والثاني: أن الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه، ورؤية الله تعالى ليست من جنس نعيم الجنة.
الثالث: أن الخبر الذي تمسكتم به في هذا الباب هو ما روي أن الزيادة، هي النظر إلى وجه الله تعالى، وهذا الخبر يوجب التشبيه، لأن النظر عبارة عن تقليب الحدقة إلى جهة المرئي.
وذلك يقتضي كون المرئي في الجهة، لأن الوجه اسم للعضو المخصوص، وذلك أيضاً يوجب التشبيه.
فثبت أن هذا اللفظ لا يمكن حمله على الرؤية، فوجب حمله على شيء آخر، وعند هذا قال الجبائي: الحسنى عبارة عن الثواب المستحق، والزيادة هي ما يزيده الله تعالى على هذا الثواب من التفضل.
قال: والذي يدل على صحته، القرآن وأقوال المفسرين.
أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿ لِيُوَفّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ ﴾ .
وأما أقوال المفسرين: فنقل عن علي رضي الله عنه أنه قال: الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة.
وعن ابن عباس: أن الحسنى هي الحسنة، والزيادة عشر أمثالها وعن الحسن: عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وعن مجاهد: الزيادة مغفرة الله ورضوانه.
وعن يزيد بن سمرة: الزيادة أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول: ما تريدون أن أمطركم.
فلا يريدون شيئاً إلا أمطرتهم.
أجاب أصحابنا عن هذه الوجوه فقالوا: أما قولكم إن الدلائل العقلية دلت على امتناع رؤية الله تعالى فهذا ممنوع، لأنا بينا في كتب الأصول أن تلك الدلائل في غاية الضعف ونهاية السخافة، وإذا لم يوجد في العقل ما يمنع من رؤية الله تعالى وجاءت الأخبار الصحيحة بإثبات الرؤية، وجب إجراؤها على ظواهرها.
أما قوله الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه.
فنقول: المزيد عليه، إذا كان مقدراً بمقدار معين، وجب أن تكون الزيادة عليه مخالفة له.
مثال الأول: قول الرجل لغيره: أعطيتك عشرة أمداد من الحنطة وزيادة، فهاهنا يجب أن تكون تلك الزيادة من الحنطة.
ومثال الثاني: قوله أعطيتك الحنطة وزيادة، فهاهنا يجب أن تكون تلك الزيادة غير الحنطة، والمذكور في هذه الآية لفظ ﴿ الحسنى ﴾ وهي الجنة، وهي مطلقة غير مقدرة بقدر معين، فوجب أن تكون تلك الزيادة عليها شيئاً مغايراً لكل ما في الجنة.
وأما قوله: الخبر المذكور في هذا الباب، اشتمل على لفظ النظر، وعلى إثبات الوجه لله تعالى، وكلاهما يوجبان التشبيه.
فنقول: هذا الخبر أفاد إثبات الرؤية، وأفاد إثبات الجسمية.
ثم قام الدليل على أنه ليس بجسم، ولم يقم الدليل على امتناع رؤيته، فوجب ترك العمل بما قام الدليل على فساده فقط، وأيضاً فقد بينا أن لفظ هذه الآية يدل على أن الزيادة هي الرؤية من غير حاجة تنافي تقرير ذلك الخبر، والله أعلم.
واعلم أنه تعالى لما شرح ما يحصل لأهل الجنة من السعادات، شرح بعد ذلك الآفات التي صانهم الله بفضله عنها، فقال: ﴿ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ ﴾ والمعنى: لا يغشاها قتر، وهي غبرة فيها سواد ﴿ وَلاَ ذِلَّةٌ ﴾ ولا أثر هوان ولا كسوف.
فالصفة الأولى: هي قوله تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴾ .
والصفة الثانية: هي قوله تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَٰشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ ﴾ والغرض من نفي هاتين الصفتين، نفي أسباب الخوف والحزن والذل عنهم، ليعلم أن نعيمهم الذي ذكره الله تعالى خالص غير مشوب بالمكروهات، وإنه لا يجوز عليهم ما إذا حصل غير صفحة الوجه، ويزيل ما فيها من النضارة والطلاقة، ثم بين أنهم خالدون في الجنة لا يخافون الانقطاع.
واعلم أن علماء الأصول قالوا: الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، فقوله: ﴿ والله يَدْعُواْ إِلَى دَارُ السلام ﴾ يدل على غاية التعظيم.
وقوله: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ ﴾ يدل على حصول المنفعة وقوله: ﴿ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ ﴾ يدل على كونها خالصة وقوله: ﴿ أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ إشارة إلى كونها دائمة آمنة من الانقطاع والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الحسنى ﴾ المثوبة الحسنى ﴿ وَزِيَادَةٌ ﴾ وما يزيد على المثوبة وهي التفضل.
ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿ وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ ﴾ [النساء: 173] وعن عليّ رضي الله عنه: الزيادة: غرفة من لؤلؤة واحدة.
وعن ابن عباس رضي الله عنه: الحسنى: الحسنة، والزيادة: عشر أمثالها.
وعن الحسن رضي الله عنه: عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وعن مجاهد رضي الله عنه: الزيادة مغفرة من الله ورضوان.
وعن يزيد بن شجرة: الزيادة أن تمرّ السحابة بأهل الجنة فتقول: ما تريدون أن أمطركم؟
فلا يريدون شيئاً إلاّ أمطرتهم.
وزعمت المشبهة والمجبرة أن الزيادة النظر إلى وجه الله تعالى، وجاءت بحديث مرفوع: «إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا أن يا أهل الجنة فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئاً هو أحبّ إليهم منه» ﴿ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ ﴾ لا يغشاها ﴿ قَتَرٌ ﴾ غبرة فيها سواد ﴿ وَلاَ ذِلَّةٌ ﴾ ولا أثر هوان وكسوف بال.
والمعنى لا يرهقهم ما يرهق أهل النارإذكاراً بما ينقذهم منه برحمته.
ألا ترى إلى قوله تعالى ﴿ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴾ [عبس: 41] ﴿ وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ﴾ [يونس: 27] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ﴾ دارِ السَّلامَةِ مِنَ التَّقَضِّي والآفَةِ، أوْ دارِ اللَّهِ وتَخْصِيصُ هَذا الِاسْمِ أيْضًا لِلتَّنْبِيهِ عَلى ذَلِكَ، أوْ دارٍ يُسَلِّمُ اللَّهُ والمَلائِكَةُ فِيها عَلى مَن يَدْخُلُها والمُرادُ الجَنَّةُ.
﴿ وَيَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ بِالتَّوْفِيقِ.
﴿ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ هو طَرِيقُها وذَلِكَ الإسْلامُ والتَّدَرُّعُ بِلِباسِ التَّقْوى، وفي تَعْمِيمِ الدَّعْوَةِ وتَخْصِيصِ الهِدايَةِ بِالمَشِيئَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأمْرَ غَيْرُ الإرادَةِ وأنَّ المُصِرَّ عَلى الضَّلالَةِ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ رُشْدَهُ.
﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى ﴾ المَثُوبَةُ الحُسْنى.
﴿ وَزِيادَةٌ ﴾ وما يَزِيدُ عَلى المَثُوبَةِ تَفَضُّلًا لِقَوْلِهِ: ﴿ وَيَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ ﴾ وقِيلَ الحُسْنى مِثْلُ حَسَناتِهِمْ والزِّيادَةُ عَشْرُ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ وأكْثَرَ، وقِيلَ الزِّيادَةُ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ، وقِيلَ الحُسْنى الجَنَّةُ والزِّيادَةُ هي اللِّقاءُ.
﴿ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ ﴾ لا يَغْشاها.
﴿ قَتَرٌ ﴾ غُبَرَةٌ فِيها سَوادٌ.
﴿ وَلا ذِلَّةٌ ﴾ هَوانٌ، والمَعْنى لا يَرْهَقُهم ما يَرْهَقُ أهْلُ النّارِ أوْ لا يَرْهَقُهم ما يُوجِبُ ذَلِكَ مِن حُزْنٍ وسُوءِ حالٍ.
﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ دائِمُونَ لا زَوالَ فِيها ولا انْقِراضَ لِنَعِيمِها بِخِلافِ الدُّنْيا وزَخارِفِها.
<div class="verse-tafsir"
{لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} آمنوا بالله ورسله {الحسنى} المثوبة الحسنى وهى الجنة {وزيادة} رؤية الرب عز وجل كذا عن أبي بكر وحذيفة وابن عباس وأبى موسى الأشعري وعبادة بن الصامت رضى الله عنهم وفي بعض التفاسير أجمع المفسرون على أن الزيادة النظر إلى الله تعالى وعن صهيب أن النبى صلى الله عليه وسلم قال إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تبارك وتعالى أتريدون شيئاً ازيدكم فيقولون ألم تبيض وجوهنا ألم ندخلنا الجنة وتنجينا من النار قال فيرفع الحجاب فينظرون إلى الله تعالى فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم ثم تلا {للذين أحسنوا الحسنى} وزيادة والعجب من صاحب الكشاف أنه ذكر هذا الحديث لا بهذه العبارة وقال إنه حديث مدفوع مع أنه مرفوع قد أورده صاحب المصابيح في الصحاح وقيل الزيادة المحبة في قلوب العباد وقيل الزيادة مغفرة من الله ورضوان {ولا يرهق وجوههم} ولا يغشى وجوهم {قَتَرٌ} غبرة فيها سواد {وَلاَ ذِلَّةٌ} ولا أثر هوان والمعنى ولا يرهقهم مايرهق أهل النار {أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون}
﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا ﴾ أيِ العَمَلَ بِأنْ فَعَلُوا المَأْمُورَ بِهِ واجْتَنَبُوا المَنهِيَّ عَنْهُ وفَسَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الإحْسانَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ تَعالى كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .
﴿ الحُسْنى ﴾ أيِ المَنزِلَةُ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ ﴿ وزِيادَةٌ ﴾ وهي النَّظَرُ إلى وجْهِ رَبِّهِمُ الكَرِيمِ جَلَّ جَلالُهُ وهو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنْ أبِي بَكْرٍ وعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ وحُذَيْفَةَ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وخَلْقٍ آخَرِينَ ورُوِيَ مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن طُرُقٍ شَتّى وقَدْ أخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حَيّانَ وأبُو الشَّيْخِ والدّارَقُطْنِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ صُهَيْبٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا ﴾ إلَخْ فَقالَ: إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ نادى مُنادٍ: يا أهْلَ الجَنَّةِ إنَّ لَكم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مَوْعِدًا يُرِيدُ أنْ يُنْجِزَكُمُوهُ فَيَقُولُونَ: وما هُوَ؟
ألَمْ يُثَقِّلْ مَوازِينَنا ويُبَيِّضْ وُجُوهَنا ويُدْخِلْنا الجَنَّةَ ويُزَحْزِحْنا عَنِ النّارِ؟
قالَ: فَيُكْشَفُ لَهُمُ الحِجابُ فَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ فَواللَّهِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ تَعالى شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلَيْهِ ولا أقَرَّ لِأعْيُنِهِمْ» فَحِكايَةُ هَذا التَّفْسِيرِ بِقِيلَ: كَما فَعَلَ البَيْضاوِيُّ عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِمّا لا يَنْبَغِي وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ: إنَّ الحَدِيثَ مَرْقُوعٌ بِالقافِ أيْ مُفْتَرًى لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ رَقِيعٍ فَإنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلى صِحَّتِهِ وقَدْ أخْرَجَهُ حُفّاظٌ لَيْسَ فِيهِمْ ما يُقالُ نَعَمْ جاءَ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ غَيْرُ ما ذُكِرَ لَكِنْ لَيْسَ في هَذِهِ الدَّرَجَةِ مِنَ الصِّحَّةِ ولا رَفَعَ فِيهِ صَرِيحًا فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الزِّيادَةُ المَغْفِرَةُ والرِّضْوانُ وأخْرَجَ عَنِ الحَسَنِ أنَّها تَضْعِيفُ الحَسَنَةِ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّها أنْ لا يُحاسِبَهم عَلى ما أعْطاهم في الدُّنْيا وأخْرَجَ عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّها غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ لَها أرْبَعَةُ أبْوابٍ وتَعَقَّبَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ وقِيلَ: الزِّيادَةُ أنْ تَمُرَّ السَّحابَةُ بِهِمْ فَتَقُولُ: ما تُرِيدُونَ أنا أُمْطِرُكم فَلا يُرِيدُونَ شَيْئًا إلّا أمْطَرَتْهُمْ وجَمَعَ بَعْضُهم بَيْنَ الرِّواياتِ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يَمُنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِكُلِّ ما ذُكِرَ ويُصَدِّقُ عَلَيْهِ أنَّهُ زِيادَةٌ عَلى ما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَنَّةِ وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ سُفْيانَ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ في تَفْسِيرِ القُرْآنِ اخْتِلافٌ إنَّما هو كَلامٌ جامِعٌ يُرادُ بِهِ هَذا وهَذا والَّذِي حَمَلَ الزَّمَخْشَرِيَّ عَلى عَدَمِ الِاعْتِمادِ عَلى الرِّواياتِ النّاطِقَةِ بِحَمْلِ الزِّيادَةِ عَلى رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى زَعْمُهُ الفاسِدُ كَأصْحابِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُرى وقَدْ عَلِمْتَ مَنشَأ ذَلِكَ الزَّعْمِ وقَدْ رَدَّهُ أهْلُ السُّنَّةِ بِوُجُوهٍ ﴿ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ ﴾ أيْ لا يَغْشاها غَبَرَةٌ ما فِيها سَوادٌ ولا أثَرُ هَوانٍ ما وكُسُوفُ بالٍ والمَعْنى لا يَعْرِضُ عَلَيْهِمْ ما يَعْرِضُ لِأهْلِ النّارِ أوْ لا يَعْرِضُ لَهم ما يُوجِبُ ذَلِكَ مِنَ الحُزْنِ وسُوءِ الحالِ والكَلامُ عَلى الأوَّلِ حَقِيقَةٌ وعَلى الثّانِي كِنايَةٌ لِأنَّ عَدَمَ غَشَيانِ ذَلِكَ لازِمٌ لِعَدَمِ غَشَيانِ ما يُوجِبُهُما فَذَكَرَ اللّازِمَ لِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى المَلْزُومِ ورَجَّحَ هَذا بِأنَّهُ أمْدَحُ والمَقْصُودُ بَيانُ خُلُوصِ نَعِيمِهِمْ مِن شَوائِبِ المَكارِهِ إثْرَ بَيانِ ما مَنَّ سُبْحانَهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّعِيمِ وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ لِتَذْكِيرِهِمْ بِما يُنْقِذُهم مِنهُ فَإنَّهم إذا ذَكَرُوا ذَلِكَ زادَ ابْتِهاجُهم ومَسَرَّتُهم كَما أنَّ أهْلَ النّارِ إذا ذَكَرُوا ما فاتَهم مِنَ النَّعِيمِ ازْدادَ غَمُّهم وحَسْرَتُهم وقِيلَ: الغَرَضُ إدْخالُ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ بِتَذْكِيرِ حالِ أعْدائِهِمْ أهْلِ النّارِ فَإنَّ الإنْسانَ مَتى عَلِمَ أنَّ عَدُوَّهُ في الهَوانِ وسُوءِ الحالِ ازْدادَ سُرُورًا وقَدْ شاهَدْنا مَن يَكْتَفِي بِمَضَرَّةِ عَدُوِّهِ عَنْ حُصُولِ المَنفَعَةِ لَهُ بَلْ مَن يَسُرُّهُ ضَرَرُ عَدُّوِهِ وإنْ تَضَرَّرَ هو وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ عَلى الفاعِلِ لِلِاهْتِمامِ بِبَيانِ أنَّ المَصُونَ مِنَ الرَّهَقِ أشْرَفُ أعْضائِهِمْ ولِلتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ ولِأنَّ في الفاعِلِ ضَرْبُ تَفْصِيلٍ ﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ المَذْكُورُونَ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما تَقَدَّمَ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ 26﴾ دائِمُونَ بِلا زَوالٍ ويَلْزَمُ ذَلِكَ عَدَمُ زَوالِ نَعِيمِها <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ، يعني: يدعو إلى عمل الجنة، وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ، وهو الدين القيم، ويقال: إن عطاءه على وجهين: خاص، وعام.
فأما العطاء الخاص فالتوفيق والعصمة واليقين، وأما العطاء العام فالصحة والنعمة والفراغ والأمن.
والدعوة هنا عامة والهداية خاصة، فقد دعا جميع الناس بقوله تعالى: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ ثم قال: وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فجعل الهداية خاصا لأنها فضله، وفضل الله يؤتيه من يشاء.
وقال قتادة: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ والله هو السلام وداره الجنة.
ويقال: السلام هو السلامة، وإنما سميت الجنة دار السلام، لأنها سالمة من الآفات والأمراض وغير ذلك.
روى أبو أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس أن النبيّ قال: «نَاَمَتْ عَيْنِي وَعَقَلَ قَلْبِي وَسَمِعَتْ أُذُنِي، ثُمَّ قِيلَ لِي: إِنَّ سَيِّداً بَنَى دَاراً وَصَنَعَ مَائِدَةً وَأَرْسَلَ دَاعِياً، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنَ المَائِدَةِ وَرَضِيَ عَنْهُ السّيّد، ومن لم يجب الداعي، لم يدخل الدار، ولم يأكل من المأدبة ولم يرض عَنْهُ السَّيِّدُ» (١) وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ يعني: يكرم من يشاء بالمعرفة من كان أهلاً لذلك إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني: إلى دين الإسلام.
(١) عزاه السيوطي 4/ 356 إلى ابن مردويه.
وأخرجه ابن مردويه عن ابن مسعود.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» وفي الحديث في نار جهنم: «لَهِيَ أَسْوَدُ مِنَ القَارِ» «٢» وما حفظ للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فليس بشَاذٍ.
ص: وَرُدَّ بأَنْ «أَسْوَدُ» مِنْ «فَعِلَ» لا من «افعل» : تقولُ: سَوِدَ فَهُوَ أَسْوَدُ، وإِنما امتنع من «سَوِدَ» ونحوِه عِنْد البصريّين لأنه لون.
انتهى.
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣) إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)
وقوله سبحانه: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ...
الآية: تعديدُ نِعَمٍ منه سبحانه على عباده.
وقوله سبحانه: دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ: أي: نسوا الأصنام والشركاء، وأفردوا الدعاء للَّه سبحانه، وذكَر الطبريُّ في ذلك، عَنْ بعض العلماء حكايةَ قَوْلِ العَجَمِ:
«هيا شرا هيا» ، ومعناه: يا حيّ يا قيّوم، ويَبْغُونَ: معناه: يُفسدون.
وقوله: مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا متاع: خبر مبتدأ محذوفٍ، تقديره هو متاع، أو ذلك مَتَاعٌ، ومعنى الآية: إِنما بغيكم وإِفسادكم/ مُضِرٌّ لكم، وهو في حالة الدنيا، ثم تَلْقَوْنَ عقابه في الآخرة، قال سفيان بن عُيَيْنة: إِنما بغيكم علَى أنفسِكُمْ متاع الحياة الدنيا: أي تُعَجَّلُ لكم عقوبته وعلى هذا قالوا: البَغْيُ يَصْرَعُ أهله.
قال ع «٣» : وقالوا: البَاغِي مصروعٌ: قال تعالى: ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ [الحج: ٦٠] ، وقال النبيُّ عليه السلام: «ما ذَنْبٌ أَسْرَعُ عُقُوبَةً مِنْ بَغْيٍ» .
وقوله سبحانه: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي: تفاخُرُ الحياة الدنيا وزينتها بالمال
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ.
وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَمَّ بِالدَّعْوَةِ وخَصَّ الهِدايَةَ مَن شاءَ، لِأنَّ الحُكْمَ لَهُ في خَلْقِهِ.
وَفِي المُرادِ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: كِتابُ اللَّهِ، رَواهُ عَلِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ .
والثّانِي: الإسْلامُ، رَواهُ النَّوّاسُ بْنُ سَمْعانَ عَنِ النَّبِيِّ .
والثّالِثُ: الحَقُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
والرّابِعُ: المُخْرِجُ مِنَ الضَّلالاتِ والشُّبَهِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الحُسْنى: كَلِمَةٌ مُسْتَغْنًى عَنْ وصْفِها ونَعْتِها، لِأنَّ العَرَبَ تُوقِعُها عَلى الخَلَّةِ المَحْبُوبَةِ المَرْغُوبِ فِيها المَفْرُوحِ بِها، فَكانَ الَّذِي تَعَلَّمَهُ العَرَبُ مِن أمْرِها يُغْنِي عَنْ نَعْتِها، فَكَذَلِكَ المَزِيدُ عَلَيْها مَحْمُولٌ عَلى مَعْناها ومُتَعَرَّفٌ مِن جِهَتِها، يَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: فَلَمّا تَنازَعْنا الحَدِيثَ وأسْمَحَتْ هَصَرْتُ بِغُصْنٍ ذِي شَمارِيخَ مَيّالِ فَصِرْنا إلى الحُسْنى ورَقَّ كَلامُنا ∗∗∗ ورُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَةً أيَّ إذْلالِ أيْ: إلى الأمْرِ المَحْبُوبِ.
وهَصَرْتُ بِمَعْنى مَدَدْتُ.
والغُصْنُ كِنايَةٌ عَنِ المَرْأةِ.
والباءُ مُؤَكِّدَةٌ لِلْكَلامِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: ألْقى بِيَدِهِ إلى الهَلاكِ، يُرِيدُونَ: ألْقى يَدَهُ.
والشَّمارِيخُ كِنايَةٌ عَنِ الذَّوائِبِ.
ورُضْتُ، مَعْناهُ: أذْلَلْتُ.
ومِن أجْلِ هَذا قالَ: أيَّ إذْلالٍ، ولَمْ يَقُلْ: أيَّ رِياضَةٍ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالحُسْنى خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها الجَنَّةُ، رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ، وبِهِ قالَ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّها الواحِدَةُ مِنَ الحَسَناتِ بِواحِدَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: النُّصْرَةُ قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سابِطٍ.
والرّابِعُ: الجَزاءُ في الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: الأُمْنِيَةُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
وفي الزِّيادَةِ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها النَّظَرُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
رَوى مُسْلِمٌ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ صُهَيْبٍ «عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: " الزِّيادَةُ: النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ "» .
وبِهَذا القَوْلِ قالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، وحُذَيْفَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّ الزِّيادَةَ غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ لَها أرْبَعَةُ أبْوابٍ، رَواهُ الحَكَمُ عَنْ عَلِيٍّ، ولا يَصِحُّ.
والثّالِثُ: أنَّ الزِّيادَةَ: مُضاعَفَةُ الحَسَنَةِ إلى عَشْرِ أمْثالِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.
والرّابِعُ: أنَّ الزِّيادَةَ: مَغْفِرَةٌ ورِضْوانٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والخامِسُ: أنَّ الزِّيادَةَ: أنَّ ما أعْطاهم في الدُّنْيا لا يُحاسِبُهم بِهِ في القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّادِسُ: أنَّ الزِّيادَةَ: ما يَشْتَهُونَهُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَرْهَقُ ﴾ أيْ: لا يَغْشى ﴿ وُجُوهَهم قَتَرٌ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ: " قَتْرٌ " بِإسْكانِ التّاءِ، وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ السَّوادُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَوادُ الوُجُوهِ مِنَ الكَآبَةِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: القُتَرُ: الغَبَرَةُ الَّتِي مَعَها سَوادٌ.
والثّانِي: أنَّهُ دُخانُ جَهَنَّمَ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: الخِزْيُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: الغُبارُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
وَفِي الذِّلَّةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الكَآبَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الهَوانُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ الناسُ والأنْعامُ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضِ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها أتاها أمْرُنا لَيْلا أو نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ المَعْنى: إنَّما مَثَلُ تَفاخُرِ الحَياةِ الدُنْيا وزِينَتِها بِالمالِ والبَنِينَ إذْ يَصِيرُ ذَلِكَ إلى الفَناءِ كَمَطَرٍ نَزَلَ مِنَ السَماءِ فاخْتَلَطَ، ووَقَفَ هُنا بَعْضُ القُرّاءِ عَلى مَعْنى: فاخْتَلَطَ الماءُ بِالأرْضِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ: ﴿ بِهِ نَباتُ الأرْضِ ﴾ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ المُقَدَّمِ، ويَحْتَمِلُ -عَلى هَذا- أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "بِهِ" عَلى الماءِ أو عَلى الِاخْتِلاطِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ القَوْلُ.
ووَصَلَتْ فِرْقَةٌ فَرُفِعَ "النَباتُ" عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: "فاخْتَلَطَ"، أيِ:اخْتَلَطَ النَباتُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ بِسَبَبِ الماءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِمّا يَأْكُلُ الناسُ ﴾ يُرِيدُ الزُرُوعَ والأشْجارَ ونَحْوَ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿ والأنْعامُ ﴾ يُرِيدُ سائِرَ العُشْبِ المَرْعِيِّ.
و ﴿ أخَذَتِ الأرْضُ ﴾ لَفْظَةٌ كَثُرَتْ في مِثْلِ هَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿ خُذُوا زِينَتَكُمْ ﴾ .
والزُخْرُفُ: التَزَيُّنُ بِالألْوانِ، وقَدْ يَجِيءُ الزُخْرُفُ بِمَعْنى الذَهَبِ إذِ الذَهَبُ مِنهُ، وقَرَأ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ، وأبُو جَعْفَرٍ، والسَبْعَةُ، وشَيْبَةُ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ: "وازَّيَّنَتْ"، أصْلُهُ: تَزَيَّنَتْ، سُكِّنَتِ التاءُ لِتُدْغَمَ فاحْتِيجَ إلى ألْفِ وصْلٍ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَتَزَيَّنَتْ" وهَذِهِ أصْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، والشَعْبِيُّ، وقَتادَةُ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وعِيسى: "وَأزْيَنَتْ" عَلى مَعْنى: حَضَرَتْ زِينَتُها كَما تَقُولُ: أحْصَدَ الزَرْعُ، و"أزْيَنَتْ" عَلى مِثالِ: أفْعَلَتْ، وقالَ عَوْفُ بْنُ أبِي جَمِيلَةَ: كانَ أشْياخُنا يَقْرَؤُونَها: "وازْيانَّتْ" النُونُ شَدِيدَةٌ والألِفُ ساكِنَةٌ قَبْلَها، وهي قِراءَةُ أبِي عُثْمانَ النَهْدِيِّ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "وازَيَأْنَّتْ"، وهي لُغَةٌ مِنها قَوْلُ الشاعِرِ: .......................
∗∗∗ إذا ما الهَوادِي بِالعَبِيطِ احْمَأرَّتْ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وازّايَنَتْ"، والمَعْنى في هَذا كُلِّهِ: ظَهَرَتْ زِينَتُها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَظَنَّ أهْلُها ﴾ عَلى بابِها.
والضَمِيرُ في "عَلَيْها" عائِدٌ عَلى الأرْضِ، والمُرادُ ما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونَباتٍ، وهَذا الكَلامُ فِيهِ تَشْبِيهُ جُمْلَةِ أمْرِ الحَياةِ الدُنْيا بِهَذِهِ الجُمْلَةِ المَوْصُوفَةِ أحْوالُها، و"حَتّى" غايَةٌ، وهي حَرْفُ ابْتِداءٍ لِدُخُولِها عَلى "إذا"، ومَعْناها مُتَّصِلٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ قادِرُونَ عَلَيْها ﴾ ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ بَدَأ الجَوابُ، والأمْرُ الآتِي واحِدُ الأُمُورِ كالرِيحِ والصِرِّ والسَمُومِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وتَقْسِيمُهُ لَيْلًا أو نَهارًا تَنْبِيهٌ عَلى الخَوْفِ وارْتِفاعُ الأمْنِ في كُلِّ وقْتٍ، و"حَصِيدًا": فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وعَبَّرَ بِحَصِيدٍ عَنِ التالِفِ الهالِكِ مِنَ النَباتِ وإنْ لَمْ يَهْلَكْ بِحَصادٍ إذِ الحُكْمُ فِيهِما واحِدٌ، وكَأنَّ الآفَةَ حَصَدَتْهُ قَبْلَ أوانِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ كَأنْ لَمْ تَغْنَ ﴾ أيْ: كَأنْ لَمْ تَنْعَمْ ولَمْ تَنْضُرْ ولَمْ تُغْرِ بِغَضارَتِها، وقَرَأ قَتادَةُ "يَغْنَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، يَعْنِي الحَصِيدَ، وقَرَأ مَرْوانُ: "كَأنْ لَمْ تَتَغَنَّ" بِتاءَيْنِ مِثْلُ تَتَفَعَّلُ، والمَغانِي: المَنازِلُ المَعْمُورَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وقَدْ نَغْنى بِها ونَرى عُصُورًا ∗∗∗ ∗∗∗ بِها يَقْتَدْنَنا الخُرُدَ الخِذالا وفِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ" وما كُنّا لِنُهْلِكَها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها "كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ"، رَواها عنهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
وقِيلَ: إنَّ فِيهِ: "وَما كانَ اللهُ لِيُهْلِكَها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها"، وقَرَأ أبُو الدَرْداءِ: "لِقَوْمٍ يَتَذَكَّرُونَ".
ومَعْنى الآيَةِ التَحْذِيرُ مِنَ الِاغْتِرارِ بِالدُنْيا إذْ هي مُعَرَّضَةٌ لِلتَّلَفِ وأنْ يُصِيبَها ما أصابَ هَذِهِ الأرْضَ المَذْكُورَةَ بِمَوْتٍ أو غَيْرِهِ مِن رَزايا الدُنْيا، وخَصَّ المُتَفَكِّرِينَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لِلْمَنزِلَةِ، ولِيَقَعَ التَسابُقُ إلى هَذِهِ الرُتْبَةِ.
<div class="verse-tafsir"
هذه الجملة بدل اشتمال من جملة ﴿ ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ [يونس: 25] لأن الهداية بمن يشاء تفيد مهدياً وغير مهدي.
ففي هذه الجملة ذِكر ما يشتمل عليه كلا الفريقين، ولك أن تجعلها بدل مفصَّل من مجمل.
ولما أوقع ذكر الذين أحسنوا في جملة البيان عَلم السامع أنهم هم الذين هداهم الله إلى صراط مستقيم وأن الصراط المستقيم هو العمل الحسن، وأن الحُسنى هي دار السلام.
ويشرح هذه الآية قوله تعالى في سورة [الأنعام: 125 127]: ﴿ فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون وهذا صراط ربك مستقيماً قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون ﴾ والحسنى: في الأصل صفةُ أثنى الأحسن، ثم عوملت معاملة الجنس فأدخلت عليها لام تعريف الجنس فبعدت عن الوصفية ولَم تَتبع موصوفها.
وتعريفها يفيد الاستغراق، مثل البُشرى، ومثل الصالحة التي جمعها الصالحات.
والمعنى: للذين أحسنوا جنسُ الأحوال الحسنى عندهم، أي لهم ذلك في الآخرة.
وبذلك تعين أن ماصْدقها الذي أريد بها هو الجنة لأنها أحسن مثوبة يصير إليها الذين أحسنوا وبذلك صيرها القرآن علماً بالغلبة على الجنة ونعيمها من حصول الملاذ العظيمة.
والزيادة يتعين أنها زيادة لهم ليست داخلة في نوع الحُسنى بالمعنى الذي صار علماً بالغلبة، فلا ينبغي أن تفسر بنوع مما في الجنة لأنها تكون حينئذٍ مما يستغرقه لفظ الحسنى فتعين أنها أمر يرجع إلى رفعة الأقدار، فقيل: هي رضى الله تعالى كما قال: ﴿ ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ﴾ [التوبة: 72]، وقيل: هي رؤيتهم الله تعالى.
وقد ورد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في «صحيح مسلم» و«جامع الترمذي» عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، قالوا: ألم تبيض وجوهنا وتنجنا من النار وتدخلنا الجنة، قال: فيُكشف الحجاب، قال: فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه.
وهو أصرح ما ورد في تفسيرها.
والرهق: الغشيان.
وفعله من باب فرح.
والقَتَرُ: لوْنٌ هو غُبرة إلى السواد.
ويقال له قترة والذي تخلص لي من كلام الأيمة والاستعمال أن القترة لون يغشى جلدة الوجه من شدة البؤس والشقاء والخوففِ.
وهو من آثار تهيج الكَبد من ارتجاف الفؤاد خوفاً وتوقعاً.
والذلة: الهوان.
والمراد أثر الذلة الذي يبدو على وجه الذليل.
والكلام مستعمل في صريحه وكنايته، أي لا تتشوه وجوههم بالقتر وأثر الذلة ولا يحصل لهم ما يؤثر القتر وهيئة الذلة.
وليس معنَى نفي القتر والذلة عنهم في جملة أوصافهم مديحاً لهم لأن ذلك لا يخطر بالبال وقوعاً بعد أن أثبت لهم الحسنى وزيادة بل المعنى التعريض بالذين لم يهدهم الله إلى صراط مستقيم وهم الذين كسبوا السيئات تعجيلاً للمساءة إليهم بطريق التعريض قبل التصريح الذي يأتي في قوله: ﴿ وتَرهقهم ذلة ﴾ إلى قوله: ﴿ مظلماً ﴾ [يونس: 27].
وجملة: ﴿ أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ﴾ نتيجة للمقدمة، فبينها وبين التي قبلها كمال الاتصال ولذلك فصلت عنها ولم تعطف.
واسم الإشارة يرجع إلى ﴿ الذين أحسنوا ﴾ .
وفيه تنبيه على أنهم استحقوا الخلود لأجل إحسانهم نظير قوله: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَجَعَلْناها حَصِيدًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ذاهِبًا.
الثّانِي: يابِسًا.
﴿ كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: كَأنْ لَمْ تَعْمُرْ بِالأمْسِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: كَأنَّهُ لَمْ تَعْشَ بِالأمْسِ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: وغَنِيَتْ سَبْتًا بَعْدَ مَجْرى داحِسٍ لَوْ كانَ لِلنَّفْسِ اللَّجُوجِ خُلُودٌ الثّالِثُ: كَأنْ لَمْ تَقُمْ بِالأمْسِ، ومِن قَوْلِهِمْ غَنِي فُلانٌ بِالمَكانِ إذا أقامَ فِيهِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
الرّابِعُ كَأنْ لَمْ تَنْعَمْ بِالأمْسِ، قالَهُ قَتادَةُ أيْضًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ.
وَفي تَسْمِيَتِها دارَ السَّلامِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ السَّلامَ هو اللَّهُ، والجَنَّةُ دارُهُ.
الثّانِي: لِأنَّها دارُ السَّلامَةِ مِن كُلِّ آفَةٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
﴿ وَيَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ في هِدايَتِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالتَّوْفِيقِ والمَعُونَةِ.
الثّانِي: بِإظْهارِ الأدِلَّةِ وإقامَةِ البَراهِينِ.
وَفي الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى، رَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: « (الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى)» .
الثّانِي: أنَّهُ الإسْلامُ، رَواهُ النَّوّاسُ بْنُ سَمْعانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ .
الثّالِثُ: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وصاحِباهُ مِن بَعْدِهِ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، قالَهُ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الحَقُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ يَوْمًا فَقالَ: (رَأيْتُ في المَنامِ كَأنَّ جِبْرِيلَ عِنْدَ رَأْسِي ومِيكائِيلَ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: أضْرِبْ لَهُ مَثَلًا، فَقالَ: اسْمَعْ سَمِعَتْ أُذُنُكَ، واعْقِلْ، عَقَلَ قَلْبُكَ، إنَّما مَثَلُكَ ومَثَلُ أُمَّتِكَ كَمَثَلِ مَلِكٍ اتَّخَذَ دارًا ثُمَّ بَنى فِيها بَيْتًا ثُمَّ جَعَلَ فِيها مائِدَةً ثُمَّ بَعَثَ رَسُولًا يَدْعُو النّاسَ إلى طَعامِهِ فَمِنهم مَن أجابَ الرَّسُولَ ومِنهم مَن تَرَكَهُ، فاللَّهُ المَلِكُ، والدّارُ الإسْلامُ، والبَيْتُ الجَنَّةُ، وأنْتَ يا مُحَمَّدُ الرَّسُولُ فَمَن أجابَكَ دَخَلَ في الإسْلامِ، ومَن دَخَلَ في الإسْلامِ دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن دَخَلَ الجَنَّةَ أكَلَ مِمّا فِيها)» ثُمَّ تَلا قَتادَةُ ومُجاهِدٌ.
﴿ واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ﴾ <div class="verse-tafsir"
أخرج الطيالسي وهناد وأحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة وابن خزيمة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والدارقطني في الرؤية وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه.
فيقولون: وما هو، ألم تثقل موازيننا، وتبيض وجوهنا، وتدخلنا الجنة، وتزحزحنا عن النار؟
وقال: فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم» .
وأخرج الدارقطني وابن مردويه عن صهيب رضي الله عنه في الآية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الزيادة: النظر إلى وجه الله» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والدارقطني في الرؤية وابن مردويه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أن الله يبعث يوم القيامة منادياً ينادي: يا أهل الجنة- بصوت يسمعه أولهم وآخرهم- إن الله وعدكم الحسنى وزيادة، فالحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الرحمن» .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه واللالكائي في السنة والبيهقي في كتاب الرؤية عن كعب بن عجرة رضي الله عنه «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ قال: الزيادة: النظر إلى وجه الرحمن» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والدارقطني وابن مردويه واللالكائي والبيهقي في كتاب الرؤية عن أبي بن كعب رضي الله عنه «أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ قال: الذين أحسنوا أهل التوحيد، والحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ قال «أحسنوا شهادة أن لا إله إلا الله، والحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى الله» .
وأخرج أبو الشيخ وابن منده في الرد على الجهمية والدارقطني في الرؤية وابن مردويه واللالكائي والخطيب وابن النجار عن أنس رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ فقال: للذين أحسنوا العمل في الدنيا لهم الحسنى وهي الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم» .
وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن أنس رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ قال: ينظرون إلى ربهم بلا كيفية ولا حدود ولا صفة معلومة» .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كبَّر على سيف البحر تكبيرة رافعاً بها صوته لا يلتمس بها رياء ولا سمعة كتب الله له رضوانه الأكبر، ومن كتب له رضوانه الأكبر جمع بينه وبين محمد وإبراهيم عليهما السلام في داره، ينظرون إلى ربهم في جنة عدن كما ينظر أهل الدنيا إلى الشمس والقمر في يوم لا غيم فيه ولا سحابة، وذلك قوله: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ فالحسنى لا إله إلا الله، والزيادة الجنة والنظر إلى الرب» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن خزيمة وابن المنذر وأبو الشيخ والدارقطني وابن منده في الرد على الجهمية وابن مردويه واللالكائي والآجري والبيهقي كلاهما في الرؤية عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه في قوله: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ قال: الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله.
وأخرج ابن مردويه من طريق الحرث عن علي رضي الله عنه في قوله: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى ﴾ قال: يعني الجنة، والزيادة يعني النظر إلى الله تعالى.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والدارقطني واللالكائي والآجري والبيهقي عن حذيفة رضي الله عنه في الآية قال: والزيادة النظر إلى وجه ربهم.
وأخرج هناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والدارقطني واللالكائي والبيهقي عن أبي موسى الأشعري في الآية قال: الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه ربهم.
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق عكرمة رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ للذين أحسنوا الحسنى ﴾ قال: قول لا إله إلا الله، والحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجهه الكريم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي من طريق علي عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ للذين أحسنوا ﴾ قال: الذين شهدوا أن لا إله إلا الله، الحسنى: الجنة.
وأخرج ابن أبي حاتم واللالكائي عن ابن مسعود رضي الله عنه في الآية قال: أما الحسنى فالجنة، وأما الزيادة فالنظر إلى وجه الله، واما القتر فالسواد.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الرؤية من طريق الحكم بن عتيبة عن علي رضي الله عنه في الآية قال: الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب غرفها وأبوابها من لؤلؤة واحدة.
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ للذين أحسنوا ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله ﴿ الحسنى ﴾ قال: الجنة ﴿ وزيادة ﴾ قال: النظر إلى وجه الله.
وأخرج ابن جرير والدارقطني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنه في قوله: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة اعطوا منها ما شاؤوا، ثم يقال لهم: إنه قد بقي من حقكم شيء لم تعطوه، فيتجلى الله تعالى لهم فيصغر ما اعطوا عند ذلك، ثم تلا ﴿ للذين أحسنوا الحسنى ﴾ قال: الجنة ﴿ والزيادة ﴾ نظرهم إلى ربهم عز وجل.
وأخرج ابن جرير والدارقطني عن عامر بن سعد البجلي رضي الله عنه في قوله: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ قال: النظر إلى وجه الله.
وأخرج الدارقطني عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى ﴾ قال: الجنة ﴿ وزيادة ﴾ قال: النظر إلى وجه الرب عز وجل.
وأخرج الدارقطني عن الضحاك رضي الله عنه قال: الزيادة النظر إلى وجه الله.
وأخرج ابن جرير والدارقطني عن عبد الرحمن بن سابط قال: الزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل.
وأخرج ابن جرير والدارقطني عن أبي إسحاق السبيعي رضي الله عنه في قوله: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى ﴾ قال: الجنة ﴿ وزيادة ﴾ قال: النظر إلى وجه الرحمن عز وجل.
وأخرج ابن جرير والدارقطني عن قتادة رضي الله عنه قال: ينادي المنادي يوم القيامة أن الله وعد الحسنى وهي الجنة، فأما الزيادة فهي النظر إلى وجه الرحمن.
قال: فيتجلى لهم حتى ينظروا إليه.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ قال: هو مثل قوله: ﴿ ولدينا مزيد ﴾ [ ق: 35] يقول: يجزيهم بعملهم ويزيدهم من فضله، وقال: ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ [ الأنعام: 160] .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى ﴾ قال: مثلها.
قال: ﴿ وزيادة ﴾ قال: مغفرة ورضوان.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علقمة بن قيس رضي الله عنه في الآية قال: الزيادة العشر ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ﴾ [ الأنعام: 160] .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في الآية قال: الزيادة الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في الآية قال: الزيادة ما أعطاهم في الدنيا لا يحاسبهم به يوم القيامة.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في الرؤية عن سفيان رضي الله عنه قال: ليس في تفسير القرآن اختلاف انما هو كلام جامع يراد به هذا وهذا.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ولا يرهق وجوههم ﴾ قال: لا يغشاهم ﴿ قتر ﴾ قال: سواد الوجوه.
وأخرج أبو الشيخ عن عطاء رضي الله عنه في الآية قال: القتر سواد الوجه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يرهق وجوههم قتر ﴾ قال: خزي.
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن صهيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة ﴾ قال: بعد نظرهم إلى الله عز وجل.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والدارقطني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة ﴾ قال: بعد نظرهم إلى ربهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ﴾ ، قال ابن عباس: يريد للذين قالوا لا إله إلا الله (١) ورُوي عن النبي أنه قال: "للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى وهي الجنة" (٢) ونحو ذلك قال ابن عباس في الحسنى؛ أنها الجنة (٣) وروى ليث، عن عبد الرحمن بن سابط (٤) (٥) قال ابن الأنباري: والعرب توقعها على الخلّة المحبوبة والخصلة المرغوب فيها المفروح بها، ولذلك لم توصف هاهنا ولم تنعت بشيء؛ لأن ما يعرفه العرب من أمرها يغني عن نعتها، يدل على ذلك قول امرئ القيس: فصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ...
ورُضْتُ فذلت صعبة أي إذلال (٦) أراد: فصرنا إلى الأمر المحبوب المأمول (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَزِيَادَةٌ ﴾ ، اختلفوا في هذه الزيادة؛ فروى أنس بن مالك أن النبي سئل عن هذه الآية فقال: "الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم" (٨) ونحو هذا (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) وقال آخرون: الزيادة تضعيف الحسنات بواحدة عشرة إلى سبعمائة، وهو قول ابن عباس في رواية العوفي (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) وروى الحكم، عن علي - - قال: الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب (٢٦) وقال ابن زيد: الزيادة ما أعطاهم في الدنيا من النعيم، لا يحاسبهم به يوم القيامة، بخلاف أهل النار؛ فإن ما يعطيهم الله تعالى في الدنيا من النعمة في مقابلة ما يأتون من حسنة ولا ثواب لهم يوم القيامة على أعمالهم (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ ﴾ أي لا يغشاها، يقال: رهقه ما يكرهه: أي غشيه ومصدره (٢٨) (٢٩) وقال تعالى: ﴿ قَتَرٌ ﴾ ، القتر والقترة: غبرة تعلوها سواد كالدخان، قال ابن عباس وقتادة (٣٠) (٣١) وقال عطاء: يريد دخان جهنم (٣٢) ﴿ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾ كما تصيب أهل جهنم، قال ابن أبي ليلى: هذا بعد نظرهم إلى ربهم [[رواه ابن جرير 11/ 109، وابن أبي حاتم 6/ 1946، والثعلبي 7/ 13 ب، والبغوي 4/ 130، وقد ضعف القرطبي هذا القول فقال: هذا فيه نظر؛ فإن الله -عز وجل- يقول: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ إلى قوله: == ﴿ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ ﴾ ، وقال في غير آية: ﴿ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ ، وقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾ الآية [فصلت: 30]، وهذا عام فلا يتغير -بفضل الله في موطن من المواطن لا قبل النظر ولا بعده- وجهُ المحسن بسواد من كآبة ولا حزن، ولا يعلوه شيء من دخان جهنم ولا غيره.
"الجامع لأحكام القرآن" 8/ 332.]].
(١) رواه ابن جرير 11/ 108، وابن أبي حاتم 6/ 1944، والبيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" باب: ما جاء في فضل الكلمة الباقية 1/ 84، والطبراني في كتاب "الدعاء" 3/ 1509، من رواية علي بن أبي طلحة.
(٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" 7/ 12 ب، وإبن مسنده في "الرد على الجهمية" ص 96، وأبو الشيخ والدارمي في "الرؤية"، وابن مردويه واللالكائي والخطيب وابن النجار، كما في "الدر المنثور" 3/ 547، وفي سند ابن منده والثعلبي متروك وهو: نوح بن أبي مريم كما في "الكاشف" 7/ 32، "تهذيب التهذيب" 347، ولم أطلع على سنده في المصادر الأخرى.
(٣) انظر تخريج أثر ابن عباس السابق، نفس المواضع.
(٤) هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط الجمحي المكي، تابعي ثقة كثير الإرسال، وكان من أصحاب ابن عباس الفقهاء، وتوفي سنة 118 هـ.
انظر: "الكاشف" 1/ 628 (3198)، "تهذيب التهذيب" 2/ 522، "تقريب التهذيب" ص 340 (3867).
(٥) وانظر قول ابن سابط في "تفسير ابن جرير" 11/ 107، وابن أبي حاتم 6/ 1945، "الدر المنثور" 3/ 548.
(٦) البيت في "ديوان امرئ القيس" ص 125، وانظر: "خزانة الأدب" 9/ 187، "لسان العرب" (روض) 3/ 1776.
(٧) انظر قول ابن الأنباري في "زاد المسير" 4/ 23، وذكر بعضه الرازي في "تفسيره" 17/ 77.
(٨) رواه الثعلبي 7/ 12 ب، وابن منده في "الرد على الجهمية" ص 96، وأبو الشيخ والدارقطني في "الرؤية" وابن مردويه واللالكائي والخطيب وابن النجار، كما في "الدر المنثور" 3/ 547 - 548 وفي سند الثعلبي وابن منده متروك وهو نوح بن أبي مريم، لكن أجل الحديث ومعناه في "صحيح مسلم" (297) كتاب الإيمان، باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم.
(٩) في (م): (ذلك).
(١٠) رواه ابن جرير 11/ 107، وابن أبي حاتم 6/ 1945، وفي سندهما مجهول، وذكره السيوطي عنهما، وزاد الدارقطني وابن مردويه واللالكائي والبيهقي في كتاب "الرؤية".
انظر: "الدر المنثور" 3/ 547.
(١١) رواه ابن خزيمة في كتاب "التوحيد" 1/ 450، وابن جرير في "تفسيره" 11/ 106، وابن منده في "الرد على الجهمية" ص 95، والبيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" 2/ 33، من رواية عامر بن سعد، وهو لم يلق أبا بكر، فروايته عنه مرسلة كما في "تهذيب التهذيب" 2/ 263 ورواه ابن خزيمة في المصدر السابق 2/ 453، والدارمي في "الرد على الجهمية" ص61، من رواية عامر بن سعد، عن سعيد بن نمران عنه، وسعيد مجهول كما في "ميزان الاعتدال" 1/ 392، و"لسان الميزان" 3/ 46 فالأثر ضعيف.
وانظر: "تفسير الطبري" 15/ 63 ت: شاكر).
(١٢) رواه ابن خزيمة في كتاب "التوحيد" 1/ 452، وابن جرير 15/ 64، وابن أبي حاتم 6/ 1945 وغيرهم.
انظر: "الدر المنثور" 3/ 548.
(١٣) المصادر السابقة، نفس المواضع عدا الأول ففي 1/ 456.
(١٤) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 7/ 12 بغير سند، وكذلك القرطبي 8/ 330، وبمعناه رواه أبو الشيخ وابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 547.
(١٥) ذكره عنه بغير سند الثعلبي 7/ 12 ب، والبغوي 4/ 130، وابن القيم في "حادي الأرواح" ص 412.
(١٦) رواه البيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" 1/ 184 من رواية عكرمة، وذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 4/ 24، وابن القيم في "حادي الأرواح" ص 412، كما أشار إليه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1944.
(١٧) هو: أوس بن عبد الله الربعي.
(١٨) ذكره عنه الثعلبي 7/ 12 ب.
(١٩) رواه الثعلبي 7/ 12 ب، والبغوي 4/ 130، وذكره بغير سند ابن أبي حاتم 6/ 1944، وابن الجوزي 4/ 24، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 545.
(٢٠) المصادر السابقة، نفس المواضع.
(٢١) المصادر السابقة، نفس المواضع، وانظر: "تفسيره" 140 أ.
(٢٢) رواه ابن جرير 11/ 107، والثعلبي 7/ 13 أ، والبغوي 4/ 130.
(٢٣) رواه ابن جرير 11/ 107 - 108، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 549.
(٢٤) رواه ابن جرير 11/ 107، وابن أبي حاتم 6/ 1946.
(٢٥) انظر المصدرين السابقين، نفس الموضع، "تفسير الثعلبي" 7/ 12 أ، والبغوي 4/ 130.
(٢٦) رواه ابن جرير 11/ 107، وابن أبي حاتم 6/ 1945، والثعلبي 7/ 13 أ، والأثر ضعيف؛ لأنه من رواية الحكم، عن علي وهو لم يسمع منه، فقد ولد سنة 50 هـ، انظر: "تهذيب التهذيب" 1/ 466 - 467.
(٢٧) رواه بنحوه ابن جرير 11/ 108، ورواه مختصرًا بن أبي حاتم 6/ 1946، والثعلبي 7/ 13 أ.
(٢٨) في (ح) و (ز): (ومصدر).
(٢٩) ذكره بلفظه المؤلف في "الوسيط" 2/ 545، وذكره السيوطي بمعناه في "الدر المنثور" 3/ 549، وعزاه إلى ابن جرير وابن أبي حاتم، ولم أجده عندهما.
(٣٠) ساقط من (ى).
(٣١) رواه عنهما الثعلبي 7/ 13 ب، والبغوي 4/ 130، ورواه عن ابن عباس الإمام ابن جرير 11/ 109، وابن أبي حاتم 6/ 1946، ولم تذكر هذه المصادر لفظ: من الكآبة.
(٣٢) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 25، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 545.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والله يدعوا إلى دَارِ السلام ﴾ أي إلى الجنة، وسميت دار السلام أي دار السلامة من العناء والتعب، وقيل: السلام هنا اسم الله: أي يدعو إلى داره ﴿ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ ذكر الدعوة إلى الجنة عامة مطلقة والهداية خاصة بمن يشاء ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ ﴾ الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله، وقيل: الحسنى جزاء الحسنة بعشر أمثالها والزيادة التضعيف فوق ذلك إلى سبعمائة، والأول أصح لوروده في الحديث وكثرة القائلين به ﴿ قَتَرٌ ﴾ أي غبار بغير الوجه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لقضي إليهم ﴾ مبنياً للفاعل ﴿ أجلهم ﴾ بالنصب: ابن عامر ويعقوب.
الآخرون مبنياً للمفعول ورفع ﴿ أجلهم ﴾ أو بدله بضم اللام وسكون الهاء: روى خلف عن الكسائي والاختبار عنه وعن غيره الإشمام ﴿ لي أن ﴾ بفتح الياء وكذلك ﴿ إني أخاف ﴾ : أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ نفسي أن ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.
﴿ ولأدراكم ﴾ بلام الابتداء فعلاً مثبتاً: روى أبو ربيعة عن البزي وحمزة.
وقرأ حمزة وعلي وأبو عمرو وخلف وورش من طريق النجاري والخراز عن جبيرة وهبيرة وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان، وحماد ويحيى من طريق أبي حمدون بالإمالة فعلاً ماضياً منفياً بلا.
الباقون:مثله ولكن بالتفخيم.
﴿ تشركون ﴾ بتاء الخطاب وكذلك في "النحل" و "الروم": حمزة وعلي وخلف.
الباقون بالياء.
الوقوف: ﴿ أجلهم ﴾ ط لأن ما بعده مستقبل فنحن نذر ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ أو قائماً ﴾ ط ﴿ مسه ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ ليؤمنوا ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ أو بدله ﴾ ط.
﴿ نفسي ﴾ ج ط لأن "ان" النافية لها صدر الكلام ولكن القائل متحد ﴿ إليّ ﴾ ط ج لمثل ما قلنا ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ به ﴾ ط والوصل أولى للفاء أو لشدة اتصال المعنى ﴿ من قبله ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ فاختلفوا ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ج ط للابتداء بالأمر مع الفاء ﴿ فانتظروا ﴾ ج لاحتمال الابتداء أو التعليل ﴿ المنتظرين ﴾ ه.
التفسير: إنه ابتدأ في هذه السورة بذكر شبهات القوم؛ فالأولى أنهم تعجبوا من تخصيص الله محمداً بالنبوة فأزال ذلك التعجب بالإنكار وبالدلائل الدالة على صحة المبدا والمعاد فكأنه قيل: إنه ما جاء إلا بدليل التوحيد والإقرار بالمعاد فليس للتعجب معنى.
ثم شرع في شبهة أخرى وهي أنهم كانوا يقولون أبداً اللهم إن كان محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء فأجابهم بقوله: ﴿ ولو يعجل الله ﴾ الآية.
وقال القاضي: لما ذكر الوعيد على عدم الإيمان بالمبدإ والمعاد ذكر أن ذلك العذاب من حقه أن يتأخر عن هذه الحياة الدنيا وإلا نافى التكليف.
وقال القفال: لما وصفهم فيما مر بالغفلة أكد ذلك بأن من غاية غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب فبيّن الله تعالى أنه لا مصلحة في تعجيل إيصال الشر إليهم فلعلهم يؤمنون، أو يخرج من أصلابهم من يؤمن.
كانوا عند نزول الشدائد يدعون الله بكشفها كما يجيء في الآية التالية، وفي الرخاء كانوا يستعجلون النبي بالعذاب فقال ما معناه: ولو عجلنا لهم الشر الذي دعوا به كما يعجل لهم الخير ونجيبهم إليه لأميتوا وأهلكوا.
قال في الكشاف: أصل الكلام ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير.
فوضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل منه لهم.
وقيل: التعجيل معناه طلب العجلة إلا أن الاستعجال أشهر وأظهر.
فمعنى الآية لو أراد الله عجلة الشر للناس كما أرادوا عجلة الخير لهم.
وقيل: هما متلازمان فكل معجل يلزمه الاستعجال إلا أنه وصف نفسه بتكوين العجلة ووصفهم بطلبها لأن اللائق به التكوين واللائق بهم الطلب.
وسمي العذاب في الآية شراً لأنه أذى وألم في حق المعاقب به.
ثم إن قوله ﴿ لو يعجل ﴾ كان متضمناً لمعنى نفي التعجيل فيمكن أن يكون قوله ﴿ فنذرهم ﴾ معطوفاً على منوي كأنه قيل: ولكن لا يعجل فيذرهم إلزاماً للحجة أو لمصالح أخرى.
ثم بين أنهم كاذبون في استعجال الشر ولو أصابهم ما طلبوه أظهروا العجل والطيش فقال: ﴿ وإذا مس الإنسان الضر ﴾ أي هذا الجنس ﴿ دعانا لجنبه ﴾ اللام في معنى الوقت كقولك: جئته لشهر كذا.
وإن شئت قلت في موضع الحال لأن الظرف والحال متآخيان فيصح عطف أحدهما على الآخر وتأويل أحدهما بالآخر أي دعانا مضطجعاً ﴿ أو قاعداً أو قائماً ﴾ أو وقت اضطجاعه وقعوده وقيامه.
والمراد أنه يدعو الله في جميع أحواله لا يفتر عن الدعاء.
ثم إن خص الضر بالمرض احتمل أن يراد أنه يدعو الله حين كان مضطجعاً غير قادر على القعود أو قاعداً غير قادر على القيام، أو قائماً لا يطيق المشي إلى أن يخف كل الخفة ويرزق الصحة بكمالها.
أو يراد أن من المضرورين من هو أسوأ حالاً وهو صاحب الفراش، ومنهم من هو أخف وهو القادر على القعود، ومنهم المستطيع للقيام وكلهم لا يصبرون على الضراء.
قال بعض المفسرين: الإنسان ههنا هو الكافر.
ومنهم من بالغ فقال: كل موضع في القرآن ورد فيه ذكر الإنسان فالمراد به الكافر.
وهذا شبه تحكم لورود مثل قوله : ﴿ هل أتى على الإنسان ﴾ إلا أن يساعده نقل صحيح.
والأصح عند العلماء العموم لأن الإنسان خلق ضعيفاً لا يصبر على اللأواء ولا يشكر عند النعماء إلا من عصمه الله وقليل ما هم، وهم الذين نظرهم في جميع الأحوال على المقدر المؤجل للأمور حسب إرادته ومشيئته فلا جرم إن أصابهم السراء شكروا وإن أصابهم الضراء صبروا فأفنوا إرادتهم في إرادته ورضوا بقضائه.
قال الزجاج: في الآية تقديم وتأخير والتقدير: وإذا مس الإنسان الضر لجنبه أو قاعداً أو قائماً: وضعف بأن تعديد أحوال الدعاء أبلغ من تعديد أحوال الضر لأنه إذا كان داعياً على الدوام ثم نسي ذلك في وقت الرخاء كان أعجب.
ومعنى ﴿ مرّ ﴾ مضى على طريقته التي له قبل مس الضراء ومرّ عن موقف الدعاء والتضرع لا يرجع إليه.
ومعنى ﴿ كأن لم يدعنا ﴾ كأنه لم يدعنا فخفف وحذف ضمير الشأن ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك التزيين ﴿ زين للمسرفين ما كانوا يعملون ﴾ من تتبع الشهوات.
والمزين هو الله أو النفس أو الشيطان مفرع عن مسألة الجبر والقدر وقد مر مراراً.
قال العلماء: سمي الكافر مسرفاً لأنه أنفق ماله من الاستعداد الشريف من القوى البدنية والأموال النفيسة في الأمور الخسيسة الزائلة من الأصنام التي هي أحقر من لا شيء، ومن الشهوات الفانية التي لا أصل لها ولا دوام.
والمسرف في اللغة هو الذي ينفق المال الكثير لأجل الغرض الخسيس فصح ما قلنا.
ثم ذكر ما يجري مجرى الردع والزجر لهم عن إلقاء الشبه والأغاليط فقال: ﴿ ولقد أهلكنا القرون ﴾ وقد مضى تفسير القرن في أول الأنعام ﴿ ولما ﴾ ظرف لأهلكنا والواو في ﴿ وجاءتهم ﴾ للحال أي ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم ﴿ رسلهم ﴾ بالدلائل والحجج على صدقهم وهي المعجزات.
وقوله: ﴿ وما كانوا ليؤمنوا ﴾ إما أن يكون عطفاً على ﴿ ظلموا ﴾ أو يكون اعتراضاً واللام لتأكيد النفي، وإن الله قد علم منهم أنهم يصرون على الكفر والسبب في إهلاكهم تكذيب الرسل وعلم الله بإصرارهم ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الجزاء وهو الاستئصال الكلي نجزي كل مجرم، وفيه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم رسول الله .
ثم خاطب الذين بعث إليهم رسول الله بقوله: ﴿ ثم جعلناكم خلائف ﴾ أي استخلفناكم ﴿ في الأرض ﴾ بعد تلك القرون ﴿ لننظر كيف تعملون ﴾ خيراً أو شراً.
استعير النظر للعمل الحقيقي الذي لا يتطرق إليه شك، ويعني به العلم الذي يتعلق به الجزاء كما مر في "الأعراف".
قال قتادة: صدق الله ربنا ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا فأروا الله من أعمالكم خيراً بالليل والنهار.
ثم حكى نوعاً ثالثاً من شبهاتهم فقال: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ أي لا يؤمنون بالمعاد لأن كل من كان مؤمناً بالنشور فإنه يرجو ثواب الله ويخاف عقابه، وانتفاء اللازم دليل انتفاء الملزوم.
طلبوا من الرسول أحد أمرين: إما الإتيان بقرآن غير هذا القرآن مع بقاء هذا القرآن على حاله، إما تبديل هذا القرآن بنسخ بعض الآيات ووضع أخرى في مكانها.
فأمره الله أن يقول في جوابهم ﴿ ما يكون لي ﴾ أي ما ينبغي وما يحل ﴿ أن أبدله من تلقاء نفسي ﴾ من قبل نفسي فنفى عن نفسه أحد القسمين الذي هو أسهل وأقل ليلزم منه نفي الأصعب الأكثر بالطريق الأولى.
ثم أكد الجواب بقوله: ﴿ إن أتبع ﴾ أي ما أتبع ﴿ إلا ما يوحى إلي ﴾ إن نسخت آية تبعت النسخ وإن بدلت آية مكان آية تبعت التبديل.
وقد تمسك بهذا نفاة القياس ونفاة جواز الاجتهاد وأجيب بأن رجوعهما أيضاً إلى الوحي.
ونقل عن ابن عباس أن قوله: ﴿ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ منسوخ بقوله: ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ وضعف بأن النسخ إنما يكون في الأحكام والتعبدات لا في ترتيب العقاب على المعصية.
قال المفسرون: هذا الالتماس منهم يحتمل أن يكون على سبيل السخرية.
فقد روى مقاتل والكلبي أنهم خمسة نفر من مشركي مكة وهم المستهزؤون في قوله: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين ﴾ .
ويحتمل أن يكون على سبيل التجربة والامتحان حتى إنه إن فعل ذلك علموا أنه كاذب، أو أرادوا أن هذا القرآن مشتمل على ذم آلهتهم فطلبوا قرآناً آخر لا يكون كذلك.
ثم أكد كون هذا القرآن من عند الله وأنه غير مستبد في إيراده فقال: ﴿ لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ﴾ ولا أعلمكم الله ﴿ به ﴾ على لساني.
ومن قرأ بلام الابتداء.
فمعناه ما تلوته أنا عليكم ولأخبركم الله به على لسان غيري، ولكنه يمنّ على من يشاء من عباده فرآني أهلاً لذلك دون غيري.
وقرىء ﴿ لا أدرأكم به ﴾ بالهمزة.
ووجهه أن تكون الهمزة مقلوبة من الألف، أو يكون من الدرء الدفع.
ومعنى ادرأته جعلته دارئاً أي لم أجعلكم بتلاوته خصماً تدرؤنني بالجدال وتكذبونني ﴿ فقد لبثت فيكم عمراً ﴾ أي بعضاً معتبراً من العمر وهو أربعون سنة ﴿ من قبله ﴾ أي من قبل نزول القرآن ﴿ أفلا تعقلون ﴾ فيه قدح في صحة عقولهم لأن ظهور مثل هذا الكتاب العظيم المشتمل على علوم الأوّلين والآخرين المعجز للثقلين عن معارضته على من عرفوا حاله من عدم التعلم والمدارسة ومخالطة العلماء إذا شك فيه أنه من قبيل الوحي والمدد السماوي، كان ذلك إنكاراً للضروريات وافتراء على الله فلهذا قال ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ الآية.
وفيه أن هذا القرآن لو لم يكن من عند الله ثم نسبه الرسول إلى الله لم يكن أحد أظلم منه.
ثم قبح الله أصنامهم معارضة لهم بنقيض مقصودهم من الالتماس فقال ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ﴾ إن لم يعبدوه ﴿ ولا ينفعهم ﴾ إن عبدوه ومن حق المعبود أن يكون مثيباً معاقباً.
وفيه إشعار بأنها جماد، والمعبود لا بد أن يكون أكمل من العابد، وإذا كانت المنافع والمضار كلها من الله فلا تليق العبادة إلا له ﴿ ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ قد ذكرنا وجه ذلك في أوائل سورة البقرة في قوله: ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون ﴾ ثم أنكر عليهم معتقدهم بقوله: ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم ﴾ والمراد أنه لا وجود لكونهم شفعاء إذ لو كان موجوداً لكان معلوماً للعالم بالذات المحيط بجميع المعلومات وهذا مجاز مشهور.
تقول: ما علم الله ذلك مني.
والمقصود أنه ما وجد منك ذلك قط.
وفي قوله: ﴿ في السموات ولا في الأرض ﴾ تأكيد آخر لنفيه لأن ما لم يوجد فيهما فهو منتفٍ معدوم.
قوله: { وتعالى عما يشركون} إما أن يكون من تمام ما أمر النبي أن يقول لهم، أو ابتداء كلام من الله تنزيهاً لنفسه عن إشراكهم أو عن الشركاء الذين يشركونهم به.
ثم بيّن أن عبادة الأصنام بدعة وأن الناس - يعني العرب أو البشر كلهم - كانوا على الدين الحق فاختلفوا.
وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة في قوله: ﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ والمقصود ههنا تقبيح صورة الشرك وعبادة الأصنام من دون الله في أعينهم، وتنفير طباعهم عن مثل هذا الأمر المستحدث الفظيع ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ من بناء أمر الثواب والعقاب على التكليف لا على الإلجاء والقسر، أو من تأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة، أو من قوله: "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ لقضى بينهم ﴾ عاجلاً ولميز المحق من المبطل.
ثم ذكر نوعاً رابعاً من أغاليطهم فقال: ﴿ ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد مر تفسيره في "الأنعام" في قوله: ﴿ لولا نزل عليه آية من ربه ﴾ كأنهم لم يعتدّوا بالقرآن آية فاقترحوا غيره تعنتاً.
﴿ فقال إنما الغيب لله ﴾ هو المختص بعلمه ﴿ فانتظروا ﴾ نزول ما اقترحتموه وهذا أمر فيه تهديد ووعيد والله ورسوله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ ﴾ اختلف فيه؛ قيل: الجنة، والسلام: الله أضافها إلى نفسه؛ كقوله: ﴿ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ ﴾ فأضاف الجنة إلى السلام إن كان دار السلام هي الجنة، فهو - والله أعلم - لأن المساجد هي أمكنة يقام فيها القرب، والجنة هي مكان اللذة وقضاء الشهوة، فأضافها إلى السلام لما يسلم أهلها عن جميع الآفات، والمساجد خصت بالإضافة إلى الله ؛ لأنها أمكنة يقام فيها القرب.
وقال بعضهم: دار السلام: الإسلام.
ثم يحتمل كل واحد من التأويلين وجهين بما سمى الإسلام دار السلام والجنة، كذلك سمى الإسلام دار السلام؛ لأنه يأمن ويسلم كل من دخل فيه عن جميع الأهوال والآفات التي تكون.
والثاني: سمى [الإسلام دار السلام] أضافه إلى نفسه؛ كقوله: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ...
﴾ الآية [الزمر: 22]، أخبر أنه على نور من ربه؛ فعلى ذلك إضافة الإسلام إليه.
ومن قال: دار السلام الجنة سمى دار السلام؛ لأن كل من دخل الجنة سلم وأمن عن الأهوال كلها والآفات جميعاً.
والثاني: دار: الجنة، والسلام: الله أضاف إليه؛ لأنها دار أوليائه، وقد تضاف إلى الله على إرادة أوليائه، والله أعلم.
وروي في بعض الأخبار عن أبي قلابة أن النبي قال: "قيل لي لتنم عينك، وليعقل قلبك، ولتسمع أذنك فنامت عيني وعقل قلبي وسمعت أذني، ثم قيل لي: سيد بنى داراً وجعل مأدبة وأرسل داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ورضي عنه السيد، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة ولم يرض عنه السيد فالله السيد، والدار الإسلام، والمأدبة الجنة، والداعي محمد " إن ثبت هذا الخبر ففيه أن الدار الإسلام على ما قاله بعض أهل التأويل وفي خبر آخر عن جابر بن عبد الله قال: "خرج علينا رسول الله يوماً فقال: رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي، قال أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا، قال: اسمع سمعت أذنك، وأعقل عقل قلبك، إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ داراً ثم بنى فيها بنياناً فأتمه، ثم جعل فيها المأدبة، ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تركه، فالله الملك والدار الإسلام والبيت الجنة، وأنت يا محمد الرسول، ومن أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل ما فيها" هذا يدل - أيضاً - إن ثبت أن الدار التي ذكر في الآية هو الإسلام، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ...
﴾ الآية: ذكر الاستثناء في الهداية، ولم يذكر في الدعاء؛ ليعلم [أن] لا كل من يدعو إلى دار السلام يهديه، وإنما [يهدي به] من يعلم منه أنه يختار الهدى وذلك على القدرية.
ثم الهدى على وجوه ثلاثة.
أحدها: الدعاء كقوله: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ .
والثاني: هو البيان كقوله: ﴿ هُدًى وَرَحْمَةً ﴾ يعني القرآن.
والثالث: التوفيق والعصمة إذا وفق اهتدى، والهدى هاهنا التوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ﴾ : اختلف فيه؛ قال بعضهم: للذين أحسنوا في الدنيا لهم الحسنى في الآخرة جزاء ذلك الإحسان وهي الجنة، سمى الجنة الحسنى؛ لأنها جزاء الإحسان، كما سمى النار السوءى؛ كقوله: ﴿ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤأَىٰ ﴾ لأنها جزاء السوء؛ كقوله: ﴿ هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ ﴾ ﴿ وَزِيَادَةٌ ﴾ قيل: المحبة في قلوب العباد يحبه كل محسن، وهيبة له في قلوب الناس يهابه كل أحد على غير سلطان له ولا يد.
وقال قائلون: قوله: ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ﴾ أي: مثل تلك الحسنة وزيادة التضعيف، حتى تكون عشرا وسبعمائة وما شاء الله، يدل على ذلك قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا ﴾ .
وقال قائلون: [قوله]: ﴿ وَزِيَادَةٌ ﴾ الرؤية: رؤية الرب والنظر؛ كقوله : ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ .
وقال قائلون: الزيادة قبول حسناته مع ما فيها من الخلط بالسيئات، يقبل حسناته بفضله.
وإن كانت تشوبها السيئات ورضاه عنه، وذلك طريقه الفضل والإحسان؛ إذ قد سبق من الله إليه من النعم ما لا يقدر القيام على وفاء نعمة منها طول عمره.
وعن علي بن أبي طالب - - قال: "الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب".
فلا ندري ما الزيادة التي ذكرها عز وجل في الآية إلا بالخبر عن الله.
وقال قائلون: الحسنى ما تقدره العقول وتدركها وتصورها الأوهام، وأما الزيادة فهي التي لا تقدرها العقول ولا تدركها ولا تصورها الأوهام؛ كقوله : "ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ ﴾ قيل: لا يغشى وجوههم الغبار والريح على ما وصف وجوه أهل النار، وهو قوله: ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴾ ، ولكن على ما وصف وجوه أهل الجنة بقوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ ﴾ ، وذلك - والله أعلم - آثار إحسانهم التي أحسنوا في الدنيا، ولما لم يروا النعم التي كانت لهم من سواه ولم يصرفوا شكرها إلى غيره، والغبرة والقترة التي ذكر لأهل النار هي آثار السيئات التي عملوها في الدنيا من عبادتهم دون الله وصرفهم شكر النعم إلى غيره ونحو ذلك من صنيعهم الذي صنعوا في الدنيا، والله أعلم.
﴿ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
للذين أحسنوا بالقيام بما أوجبه الله عليهم من الطاعات، وترك ما حرم عليهم من المعاصي؛ المثوبة الحسنى، وهي الجنّة، ولهم زيادة عليها، وهي النظر إلى وجه الله الكريم، ولا يغشى وجوههم غبار، ولا يغشاها هوان ولا خزي، أولئك المتصفون بالإحسان أصحاب الجنّة هم فيها ماكثون.
<div class="verse-tafsir" id="91.ZdDyq"