تفسير الآية ٢٧ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٢٧ من سورة يونس

وَٱلَّذِينَ كَسَبُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍۭ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌۭ ۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍۢ ۖ كَأَنَّمَآ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ مُظْلِمًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ٢٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 75 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٢٧ من سورة يونس من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٢٧ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما أخبر تعالى عن حال السعداء الذين يضاعف لهم الحسنات ، ويزدادون على ذلك ، عطف بذكر حال الأشقياء ، فذكر عدله تعالى فيهم ، وأنه يجازيهم على السيئة بمثلها ، لا يزيدهم على ذلك ، ( وترهقهم ) أي : تعتريهم وتعلوهم ذلة من معاصيهم وخوفهم منها ، كما قال تعالى : ( وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي ) [ الشورى : 45 ] ، وقال تعالى : ( ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب ) [ إبراهيم : 42 - 44 ] ، وقوله ( ما لهم من الله من عاصم ) أي : من مانع ولا واق يقيهم العذاب ، كما قال تعالى : ( يقول الإنسان يومئذ أين المفر كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر ) [ القيامة : 10 - 12 ] .

وقوله : ( كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما ) إخبار عن سواد وجوههم في الدار الآخرة ، كما قال تعالى : ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون ) [ آل عمران : 106 ، 107 ] ، وكما قال تعالى : ( وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة ) [ عبس : 38 - 42 ] .

الآية .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: والذين عملوا السيئات في الدنيا، فعصوا الله فيها، وكفروا به وبرسوله (22) ، ( جزاء سيئة )، من عمله السيئ الذي عمله في الدنيا ، ( بمثلها )، من عقاب الله في الآخرة ، (وترهقهم ذلة) ، يقول: وتغشاهم ذلة وهوان، بعقاب الله إياهم (23) ، ( ما لهم من الله من عاصم) ، يقول: ما لهم من الله من مانع يمنعهم ، إذا عاقبهم ، يحول بينه وبينهم.

* * * وبنحو الذي قلنا قوله: " وترهقهم ذلة " قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 17646- حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (وترهقهم ذلة) ، قال: تغشاهم ذلة وشدّة.

* * * واختلف أهل العربية في الرافع ل " الجزاء " .

فقال بعض نحويي الكوفة: رُفع بإضمار " لهم "، كأنه قيل: ولهم جزاء السَّيئة بمثلها، كما قال: فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ، [سورة البقرة: 196] ، والمعنى: فعليه صيام ثلاثة أيام، قال: وإن شئت رفعت الجزاءَ بالباء في قوله: ( جزاء سيئة بمثلها ) .

(24) * * * وقال بعض نحويي البصرة: " الجزاء " مرفوع بالابتداء، وخبره (بمثلها) .

قال: ومعنى الكلام: جزاء سيئة مثلها، وزيدت " الباء " ، كما زيدت في قوله: " بحسبك قول السُّوء ".

وقد أنكر ذلك من قوله بعضُهم ، فقال: يجوز أن تكون " الباء " في " حسب " [ زائدة (25) ] لأن التأويل: إن قلت السوء فهو حسبك ، فلما لم تدخل في الخبر، (26) أدخلت في " حسب " ، " بحسبك أن تقوم " : إن قمت فهو حسبك.

(27) فإن مُدح ما بعد " حسب " أدخلت " الباء " ، فيما بعدها ، كقولك: " حسبك بزيد "، ولا يجوز " بحسبك زيد "، لأن زيدًا الممدوح ، فليس بتأويل خبَرٍ .

(28) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ، أن يكون " الجزاء " مرفوعًا بإضمارٍ، بمعنى: فلهم جزاء سيئة بمثلها، لأن الله قال في الآية التي قبلها: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ، فوصف ما أعدَّ لأوليائه، ثم عقب ذلك بالخبر عما أعدّ الله لأعدائه، فأشبهُ بالكلام أن يقال: وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة، وإذا وُجِّه ذلك إلى هذا المعنى ، كانت الباء صلة للجزاء.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (27) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: كأنما ألبست وجوه هؤلاء الذين كسبوا السيئات (29) ، ( قِطَعًا من الليل)، وهي جمع " قطعة ".

* * * وكان قتادة يقول في تأويل ذلك ما:- 17647- حدثنا به محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر ، عن قتادة: (كأنما أغشيت وجوههم قطعًا من الليل مظلمًا) ، قال: ظلمة من الليل.

* * * واختلفت القراء في قراءة قوله تعالى: (قطعًا) فقرأته عامة قراء الأمصار: (قِطَعًا) بفتح الطاء ، على معنى جمع " قطعة "، وعلى معنى أنَّ تأويل ذلك: كأنما أُغشِيَت وَجْه كل إنسان منهم قطعةٌ من سواد الليل، ثم جمع ذلك فقيل: كأنما أغشيت وجوههم قطعا من سواد، إذ جُمِع " الوجه ".

* * * وقرأه بعض متأخري القراء: " قِطْعًا " بسكون الطاء، بمعنى: كأنما أغشيت وجوههم سوادًا من الليل، وبقيةً من الليل، ساعةً منه، كما قال: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ، [سورة هود: 81 /سورة الحجر: 65] ، أي: ببقية قد بقيت منه.

ويعتلُّ لتصحيح قراءته كذلك، أنه في صحف أبيّ: (وَيَغْشَى وُجُوهَهُمْ قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمٌ).

(30) * * * قال أبو جعفر : والقراءة التي لا يجوز خلافها عندي ، قراءةُ من قرأ ذلك بفتح الطاء، لإجماع الحجة من قراء الأمصار على تصويبها ، وشذوذ ما عداها.

وحسبُ الأخرى دلالةً على فسادها، خروج قارئها عما عليه قراء أهل أمصار الإسلام.

(31) * * * فإن قال لنا قائل: فإن كان الصواب في قراءة ذلك ما قلت، فما وجه تذكير " المظلم " وتوحيده، وهو من نعت " القطع " ، و " القطع "، جمع لمؤنث؟

قيل : في تذكير ذلك وجهان: (32) أحدهما: أن يكون قَطْعًا من " الليل " (33) .

وإن يكون من نعت " الليل "، فلما كان نكرةً ، و " الليل " معرفةً ، نصب على القَطْع، فيكون معنى الكلام حينئذ: كأنما أغشيت وجوههم قطعًا من الليل المظلم ، ثم حذفت الألف واللام من " المظلم "، فلما صار نكرة وهو من نعت " الليل " ، نصب على القطع.

وتسمي أهل البصرة ما كان كذلك " حالا "، والكوفيون " قطعًا ".

والوجه الآخر : على نحو قول الشاعر: (34) * لَوْ أَنَّ مِدْحَةَ حَيٍّ مُنْشِرٌ أَحَدًا * (35) والوجه الأوّل أحسن وجهيه.

وقوله: (أولئك أصحاب النار) ، يقول: هؤلاء الذين وصفت لك صفتهم أهلُ النار الذين هم أهلها (36) ، (هم فيها خالدون) ، يقول: هم فيها ماكثون.

(37) ------------------------ الهوامش : (22) انظر تفسير " كسب " فيما سلف من فهارس اللغة ( كسب ) ، ( سوأ ) .

(23) انظر تفسير " الرهق " فيما سلف قريبًا ص : 72 .

، وتفسير " ذلة " فيما سلف ص : 72 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(24) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1 : 461 ، وفي المطبوعة : " وجزاء سيئة بمثلها " بالواو ، وفي معاني القرآن للفراء " فجزاء " بالفاء ، ولا أجد في القرآن آية فيها مثل ذلك بالواو أو بالفاء ، وإنما عني هذه الآية بعينها .

(25) الزيادة بين القوسين لا بد منها حتى يستقيم الكلام .

(26) في المطبوعة والمخطوطة : " لم تدخل في الجزاء " ، وهو خطأ لا ريبة فيه .

(27) أخشى أن يكون سقط من الكلام شيء .

(28) في المطبوعة والمخطوطة في هذا الموضع أيضًا : " فليس بتأويل جزاء " ، وهو فساد لا شك فيه .

(29) انظر تفسير " الإغشاء " فيما سلف 12 : 483 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(30) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 462 .

(31) في المطبوعة : " أهل الأمصار والإسلام " ، وهو عبث سخيف .

(32) في المطبوعة : " في تذكيره " ؛ بالهاء مضافة ، وهو عبث أيضًا .

(33) " القطع " ( بفتح فسكون ) ، الحال ، كما سلف مرارًا شرحه وبيانه ، وانظر ما سلف 11 : 455 / 12 : 477 ، وفهارس المصطلحات .

وقد بين الطبري في هذا الموضع بأحسن البيان عن معنى " القطع " ، وقد سلف كلامنا فيه مرارًا .

(34) هو أبو ذؤيب .

(35) ديوانه : 113 ، في آخر قصيدة له ، ورواية الديوان : لَـوْ كـان مِدْحَـةَ حَـيٍّ مُنْشِـرٌ أَحَدًا أَحْــيَى أُبُــوَّتَكِ الشُّــمَّ الأَمَـادِيحُ وهذا لا شاهد فيه ، ويروى : * لَـوْ كـان مِدْحَةَ حَيٍّ مُنْشِرٌ أَحَدًا * وهذا شاهد .

(36) انظر تفسير " أصحاب النار " فيما سلف من فهارس اللغة ( صحب ) .

(37) انظر تفسير " الخلود " ، فيما سلف من فهارس اللغة ( خلد ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدونقوله تعالى والذين كسبوا السيئات أي عملوا المعاصي .

وقيل : الشرك جزاء سيئة بمثلها " جزاء " مرفوع بالابتداء ، وخبره بمثلها .

قال ابن كيسان : الباء زائدة ; والمعنى جزاء سيئة مثلها .

وقيل : الباء مع ما بعدها الخبر ، وهي متعلقة بمحذوف قامت مقامه ، والمعنى : جزاء سيئة كائن بمثلها ; كقولك : إنما أنا بك ; أي إنما أنا كائن بك .

ويجوز [ ص: 245 ] أن تتعلق ب " جزاء " التقدير : جزاء سيئة بمثلها كائن ; فحذف خبر المبتدأ .

ويجوز أن يكون جزاء مرفوعا على تقدير فلهم جزاء سيئة ; فيكون مثل قوله : فعدة من أيام أخر أي فعليه عدة ، وشبهه ; والباء على هذا التقدير تتعلق بمحذوف ، كأنه قال لهم جزاء سيئة ثابت بمثلها ، أو تكون مؤكدة أو زائدة .

ومعنى هذه المثلية أن ذلك الجزاء مما يعد مماثلا لذنوبهم ، أي هم غير مظلومين ، وفعل الرب جلت قدرته وتعالى شأنه غير معلل بعلة .وترهقهم ذلة أي يغشاهم هوان وخزي .ما لهم من الله أي من عذاب الله من عاصم أي مانع يمنعهم منه كأنما أغشيت أي ألبست وجوههم قطعا جمع قطعة ، وعلى هذا يكون مظلما حالا من الليل أي أغشيت وجوههم قطعا من الليل في حال ظلمته .

وقرأ الكسائي وابن كثير " قطعا " بإسكان الطاء ; ف " مظلما " على هذا نعت ، ويجوز أن يكون حالا من الليل .

والقطع اسم ما قطع فسقط .

وقال ابن السكيت : القطع طائفة من الليل ; وسيأتي في " هود " إن شاء الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر أصحاب الجنة ذكر أصحاب النار، فذكر أن بضاعتهم التي اكتسبوها في الدنيا هي الأعمال السيئة المسخطة لله، من أنواع الكفر والتكذيب، وأصناف المعاصي، فجزاؤهم سيئة مثلها أي‏:‏ جزاء يسوؤهم بحسب ما عملوا من السيئات على اختلاف أحوالهم‏.‏ ‏{‏وَتَرْهَقُهُمْ‏}‏ أي‏:‏ تغشاهم ‏{‏ذِلَّةٌ‏}‏ في قلوبهم وخوف من عذاب الله، لا يدفعه عنهم دافع ولا يعصمهم منه عاصم، وتسري تلك الذلة الباطنة إلى ظاهرهم، فتكون سوادًا في الوجوه ‏.‏ ‏{‏كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}‏ فكم بين الفريقين من الفرق، ويا بعد ما بينهما من التفاوت‏؟‏‏!‏ ‏{‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ‏}‏ ‏{‏ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ‏}‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها ) أي : لهم مثلها ، كما قال : " ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها " ( الأنعام - 160 ) .

( وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم ) و " من " صلة ، أي : مالهم من الله عاصم ، ( كأنما أغشيت ) ألبست ، ( وجوههم قطعا ) جمع قطعة ، ( من الليل مظلما ) نصبت على الحال دون النعت ، ولذلك لم يقل : مظلمة ، تقديره : قطعا من الليل في حال ظلمته ، أو قطعا من الليل المظلم .

وقرأ ابن كثير والكسائي ويعقوب : " قطعا " ساكنة الطاء ، أي بعضا ، كقوله : " بقطع من الليل " ( هود - 81 ) .

( أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والذين» عطف على الذين أحسنوا، أي وللذين «كسبوا السيئات» عملوا الشرك «جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من» زائدة «عاصم» مانع «كأنما أغشيت» أُلبست «وجوههم قطعا» بفتح الطاء جمع قطعة، وإسكانها جزءًا «من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والذين عملوا السيئات في الدنيا فكفروا وعصَوا الله لهم جزاء أعمالهم السيئة التي عملوها بمثلها من عقاب الله في الآخرة، وتغشاهم ذلَّة وهوان، وليس لهم مِن عذاب الله مِن مانع يمنعهم إذا عاقبهم، كأنما أُلبست وجوههم طائفة من سواد الليل المظلم.

هؤلاء هم أهل النار ماكثون فيها أبدًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - مصير الظالمين ، بعد أن بين حسن عاقبة المحسنين ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من حى عن بينة فقال - تعالى - : ( والذين كَسَبُواْ السيئات جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ الليل مُظْلِماً ) .أى : إذا كان جزاء الذين أحسنوا الحسنى وزيادة ، فإن جزاء الذين اجترحوا السيئات ، واقترفوا الموبقات ، سيئات مثل السيئات التي ارتكبوها كما قال - تعالى - ( وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ) والمقصود أنهم كما كسبوا السيئات فى الدنيا ، فإن الله - تعالى - يجازيهم عليها فى الآخرة بما يستحقون من عذاب ومصير سيئ .وقوله : ( وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ) أى : وتغشاهم وتغطيهم ذلة عظيمة ومهانة شديدة ، وفى إسناد الرهق إلى أنفسهم دون وجوههم ، إيذان بأنها محيطة بهم من كل جانب .وقوله : ( مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ ) أى : ليس لهم أحد يعصمهم أو يجيرهم أو يشفع لهم ، بحيث ينجون من عذاب الله - تعالى - .وقوله : ( كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ الليل مُظْلِماً ) تصوير بديع للظلام الحسي والمعنوى الذى يبدو على وجوه هؤلاء الظالمين .أى : كأنما ألبست وجوههم قطعا من الليل المظلم ، والسواد الحالك ، حتى سارت شديدة السود واضحة الكدرة والظلمة .وقوله : ( أولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) بيان لسوء عاقبتهم ، وتعاسة أحوالهم .أى : أولئك المتصفون بتلك الصفات الذميمة ، أصحاب النار هم فيها خالدون خلودا أبديا لا نهاية له .وهكذا نرى فى هذه الآيات الكريمة تصويرا بديعا لما عليه المؤمنون الصادقون من صفات حسنة ، ومن جزاء كريم ، يتجلى فى رفع درجاتهم ، وفى رضا الله - تعالى عنهم : كما نرى فيها - أيضا - وصفا معجزا لأحوال الخارجين عن طاعته؛ ووصفا للمصير المؤلم ، الذى ينتظرهم يوم القيامة ، ( يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ )

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه كما شرح حال المسلمين في الآية المتقدمة، شرح حال من أقدم على السيئات في هذه الآية، وذكر تعالى من أحوالهم أموراً أربعة أولها: قوله: ﴿ جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا ﴾ والمقصود من هذا القيد التنبيه على الفرق بين الحسنات وبين السيئات، لأنه تعالى ذكر في أعمال البر أنه يوصل إلى المشتغلين بها الثواب مع الزيادة وأما في عمل السيئات، فإنه تعالى ذكر أنه لا يجازي إلا بالمثل، والفرق هو أن الزيادة على الثواب تكون تفضلاً وذلك حسن، ويكون فيه تأكيد للترغيب في الطاعة، وأما الزيادة على قدر الاستحقاق في عمل السيئات، فهو ظلم، ولو فعله لبطل الوعد والوعيد والترهيب والتحذير، لأن الثقة بذلك إنما تحصل إذا ثبتت حكمته، ولو فعل الظلم لبطلت حكمته.

تعالى الله عن ذلك، هكذا قرره القاضي تفريعاً على مذهبه.

وثانيها: قوله: ﴿ وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ﴾ وذلك كناية عن الهوان والتحقير، واعلم أن الكمال محبوب لذاته، والنقصان مكروه لذاته، فالإنسان الناقص إذا مات بقيت روحه ناقصة خالية عن الكمالات، فيكون شعوره بكونه ناقصاً، سبباً لحصول الذلة والمهانة والخزي والنكال.

وثالثها: قوله: ﴿ مَّا لَهُمْ مّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ ﴾ واعلم أنه لا عاصم من الله لا في الدنيا ولا في الآخرة، فإن قضاءه محيط بجميع الكائنات، وقدره نافذ في كل المحدثات إلا أن الغالب على الطباع العاصية، أنهم في الحياة العاجلة مشتغلون بأعمالهم ومراداتهم.

أما بعد الموت فكل أحد يقر بأنه ليس له من الله من عاصم.

ورابعها: قوله: ﴿ كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً ﴾ والمراد من هذا الكلام إثبات ما نفاه عن السعداء حيث قال: ﴿ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ  ﴾ .

واعلم أن حكماء الإسلام قالوا: المراد من هذا السواد المذكور هاهنا سواد الجهل وظلمة الضلالة، فإن العلم طبعه طبع النور، والجهل طبعه طبع الظلمة، فقوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضاحكة مُّسْتَبْشِرَةٌ  ﴾ المراد منه نور العلم، وروحه وبشره وبشارته، وقوله: ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ  ﴾ المراد منه ظلمة الجهل وكدورة الضلالة.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ والذين كَسَبُواْ السيئات ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن يكون معطوفاً على قوله: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ  ﴾ كأنه قيل: للذين أحسنوا الحسنى وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها والثاني: أن يكون التقدير وجزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها.

على معنى أن جزاءهم أن يجازي سيئة واحدة بسيئة مثلها لا يزاد عليها، وهذا يدل على أن حكم الله في حق المحسنين ليس إلا بالفضل، وفي حق المسيئين ليس إلا بالعدل.

المسألة الثالثة: قال بعضهم: المراد بقوله: ﴿ والذين كَسَبُواْ السيئات ﴾ الكفار واحتجوا عليه بأن سواد الوجه من علامات الكفر، بدليل قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم  ﴾ وكذلك قوله: ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ  تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ  أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ  ﴾ ولأنه تعالى قال بعد هذه الآية ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً  ﴾ والضمير في قوله: ﴿ هُمْ ﴾ عائد إلى هؤلاء، ثم إنه تعالى وصفهم بالشرك، وذلك يدل على أن هؤلاء هم الكفار، ولأن العلم نور وسلطان العلوم والمعارف هو معرفة الله تعالى، فكل قلب حصل فيه معرفة الله تعالى لم يحصل فيه الظلمة أصلاً، وكان الشبلي رحمة الله تعالى عليه يتمثل بهذا ويقول: كل بيت أنت ساكنه *** غير محتاج إلى السرج وجهك المأمول حجتنا يوم يأتي الناس بالحجج *** وقال القاضي: إن قوله: ﴿ والذين كَسَبُواْ السيئات ﴾ عام يتناول الكافر والفاسق.

إلا أنا نقول: الصيغة وإن كانت عامة إلا أن الدلائل التي ذكرناها تخصصه: المسألة الرابعة: قال الفراء: في قوله: ﴿ جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا ﴾ وجهان: الأول: أن يكون التقدير: فلهم جزاء السيئة بمثلها، كما قال: ﴿ فَفِدْيَةٌ مّن صِيَامٍ  ﴾ أي فعليه.

والثاني: أن يعلق الجزاء بالباء في قوله: ﴿ بِمِثْلِهَا ﴾ قال ابن الأنباري: وعلى هذا التقدير الثاني فلابد من عائد الموصول.

والتقدير: فجزاء سيئة منهم بمثلها.

أما قوله: ﴿ وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ﴾ فهو معطوف على يجازي، لأن قوله: ﴿ جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا ﴾ تقديره: يجازي سيئة بمثلها، وقرئ ﴿ وَلاَ ذِلَّةٌ ﴾ بالياء.

أما قوله تعالى: ﴿ كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ أُغْشِيَتْ ﴾ أي ألبست ﴿ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا ﴾ قرأ ابن كثير والكسائي ﴿ قِطَعًا ﴾ بسكون الطاء، وقرأ الباقون بفتح الطاء، والقطع بسكون القطعة.

وهي البعض، ومنه قوله تعالى: ﴿ فأسر بأهلك بقطع من الليل  ﴾ أي قطعة.

وأما قطع بفتح الطاء، فهو جمع قطعة، ومعنى الآية: وصف وجوههم بالسواد، حتى كأنها ألبست سواداً من الليل، كقوله تعالى: ﴿ تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ  ﴾ وكقوله: ﴿ فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم  ﴾ وكقوله: ﴿ يُعْرَفُ المجرمون بسيماهم  ﴾ وتلك العلامة هي سواد الوجه وزرقة العين.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ مُظْلِماً ﴾ قال الفراء والزجاج: هو نعت لقوله: ﴿ قِطَعًا ﴾ وقال أبو علي الفارسي: ويجوز أن يجعل حالاً كأنه قيل: أغشيت وجوههم قطعاً من الليل في حال ظلمته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: ما وجه قوله: ﴿ والذين كَسَبُواْ السيئات جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا ﴾ وكيف يتلاءم؟

قلت: لا يخلو، إمّا أن يكون ﴿ والذين كَسَبُواْ ﴾ معطوفاً على قوله: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ﴾ [يونس: 26] كأنه قيل: وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، وإمّا أن يقدّر: وجزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها على معنى: جزاؤهم أن تجازى سيئة واحدة بسيئة مثلها لا يزاد عليها، وهذا أوجه من الأوّل، لأنّ في الأوّل عطفاً على عاملين وإن كان الأخقش بجيزه.

وفي هذا دليل على أنّ المراد بالزيادة الفضل، لأنه دلّ بترك الزيادة على السيئة على عدله، ودلّ ثمة بإثبات الزيادة على المثوبة على فضله.

وقرئ: ﴿ يرهقهم ذلة ﴾ بالياء ﴿ مّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ ﴾ أي لا يعصمهم أحد من سخط الله وعذابه.

ويجوز ما لهم من جهة الله ومن عنده من يعصمهم كما يكون للمؤمنين ﴿ مُظْلِماً ﴾ حال من الله.

ومن قرأ: (قطعاً) بالسكون من قوله: ﴿ بِقِطْعٍ مّنَ اليل ﴾ [هود: 81] جعله صفة له.

وتعضده قراءة أبيّ بن كعب: كأنما يغشى وجوههم قطع من الليل مظلم.

فإن قلت: إذا جعلت مظلماً حالاً من الليل، فما العامل فيه؟

قلت: لا يخلو إمّا أن يكون ﴿ أُغْشِيَتْ ﴾ من قبل إن ﴿ مِّنَ اليل ﴾ صفة لقوله: ﴿ قِطَعًا ﴾ فكان إفضاؤه إلى الموصوف كإضفائه إلى الصفة، وإمّا أن يكون معنى الفعل في ﴿ مِّنَ اليل ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ﴾ دارِ السَّلامَةِ مِنَ التَّقَضِّي والآفَةِ، أوْ دارِ اللَّهِ وتَخْصِيصُ هَذا الِاسْمِ أيْضًا لِلتَّنْبِيهِ عَلى ذَلِكَ، أوْ دارٍ يُسَلِّمُ اللَّهُ والمَلائِكَةُ فِيها عَلى مَن يَدْخُلُها والمُرادُ الجَنَّةُ.

﴿ وَيَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ بِالتَّوْفِيقِ.

﴿ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ هو طَرِيقُها وذَلِكَ الإسْلامُ والتَّدَرُّعُ بِلِباسِ التَّقْوى، وفي تَعْمِيمِ الدَّعْوَةِ وتَخْصِيصِ الهِدايَةِ بِالمَشِيئَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأمْرَ غَيْرُ الإرادَةِ وأنَّ المُصِرَّ عَلى الضَّلالَةِ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ رُشْدَهُ.

﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى ﴾ المَثُوبَةُ الحُسْنى.

﴿ وَزِيادَةٌ ﴾ وما يَزِيدُ عَلى المَثُوبَةِ تَفَضُّلًا لِقَوْلِهِ: ﴿ وَيَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ ﴾ وقِيلَ الحُسْنى مِثْلُ حَسَناتِهِمْ والزِّيادَةُ عَشْرُ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ وأكْثَرَ، وقِيلَ الزِّيادَةُ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ، وقِيلَ الحُسْنى الجَنَّةُ والزِّيادَةُ هي اللِّقاءُ.

﴿ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ ﴾ لا يَغْشاها.

﴿ قَتَرٌ ﴾ غُبَرَةٌ فِيها سَوادٌ.

﴿ وَلا ذِلَّةٌ ﴾ هَوانٌ، والمَعْنى لا يَرْهَقُهم ما يَرْهَقُ أهْلُ النّارِ أوْ لا يَرْهَقُهم ما يُوجِبُ ذَلِكَ مِن حُزْنٍ وسُوءِ حالٍ.

﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ دائِمُونَ لا زَوالَ فِيها ولا انْقِراضَ لِنَعِيمِها بِخِلافِ الدُّنْيا وزَخارِفِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧)

{والذين كَسَبُواْ} عطف على للذين أحسنوا أي وللذين كسبوا {السيئات} فنون الشرك {جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا} الباء زائدة كقوله {وجزاء سيئة سيئة مثلها} أو التقدير جزاء سيئة مقدرة بمثلها {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} ذل وهوان {مَا لَهُم مِنَ الله} من عقابه {مِنْ عَاصِمٍ} أي لا يعصمهم أحد من سخطه وعقابه {كأنما أُغشيت وجوهُهم قِطعاً من الليل مظلماً} أي جعل عليها غطاء من سواد الليل أي هم سود الوجوه وقطعا جمع قطعة وهو

مفعول ثان لا غشيت قطعا مكى وعلى من قوله يقطع من الليل وعلى هذه القرءاة مظلماً صفة لقطع وعلى الأول حال من الليل والعامل فيه أغشيت لأن من الليل صفة لقطعا فكان إفضاؤه إلى الموصوف كإفضائه إلى الصفة أو معنى الفعل من الليل {أُولَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ ﴾ أيِ الشِّرْكَ والمَعاصِيَ وهو مُبْتَدَأٌ بِتَقْدِيرِ المُضافِ خَبَرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها ﴾ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِجَزاءُ وهو مَصْدَرُ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ لا اسْمٌ لِلْعِوَضِ كَما في بَعْضِ الأوْجُهِ الآتِيَةِ عَلى ما قِيلَ أيْ جَزاءُ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتُ أنْ تُجازى سَيِّئَةٌ واحِدَةٌ بِسَيِّئَةٍ مِثْلِها عَلى مَعْنى عَدَمِ الزِّيادَةِ بِمُقْتَضى العَدْلِ وإلّا فَلا مانِعَ عَنِ العَفْوِ بِمُقْتَضى الكَرَمِ لَكِنَّ ذَلِكَ في غَيْرِ الشِّرْكِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها جُمْلَةً مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ هي خَبَرُ المُبْتَدَأِ وحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ لَكِنَّ العائِدَ مَحْذُوفٌ أيْ جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِنهم بِمِثْلِها عَلى حَدِّ السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ وأجازَ أبُو الفَتْحِ أنْ يَكُونَ جَزاءُ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ أيْ لَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وحَذْفُ لَهم لِقَرِينَةٍ ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا ﴾ والجُمْلَةُ خَبَرُ (الَّذِينَ كَسَبُوا) وحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ عائِدٍ كَما لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ (الَّذِينَ) عَطْفًا عَلى الَّذِينَ المَجْرُورِ الَّذِي هو مَعَ جارِهِ خَبَرٌ وجَزاءُ سَيِّئَةٍ مَعْطُوفٌ عَلى الحُسْنى الَّذِي هو المُبْتَدَأُ وفي ذَلِكَ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وفِيهِ مَذاهِبُ المَنعِ مُطْلَقًا وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والجَوازُ مُطْلَقًا وهو مَذْهَبُ الفَرّاءِ والتَّفْصِيلُ بَيْنَ أنْ يَتَقَدَّمَ المَجْرُورُ نَحْوُ في الدّارِ زَيْدٌ والحُجْرَةِ عَمْرٌو فَيَجُوزُ أوْ لا فَيَمْتَنِعُ والمانِعُونَ يَحْمِلُونَ نَحْوَ هَذا المِثالِ عَلى إضْمارِ الجارِّ ويَجْعَلُونَهُ مُطَّرِدًا كَقَوْلِهِ: أكُلُّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ونارٌ تُوقَدُ بِاللَّيْلِ نارًا وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ جُمْلَةٌ ﴿ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِنَ عاصِمٍ ﴾ أوْ ﴿ كَأنَّما أُغْشِيَتْ ﴾ أوْ ﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ ﴾ وما في البَيْنِ اعْتِراضٌ وفي تَعَدُّدِ الِاعْتِراضِ خِلافٌ بَيْنِ النَّحْوِيِّينَ و ﴿ جَزاءُ سَيِّئَةٍ ﴾ حِينَئِذٍ مُبْتَدَأٌ و ﴿ بِمِثْلِها ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ واقِعٌ أوْ (بِمِثْلِها) هو الخَبَرُ عَلى أنَّ الباءَ زائِدَةٌ أوِ الجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَلى أنَّ الباءَ غَيْرُ زائِدَةٍ والأوْلى تَقْدِيرُ المُتَعَلِّقِ خاصًّا كَمُقَدَّرٍ ويَصِحُّ تَقْدِيرُهُ عامًّا والقَوْلُ بِأنَّهُ لا مَعْنى لَهُ حاصِلٌ وهْمٌ ظاهِرٌ وأيًّا ما كانَ لا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى أنَّ الزِّيادَةَ هي الفَضْلُ دُونَ الرُّؤْيَةِ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ تَفْسِيرَها بِذَلِكَ هو المَأْثُورُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وجُمْلَةٍ مِنَ السَّلَفِ الصّالِحِ فَلا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ لِما يَتَراءى مِنهُ خِلافُهُ لا سِيَّما وقَدْ أتى الإمامُ وغَيْرُهُ بِدَلائِلَ جَمَّةٍ عَلى أنَّ المُرادَ بِها ذَلِكَ ولَمْ يُؤْتَ بِالآيَتَيْنِ عَلى أُسْلُوبٍ واحِدٍ لِمُراعاةِ ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِن كَمالِ التَّنائِي والتَّبايُنِ وإيرادِ الكَسْبِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما هو بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ وجِنايَتِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ ﴿ وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ﴾ أيْ هَوانٌ عَظِيمٌ فالتَّنْوِينُ هُنا لِلتَّفْخِيمِ عَلى عَكْسِ التَّنْوِينِ فِيما قَبْلُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ وفي إسْنادِ الرَّهَقِ إلى أنْفُسِهِمْ دُونَ وُجُوهِهِمْ إيذانٌ بِأنَّها مُحِيطَةٌ بِهِمْ غاشِيَةٌ لَهُمْ وقُرِئَ (يُرْهِقُهُمْ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ لِكَوْنِ الفاعِلِ ظاهِرًا وتَأْنِيثُهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ وقِيلَ: التَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ مِنَ الذِّلَّةِ سَبَبُها مَجازًا ولا يَحْتاجُ إلَيْهِ كَما لا يَخْفى لِأنَّ التَّذْكِيرَ في مَجازِيِّ التَّأْنِيثِ لا سِيَّما المَفْصُولُ كَثِيرُ جِدًّا والواوُ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ لِلْعَطْفِ وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ كَسَبُوا ﴾ وضَعَّفَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ المُسْتَقْبَلَ لا يُعْطَفُ عَلى الماضِي وأُجِيبُ بِالمَنعِ وفي العَطْفِ هَهُنا ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ حَيْثُ أخْرَجَ نِسْبَةَ الرَّهَقِ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ مَخْرَجَ المَعْلُومِ حَيْثُ جُعِلَ ذَلِكَ بِواسِطَةِ العَطْفِ صِلَةَ المَوْصُولِ وقِيلَ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ بِحَسَبِ المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ تُجازى سَيِّئَتُهم بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ولَعَلَّهُ أوْلى مِنَ الأوَّلِ وأمّا جَعْلُ الواوِ حالِيَّةً والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿ كَسَبُوا ﴾ فَلا يَخْفى حالُهُ ﴿ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِنَ عاصِمٍ ﴾ أيْ ما لَهم أحَدٌ يَعْصِمُهم ويَمْنَعُهم مِن سَخَطِ اللَّهِ تَعالى وعَذابِهِ فَمِنَ الأوْلى مُتَعَلِّقَةٌ بِعاصِمٍ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ و(مِنَ) الثّانِيَةُ زائِدَةٌ لِتَعْمِيمِ النَّفْيِ أوْ ما لَهم مِن جِهَتِهِ وعِنْدَهُ تَعالى مَن يَعْصِمُهم كَما يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَمِنَ الأُولى مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (عاصِمٍ) وقِيلَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِقْرارِ المَفْهُومِ مِنَ الظَّرْفِ ولَيْسَ في الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ و(مِن) الثّانِيَةُ عَلى حالِها والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ (تَرْهَقُهُمْ) وفي نَفْيِ العاصِمِ مِنَ المُبالَغَةِ في نَفْيِ العِصْمَةِ ما لا يَخْفى ﴿ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ ﴾ أيْ كَأنَّما أُلْبِسَتْ ذَلِكَ لِفَرْطِ سَوادِها وظُلْمَتِها والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةُ قِطَعًا وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مُظْلِمًا ﴾ حالٌ مِنَ (اللَّيْلِ) والعامِلُ فِيهِ مُتَعَلِّقُ الجارِّ والمَجْرُورِ فِعْلًا كانَ أوِ اسْمًا وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ حالًا مِن (قِطَعًا) أوْ صِفَةً لَهُ وكانَ الواجِبُ الجَمْعَ لِأنَّ ﴿ قِطَعًا ﴾ جَمْعُ قِطْعَةٍ إلّا أنَّهُ أُفْرِدَتْ حالُهُ أوْ صِفَتُهُ لِتَأْوِيلٍ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ ولا يَخْفى أنَّهُ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ والظّاهِرُ أنَّ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لِلَّيْلِ مَعْنَيانِ زَمانٌ تَخْفى فِيهِ الشَّمْسُ قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا كَما يُقالُ: دَخَلَ اللَّيْلُ والآنَ لَيْلٌ وما بَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِها أوْ قُرْبِها مِنَ الطُّلُوعِ فَمِن إمّا تَبْعِيضِيَّةٌ عَلى الأوَّلِ وبَيانِيَّةٌ عَلى الثّانِي وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ العامِلُ في الحالِ ﴿ أُغْشِيَتْ ﴾ مِن قَبْلِ أنْ ﴿ مِنَ اللَّيْلِ ﴾ صِفَةٌ لِقِطَعًا فَكانَ إفْضاؤُهُ إلى المَوْصُوفِ كَإفْضائِهِ إلى الصِّفَةِ قالَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ: وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ ﴿ مِنَ اللَّيْلِ ﴾ لَيْسَ صِلَةَ أُغْشِيَتْ حَتّى يَكُونَ عامِلًا في المَجْرُورِ بَلِ التَّقْدِيرُ أنَّهُ صِفَةٌ فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرارُ وأيْضًا الصِّفَةُ ﴿ مِنَ اللَّيْلِ ﴾ وذُو الحالِ هو - اللَّيْلُ - فَلا يَكُونُ ﴿ أُغْشِيَتْ ﴾ عامِلًا في ذِي الحالِ مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ وقَدْ يُقالُ: إنَّ (مِن) لِلتَّبْيِينِ والتَّقْدِيرُ كائِنَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَأُغْشِيَتْ عامِلٌ في الصِّفَةِ وهي كائِنَةٌ فَكَأنَّهُ عامِلٌ في (اللَّيْلِ) وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ العامِلَ في العامِلِ في الشَّيْءِ عامِلٌ فِيهِ وهو فاسِدٌ فالوَجْهُ أنْ يُقالَ: إنَّ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ أيْ بَعْضُ اللَّيْلِ ويَكُونُ بَدَلًا مِن (قِطَعًا) ويُجْعَلُ (مُظْلِمًا) حالًا مِنَ البَعْضِ لا ﴿ مِنَ اللَّيْلِ ﴾ فَيَكُونُ العامِلُ في ذِي الحالِ (أُغْشِيَتْ) ولا يَخْفى أنَّهُ وجْهٌ أغْشى قِطَعًا مِن لَيْلِ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ مُظْلِمًا.

وأجابَ الإمامُ أمِينُ الدِّينِ بِأنَّ نِسْبَةَ ﴿ أُغْشِيَتْ ﴾ إلى ﴿ قِطَعًا ﴾ إنَّما هي بِاعْتِبارِ ذاتِها المُبْهَمَةِ المُفَسَّرَةِ بِاللَّيْلِ لا بِاعْتِبارِ مَفْهُومِ القِطَعِ في نَفْسِها وإنَّما ذُكِرَتْ لِبَيانِ مِقْدارِ ما أُغْشِيَتْ بِهِ وُجُوهُهم وهو اللَّيْلُ مُظْلِمًا فَإفْضاءُ الفِعْلِ إلى (قِطَعًا) بِاعْتِبارِ ما لا يَتِمُّ مَعْناها المُرادُ إلّا بِهِ كَإفْضاءِ الفِعْلِ إلَيْهِ كَما إذا قِيلَ: اشْتَرَيْتُ أرْطالًا مِنَ الزَّيْتِ صافِيًا فَإنَّ المُشْتَرى فِيهِ الزَّيْتُ والأرْطالُ مَبْنِيَّةٌ لِمِقْدارِ ما اشْتَرى صافِيًا فالعامِلُ في الحالِ إنَّما هو العامِلُ اللَّفْظِيُّ ولا يُلاحَظُ مَعْنى الفِعْلِ في الجارِّ والمَجْرُورِ مِن جِهَةِ العَمَلِ لِغَلَبَةِ العامِلِ اللَّفْظِيِّ عَلَيْهِ بِالظُّهُورِ ولا يَخْفى ما فِيهِ وقالَ في الكَشْفِ: إنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ ذَهَبَ إلى أنَّ ﴿ أُغْشِيَتْ ﴾ لَهُ اتِّصالٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِنَ اللَّيْلِ ﴾ مِن قَبْلِ أنَّ الصِّفَةَ والمَوْصُوفَ مُتَّحِدانِ لا سِيَّما والقِطَعُ بَعْضُ اللَّيْلِ فَجازَ أنْ يَكُونَ عامِلًا في الصِّفَةِ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ وكَأنَّهُ قِيلَ أُغْشِيَتِ اللَّيْلُ مُظْلِمًا وهَذا كَما جُوِّزَ في نَحْوِ ﴿ ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا ﴾ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ اتِّحادِهِ بِالمُضافِ وكَأنَّهُ قِيلَ: ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا وكَما جُوِّزَ في ﴿ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا ﴾ لِأنَّ المِلَّةَ كالجُزْءِ كَأنَّهُ قِيلَ: اتَّبِعُوا إبْراهِيمَ حَنِيفًا وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو سِرٌّ هَذا المَوْضِعِ لا ما طَوَّلَهُ كَثِيرُونَ لا سِيَّما حَمْلُ (مِن) عَلى التَّجْرِيدِ فَإنَّهُ مَعَ أنَّ المَعْنى عَلى التَّبْعِيضِ لا البَيانِ ولَيْسَ كُلُّ بَيانٍ تَجْرِيدًا لا يَتِمُّ مَقْصُودُهُ انْتَهى وقَدْ عَرَّضَ في ذَلِكَ بِشَيْخِهِ العَلّامَةِ الطِّيبِيِّ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ قَدْ تَكَلَّفَ ما تَكَلَّفَ والإنْصافُ أنَّ ما جَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا مِمّا لا يَنْبَغِي والسَّعْيُ في إصْلاحِهِ مَعَ وُجُودِ الوَجْهِ الواضِحِ الَّذِي لا تَرْهَقُهُ قَتَرَةٌ يَقْرُبُ مِن أنْ يَكُونَ عَبَثًا وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وسَهْلٌ (قِطْعًا) بِسُكُونِ الطّاءِ وهو اسْمٌ مُفْرَدٌ مَعْناهُ طائِفَةٌ مِنَ اللَّيْلِ أوْ ظُلْمَةُ آخِرِهِ أوِ اسْمُ جِنْسٍ لِقِطْعَةٍ وأنْشَدُوا افْتَحِي البابَ وانْظُرِي في النُّجُومِ ∗∗∗ كَمْ عَلَيْنا مِن قِطْعِ لَيْلٍ بَهِيمِ وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (مُظْلِمًا) صِفَةً لَهُ أوْ حالًا مِنهُ بِلا تَكَلُّفِ تَأْوِيلٍ وقُرِئَ (كَأنَّما يَغْشى وُجُوهَهم قِطَعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمٌ) والكَلامُ فِيهِ ظاهِرٌ والجُمْلَةُ كالَّتِي قَبْلَها مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ (تَرْهَقُهم ﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ ﴿أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ 27﴾ لا يَخْرُجُونَ مِنها أبَدًا واحْتَجَّتِ الوَعِيدِيَّةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلِهِمُ الفاسِدِ بِخُلُودِ أهْلِ الكَبائِرِ وأُجِيبَ بِأنَّ السَّيِّئاتِ شامِلَةٌ لِلْكُفْرِ وسائِرِ المَعاصِي وقَدْ قامَتِ الأدِلَّةُ عَلى أنَّهُ لا خُلُودَ لِأصْحابِ المَعاصِي فَخُصِّصَتِ الآيَةُ بِمَن عَداهم وأيْضًا قَدْ يُقالُ إنَّهم داخِلُونَ في الَّذِينَ أحْسَنُوا بِناءً عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُمُ الَّذِينَ شَهِدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أيِ المُؤْمِنُونَ مُطْلَقًا فَلا يَدْخُلُونَ في القِسْمِ الآخَرِ لِتَنافِي الحُكْمَيْنِ وقِيلَ: إنْ ألْ في السَّيِّئاتِ لِلِاسْتِغْراقِ فالمُرادُ مَن عَمِلَ جَمِيعَ ذَلِكَ والقَوْلُ بِخُلُودِهِ في النّارِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ولَيْسَ بِذاكَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى.

للذين وحدوا الله وأطاعوه في الدنيا، لهم الجنة في الآخرة وَزِيادَةٌ، يعني: فضلاً.

قال عامة المفسرين: هي النظر إلى وجه الله تعالى، وهكذا روي عن النبيّ  ، وعن أبي بكر الصديق، وحذيفة بن اليمان، وأبي موسى الأشعري وغيرهم.

قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد قال.

حدثنا أبو العباس السراج قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: حدثنا عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: تلا رسول الله  هذه الآية: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ قال: «إذا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وَدَخَلَ أهْلُ النَّارِ النَّارَ، نَادَى مُنَادٍ: يا أَهْلَ الجَنَّةِ، إنَّ لَكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ مَوْعِداً يُحِبُّ أنْ يُنْجِزَكُمُوهُ فَيَقُولُونَ وما هو الموعد؟

ألم يثقّل موازيننا وبيّض وُجُوهَنَا، وَأَدْخَلَنَا الجَنَّة، وَنَجَّانا مِنَ النَّار؟

قالَ: ثُمَّ يُكْشَفُ الحِجَابُ فَيَنْظُرُونَ إلَى الله تعالى، فو الله مَا أعْطَاهُمْ شَيْئاً أحَبَّ إلَيْهمُ مِنَ النَّظَر إلى وجه الله تعالى» .

قال الفقيه  : وأخبرنا الثقة بإسناده، عن أبي بكر الصديق  وحذيفة قالا: «الزيادة، النظر إلى وجه الله تعالى» .

وعن أبي موسى الأشعري قال: «الحسنى، هي الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله تعالى» .

وعن عامر بن سعد، وعن قتادة، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعن عكرمة مثله.

قال الفقيه: سمعت محمد بن الفضل العابد قال: سمعت علي بن عاصم قال: «أجمع أهل السنة والجماعة أن الله تعالى لم يره أحد من خلقه، وأن أهل الجنة يرونه يوم القيامة» وقال الزجاج: القول في النظر إلى وجه الله تعالى كثير في القرآن، وفي التفسير مروي بالأسانيد الصحاح أنه لا شك في ذلك.

وقال مجاهد: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ قال: الحسنى مثلها، والزيادة المغفرة والرضوان.

وروي عن علقمة قال: الحسنى مثلها، وزيادة عشر أمثالها.

ويقال: الحسنى الجنة وما فيها من الكرامة، والزيادة ما يأتيهم كل يوم من التحف والكرامات من الله تعالى، فيأتيهم رسول الله فيقول لهم: أنا رضيت عنكم، فهل رضيتم عني؟.

ثم قال تعالى: وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ، يعني: لا يعلو ولا يغشى وجوههم قَتَرٌ يعني: سواد، وهو كسوف الوجوه عند معاينة النار، ويقال: حزن وَلا ذِلَّةٌ يعني: ولا مذلة.

أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ، يعني: دائمين لا يموتون فيها، ولا يخرجون منها.

ثم بيّن حال أهل النار فقال تعالى: وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ، يعني: أشركوا بالله وعبدوا الأصنام والشمس والقمر والملائكة، فهذا كله من السيئات.

جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها بلا زيادة، يعني: لا يزاد على ذلك، وهذا موصول بما قبله فكأنه قال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها بلا زيادة وهذا كقوله تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها [الأنعام: 160] ، ويقال: جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، يعني: جزاء الشرك النار، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أشد من النار.

فيكون العذاب موافقاً لسيئاتهم، كقوله تعالى: جَزاءً وِفاقاً [النبأ: 26] ، أي موافقاً لشركهم.

ثم قال تعالى: وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ، يعني: يغشى وجوههم المذلة، يعني: سواد الوجوه والعذاب.

مَّا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ، يعني: مانع يمنعهم من عذاب الله.

ثم وصف سواد وجوههم فقال: كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً، يعني: سواد الليل مظلماً، ويقال: قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ يعني: بعضاً من الليل وساعة منه.

قال الفقيه: حدّثنا الفقيه أبو جعفر قال: حدثنا محمد بن عقيل قال: حدثنا العباس الدوري قال: حدثنا يحيى بن أبي بكر، عن شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.

قال: قال رسول الله  : «أوقِدَ عَلَى النَّارِ ألَفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ أوقد عليها ألف سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، ثم أوقد عليها ألف سنة حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِي سَوْدَاءُ كَاللَّيْلِ المُظْلِمِ» (١) (١) حديث أبي هريرة: أخرجه الترمذي (2591) وقال: موقوف أصح ولا أعلم أحدا رفعه غير يحيى بن أبي بكير عن شريك.

وأخرجه ابن ماجة (4320) .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» وفي الحديث في نار جهنم: «لَهِيَ أَسْوَدُ مِنَ القَارِ» «٢» وما حفظ للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فليس بشَاذٍ.

ص: وَرُدَّ بأَنْ «أَسْوَدُ» مِنْ «فَعِلَ» لا من «افعل» : تقولُ: سَوِدَ فَهُوَ أَسْوَدُ، وإِنما امتنع من «سَوِدَ» ونحوِه عِنْد البصريّين لأنه لون.

انتهى.

هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣) إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)

وقوله سبحانه: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ...

الآية: تعديدُ نِعَمٍ منه سبحانه على عباده.

وقوله سبحانه: دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ: أي: نسوا الأصنام والشركاء، وأفردوا الدعاء للَّه سبحانه، وذكَر الطبريُّ في ذلك، عَنْ بعض العلماء حكايةَ قَوْلِ العَجَمِ:

«هيا شرا هيا» ، ومعناه: يا حيّ يا قيّوم، ويَبْغُونَ: معناه: يُفسدون.

وقوله: مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا متاع: خبر مبتدأ محذوفٍ، تقديره هو متاع، أو ذلك مَتَاعٌ، ومعنى الآية: إِنما بغيكم وإِفسادكم/ مُضِرٌّ لكم، وهو في حالة الدنيا، ثم تَلْقَوْنَ عقابه في الآخرة، قال سفيان بن عُيَيْنة: إِنما بغيكم علَى أنفسِكُمْ متاع الحياة الدنيا: أي تُعَجَّلُ لكم عقوبته وعلى هذا قالوا: البَغْيُ يَصْرَعُ أهله.

قال ع «٣» : وقالوا: البَاغِي مصروعٌ: قال تعالى: ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ [الحج: ٦٠] ، وقال النبيُّ عليه السلام: «ما ذَنْبٌ أَسْرَعُ عُقُوبَةً مِنْ بَغْيٍ» .

وقوله سبحانه: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي: تفاخُرُ الحياة الدنيا وزينتها بالمال

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَمِلُوا الشِّرْكَ.

﴿ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها ﴾ في الآيَةِ مَحْذُوفٌ، وفي تَقْدِيرِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ فِيها إضْمارُ " لَهم "، المَعْنى: لَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ: فَإنْ سَألَ الواشُونَ عَنْهُ فَقُلْ لَهم وذاكَ عَطاءٌ لِلْوِشاةِ جَزِيلُ مُلِمٌّ بِلَيْلى لَمَّةً ثُمَّ إنَّهُ ∗∗∗ لَهاجِرُ لَيْلى بَعْدَها فَمُطِيلُ أرادَ: هو مُلِمٌّ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والثّانِي: أنَّ فِيها إضْمارَ " مِنهم "، المَعْنى: جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِنهم بِمِثْلِها، تَقُولُ العَرَبُ: رَأيْتُ القَوْمَ صائِمٌ وقائِمٌ، أيْ: مِنهم صائِمٌ وقائِمٌ، أنْشَدَ الفَرّاءُ: حَتّى إذا ما أضاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ ∗∗∗ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيٌّ ومَحْصُودُ أيْ: مِنهُ مَلْوِيٌّ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ الأنْبارِيِّ.

وقالَ بَعْضُهم: الباءُ زائِدَةٌ هاهُنا، و " مِن " في قَوْلِهِ: ﴿ مِن عاصِمٍ ﴾ صِلَةٌ، والعاصِمُ: المانِعُ.

﴿ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ ﴾ أيْ: أُلْبِسَتْ " قِطَعًا " قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: " قِطَعًا " مَفْتُوحَةَ الطّاءِ، وهي جَمْعُ قِطْعَةٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ: ﴿ قِطَعًا ﴾ بِتَسْكِينِ الطّاءِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو اسْمُ ما قُطِعَ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وإنَّما قالَ: ﴿ مُظْلِمًا ﴾ ولَمْ يَقُلْ: " مُظْلِمَةً " لِأنَّ المَعْنى: قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الألِفُ واللّامُ مِنَ " المُظْلِمِ " فَلَمّا صارَ نَكِرَةً، وهو مِن نَعْتِ اللَّيْلِ، نُصِبَ عَلى القَطْعِ؛ وقَوْمٌ يُسَمُّونَ ما كانَ كَذَلِكَ حالًا، وقَوْمٌ قَطْعًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واللهُ يَدْعُو إلى دارِ السَلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَسَبُوا السَيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللهِ مِنَ عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ نَصَّتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الدُعاءَ إلى الشَرْعِ عامٌّ في كُلِّ بَشَرٍ، والهِدايَةُ الَّتِي هي الإرْشادُ مُخْتَصَّةٌ بِمَن قُدِّرَ إيمانُهُ، و"السَلامِ"، قِيلَ: هو اسْمُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فالمَعْنى يَدْعُو إلى دارِهِ الَّتِي هي الجَنَّةُ، وإضافَتُها إلَيْهِ إضافَةُ مُلْكٍ إلى مالِكٍ، فَقِيلَ: السَلامُ: بِمَعْنى السَلامَةِ، أيْ: مِن دَخَلَها ظَفِرَ بِالسَلامَةِ وأمِنَ الفِناءَ والآفاتِ، وهَذِهِ الآيَةُ رادَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ.

وقَدْ ورَدَتْ في دَعْوَةِ اللهِ تَعالى عِبادَهُ أحادِيثَ مِنها رُؤْيا النَبِيِّ  جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ، ومَثَّلا دَعْوَةَ اللهِ، ومُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ الداعِيَ، والمِلَّةَ المَدْعُوَّ إلَيْها، والجَنَّةَ الَّتِي هي ثَمَرَةُ الغُفْرانِ بِالمَأْدُبَةِ يَدْعُو إلَيْها مَلِكٌ إلى مَنزِلِهِ.

وذَكَرَ قَتادَةُ في كَلامِهِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ: ذُكِرَ لَنا أنَّ في التَوْراةِ مَكْتُوبًا: "يا باغِيَ الخَيْرِ هَلُمَّ، ويا باغِيَ الشَرِّ انْتَهِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ﴾ الآيَةُ، قالَتْ فِرْقَةٌ وهي الجُمْهُورُ: الحُسْنى: الجَنَّةُ، والزِيادَةُ: النَظَرُ إلى وجْهِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ورُوِيَ في نَحْوِ ذَلِكَ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ  رَواهُ صُهَيْبٌ، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عن أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ، وحُذَيْفَةَ، وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وعامِرِ بْنِ سَعْدٍ، وعَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: الزِيادَةُ: غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الحُسْنى: هي الحَسَنَةُ، والزِيادَةُ: هي تَضْعِيفُ الحَسَناتِ إلى سَبْعِمِائَةٍ فَدُونَها حَسَبَما رُوِيَ في نَصِّ الحَدِيثِ، وتَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ  ﴾ ، وهَذا قَوْلٌ يُعَضِّدُهُ النَظَرُ، ولَوْلا عِظَمُ القائِلِينَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ لِتَرَجَّحَ هَذا القَوْلُ، وطَرِيقُ تَرْجِيحِهِ أنَّ الآيَةَ تَتَضَمَّنُ اقْتِرانًا بَيْنَ ذِكْرِ عُمّالِ الحَسَناتِ وعُمّالِ السَيِّئاتِ، فَوَصَفَ المُحْسِنِينَ بِأنَّ لَهم -عَلى إحْسانِهِمْ- حُسْنى زِيادَةً مِن جِنْسِها، ووَصَفَ المُسِيئِينَ بِأنَّ لَهم بِالسَيِّئَةِ مِثْلَها، فَتَعادَلَ الكَلامانِ.

وعَبَّرَ عَنِ الحَسَناتِ بِالحُسْنى مُبالَغَةً إذْ هي عَشْرَةٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: الحُسْنى عامٌّ في كُلِّ حُسْنى فَهي تَعُمُّ جَمِيعَ ما قِيلَ، ووَعَدَ اللهُ تَعالى في جَمِيعِها بِالزِيادَةِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ ﴾ ، ولَوْ كانَ مَعْنى الحُسْنى الجَنَّةَ لَكانَ في القَوْلِ تَكْرِيرٌ بِالمَعْنى، عَلى أنَّ هَذا يُنْفَصَلُ عنهُ بِأنَّهُ وصْفُ المُحْسِنِينَ بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ وأنَّهم لا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ ﴾ عَلى جِهَةِ المَدْحِ لَهُمْ، أيْ: أُولَئِكَ مُسْتَحِقُّوها وأصْحابُها حَقًّا وبِاسْتِيجابٍ.

و"يَرْهَقُ" مَعْناهُ: يَغْشى مَعَ ذِلَّةٍ وتَضْيِيقٍ، والقَتَرُ: الغُبارُ المُسْوَدُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: مُتَوَّجٌ بِرِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ...

مَوْجٌ تَرى وسْطَهُ الراياتِ والقَتَرا وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْمَشُ، وأبُو رَجاءٍ: "قَتْرٌ" بِسُكُونِ التاءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ كَسَبُوا السَيِّئاتِ ﴾ الآيَةُ، اخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في رَفْعِ "الجَزاءِ" بِمَ هُوَ؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: التَقْدِيرُ: "لَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَقْدِيرُ: "جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُها" والباءُ زائِدَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ رَفْعُ "الجَزاءِ" عَلى المُبْتَدَإ، وخَبَرُهُ في "الَّذِينَ" لِأنَّ "والَّذِينَ" مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "لِلَّذِينَ أحْسَنُوا"، فَكَأنَّهُ قالَ: "وَلِلَّذِينِ كَسَبُوا السَيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها"، وعَلى الوَجْهِ الآخَرِ فَقَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ كَسَبُوا السَيِّئاتِ ﴾ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وتَعُمُّ السَيِّئاتُ هاهُنا الكُفْرَ والمَعاصِيَ، فَمَثَلَ سَيِّئَةِ الكُفْرِ التَخْلِيدُ في النارِ، ومَثَلَ سَيِّئَةِ المَعاصِي مَصْرُوفٌ إلى مَشِيئَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

والعاصِمُ: المُنَجِّي والمُجِيرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ  ﴾ ، وَ"أُغْشِيَتْ": كُسِيَتْ، ومِنهُ الغِشاوَةُ، والقِطَعُ: جَمْعُ قِطْعَةٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "قِطْعًا" بِسُكُونِ الطاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الطاءِ، والقِطْعُ: الجُزْءُ مِنَ اللَيْلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَيْلِ  ﴾ ، وهَذا يُرادُ بِهِ الجُزْءُ مِن زَمانِ اللَيْلِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ الجُزْءُ مِن سَوادِهِ، و"مُظْلِمًا" نَعْتٌ لِقَطْعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الذِكْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: "مِنَ اللَيْلِ"، فَإذا كانَ نَعْتًا فَكانَ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ الجُمْلَةِ، ولَكِنْ قَدْ يَجِيءُ بَعْدَها، وتَقْدِيرُ الجُمْلَةِ: "قِطْعًا اسْتَقَرَّ مِنَ اللَيْلِ مُظْلِمًا" عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ  ﴾ .

ومَن قَرَأ "قِطَعًا" عَلى جَمْعِ قِطْعَةٍ فَنَصْبُ "مُظْلِمًا" عَلى الحالِ مِنَ اللَيْلِ، والعامِلُ في الحالِ "مِن" إذْ هي العامِلُ في ذِي الحالِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "كَأنَّما يُغْشى وُجُوهَهم قِطْعٌ مِنَ اللَيْلِ مُظْلِمٌ"، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "قِطَعٌ مِنَ اللَيْلِ مُظْلِمٌ" بِتَحْرِيكِ الطاءِ في "قِطَعٍ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ للذين أحسنوا الحسنى ﴾ [يونس: 26].

وعبر في جانب المسيئين بفعل ﴿ كسبوا السيئات ﴾ دون فعل أساءوا الذي عبر به في جانب الذين أحسنوا للإشارة إلى أن إساءتهم من فِعلهم وسعيهم فما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون.

والموصول مراد به خصوص المشركين لقوله بعده: ﴿ أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ .

فإن الخلود في النار لا يقع إلا للكافرين، كما دلت عليه الأدلة المتظافرة خلافاً للمعتزلة والخوارج.

وجملة: ﴿ جزاءُ سيئة بمثلها ﴾ خبر عن ﴿ الذين كسبوا السيئات ﴾ .

وتنكير (سيئة) للعموم، أي جزاء كل سيئة بمثلها، وهو وإن كان في سياق الإثبات فالعموم مستفاد من المقام وهو مقام عموم المبتدأ.

كقول الحريري: يا أهلَ ذا المغنَى وُقيتم ضُرا *** أي كل ضر.

وذلك العموم مُغن عن الرابط بين الجملة الخبرية والمبتدأ، أو يقدر مجرور، أي جَزاء سيئةٍ منهم، كما قدر في قوله تعالى: ﴿ فمن كان منكم مريضاً أو به أذًى من رأسه ففدية من صيام ﴾ [البقرة: 196] أي فعليه.

واقتصر على الذلة لهم دون زيادة ويَرهقهم قَتر، لأنه سيجيء ما هو أشد منه وهو قوله: ﴿ كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً ﴾ .

وجملة: ﴿ ما لهم من الله من عاصم ﴾ خبر ثان، أو حال من ﴿ الذين كسبوا السيئات ﴾ أو معترضة.

وهو تهديد وتأييس.

والعاصم: المانع والحافظ.

ومعنى ﴿ من الله ﴾ من انتقامه وجزائه.

وهذا من تعليق الفعل باسم الذات، والمرادُ بعض أحوال الذات مما يدل عليه السياق مثل ﴿ حُرمت عليكم الميتة ﴾ [المائدة: 3].

وجملة ﴿ كأنما أغشيت وجوهُهم ﴾ الخ بيان لجملة: ﴿ ترهقهم ذلة ﴾ بيانَ تمثيل، أو حالٌ من الضمير في قوله: ﴿ وترهقهم ﴾ .

و ﴿ أغشيت ﴾ معدَّى غَشِي إذا أحاط وغَطا، فصار بالهمزة معدى إلى مفعولين من باب كسَا.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ يُغشي الليلَ النهارَ ﴾ في [الأعراف: 54]، وقوله: ﴿ إذ يُغْشِيكُم النعاس ﴾ في [الأنفال: 11].

والقِطع بفتح الطاء في قراءة الجمهور: جمع قِطعة، وهي الجزء من الشيء، سمي قطعة لأنه يُقتطع من كل غالباً، فهي فعْلة بمعنى مفعولة نقلت إلى الاسمية.

وقرأه ابن كثير والكسائي ويعقوب قِطْعاً } بسكون الطاء.

وهو اسم للجزء من زمن الليل المظلم، قال تعالى: ﴿ فاسر بأهلك بقِطْع من الليل ﴾ [هود: 81].

وقوله: ﴿ مظلماً ﴾ حال من الليل.

ووصف الليل وهو زمن الظلمة بكونه مظلماً لإفادة تمكن الوصف منه كقولهم: ليل أليل، وظل ظليل، وشعر شاعر، فالمراد من الليل الشديد الإظلام باحتجاب نجومه وتمكّن ظلمته.

وشُبهت قَترة وجوههم بظلام الليل.

وجملة: ﴿ أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ هي كجملة ﴿ أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ﴾ [يونس: 26].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا ﴾ يَعْنِي عِبادَةَ رَبِّهِمْ.

﴿ الحُسْنى وزِيادَةٌ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الحُسْنى الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ تَعالى.

وَهَذا قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ وحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ.

والثّانِي: أنَّ الحُسْنى واحِدَةٌ مِنَ الحَسَناتِ، والزِّيادَةُ مُضاعَفَتُها إلى عَشْرِ أمْثالِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّ الحُسْنى حَسَنَةٌ مِثْلُ حَسَنَةٍ.

والزِّيادَةُ مَغْفِرَةٌ ورِضْوانٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أنَّ الحُسْنى الجَزاءُ في الآخِرَةِ والزِّيادَةُ ما أُعْطُوا في الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والخامِسُ: أنَّ الحُسْنى الثَّوابُ، والزِّيادَةُ الدَّوامُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: أنَّ الحُسْنى ما يَتَمَنَّوْنَهُ، والزِّيادَةُ ما يَشْتَهُونَهُ.

﴿ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ﴾ في مَعْنى يَرْهَقُ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْلُو.

الثّانِي: يَلْحَقُ، ومِنهُ قِيلَ غُلامٌ مُراهِقٌ إذا لَحِقَ بِالرِّجالِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَتَرٌ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ سَوادُ الوُجُوهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الحُزْنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الدُّخانُ ومِنهُ قُتارُ اللَّحْمِ وقُتارُ العُودِ وهو دُخانُهُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الغُبارُ في مَحْشَرِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: مُتَوَّجٌ بِرِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ مَوْجٌ تَرى فَوْقَهُ الرّاياتِ والقَتَرا ﴿ وَلا ذِلَّةٌ ﴾ فِيها ها هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: الهَوانُ.

الثّانِي: الخَيْبَةُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين كسبوا السيئات ﴾ قال: الذين عملوا الكبائر ﴿ جزاء سيئة بمثلها ﴾ قال: النار ﴿ وترهقهم ذلة ﴾ قال: الذل ﴿ كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً ﴾ والقطع السواد، نسخها الآية في البقرة ﴿ بلى من كسب سيئة ﴾ [ البقرة: 81] الآية.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وترهقهم ذلة ﴾ قال: يغشاهم ذلة وشدة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ رضي الله عنهما ﴿ ما لهم من الله من عاصم ﴾ يقول: من مانع.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ما لهم من الله من عاصم ﴾ قال: من نصير ﴿ كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل ﴾ قال: ظلمة من الليل.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ ﴾ ، قال ابن عباس في رواية الكلبي: يريد عملوا الشرك (١) ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا ﴾ \[قال الفراء: رفعت الجزاء بإضمار (لهم)؛ كأنك قلت: فلهم جزاء السيئة بمثلها\] (٢) ﴿ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ  ﴾ ، أي: فعليه، قال: وإن (٣) ﴿ بِمِثْلِهَا ﴾ والأول أعجب إليّ (٤) (٥) (٦) معناه: منه ملوي ومنه محصود.

وعلى الجواب الأول يرتفع الجزاء باللام المضمرة؛ لأن التقدير: لهم جزاء سيئة بمثلها، والباء صلة الجزاء و (الذين) يرتفعون برجوع الهاء عليهم، وصلح إضمار (لهم) كما تضمره العرب في قولهم: رأيت لعبد الله ذكاءً وفطنة وعلم واسع، يريدون وله علم واسع، أنشد الفراء (٧) هزئت هنيدة أن رأت لي رثة ...

وفمًا (٨) (٩) أراد ولي جلد أسود (١٠) وهذا مذهب الكوفيين في هذه الآية (١١) وأما عند أهل البصرة (١٢) (١٣) ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا  ﴾ .

قال أبو الفتح الموصلي (١٤) (١٥) والثاني: أن تكون الباء في (بمثلها) متعلقة بنفس الجزاء، ويكون الجزاء مرتفعًا (١٦) هذان القولان حكاهما أبو الفتح (١٧) (١٨) ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ  ﴾ ، وعلى هذه الأقوال في الباء، الجزاء مرتفع بالابتداء، والجملة -التي هي ابتداء وخبر- فيها خبر الابتداء الأول وهو قوله: ﴿ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ ﴾ والمعني: يجزون السوء، وعلى هذا المعنى عطف قوله: ﴿ وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ﴾ ، هذا كلام النحويين من الفريقين في هذه الآية، وكلهم جعلوا الموصول مبتدأ (١٩) ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى ﴾ فكأن التقدير: وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة، فيرتفع الجزاء باللام في الآية الأولى، والباء في (بمثلها) من صلة الجزاء، وحسن النظم من غير إضمار ولا تكلف.

وقوله تعالى: ﴿ وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ﴾ ، قال ابن عباس: يصيبهم الذل والخزي (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ﴾ ما لهم من عذاب الله من مانع يمنعهم ﴿ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ ﴾ ألبست (٢٢) ﴿ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ ﴾ القِطْع: [اسم لِما (٢٣) قال ابن السكيت: القِطْع] (٢٤) (٢٥) ﴿ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ  ﴾ ، وكما قيل في قوله تعالى: ﴿ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ  ﴾ أي (٢٦) (٢٧) قال الشاعر (٢٨) ودوية مثل السماء اعتسفتها ...

وقد صبغ الليل الحصى بسواد جعل ما يعلو الحجارة من ظلمة الليل صبغا منه إياها بالسواد.

وقوله تعالى: ﴿ مُظْلِمًا ﴾ قال الفراء (٢٩) (٣٠) ﴿ قِطَعًا ﴾ .

و [قال أبو علي] (٣١) (٣٢) ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ  ﴾ ، وصفت الكتاب بالمفرد بعدما وصفته بالجملة، وأجريته على النكرة (٣٣) ﴿ قِطَعًا ﴾ بكونه مظلما بعدما وصفته بقوله ﴿ مِنَ اللَّيْلِ ﴾ .

وقرئ ﴿ قِطَعًا ﴾ مفتوحة الطاء (٣٤) (٣٥) ﴿ مُظْلِمًا ﴾ على هذه القراءة حال من الليل، المعنى أغشيت وجوههم قِطَعا من الليل في حال ظلمته.

(١) "تنوير المقباس" ص 212، "زاد المسير" 4/ 25، "الوسيط" 2/ 545.

(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٣) في (م): (فإن)، والمثبت موافق لما في "معاني القرآن".

(٤) "معاني القرآن" 1/ 461.

(٥) انظر: "معاني القرآن" 1/ 193.

(٦) البيت لذي الرمة في "ديوانه" 2/ 1366، والرواية فيه: حتى إذا ما استقل النجم في غلس ...

وأحصد البقل ملوي ومحصود (٧) انظر: "معاني القرآن" 2/ 234، ورواية صدره فيه: هزئت حميدة إن رأت بي رتة (٨) في (م): (وفم)، وهو خطأ بدلالة السياق، إذ إن قوله (وجلد) مرفوع على الرغم من عطفه على قوله: (لي رثة وفمًا).

وهم منصوبان، وقد وجه ابن الأنباري ذلك.

(٩) البيت لسليك بن سلكة السعدي كما في "الأشباه والنظائر" 2/ 271، "تذكرة النحاة" 680، "شرح أبيات معاني القرآن" ص 111، طى اختلاف في الروايات، وذكره بلا نسبة بمثل رواية المصنف، الفارسي في "الحجة للقراء السبعة" 3/ 207.

والرثة: الخلق الخسيس البالي من كل شيء، والرتة: عيب في النطق، والقصم: كسر في الثنية من الأسنان.

انظر: "اللسان" (رث ورت وقصم).

(١٠) انظر قول ابن الأنباري مختصرًا في: "زاد المسير" 4/ 26، "مفاتيح الغيب" 17/ 84.

(١١) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 461، وانظر الخلاف بين البصريين والكوفيين في مثل هذه المسألة في: "الإنصاف" ص53.

(١٢) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 372.

(١٣) هو المازني.

(١٤) هو ابن جني.

(١٥) ساقط من (ى).

(١٦) في (ح) و (ى) و (ز) و (ص): (مرتفَعُهُ)، وما أثبته من (م)، وهو موافق لما في "سر صناعة الإعراب".

(١٧) "سر صناعة الإعراب" 1/ 138 - 140 باختصار.

(١٨) لم أجد ذلك في الكتاب المطبوع، ومخطوطته ناقصة كما أشار المحقق في المقدمة.

(١٩) انظر: "التبيان في إعراب القرآن" ص 437.

(٢٠) في (ى): (الحزن).

(٢١) رواه بمعناه ابن جرير 11/ 109، وابن أبي حاتم 6/ 1946.

(٢٢) ساقط من (ى).

(٢٣) في (ى): (ما).

(٢٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ز).

(٢٥) "المشوف المعلم" 2/ 648، "تهذيب إصلاح المنطق" ص 38.

(٢٦) ساقط من (م).

(٢٧) هذا قول الحسن وقتادة والضحاك وابن جريج، انظر: "تفسير ابن جرير" 27/ 143، ط.

الحلبي، "الدر المنثور" 7/ 704.

(٢٨) هو: ذو الرمة، انظر:"ديوانه" 2/ 685، "شرح شواهد الإيضاح" ص 382.

والدوية: الصحراء الملساء، واعتسفتها: ركبتها على غير هداية.

(٢٩) "معاني القرآن" 1/ 462، وهذا القول أحد الوجهين الذين ذكرهما الفراء.

(٣٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 16، وهو كالفراء ذكر وجهين في إعراب الكلمة هذا أحدهما.

(٣١) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ز).

(٣٢) يعني ما ذكره عن الفراء والزجاج.

(٣٣) اهـ.

كلام أبي علي، انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 270 بتصرف.

(٣٤) قرأ ابن كثير والكسائي ويعقوب (قِطْعًا) بإسكان الطاء، وقرأ الباقون بفتحها.

انظر: "إرشاد المبتدي" ص 362، "تحبير التيسير" ص 122، "النشر" 2/ 283.

(٣٥) ساقط من (ح) و (ز).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والله يدعوا إلى دَارِ السلام ﴾ أي إلى الجنة، وسميت دار السلام أي دار السلامة من العناء والتعب، وقيل: السلام هنا اسم الله: أي يدعو إلى داره ﴿ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ ذكر الدعوة إلى الجنة عامة مطلقة والهداية خاصة بمن يشاء ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ ﴾ الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله، وقيل: الحسنى جزاء الحسنة بعشر أمثالها والزيادة التضعيف فوق ذلك إلى سبعمائة، والأول أصح لوروده في الحديث وكثرة القائلين به ﴿ قَتَرٌ ﴾ أي غبار بغير الوجه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لقضي إليهم ﴾ مبنياً للفاعل ﴿ أجلهم ﴾ بالنصب: ابن عامر ويعقوب.

الآخرون مبنياً للمفعول ورفع ﴿ أجلهم ﴾ أو بدله بضم اللام وسكون الهاء: روى خلف عن الكسائي والاختبار عنه وعن غيره الإشمام ﴿ لي أن ﴾ بفتح الياء وكذلك ﴿ إني أخاف ﴾ : أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ نفسي أن ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.

﴿ ولأدراكم ﴾ بلام الابتداء فعلاً مثبتاً: روى أبو ربيعة عن البزي وحمزة.

وقرأ حمزة وعلي وأبو عمرو وخلف وورش من طريق النجاري والخراز عن جبيرة وهبيرة وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان، وحماد ويحيى من طريق أبي حمدون بالإمالة فعلاً ماضياً منفياً بلا.

الباقون:مثله ولكن بالتفخيم.

﴿ تشركون ﴾ بتاء الخطاب وكذلك في "النحل" و "الروم": حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالياء.

الوقوف: ﴿ أجلهم ﴾ ط لأن ما بعده مستقبل فنحن نذر ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ أو قائماً ﴾ ط ﴿ مسه ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ ليؤمنوا ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ أو بدله ﴾ ط.

﴿ نفسي ﴾ ج ط لأن "ان" النافية لها صدر الكلام ولكن القائل متحد ﴿ إليّ ﴾ ط ج لمثل ما قلنا ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ به ﴾ ط والوصل أولى للفاء أو لشدة اتصال المعنى ﴿ من قبله ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ فاختلفوا ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ج ط للابتداء بالأمر مع الفاء ﴿ فانتظروا ﴾ ج لاحتمال الابتداء أو التعليل ﴿ المنتظرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  ابتدأ في هذه السورة بذكر شبهات القوم؛ فالأولى أنهم تعجبوا من تخصيص الله محمداً  بالنبوة فأزال ذلك التعجب بالإنكار وبالدلائل الدالة على صحة المبدا والمعاد فكأنه قيل: إنه ما جاء إلا بدليل التوحيد والإقرار بالمعاد فليس للتعجب معنى.

ثم شرع في شبهة أخرى وهي أنهم كانوا يقولون أبداً اللهم إن كان محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء فأجابهم بقوله: ﴿ ولو يعجل الله ﴾ الآية.

وقال القاضي: لما ذكر الوعيد على عدم الإيمان بالمبدإ والمعاد ذكر أن ذلك العذاب من حقه أن يتأخر عن هذه الحياة الدنيا وإلا نافى التكليف.

وقال القفال: لما وصفهم فيما مر بالغفلة أكد ذلك بأن من غاية غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب فبيّن الله تعالى أنه لا مصلحة في تعجيل إيصال الشر إليهم فلعلهم يؤمنون، أو يخرج من أصلابهم من يؤمن.

كانوا عند نزول الشدائد يدعون الله بكشفها كما يجيء في الآية التالية، وفي الرخاء كانوا يستعجلون النبي بالعذاب فقال ما معناه: ولو عجلنا لهم الشر الذي دعوا به كما يعجل لهم الخير ونجيبهم إليه لأميتوا وأهلكوا.

قال في الكشاف: أصل الكلام ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير.

فوضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل منه لهم.

وقيل: التعجيل معناه طلب العجلة إلا أن الاستعجال أشهر وأظهر.

فمعنى الآية لو أراد الله عجلة الشر للناس كما أرادوا عجلة الخير لهم.

وقيل: هما متلازمان فكل معجل يلزمه الاستعجال إلا أنه  وصف نفسه بتكوين العجلة ووصفهم بطلبها لأن اللائق به التكوين واللائق بهم الطلب.

وسمي العذاب في الآية شراً لأنه أذى وألم في حق المعاقب به.

ثم إن قوله ﴿ لو يعجل ﴾ كان متضمناً لمعنى نفي التعجيل فيمكن أن يكون قوله ﴿ فنذرهم ﴾ معطوفاً على منوي كأنه قيل: ولكن لا يعجل فيذرهم إلزاماً للحجة أو لمصالح أخرى.

ثم بين أنهم كاذبون في استعجال الشر ولو أصابهم ما طلبوه أظهروا العجل والطيش فقال: ﴿ وإذا مس الإنسان الضر ﴾ أي هذا الجنس ﴿ دعانا لجنبه ﴾ اللام في معنى الوقت كقولك: جئته لشهر كذا.

وإن شئت قلت في موضع الحال لأن الظرف والحال متآخيان فيصح عطف أحدهما على الآخر وتأويل أحدهما بالآخر أي دعانا مضطجعاً ﴿ أو قاعداً أو قائماً ﴾ أو وقت اضطجاعه وقعوده وقيامه.

والمراد أنه يدعو الله في جميع أحواله لا يفتر عن الدعاء.

ثم إن خص الضر بالمرض احتمل أن يراد أنه يدعو الله حين كان مضطجعاً غير قادر على القعود أو قاعداً غير قادر على القيام، أو قائماً لا يطيق المشي إلى أن يخف كل الخفة ويرزق الصحة بكمالها.

أو يراد أن من المضرورين من هو أسوأ حالاً وهو صاحب الفراش، ومنهم من هو أخف وهو القادر على القعود، ومنهم المستطيع للقيام وكلهم لا يصبرون على الضراء.

قال بعض المفسرين: الإنسان ههنا هو الكافر.

ومنهم من بالغ فقال: كل موضع في القرآن ورد فيه ذكر الإنسان فالمراد به الكافر.

وهذا شبه تحكم لورود مثل قوله  : ﴿ هل أتى على الإنسان  ﴾ إلا أن يساعده نقل صحيح.

والأصح عند العلماء العموم لأن الإنسان خلق ضعيفاً لا يصبر على اللأواء ولا يشكر عند النعماء إلا من عصمه الله وقليل ما هم، وهم الذين نظرهم في جميع الأحوال على المقدر المؤجل للأمور حسب إرادته ومشيئته فلا جرم إن أصابهم السراء شكروا وإن أصابهم الضراء صبروا فأفنوا إرادتهم في إرادته ورضوا بقضائه.

قال الزجاج: في الآية تقديم وتأخير والتقدير: وإذا مس الإنسان الضر لجنبه أو قاعداً أو قائماً: وضعف بأن تعديد أحوال الدعاء أبلغ من تعديد أحوال الضر لأنه إذا كان داعياً على الدوام ثم نسي ذلك في وقت الرخاء كان أعجب.

ومعنى ﴿ مرّ ﴾ مضى على طريقته التي له قبل مس الضراء ومرّ عن موقف الدعاء والتضرع لا يرجع إليه.

ومعنى ﴿ كأن لم يدعنا ﴾ كأنه لم يدعنا فخفف وحذف ضمير الشأن ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك التزيين ﴿ زين للمسرفين ما كانوا يعملون ﴾ من تتبع الشهوات.

والمزين هو الله  أو النفس أو الشيطان مفرع عن مسألة الجبر والقدر وقد مر مراراً.

قال العلماء: سمي الكافر مسرفاً لأنه أنفق ماله من الاستعداد الشريف من القوى البدنية والأموال النفيسة في الأمور الخسيسة الزائلة من الأصنام التي هي أحقر من لا شيء، ومن الشهوات الفانية التي لا أصل لها ولا دوام.

والمسرف في اللغة هو الذي ينفق المال الكثير لأجل الغرض الخسيس فصح ما قلنا.

ثم ذكر ما يجري مجرى الردع والزجر لهم عن إلقاء الشبه والأغاليط فقال: ﴿ ولقد أهلكنا القرون ﴾ وقد مضى تفسير القرن في أول الأنعام ﴿ ولما ﴾ ظرف لأهلكنا والواو في ﴿ وجاءتهم ﴾ للحال أي ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم ﴿ رسلهم ﴾ بالدلائل والحجج على صدقهم وهي المعجزات.

وقوله: ﴿ وما كانوا ليؤمنوا ﴾ إما أن يكون عطفاً على ﴿ ظلموا ﴾ أو يكون اعتراضاً واللام لتأكيد النفي، وإن الله قد علم منهم أنهم يصرون على الكفر والسبب في إهلاكهم تكذيب الرسل وعلم الله بإصرارهم ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الجزاء وهو الاستئصال الكلي نجزي كل مجرم، وفيه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم رسول الله  .

ثم خاطب الذين بعث إليهم رسول الله  بقوله: ﴿ ثم جعلناكم خلائف ﴾ أي استخلفناكم ﴿ في الأرض ﴾ بعد تلك القرون ﴿ لننظر كيف تعملون ﴾ خيراً أو شراً.

استعير النظر للعمل الحقيقي الذي لا يتطرق إليه شك، ويعني به العلم الذي يتعلق به الجزاء كما مر في "الأعراف".

قال قتادة: صدق الله ربنا ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا فأروا الله من أعمالكم خيراً بالليل والنهار.

ثم حكى نوعاً ثالثاً من شبهاتهم فقال: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ أي لا يؤمنون بالمعاد لأن كل من كان مؤمناً بالنشور فإنه يرجو ثواب الله ويخاف عقابه، وانتفاء اللازم دليل انتفاء الملزوم.

طلبوا من الرسول أحد أمرين: إما الإتيان بقرآن غير هذا القرآن مع بقاء هذا القرآن على حاله، إما تبديل هذا القرآن بنسخ بعض الآيات ووضع أخرى في مكانها.

فأمره الله  أن يقول في جوابهم ﴿ ما يكون لي ﴾ أي ما ينبغي وما يحل ﴿ أن أبدله من تلقاء نفسي ﴾ من قبل نفسي فنفى عن نفسه أحد القسمين الذي هو أسهل وأقل ليلزم منه نفي الأصعب الأكثر بالطريق الأولى.

ثم أكد الجواب بقوله: ﴿ إن أتبع ﴾ أي ما أتبع ﴿ إلا ما يوحى إلي ﴾ إن نسخت آية تبعت النسخ وإن بدلت آية مكان آية تبعت التبديل.

وقد تمسك بهذا نفاة القياس ونفاة جواز الاجتهاد وأجيب بأن رجوعهما أيضاً إلى الوحي.

ونقل عن ابن عباس أن قوله: ﴿ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ منسوخ بقوله: ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر  ﴾ وضعف بأن النسخ إنما يكون في الأحكام والتعبدات لا في ترتيب العقاب على المعصية.

قال المفسرون: هذا الالتماس منهم يحتمل أن يكون على سبيل السخرية.

فقد روى مقاتل والكلبي أنهم خمسة نفر من مشركي مكة وهم المستهزؤون في قوله: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين  ﴾ .

ويحتمل أن يكون على سبيل التجربة والامتحان حتى إنه إن فعل ذلك علموا أنه كاذب، أو أرادوا أن هذا القرآن مشتمل على ذم آلهتهم فطلبوا قرآناً آخر لا يكون كذلك.

ثم أكد كون هذا القرآن من عند الله  وأنه غير مستبد في إيراده فقال: ﴿ لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ﴾ ولا أعلمكم الله ﴿ به ﴾ على لساني.

ومن قرأ بلام الابتداء.

فمعناه ما تلوته أنا عليكم ولأخبركم الله به على لسان غيري، ولكنه يمنّ على من يشاء من عباده فرآني أهلاً لذلك دون غيري.

وقرىء ﴿ لا أدرأكم به ﴾ بالهمزة.

ووجهه أن تكون الهمزة مقلوبة من الألف، أو يكون من الدرء الدفع.

ومعنى ادرأته جعلته دارئاً أي لم أجعلكم بتلاوته خصماً تدرؤنني بالجدال وتكذبونني ﴿ فقد لبثت فيكم عمراً ﴾ أي بعضاً معتبراً من العمر وهو أربعون سنة ﴿ من قبله ﴾ أي من قبل نزول القرآن ﴿ أفلا تعقلون ﴾ فيه قدح في صحة عقولهم لأن ظهور مثل هذا الكتاب العظيم المشتمل على علوم الأوّلين والآخرين المعجز للثقلين عن معارضته على من عرفوا حاله من عدم التعلم والمدارسة ومخالطة العلماء إذا شك فيه أنه من قبيل الوحي والمدد السماوي، كان ذلك إنكاراً للضروريات وافتراء على الله فلهذا قال ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ الآية.

وفيه أن هذا القرآن لو لم يكن من عند الله ثم نسبه الرسول  إلى الله لم يكن أحد أظلم منه.

ثم قبح الله أصنامهم معارضة لهم بنقيض مقصودهم من الالتماس فقال ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ﴾ إن لم يعبدوه ﴿ ولا ينفعهم ﴾ إن عبدوه ومن حق المعبود أن يكون مثيباً معاقباً.

وفيه إشعار بأنها جماد، والمعبود لا بد أن يكون أكمل من العابد، وإذا كانت المنافع والمضار كلها من الله فلا تليق العبادة إلا له ﴿ ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ قد ذكرنا وجه ذلك في أوائل سورة البقرة في قوله: ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون  ﴾ ثم أنكر عليهم معتقدهم بقوله: ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم ﴾ والمراد أنه لا وجود لكونهم شفعاء إذ لو كان موجوداً لكان معلوماً للعالم بالذات المحيط بجميع المعلومات وهذا مجاز مشهور.

تقول: ما علم الله ذلك مني.

والمقصود أنه ما وجد منك ذلك قط.

وفي قوله: ﴿ في السموات ولا في الأرض ﴾ تأكيد آخر لنفيه لأن ما لم يوجد فيهما فهو منتفٍ معدوم.

قوله: {  وتعالى عما يشركون} إما أن يكون من تمام ما أمر النبي  أن يقول لهم، أو ابتداء كلام من الله  تنزيهاً لنفسه عن إشراكهم أو عن الشركاء الذين يشركونهم به.

ثم بيّن أن عبادة الأصنام بدعة وأن الناس - يعني العرب أو البشر كلهم - كانوا على الدين الحق فاختلفوا.

وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة في قوله: ﴿ كان الناس أمة واحدة  ﴾ والمقصود ههنا تقبيح صورة الشرك وعبادة الأصنام من دون الله في أعينهم، وتنفير طباعهم عن مثل هذا الأمر المستحدث الفظيع ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ من بناء أمر الثواب والعقاب على التكليف لا على الإلجاء والقسر، أو من تأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة، أو من قوله: "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ لقضى بينهم ﴾ عاجلاً ولميز المحق من المبطل.

ثم ذكر نوعاً رابعاً من أغاليطهم فقال: ﴿ ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد مر تفسيره في "الأنعام" في قوله: ﴿ لولا نزل عليه آية من ربه  ﴾ كأنهم لم يعتدّوا بالقرآن آية فاقترحوا غيره تعنتاً.

﴿ فقال إنما الغيب لله ﴾ هو المختص بعلمه ﴿ فانتظروا ﴾ نزول ما اقترحتموه وهذا أمر فيه تهديد ووعيد والله ورسوله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ ﴾ اختلف فيه؛ قيل: الجنة، والسلام: الله أضافها إلى نفسه؛ كقوله: ﴿ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ  ﴾ فأضاف الجنة إلى السلام إن كان دار السلام هي الجنة، فهو - والله أعلم - لأن المساجد هي أمكنة يقام فيها القرب، والجنة هي مكان اللذة وقضاء الشهوة، فأضافها إلى السلام لما يسلم أهلها عن جميع الآفات، والمساجد خصت بالإضافة إلى الله  ؛ لأنها أمكنة يقام فيها القرب.

وقال بعضهم: دار السلام: الإسلام.

ثم يحتمل كل واحد من التأويلين وجهين بما سمى الإسلام دار السلام والجنة، كذلك سمى الإسلام دار السلام؛ لأنه يأمن ويسلم كل من دخل فيه عن جميع الأهوال والآفات التي تكون.

والثاني: سمى [الإسلام دار السلام] أضافه إلى نفسه؛ كقوله: ﴿ أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ...

﴾ الآية [الزمر: 22]، أخبر أنه على نور من ربه؛ فعلى ذلك إضافة الإسلام إليه.

ومن قال: دار السلام الجنة سمى دار السلام؛ لأن كل من دخل الجنة سلم وأمن عن الأهوال كلها والآفات جميعاً.

والثاني: دار: الجنة، والسلام: الله أضاف إليه؛ لأنها دار أوليائه، وقد تضاف إلى الله على إرادة أوليائه، والله أعلم.

وروي في بعض الأخبار عن أبي قلابة أن النبي  قال: "قيل لي لتنم عينك، وليعقل قلبك، ولتسمع أذنك فنامت عيني وعقل قلبي وسمعت أذني، ثم قيل لي: سيد بنى داراً وجعل مأدبة وأرسل داعياً، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ورضي عنه السيد، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة ولم يرض عنه السيد فالله السيد، والدار الإسلام، والمأدبة الجنة، والداعي محمد  " إن ثبت هذا الخبر ففيه أن الدار الإسلام على ما قاله بعض أهل التأويل وفي خبر آخر عن جابر بن عبد الله قال: "خرج علينا رسول الله  يوماً فقال: رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي، قال أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا، قال: اسمع سمعت أذنك، وأعقل عقل قلبك، إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ داراً ثم بنى فيها بنياناً فأتمه، ثم جعل فيها المأدبة، ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تركه، فالله الملك والدار الإسلام والبيت الجنة، وأنت يا محمد الرسول، ومن أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل ما فيها" هذا يدل - أيضاً - إن ثبت أن الدار التي ذكر في الآية هو الإسلام، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ...

﴾ الآية: ذكر الاستثناء في الهداية، ولم يذكر في الدعاء؛ ليعلم [أن] لا كل من يدعو إلى دار السلام يهديه، وإنما [يهدي به] من يعلم منه أنه يختار الهدى وذلك على القدرية.

ثم الهدى على وجوه ثلاثة.

أحدها: الدعاء كقوله: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ  ﴾ .

والثاني: هو البيان كقوله: ﴿ هُدًى وَرَحْمَةً ﴾ يعني القرآن.

والثالث: التوفيق والعصمة إذا وفق اهتدى، والهدى هاهنا التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ﴾ : اختلف فيه؛ قال بعضهم: للذين أحسنوا في الدنيا لهم الحسنى في الآخرة جزاء ذلك الإحسان وهي الجنة، سمى الجنة الحسنى؛ لأنها جزاء الإحسان، كما سمى النار السوءى؛ كقوله: ﴿ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤأَىٰ  ﴾ لأنها جزاء السوء؛ كقوله: ﴿ هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَانِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ  ﴾ ﴿ وَزِيَادَةٌ ﴾ قيل: المحبة في قلوب العباد يحبه كل محسن، وهيبة له في قلوب الناس يهابه كل أحد على غير سلطان له ولا يد.

وقال قائلون: قوله: ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ﴾ أي: مثل تلك الحسنة وزيادة التضعيف، حتى تكون عشرا وسبعمائة وما شاء الله، يدل على ذلك قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا  ﴾ .

وقال قائلون: [قوله]: ﴿ وَزِيَادَةٌ ﴾ الرؤية: رؤية الرب والنظر؛ كقوله  : ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ  إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  ﴾ .

وقال قائلون: الزيادة قبول حسناته مع ما فيها من الخلط بالسيئات، يقبل حسناته بفضله.

وإن كانت تشوبها السيئات ورضاه عنه، وذلك طريقه الفضل والإحسان؛ إذ قد سبق من الله  إليه من النعم ما لا يقدر القيام على وفاء نعمة منها طول عمره.

وعن علي بن أبي طالب -  - قال: "الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب".

فلا ندري ما الزيادة التي ذكرها عز وجل في الآية إلا بالخبر عن الله.

وقال قائلون: الحسنى ما تقدره العقول وتدركها وتصورها الأوهام، وأما الزيادة فهي التي لا تقدرها العقول ولا تدركها ولا تصورها الأوهام؛ كقوله  : "ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ ﴾ قيل: لا يغشى وجوههم الغبار والريح على ما وصف وجوه أهل النار، وهو قوله: ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ  تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ  ﴾ ، ولكن على ما وصف وجوه أهل الجنة بقوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ  ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ  ﴾ ، وذلك - والله أعلم - آثار إحسانهم التي أحسنوا في الدنيا، ولما لم يروا النعم التي كانت لهم من سواه ولم يصرفوا شكرها إلى غيره، والغبرة والقترة التي ذكر لأهل النار هي آثار السيئات التي عملوها في الدنيا من عبادتهم دون الله وصرفهم شكر النعم إلى غيره ونحو ذلك من صنيعهم الذي صنعوا في الدنيا، والله أعلم.

﴿ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والذين عملوا السيئات من الكفر والمعاصي لهم جزاء السيئة التي عملوها بمثلها من عقاب الله في الآخرة، وتغشى وجوههم ذلة وهوان، ليس لهم مانع يمنعهم من عذاب الله إذا أنزله بهم، كأنما ألبست وجوههم سوادًا من الليل المظلم من كثرة ما يغشاها من دخان النار وسوادها، أولئك المتصفون بتلك الصفات أصحاب النار هم فيها ماكثون أبدًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.mdQl7"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل