الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٦١ من سورة يونس
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 102 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٦١ من سورة يونس من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يخبر تعالى نبيه ، صلوات الله عليه وسلامه أنه يعلم جميع أحواله وأحوال أمته ، وجميع الخلائق في كل ساعة وآن ولحظة ، وأنه لا يعزب عن علمه وبصره مثقال ذرة في حقارتها وصغرها في السماوات ولا في الأرض ، ولا أصغر منها ولا أكبر إلا في كتاب مبين ، كقوله : ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) [ الأنعام : 59 ] ، فأخبر تعالى أنه يعلم حركة الأشجار وغيرها من الجمادات وكذلك الدواب السارحة في قوله : ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ) [ الأنعام : 38 ] ، وقال تعالى : ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين ) [ هود : 6 ] .
وإذا كان هذا علمه بحركات هذه الأشياء ، فكيف بعلمه بحركات المكلفين المأمورين بالعبادة ، كما قال تعالى : ( وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين ) [ الشعراء : 217 - 219 ] ؛ ؛ ولهذا قال تعالى : ( وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه ) أي : إذ تأخذون في ذلك الشيء نحن مشاهدون لكم راءون سامعون ، ولهذا قال ، عليه السلام لما سأله جبريل عن الإحسان [ قال ] أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " .
القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (وما تكون)، يا محمد ، (في شأن) ، يعني: في عمل من الأعمال ، (وما تتلوا منه من قرآن)، يقول: وما تقرأ من كتاب الله من قرآن (14) (ولا تعملون من عمل)، يقول: ولا تعملون من عمل أيها الناس ، من خير أو شر ، (إلا كنَّا عليكم شهودًا) ، يقول: إلا ونحن شهود لأعمالكم وشئونكم ، إذ تعملونها وتأخذون فيها.
(15) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك رُوي القول عن ابن عباس وجماعة.
ذكر من قال ذلك: 17696- حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (إذ تفيضون فيه) ، يقول: إذ تفعلون.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: إذ تشيعون في القرآن الكذبَ.
*ذكر من قال ذلك: 17697- حدثت عن المسيب بن شريك، عن أبي روق، عن الضحاك: (إذ تفيضون فيه) ، يقول: تشيعون في القرآن من الكذب.
(16) * * * وقال آخرون: معنى ذلك: إذ تفيضون في الحق.
*ذكر من قال ذلك: 17698- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (إذ تفيضون فيه)، في الحق ما كان.
17699- .
.
.
.
قال، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
17700- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
* * * قال أبو جعفر: وإنما اخترنا القول الذي اخترناه فيه، لأنه تعالى ذكره أخبر أنه لا يعمل عباده عملا إلا كان شاهدَه، ثم وصل ذلك بقوله: (إذ يفيضون فيه) ، فكان معلومًا أن قوله: (إذ تفيضون فيه) إنما هو خبرٌ منه عن وقت عمل العاملين أنه له شاهد ، لا عن وَقْت تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، لأن ذلك لو كان خبرًا عن شهوده تعالى ذكره وقتَ إفاضة القوم في القرآن، لكانت القراءة بالياء: " إذ يفيضون فيه " خبرًا منه عن المكذبين فيه.
فإن قال قائل: ليس ذلك خبرًا عن المكذبين، ولكنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، (17) أنه شاهده إذْ تلا القرآن.
، فإن ذلك لو كان كذلك لكان التنـزيل : (إذ تفيضون فيه) ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم واحدٌ لا جمع، كما قال: (وما تتلوا منه من قرآن)، فأفرده بالخطاب ، ولكن ذلك في ابتدائه خطابَه صلى الله عليه وسلم بالإفراد ، ثم عَوْده إلى إخراج الخطاب على الجمع نظير قوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ، [سورة الطلاق: 1] ، وذلك أن في قوله: إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ، دليلا واضحًا على صرفه الخطابَ إلى جماعة المسلمين مع النبي صلى الله عليه وسلم مع جماعة الناس غيره، لأنه ابتدأ خطابه ، ثم صرف الخطابَ إلى جماعة الناس، والنبي صلى الله عليه وسلم فيهم.
، وخبرٌ عن أنه لا يعمل أحدٌ من عباده عملا إلا وهو له شاهد ، (18) يحصى عليه ويعلمه كما قال: (وما يعزب عن ربك) ، يا محمد ، عمل خلقه، ولا يذهب عليه علم شيء حيث كان من أرض أو سماء.
* * * وأصله من " عزوب الرجل عن أهله في ماشيته "، وذلك غيبته عنهم فيها، يقال منه: " عزَبَ الرَّجل عن أهله يَعْزُبُ ويَعْزِبُ".
* * * ، لغتان فصيحتان، قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القراء.
وبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، لاتفاق معنييهما واستفاضتهما في منطق العرب، غير أني أميل إلى الضم فيه ، لأنه أغلب على المشهورين من القراء.
* * * وقوله: (من مثقال ذرة)، يعني: من زنة نملة صغيرة.
* * * يحكى عن العرب: " خذ هذا فإنه أخف مثقالا من ذاك، أي: أخفُّ وزنًا.
(19) * * * و " الذرّة " واحدة : " الذرّ"، و " الذرّ"، صغار النمل.
(20) * * * قال أبو جعفر: وذلك خبَرٌ عن أنه لا يخفى عليه جل جلاله أصغر الأشياء، وإن خف في الوزن كلّ الخفة، ومقاديرُ ذلك ومبلغه، ولا أكبرها وإن عظم وثقل وزنه، وكم مبلغ ذلك .
يقول تعالى ذكره لخلقه: فليكن عملكم أيها الناس فيما يرضي ربَّكم عنكم، فإنّا شهود لأعمالكم، لا يخفى علينا شيء منها، ونحن محصُوها ومجازوكم بها.
* * * واختلفت القراء في قراءة قوله: ( ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ) .
فقرأ ذلك عامة القراء بفتح الراء من (أَصْغَرَ) و (أَكْبَرَ) على أن معناها الخفض، عطفًا بالأصغر على الذرة ، وبالأكبر على الأصغر، ثم فتحت راؤهما ، لأنهما لا يُجْرَيان.
* * * وقرأ ذلك بعض الكوفيين: [وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ] رفعًا، عطفًا بذلك على معنى المثقال، لأن معناه الرفع.
وذلك أن (مِنْ) لو ألقيت من الكلام ، لرفع المثقال، وكان الكلام حينئذٍ: " وما يعزُب عن ربك مثقالُ ذرة ولا أصغرُ من مثقال ذرة ولا أكبرُ" ، وذلك نحو قوله: مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ ، و غَيْرُ اللَّهِ ، [سورة فاطر: 3].
(21) * * * قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك بالصواب، قراءةُ من قرأ بالفتح ، على وجه الخفض والردّ على الذرة، لأن ذلك قراءة قراء الأمصار ، وعليه عَوَامٌّ القراء، وهو أصحُّ في العربية مخرجًا ، وإن كان للأخرى وجهٌ معروفٌ.
* * * وقوله: (إلا في كتاب) ، يقول: وما ذاك كله إلا في كتاب عند الله ، (مبين) ، عن حقيقة خبر الله لمن نظر فيه.
(22) أنه لا شيء كان أو يكون إلا وقد أحصاه الله جل ثناؤه فيه، وأنه لا يعزُب عن الله علم شيء من خلقه حيث كان من سمائه وأرضه.
* * * 17701- حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله قال ، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: (وما يعزب) ، يقول: لا يغيب عنه.
17702- حدثني محمد بن عمارة قال ، حدثنا عبد الله قال، أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس: (وما يعزب عن ربك)، قال: ما يغيب عنه.
------------------------ الهوامش: (14) انظر تفسير " التلاوة " فيما سلف من فهارس اللغة ( تلا .
) .
(15) انظر تفسير " الإفاضة " فيما سلف 4 : 170 .
(16) في المطبوعة : " فتشيعون " بالفاء ، لم يحسن قراءة المخطوطة .
(17) في المطبوعة : " ولكن خطاب " ، بحذف الهاء ، وأثبتها من المخطوطة .
(18) قوله : " وخبر عن أنه لا يعمل أحد " معطوف على قوله في أول هذه الفقرة : " إنما هو خبر عن وقت عمل العاملين .
.
.
" .
(19) انظر تفسير " المثقال " فيما سلف 8 : 360 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 278 ، وهو نص كلامه .
(20) انظر تفسير " الذرة " فيما سلف 8 : 360 ، 361 .
(21) لم يذكر أبو جعفر قراءة الرفع في هذه الآية ، في موضعها من تفسير " سورة فاطر " ، فيما سيأتي 22 : 77 ( بولاق ) ، وسأشير إلى ذلك في موضعه هناك .
وهذا دليل آخر على اختصار أبي جعفر ، تفسيره في مواضع ، كما أشرت إليه في كثير من تعليقاتي .
(22) انظر تفسير " مبين " فيما سلف من فهارس اللغة ( بين )
قوله تعالى وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبينقوله تعالى وما تكون في شأن ( ما ) للجحد ; أي لست في شأن ، يعني من عبادة أو غيرها إلا والرب مطلع عليك .
والشأن الخطب ، والأمر ، وجمعه شئون .
قال الأخفش : تقول العرب ما شأنت شأنه ، أي ما عملت عمله .وما تتلو منه من قرآن قال الفراء والزجاج : الهاء في ( منه ) تعود على الشأن ، أي تحدث شأنا فيتلى من أجله القرآن فيعلم كيف حكمه ، أو ينزل فيه قرآن فيتلى .
وقال الطبري : ( منه ) أي من كتاب الله تعالى .
( من قرآن ) أعاد تفخيما ; كقوله : إني أنا الله .ولا تعملون من عمل يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم والأمة .
وقوله : وما تكون في شأن خطاب له والمراد هو وأمته ; وقد يخاطب الرسول والمراد هو وأتباعه .
وقيل : المراد كفار قريش .إلا كنا عليكم شهودا أي نعلمه ; ونظيره ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهمإذ تفيضون فيه أي تأخذون فيه ، والهاء [ ص: 266 ] عائدة على العمل ; يقال : أفاض فلان في الحديث والعمل إذا اندفع فيه .
قال الراعي :فأفضن بعد كظومهن بجرة من ذي الأباطح إذ رعين حقيلاابن عباس : ( تفيضون فيه ) تفعلونه .
الأخفش : تتكلمون .
ابن زيد : تخوضون .
ابن كيسان : تنشرون القول .
وقال الضحاك : الهاء عائدة على القرآن ; المعنى : إذ تشيعون في القرآن الكذب .وما يعزب عن ربك قال ابن عباس : يغيب .
وقال أبو روق : يبعد .
وقال ابن كيسان : يذهب .
وقرأ الكسائي " يعزب " بكسر الزاي حيث وقع ; وضم الباقون ; وهما لغتان فصيحتان ; نحو يعرش ويعرش .( من مثقال ) ( من ) صلة ; أي وما يعزب عن ربك مثقال ذرة أي وزن ذرة ، أي نميلة حمراء صغيرة ; وقد تقدم في النساءفي الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر عطف على لفظ ( مثقال ) ، وإن شئت على ( ذرة ) .
وقرأ يعقوب وحمزة برفع الراء فيهما عطفا على موضع ( مثقال ) لأن ( من ) زائدة للتأكيد .
وقال الزجاج : ويجوز الرفع على الابتداء .
وخبره إلا في كتاب مبين يعني اللوح المحفوظ مع علم الله تعالى به .
قال الجرجاني ( إلا ) بمعنى واو النسق ، أي وهو في كتاب مبين ; كقوله تعالى : إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم أي ومن ظلم .
وقوله : لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم أي والذين ظلموا منهم ; ف ( إلا ) بمعنى واو النسق ، وأضمر هو بعده كقوله : ( وقولوا حطة ) .
أي هي حطة .
وقوله : ولا تقولوا ثلاثة أي هم ثلاثة .
ونظير ما نحن فيه : وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين وهو في كتاب مبين .
يخبر تعالى، عن عموم مشاهدته، واطلاعه على جميع أحوال العباد في حركاتهم، وسكناتهم، وفي ضمن هذا، الدعوة لمراقبته على الدوام فقال: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ} أي: حال من أحوالك الدينية والدنيوية. {وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ} أي: وما تتلو من القرآن الذي أوحاه الله إليك. {وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ} صغير أو كبير {إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} أي: وقت شروعكم فيه، واستمراركم على العمل به. فراقبوا الله في أعمالكم، وأدوها على وجه النصيحة، والاجتهاد فيها، وإياكم، وما يكره الله تعالى، فإنه مطلع عليكم، عالم بظواهركم وبواطنكم. {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ} أي: ما يغيب عن علمه، وسمعه، وبصره ومشاهدته {مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} أي: قد أحاط به علمه، وجرى به قلمه. وهاتان المرتبتان من مراتب القضاء والقدر، كثيرًا ما يقرن الله بينهما، وهما: العلم المحيط بجميع الأشياء، وكتابته المحيطة بجميع الحوادث، كقوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}
قوله عز وجل : ( وما تكون ) يا محمد ، ( في شأن ) عمل من الأعمال ، وجمعه شئون ، ( وما تتلو منه ) من الله ، ( من قرآن ) نازل ، وقيل : " منه " أي من الشأن من قرآن ، نزل فيه ، ثم خاطبه وأمته فقال : ( ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه ) أي : تدخلون وتخوضون فيه ، الهاء عائدة إلى العمل ، والإفاضة : الدخول في العمل .
وقال ابن الأنباري : تندفعون فيه .
وقيل : تكثرون فيه .
والإفاضة : الدفع بكثرة .
( وما يعزب عن ربك ) يغيب عن ربك ، وقرأ الكسائي " يعزب " بكسر الزاي ، وقرأ الآخرون بضمها ، وهما لغتان .
( من مثقال ذرة ) أي : مثقال ذرة ، و " من " صلة ، والذرة هي : النملة الحميراء الصغيرة .
( في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ) أي : من الذرة ، ( ولا أكبر ) قرأ حمزة ويعقوب : برفع الراء فيهما ، عطفا على موضع المثقال قبل دخول " من " ، وقرأ الآخرون : بنصبهما ، إرادة للكسرة ، عطفا على الذرة في الكسر .
( إلا في كتاب مبين ) وهو اللوح المحفوظ .
«وما تكون» يا محمد «في شأن» أمر «وما تتلو منه» أي من الشأن أو الله «من قرآن» أنزله عليك «ولا تعملون» خاطبهُ وأمته «من عمل إلا كنا عليكم شهودا» رقباء «إذ تُفيضون» تأخذون «فيه» أي العمل «وما يَعْزُبُ» يغيب «عن ربك من مثقال» وزن «ذرة» أصغر نملة «في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين» بيِّن هو اللوح المحفوظ.
وما تكون -أيها الرسول- في أمر مِن أمورك وما تتلو من كتاب الله من آيات، وما يعمل أحد من هذه الأمة عملا من خير أو شر إلا كنا عليكم شهودًا مُطَّلِعين عليه، إذ تأخذون في ذلك، وتعملونه، فنحفظه عليكم ونجزيكم به، وما يغيب عن علم ربك -أيها الرسول- من زنة نملة صغيرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر الأشياء ولا أكبرها، إلا في كتاب عند الله واضح جلي، أحاط به علمه وجرى به قلمه.
وبعد أن ذكر - سبحانه - عباده بفضله ، وما يجب عليهم من شكره ، عطف على ذلك تذكيره إياهم بإحاطة علمه بكل صغير وكبير في هذا الكون فقال : ( وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً .
.
.
) .أي : وما تكون - أيها الرسول الكريم - فى شأن من الشئون أو في حال من الأحوال .وما تتلو من أجل ذلك الشأن من قرآن يهدي إلى الرشد .ولا تعملون - أيها الناس - عملا ما صغيرا أو كبيرا ، إلأا كنا عليكم مطلعين .ومن في قوله ( منه ) للتعليل ، والضمير يعود إلى الشأن ، إذ التلاوة أعظم شئونه - صلى الله عليه وسلم - هذا .
ولذا خصت بالذكر .
ويجوز أن يعود للقرآن الكريم ، ويكون الإِضمار قبل الذكر لتفخيم شأنه ، وتعظيم أمره .ومن في قوله ( مِن قُرْآنٍ ) مزيدة لتأكيد النفي .وقال الآلوسى : " والخطاب الأول خاص برأس النوع الإِنساني ، وسيد المخاطبين - صلى الله عليه وسلم - هذا .
وقوله ( وَلاَ تَعْمَلُونَ .
.
.
) عام يشمل سائر العباد برهم وفاجرهم وقد روعى في كل من المقامين ما يليق به ، فعبر في مقام الخصوص فى الأول بالشأن ، لأن عمل العظيم عظيم ، وفى الثاني بالعمل العام للجليل والحقير .
وقيل : الخطاب الأول عام للأمة أيضا كما في قوله - تعالى - ( ياأيها النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ ) وقوله : ( إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً ) استثناء مفرغ من أعم أحوال المخاطبين بالأفعال الثلاثة .
أي : وما تلابسون بشيء منها فى حال من الأحوال إلا حال كوننا رقباء مطلعين عليه ، حافظين له " .وقوله : ( إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ) أي : تخوضون وتندفعون في ذلك العمل ، لأن الإِفاضة في الشيء معناها الاندافع فيه بكثرة وقوة .وقوله : ( وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرض وَلاَ فِي السمآء ) بيان لشمول علمه - سبحانه - لكل شيء .ويعزب : أى يبعد ويغيب ، وأصله من قولهم : عزب الرجل يعزب بإبله إذا أبعد بها وغاب فى طلب الكلأ والعشب .
والكلام على حذف مضاف .أي : وما يغيب ويخفي عن عمل ربك مثقال ذرة في الوجود علويه وسفلية ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ، إلا وهو معلوم ومسجل عنده في كتاب عظيم الشأن ، تام البيان .وقوله : ( مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ ) تمثل لقلة الشيء ودقته ، ومن فيه لتأكيد النفي وقدمت الأرض على السماء هنا ، لأن الكلام في حال أهلها ، والمقصود إقامة البرهان على إحاطة علمه - سبحانه - بتفاصيلها .فكأنه - سبحانه - يقول : إن من يكون هذا شأنه لا يخفى عليه شيء من أحوال أهل الأرض مع نبيهم - صلى الله عليه وسلم - .وقوله : ( وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك ولا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) جملة مستقلة لسيت معطوفة على ما قبلها .و ( لا ) نافية للجنس و ( أصغر ) اسمها منصوب لشبهه بالمضاف ، و ( أكبر ) معطوف عليه .
و ( فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) متعلق بمحذوف خبرها .وقدم ذكر الأصغر على الأكبر ، لأنه هو الأهم في سياق العلم بما خفى من الأمور .وقرأ حمزة ويعقوب وخلف ( وَلاَ أَصْغَرَ ) بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف .
أى : ولا ما هو أصغر في ذلك .والمراد بالكتاب المبين : علم الله الذي وسع كل شىء ، أو اللوح المحفوظ الذى حفظ الله فيه كل شيء .وبذلك نرى أأن هذه الآيات الكريمة قد أقامت الأدلة على شمول قدرة الله - تعالى - لكل شيء ، وعلى دعوة الناس إلى الانتفاع بما جاء به القرآن من خيرات وبركات ، وعلى وجوب التزامهم بما شرعه - سبحانه - وعلى إحاطة علمه بما ظهر وبطن من الأمور .وبعد أن وجه - سبحانه - نداء إلى الناس دعاهم فيه إلى الانتفاع بما جاء فى القرآن من خيرات ، وتوعد الذين شرعوا شرائع لم يأذن بها الله ، وأقام الأدلة على نفاذ قدرته ، وشمول علمه .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه لما أطال الكلام في أمر الرسول بإيراد الدلائل على فساد مذاهب الكفار، وفي أمره بإيراد الجواب عن شبهاتهم، وفي أمره بتحمل أذاهم، وبالرفق معهم ذكر هذا الكلام ليحصل به تمام السلوة والسرور للمطيعين، وتمام الخوف والفزع للمذنبين، وهو كونه سبحانه عالماً بعمل كل واحد، وبما في قلبه من الدواعي والصوارف، فإن الإنسان ربما أظهر من نفسه نسكاً وطاعة وزهداً وتقوى، ويكون باطنه مملوأ من الخبث وربما كان بالعكس من ذلك فإذا كان الحق سبحانه عالماً بما في البواطن كان ذلك من أعظم أنواع السرور للمطيعين ومن أعظم أنواع التهديد للمذنبين.
المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى خصص الرسول في أول هذه الآية بالخطاب في أمرين، ثم أتبع ذلك بتعميم الخطاب مع كل المكلفين في شيء واحد، أما الأمران المخصوصان بالرسول عليه الصلاة والسلام.
فالأول: منهما قوله: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾ واعلم أن ﴿ مَا ﴾ هاهنا جحد والشأن الخطب والجمع الشؤن، تقول العرب ما شأن فلان أي ما حاله، قال الأخفش: وتقول ما شأنت شأنه أي ما عملت عمله، وفيه وجهان: قال ابن عباس: وما تكون يا محمد في شأن يريد من أعمال البر وقال الحسن: في شأن من شأن الدنيا وحوائجك فيها.
والثاني: منهما قوله تعالى: ﴿ وَمَا نتلوا منه من قرآن ﴾ واختلفوا في أن الضمير في قوله: ﴿ مِنْهُ ﴾ إلى ماذا يعود؟
وذكروا فيه ثلاثة أوجه: الأول: أنه راجع إلى الشأن لأن تلاوة القرآن شأن من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو معظم شأنه، وعلى هذا التقدير، فكان هذا داخلاً تحت قوله: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾ إلا أنه خصه بالذكر تنبيهاً على علو مرتبته، كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَلئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال ﴾ وكما في قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وإبراهيم ﴾ والثاني: أن هذا الضمير عائد إلى القرآن والتقدير: وما تتلو من القرآن من قرآن، وذلك لأن كما أن القرآن اسم للمجموع، فكذلك هو اسم لكل جزء من أجزاء القرآن والإضمار قبل الذكر، يدل على التعظيم.
الثالث: أن يكون التقدير: وما تتلو من قرآن من الله أي نازل من عند الله.
وأقول: قوله: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءانٍ ﴾ أمران مخصوصان بالرسول صلى الله عليه وسلم.
وأما قوله: ﴿ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ ﴾ فهذا خطاب مع النبي ومع جميع الأمة.
والسبب في أن خص الرسول بالخطاب أولاً، ثم عمم الخطاب مع الكل، هو أن قوله: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءانٍ ﴾ وإن كان بحسب الظاهر خطاباً مختصاً بالرسول، إلا أن الأمة داخلون فيه ومرادون منه، لأنه من المعلوم أنه إذا خوطب رئيس القوم كان القوم داخلين في ذلك الخطاب.
والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ يأيُّهَا النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء ﴾ ثم إنه تعالى بعد أن خص الرسول بذينك الخطابين عمم الكل بالخطاب الثالث فقال: ﴿ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ ﴾ فدل ذلك على كونهم داخلين في الخطابين الأولين.
ثم قال تعالى: ﴿ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا ﴾ وذلك لأن الله تعالى شاهد على كل شيء، وعالم بكل شيء، أما على أصول أهل السنة والجماعة، فالأمر فيه ظاهر، لأنه لا محدث ولا خالق ولا موجد إلا الله تعالى.
فكل ما يدخل في الوجود من أفعال العباد وأعمالهم الظاهرة والباطنة، فكلها حصلت بإيجاد الله تعالى وإحداثه.
والموجد للشيء لابد وأن يكون عالماً به، فوجب كونه تعالى عالماً بكل المعلومات، وأما على أصول المعتزلة، فقد قالوا: إنه تعالى حي وكل من كان حياً، فإنه يصح أن يعلم كل واحد من المعلومات، والموجب لتلك العالمية، هو ذاته سبحانه.
فنسبة ذاته إلى اقتضاء حصول العالمية ببعض المعلومات كنسبة ذاته إلى اقتضاء حصول العالمية بسائر المعلومات، فلما اقتضت ذاته حصول العالمية ببعض المعلومات وجب أن تقتضي حصول العالمية بجميع المعلومات فثبت كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات.
أما قوله تعالى: ﴿ إِذْ تفيضون فِيهِ ﴾ فاعلم أن الإفاضة هاهنا الدخول في العمل على جهة الانصباب إليه وهو الانبساط في العمل، يقال أفاض القوم في الحديث إذا اندفعوا فيه، وقد أفاضوا من عرفة إذا دفعوا منه بكثرتهم، فتفرقوا.
فإن قيل: ﴿ إِذْ ﴾ هاهنا بمعنى حين، فيصير تقدير الكلام إلا كنا عليكم شهوداً حين تفيضون فيه، وشهادة الله تعالى عبارة عن علمه، فيلزم منه أن يقال إنه تعالى ما علم الأشياء إلا عند وجودها وذلك باطل.
قلنا: هذا السؤال بناء على أن شهادة الله تعالى عبارة عن علمه، وهذا ممنوع، فإن الشهادة لا تكون إلا عند وجود المشهود عليه، وأما العلم، فلا يمتنع تقدمه على الشيء، والدليل عليه أن الرسول عليه السلام، لو أخبرنا عن زيد أنه يأكل غداً كنا من قبل حصول تلك الحالة عالمين بها ولا نوصف بكوننا شاهدين لها.
واعلم أن حاصل هذه الكلمات أنه لا يخرج عن علم الله شيء، ثم إنه تعالى أكد هذا الكلام زيادة تأكيد، فقال: ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الارض وَلاَ فِي السماء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ في كتاب مبين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أصل العزوب من البعد.
يقال: كلأ عازب إذا كان بعيد المطلب، وعزب الرجل بإبله إذا أرسلها إلى موضع بعيد من المنزل، والرجل سمي عزباً لبعده عن الأهل، وعزب الشيء عن علمي إذا بعد.
المسألة الثانية: قرأ الكسائي ﴿ وَمَا يَعْزُبُ ﴾ بكسر الزاي، والباقون بالضم، وفيه لغتان: عزب يعزب، وعزب يعزب.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ ﴾ أي وزن ذرة، ومثقال الشيء ما يساويه في الثقل، والمعنى: ما يساوي ذرة والذر صغار النمل واحدها ذرة، وهي تكون خفيفة الوزن جداً، وقوله: ﴿ فِي الارض وَلاَ فِي السماء ﴾ فالمعنى ظاهر.
فإن قيل: لم قدم الله ذكر الأرض هاهنا على ذكر السماء مع أنه تعالى قال في سورة سبأ: ﴿ عالم الغيب لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السموات وَلاَ فِي الارض ﴾ .
قلنا: حق السماء أن تقدم على الأرض إلا أنه تعالى لما ذكر في هذه الآية شهادته على أحوال أهل الأرض وأعمالهم، ثم وصل ذلك قوله لا يعزب عنه، ناسب أن تقدم الأرض على السماء في هذا الموضع.
ثم قال: ﴿ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ ﴾ وفيه قراءتان قرأ حمزة ﴿ وَلاَ أَصْغَرَ وَلا أَكْبَرَ ﴾ بالرفع فيهما، والباقون بالنصب.
واعلم أن قوله: ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ ﴾ تقديره وما يعزب عن ربك مثقال ذرة فلفظ ﴿ مِثْقَالَ ﴾ عند دخول كلمة ﴿ مِنْ ﴾ عليه مجرور بحسب الظاهر، ولكنه مرفوع في المعنى، فالمعطوف عليه إن عطف على الظاهر كان مجروراً إلا أن لفظ أصغر وأكبر غير منصرف، فكان مفتوحاً وإن عطف على المحل، وجب كونه مرفوعاً، ونظيره قوله ما أتاني من أحد عاقل وعاقل، وكذا قوله: ﴿ مَالَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ ﴾ وغيره وقال الشاعر: فلسنا بالجبال ولا الحديدا *** هذا ما ذكره النحويون، قال صاحب الكشاف: لو صح هذا العطف لصار تقدير هذه الآية وما يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب: وحينئذ يلزم أن يكون الشيء الذي في الكتاب خارجاً عن علم الله تعالى وأنه باطل.
وأجاب بعض المحققين عنه بوجهين: الوجه الأول: أنا بينا أن العزوب عبارة عن مطلق البعد.
وإذا ثبت هذا فنقول: الأشياء المخلوقة على قسمين: قسم أوجده الله تعالى ابتداء من غير واسطة كالملائكة والسموات والأرض، وقسم آخر أوجده الله بواسطة القسم الأول، مثل: الحوادث الحادثة في عالم الكون والفساد، ولا شك أن هذا القسم الثاني قد يتباعد في سلسلة العلية والمعلولية عن مرتبة وجود واجب الوجود فقوله: ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الأرض وَلاَ فِي السماء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ أي لا يبعد عن مرتبة وجوده مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء إلا وهو في كتاب مبين وهو كتاب كتبه الله تعالى وأثبت صور تلك المعلومات فيه، ومتى كان الأمر كذلك فقد كان عالماً بها محيطاً بأحوالها، والغرض منه الرد على من يقول: إنه تعالى غير عالم بالجزئيات، وهو المراد من قوله: ﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .
والوجه الثاني: في الجواب أن نجعل كلمة ﴿ إِلا ﴾ في قوله: ﴿ إِلاَّ فِي كتاب مُّبِينٍ ﴾ استثناء منقطعاً لكن بمعنى هو في كتاب مبين، وذكر أبو علي الجرجاني صاحب النظم عنه جواباً آخر فقال: قوله: ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرض وَلاَ فِي السماء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ ﴾ هاهنا تم الكلام وانقطع ثم وقع الابتداء بكلام آخر، وهو قوله: ﴿ إِلاَّ فِي كتاب مُّبِينٍ ﴾ أي وهو أيضاً في كتاب مبين.
قال: والعرب تضع إلا موضع واو النسق كثيراً على معنى الابتداء، كقوله تعالى: ﴿ لاَ يَخَافُ لَدَىَّ المرسلون إَلاَّ مَن ظَلَمَ ﴾ يعني ومن ظلم.
وقوله: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ ﴾ يعني والذين ظلموا، وهذا الوجه في غاية التعسف.
وأجاب صاحب الكشاف: بوجه رابع فقال: الإشكال إنما جاء إذا عطفنا قوله: ﴿ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ ﴾ على قوله: ﴿ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرض وَلاَ فِي السماء ﴾ إما بحسب الظاهر أو بحسب المحل، لكنا لا نقول ذلك، بل نقول: الوجه في القراءة بالنصب في قوله: ﴿ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك ﴾ الحمل على نفي الجنس وفي القراءة بالرفع الحمل على الابتداء، وخبره قوله: ﴿ فِى كتاب مُّبِينٍ ﴾ وهذا الوجه اختيار الزجاج.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾ (ما) نافية والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والشأن: الأمر، وأصله الهمز بمعنى القصد، من شأنت شأنه إذا قصدت قصده.
والضمير في ﴿ مِنْهُ ﴾ للشأن لأن تلاوة القرآن شأن من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو معظم شأنه، أو للتنزيل، كأنه قيل: وما تتلو من التنزيل من قرآن، لأنّ كلّ جزء منه قرآن، والإضمار قبل الذكر تفخيم له.
أو لله عزّ وجلّ.
وما ﴿ تَعْمَلُونَ ﴾ أنتم جميعاً ﴿ مِنْ عَمَلٍ ﴾ أيّ عمل كان ﴿ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا ﴾ شاهدين رقباء نحصي عليكم ﴿ إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ من أفاض في الأمر إذا اندفع فيه ﴿ وَمَا يَعْزُبُ ﴾ .
قرئ بالضم والكسر (وما يبعد وما يغيب)، ومنه: الروض العازب ﴿ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ ﴾ القراءة بالنصب والرفع، والوجه النصب على نفي الجنس، والرفع على الابتداء ليكون كلاماً برأسه، وفي العطف على محل ﴿ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ ﴾ أو على لفظ ﴿ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ [النساء: 40] فتحاً في موضع الجرّ لامتناع الصرف: إشكال، لأنّ قولك: (لا يعزب عنه شيء إلاّ في كتاب) مشكل.
فإن قلت: لم قدّمت الأرض على السماء، بخلاف قوله: في سورة سبأ ﴿ عالم الغيب لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السموات وَلاَ فِي الأرض ﴾ [سبأ: 3] ؟
قلت: حق السماء أن تقدم على الأرض، ولكنه لما ذكر شهادته على شئون أهل الأرض وأحوالهم وأعمالهم، ووصل بذلك قوله: ﴿ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ ﴾ [سبأ: 3] لاءم ذلك أن قدّم الأرض على السماء، على أنّ العطف بالواو حكمه حكم التثنية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما تَكُونُ في شَأْنٍ ﴾ ولا تَكُونُ في أمْرٍ، وأصْلُهُ الهَمْزُ مِن شَأنْتُ شَأْنَهُ إذا قَصَدْتُ قَصْدَهُ والضَّمِيرُ في ﴿ وَما تَتْلُو مِنهُ ﴾ لَهُ لِأنَّ تِلاوَةَ القُرْآنِ مُعَظِّمٌ شَأْنَ الرَّسُولِ، أوْ لِأنَّ القِراءَةَ تَكُونُ لِشَأْنٍ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ مِن أجْلِهِ ومَفْعُولُ تَتْلُو ﴿ مِن قُرْآنٍ ﴾ عَلى أنَّ مِن تَبْعِيضِيَّةٌ أوْ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ أوْ لِـ ﴿ قُرْآنٍ ﴾ ، وإضْمارُهُ قَبْلَ الذِّكْرِ ثُمَّ بَيانُهُ تَفْخِيمٌ لَهُ أوْ لِلَّهِ.
﴿ وَلا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ ﴾ تَعْمِيمٌ لِلْخِطابِ بَعْدَ تَخْصِيصِهِ بِمَن هو رَأْسُهم، ولِذَلِكَ ذُكِرَ حَيْثُ خَصَّ ما فِيهِ فَخامَةٌ وذُكِرَ حَيْثُ عَمَّ ما يَتَناوَلُ الجَلِيلَ والحَقِيرَ.
﴿ إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا ﴾ رُقَباءَ مُطَّلِعِينَ عَلَيْهِ.
﴿ إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ تَخُوضُونَ فِيهِ وتَنْدَفِعُونَ.
﴿ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ ﴾ ولا يَبْعُدُ عَنْهُ ولا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِهِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ الزّايِ هُنا وفي « سَبَأٍ» .
﴿ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ ﴾ مُوازِنُ نَمْلَةٍ صَغِيرَةٍ أوْ هَباءٍ.
﴿ فِي الأرْضِ ولا في السَّماءِ ﴾ أيْ في الوُجُودِ والإمْكانِ فَإنَّ العامَّةَ لا تَعْرِفُ مُمْكِنًا غَيْرَهُما لَيْسَ فِيهِما ولا مُتَعَلِّقًا بِهِما، وتَقْدِيمُ الأرْضِ لِأنَّ الكَلامَ في حالِ أهْلِها والمَقْصُودُ مِنهُ البُرْهانُ عَلى إحاطَةِ عِلْمِهِ بِها.
﴿ وَلا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ كَلامٌ بِرَأْسِهِ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ و (لا) نافِيَةٌ و ﴿ أصْغَرَ ﴾ اسْمُها و ﴿ فِي كِتابٍ ﴾ خَبَرُها.
وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، ومَن عَطَفَ عَلى لَفْظِ ﴿ مِثْقالِ ذَرَّةٍ ﴾ وجَعَلَ الفَتْحَ بَدَلَ الكَسْرِ لِامْتِناعِ الصَّرْفِ أوْ عَلى مَحَلِّهِ مَعَ الجارِّ جَعَلَ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعًا، والمُرادُ بِالكِتابِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ} ما نافية والخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم والشأن الأمر {وما تتلو منه} من التنزيل كأنه قيل وما تتلوا من التنزيل من قرآن لأن كل جزء منه قرآن والإضمار قبل الذكر تفخيم له أو من الله عز وجل {وَلاَ تَعْمَلُونَ} أنتم جميعاً {مِنْ عَمَلٍ} أي عمل {إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا} شاهدين رقباء نحصى عليكم {إذ تفيضون فيه} تخوضون فِيهِ تخوضون من أفاض في الأمر إذا
اندفع فيه {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ} وما يبعد وما يغيب وبكسر الزاي على حيث كان {مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ} وزن نملة صغيرة {فِي الأرض وَلاَ فِى السماء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ} رفعهما حمزة على الابتداء والخبر {إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ} يعني اللوح المحفوظ ونصبهما غيره على نفي الجنس وقدمت الأرض على السماء هنا وفي سبأ قدمت السموات لأن العطف بالواو وحكمه حكم التثنية
﴿ وما تَكُونُ في شَأْنٍ ﴾ أيْ في أمْرٍ مُعْتَنًى بِهِ مِن شَأنَهُ بِالهَمْزِ كَسَألَهُ إذا قَصَدَهُ وقَدْ تُبْدَلُ هَمْزَتُهُ ألِفًا وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ وقَدْ أُرِيدَ المَفْعُولُ ﴿ وما تَتْلُو مِنهُ ﴾ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلشَّأْنِ والتِّلاوَةُ أعْظَمُ شُئُونِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِذا خُصَّتْ بِالذِّكْرِ أوْ لِلتَّنْزِيلِ والإضْمارُ قَبْلَ الذِّكْرِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ عَزَّ وجَلَّ و(مِن) قِيلَ تَبْعِيضِيَّةٌ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ الأوَّلَيْنِ وابْتِدائِيَّةٌ عَلى الثّالِثِ والَّتِي في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن قُرْآنٍ ﴾ زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ القُطْبُ وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّ (مِن) الأُولى عَلى الِاحْتِمالِ الأخِيرِ ابْتِدائِيَّةٌ والثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ الأُولى لِلتَّبْعِيضِ والثّانِيَةُ لِلْبَيانِ وعَلى الثّانِي الأُولى ابْتِدائِيَّةٌ والثّانِيَةُ لِلْبَيانِ وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ الضَّمِيرَ الأوَّلَ لِلشَّأْنِ والظَّرْفِ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ تِلاوَةً كائِنَةً مِنَ الشَّأْنِ أوْ لِلتَّنْزِيلِ و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ وتَبْعِيضِيَّةٌ أوْ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ ومِنِ الثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ وابْتِدائِيَّةٌ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ وبَيانِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ عَلى الوَجْهِ الثّانِي والثّالِثِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ يَكُونُ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقًا بِما عِنْدَهُ والتِزامُ تَعَلُّقِهِ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ كَذَلِكَ في جَمِيعِ الِاحْتِمالاتِ مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ.
نَعَمِ اللّازِمُ بِناءٌ عَلى المَشْهُورِ أنْ لا يَتَعَلَّقَ حَرْفانِ بِمَعْنًى بِمُتَعَلِّقٍ واحِدٍ وذَهَبَ أبُو البَقاءِ إلى أنَّ الضَّمِيرَ الأوَّلَ لِلشَّأْنِ و(مِن) الأُولى لِلْأجَلِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا ﴾ و(مِن) الثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ وما بَعْدَها مَفْعُولٌ بِهِ لِتَتْلُوَ ولَهُ وجْهٌ ومِمّا يُقْضى مِنهُ العَجَبُ ما قالَهُ بَعْضُهم إنَّهُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (مِنهُ) لِلشَّأْنِ إمّا عَلى تَقْدِيرِ ما تَتْلُو حالَ كَوْنِ القِراءَةِ بَعْضَ شُئُونِكَ وإمّا أنْ يُحْمَلَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ وما تَتْلُو مِن أجْلِ الشَّأْنِ بِأنْ يَحْدُثَ لَكَ شَأْنٌ فَتَتْلُو القُرْآنَ مِن أجْلِهِ فَإنَّ الحالِيَّةَ مِمّا لا تَكادُ تَخْطِرُ بِبالِ مِن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ في العَرَبِيَّةِ ولَمْ نَرَ القَوْلَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ في الكَلامِ إذا كانَ فِيهِ مِنَ الأجَلِيَّةِ أوْ نَحْوِها وما في كَلامِ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ الأفاضِلِ في أمْثالِ ذَلِكَ تَقْدِيرُ مَعْنى لا تَقْدِيرُ إعْرابٍ ويَبْعُدُ حَمْلُ هَذا البَعْضِ عَلى ذَلِكَ كَما لا يَخْفى (هَذا) ثُمَّ إنَّ القُرْآنَ عامٌّ لِلْمَقْرُوءِ كَلّا وبَعْضًا وهو حَقِيقَةٌ في كُلٍّ كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ والقَوْلُ بِأنَّهُ مَجازٌ في البَعْضِ بِإطْلاقِ الكُلِّ وإرادَةِ الجُزْءِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ﴿ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ ﴾ أيْ أيُّ عَمَلٍ كانَ، والخِطابُ الأوَّلُ خاصٌّ بِرَأْسِ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ وسَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهَذا عامٌّ ويَشْمَلُ سائِرَ العِبادِ بَرَّهُمَ وفاجِرَهم لا الأخِيرَيْنِ فَقَطْ وقَدْ رُوعِيَ في كُلٍّ مِنَ المَقامَيْنِ ما يَلِيقُ بِهِ فَعَبَّرَ في مَقامِ الخُصُوصِ في الأوَّلِ بِالشَّأْنِ لِأنَّ عَمَلَ العَظِيمِ عَظِيمٌ وفي الثّانِي بِالعَمَلِ العامِّ لِلْجَلِيلِ والحَقِيرِ وقِيلَ: الخِطابُ الأوَّلُ عامٌّ لِلْأُمَّةِ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ﴾ ﴿ إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ أحْوالِ المُخاطَبِينَ بِالأفْعالِ الثَّلاثَةِ أيْ وما تُلابِسُونَ بِشَيْءٍ مِنها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ كَوْنَنا رُقَباءَ مُطَّلِعِينَ عَلَيْهِ حافِظِينَ لَهُ كَذا قالُوا ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ ولَعَلَّ تَقْدِيمَهُ لِلِاهْتِمامِ بِتَخْوِيفِ مَن أُرِيدَ تَخْوِيفُهُ مِنَ المُخاطِبِينَ وكَأنَّهُ لِلْمُبالَغَةِ فِيهِ جِيءَ بِضَمِيرِ العَظَمَةِ وأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِمُ الِاطِّلاعُ عَلى عَمَلِهِمْ ﴿ إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ أيْ تَشْرَعُونَ فِيهِ وتَتَلَبَّسُونَ بِهِ وأصْلُ الإفاضَةِ الِانْدِفاعُ بِكَثْرَةٍ أوْ بِقُوَّةٍ وحَيْثُ أُرِيدَ بِالأفْعالِ السّابِقَةِ الحالَّةِ المُسْتَمِرَّةِ الدّائِمَةِ المُقارَنَةُ لِلزَّمانِ الماضِي أيْضًا أُوثِرَ في الِاسْتِثْناءِ صِيغَةُ الماضِي وفي الظَّرْفِ كَلِمَةُ إذا الَّتِي تُفِيدُ المُضارِعَ مَعْنى الماضِي كَذا قِيلَ ولَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ لِبَيانِ وجْهِ اخْتِيارِ النَّفْيِ بِما الَّتِي تُخَلِّصُ المُضارِعَ لِلْحالِ عِنْدَ الجُمْهُورِ عِنْدَ انْتِفاءِ قَرِينَةٍ خِلافَهُ في الجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ والنَّفْيُ بِلا الَّتِي تُخَلِّصُ المُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ عِنْدَ الأكْثَرِينَ خِلافًا لِابْنِ مالِكٍ في الجُمْلَةِ الثّالِثَةِ ولَعَلَّ ذَلِكَ مِن آثارِ اخْتِلافِ الخِطابِ خُصُوصًا وعُمُومًا فَتَأمَّلَهُ فَإنَّهُ دَقِيقٌ جِدًّا ﴿ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ ﴾ أيْ ما يَبْعُدُ وما يَغِيبُ ومِنهُ يُقالُ: الرَّوْضُ العازِبُ ورَوْضٌ عَزِيبٌ إذا كانَ بَعِيدًا مِنَ النّاسِ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ وما يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِ رَبِّكَ عَزَّ وجَلَّ أوْ هو كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الإشْعارِ بِاللُّطْفِ ما لا يَخْفى وقَرَأ الكِسائِيُّ والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ بِكَسْرِ الزّايِ ﴿ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ ﴾ مِن مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ والمِثْقالُ اسْمٌ لِما يُوازِنُ الشَّيْءَ ويَكُونُ في ثِقَلِهِ وهو في الشَّرْعِ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ قِيراطًا وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ في تَفْسِيرِهِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ والصَّحِيحُ أنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ جاهِلِيَّةً وإسْلامًا فَقَدْ نَقَلَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَنِ الرّافِعِيِّ أنَّهُ قالَ: أجْمَعَ أهْلُ العَصْرِ الأوَّلِ عَلى التَّقْدِيرِ بِهَذا الوَزْنِ وهو أنَّ الدِّرْهَمَ سِتَّةُ دَوانِيقَ وكُلُّ عَشَرَةِ دَراهِمَ سَبْعَةُ مَثاقِيلَ ولَمْ يَتَغَيَّرِ المِثْقالُ في الجاهِلِيَّةِ ولا في الإسْلامِ والذَّرَّةُ واحِدَةُ الذَّرِّ وهو النَّمْلُ الأحْمَرُ الصَّغِيرُ وسُئِلَ ثَعْلَبٌ عَنْها فَقالَ: إنَّ مِائَةَ نَمْلَةِ وزْنُ حَبَّةٍ والذَّرَّةُ واحِدَةٌ مِنها وقِيلَ: الذَّرَّةُ لَيْسَ لَها وزْنٌ ويُرادُ بِها ما يُرى في شُعاعِ الشَّمْسِ الدّاخِلِ في النّافِذَةِ ﴿ فِي الأرْضِ ولا في السَّماءِ ﴾ أيْ في جِهَتَيِ السُّفْلِ والعُلْوِ أوْ في دائِرَةِ الوُجُودِ والإمْكانِ لِأنَّ العامَّةَ لا تَعْرِفُ سِواهُما مُمْكِنًا لَيْسَ فِيهِما ولا مُتَعَلِّقًا بِهِما والكَلامُ شامِلٌ لَهُما أنْفُسِهِما أيْضًا كَما لا يَخْفى وتَقْدِيمُ الأرْضِ عَلى السَّماءِ مَعَ أنَّها قُدِّمَتْ عَلَيْها في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ ووَقَعَتْ أيْضًا في سَبَأٍ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مُقَدَّمَةً لِأنَّ الكَلامَ في حالِ أهْلِها والمَقْصُودِ إقامَةُ البُرْهانِ عَلى إحاطَةِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِتَفاصِيلِها وذَكَرَ السَّماءَ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ اخْتِصاصُ إحاطَةِ عِلْمِهِ جَلَّ وعَلا بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ وحاصِلُ الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ ومَن يَكُونُ هَذا شَأْنَهُ كَيْفَ لا يَعْلَمُ حالَ أهْلِ الأرْضِ وما هم عَلَيْهِ مَعَ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى ما قَبْلَها ولا نافِيَةٌ لِلْجِنْسِ وأصْغَرَ اسْمُها مَنصُوبٌ لِشَبَهِهِ بِالمُضافِ وكَذا أكْبَرُ لِتَقْدِيرِ عَمَلِهِ وقَوْلُ السَّمِينِ: إنَّهُما مَبْنِيّانِ عَلى الفَتْحِ ضَعِيفٌ وهو مَذْهَبُ البَغْدادِيِّينَ وزَعَمَ أنَّهُ سَبَقَ قَلَمٌ مُتَأخِّرٌ عَنْ حَيِّزِ القَبُولِ و(فِي كِتابٍ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ وسَهْلٌ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ ولا يَجُوزُ إلْغاؤُها إذا تَكَرَّرَتْ وأما قَوْلُهُمْ: إنَّ الشَّبِيهِ بِالمُضافِ يَجِبُ نَصْبُهُ فالمُرادُ مِنهُ المَنعُ مِنَ البِناءِ لا المَنعُ مِنَ الرَّفْعِ والإلْغاءِ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُهم وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلى جَعْلِ لا عامِلَةً عَمَلَ لَيْسَ وقِيلَ: إنَّ أصْغَرَ عَلى القِراءَةِ الأُولى عَطْفٌ عَلى مِثْقالُ أوْ ذَرَّةٍ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ وجِيءَ بَدَلًا عَنِ الكَسْرِ لِأنَّهُ لا يَنْصَرِفُ لِلْوَصْفِ ووَزْنِ الفِعْلِ وعَلى القِراءَةِ الأُخْرى مَعْطُوفٌ عَلى مِثْقالٍ بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ لِأنَّهُ فاعِلٌ ومِن كَما عَرَفْتَ مَزِيدٌ واسْتَشْكَلَ بِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ ولا يَعْزُبُ عَنْهُ أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ مِنهُ إلّا في كِتابٍ فَيَعْزُبُ عَنْهُ ومَعْناهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وأُجِيبُ بِأنَّ هَذا عَلى تَقْدِيرِ اتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ وأمّا عَلى تَقْدِيرِ انْقِطاعِهِ فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ لَكِنْ لا أصْغَرُ ولا أكْبَرُ إلّا هو في كِتابٍ مُبِينٍ وهو مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لا يَعْزُبُ عَنْهُ ﴾ إلَخْ وأجابَ بَعْضُهم عَلى تَقْدِيرِ الِاتِّصالِ بِأنَّهُ عَلى حَدٍّ لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى ﴿ وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ في رَأْيٍ فالمَعْنى لا يَبْعُدُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ إلّا ما في اللَّوْحِ الَّذِي هو مَحَلُّ صُوَرِ مَعْلُوماتِهِ تَعالى شَأْنُهُ بِناءً عَلى تَفْسِيرِ الكِتابِ المُبِينِ بِهِ أوْ إلّا ما في عِلْمِهِ بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّ الكِتابَ العِلْمُ فَإنْ عُدَّ ذَلِكَ مِنَ العُزُوبِ فَهو عازِبٌ عَنْ عِلْمِهِ وظاهِرٌ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ العُزُوبِ قَطْعًا فَلا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ قَطْعًا ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ في دَفْعِ الإشْكالِ أنَّ العُزُوبَ عِبارَةٌ عَنْ مُطْلَقِ البُعْدِ والمَخْلُوقاتُ قِسْمانِ قِسْمٌ أوْجَدَهُ اللَّهُ تَعالى مِن غَيْرِ واسِطَةٍ كالأرْضِ والسَّماءِ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقِسْمٌ أوْجَدَهُ بِواسِطَةِ القِسْمِ الأوَّلِ مِثْلَ الحَوادِثِ في العالَمِ وقَدْ تَتَباعَدُ سِلْسِلَةِ العِلِّيَّةِ والمَعْلُولِيَّةِ عَنْ مَرْتَبَةِ وُجُودِ واجِبِ الوُجُودِ سُبْحانَهُ فالمَعْنى لا يَبْعُدُ عَنْ مَرْتَبَةِ وُجُودِهِ تَعالى ذَرَّةً في الأرْضِ ولا في السَّماءِ إلّا وهو في كِتابٍ مُبِينٍ أثْبَتَ فِيهِ سُبْحانَهُ تِلْكَ المَعْلُوماتِ فَهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ وإثْباتُ العُزُوبِ بِمَعْنى البُعْدِ عَنْهُ تَعالى في سِلْسِلَةِ الإيجادِ لا مَحْذُورَ فِيهِ وهو وجْهٌ دَقِيقٌ إلّا أنَّهُ أشْبَهُ بِتَدْقِيقاتِ الحُكَماءِ وإنْ خالَفَ ما هم عَلَيْهِ في الجُمْلَةِ وقالَ الكَواشِيُّ: مَعْنى يَعْزُبُ يَبِينُ ويَنْفَصِلُ أيْ لا يَصْدُرُ عَنْ رَبِّكَ شَيْءٌ مِن خَلْقِهِ إلّا وهو في اللَّوْحِ وتَلْخِيصُهُ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَكْتُوبٌ فِيهِ واعْتُرِضَ بِأنَّ تَفْسِيرَهُ بِيبَيْنِ ويَنْفَصِلُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وقِيلَ: المُرادُ بِالبُعْدِ عَنِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ البُعْدُ والخُرُوجُ عَنْ غَيْبِهِ أيْ لا يَخْرُجُ عَنْ غَيْبِهِ إلّا ما كانَ في اللَّوْحِ فَيَعْزُبُ عَنِ الغَيْبِ ويَبْعُدُ إذْ لا يَبْقى ذَلِكَ غَيْبًا حِينَئِذٍ لِاطِّلاعِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وغَيْرِهِمْ عَلَيْهِ فَيُفِيدُ إحاطَةَ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِالغَيْبِ والشَّهادَةِ ومِن هُنا يَظْهَرُ وجْهٌ آخَرُ لِتَقْدِيمِ الأرْضِ عَلى السَّماءِ وقِيلَ: إنَّ (إلّا) عاطِفَةٌ بِمَنزِلَةِ الواوِ كَما قالَ بِذَلِكَ الفَرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ ﴾ ﴿ إلا مَن ظَلَمَ ﴾ والأخْفَشُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ ﴾ وقَوْمٌ في قَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلا اللَّمَمَ ﴾ وهو مُقَدَّرٌ بَعْدَها والكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا أكْبَرَ ﴾ ثُمَّ ابْتَدَأ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا في كِتابٍ ﴾ أيْ وهُو فِيَ كِتابٍ ونَقَلَ ذَلِكَ مَكِّيٌّ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الحَسَنِ بْنِ يَحْيى الجُرْجانِيِّ ثُمَّ قالَ: وهو قَوْلٌ حَسَنٌ لَوْلا أنَّ جَمِيعَ البَصْرِيِّينَ لا يَعْرِفُونَ (إلّا) بِمَعْنى الواوِ والإنْصافُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى العَزِيزِ عَلى ذَلِكَ ولَوِ اجْتَمَعَ الخَلْقُ إنْسُهم وجِنُّهم عَلى مَجِيءِ (إلّا) بِمَعْنى الواوِ وقِيلَ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ أيْ ولا شَيْءَ إلّا في كِتابٍ ونَظِيرُهُ ﴿ ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ﴾ ويَكُونُ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ إثْباتُ العِلْمِ لِلَّهِ تَعالى في كُلِّ مَعْلُومٍ وإنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَكْتُوبٌ في الكِتابِ ويَشْهَدُ لِهَذا عَلى ما قِيلَ كَثِيرٌ مِن أسالِيبِ كَلامِ العَرَبِ ونُقِلَ عَنْ صاحِبِ كِتابِ تَبْصِرَةِ المُتَذَكِّرِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: (لا يَعْزُبُ) ويَكُونُ في الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ وتَرْتِيبُها وما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا في كُتّابٍ مُبِينٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ إلَيَّ ولا أكْبَرُ وتَخْلِيصُهُ وما مِن شَيْءٍ إلّا وهو في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ ونَحْنُ نُشاهِدُهُ في كُلِّ آنٍ ونَظَرَ فِيهِ البَلْقِينِيُّ في رِسالَتِهِ المُسَمّاةِ بِالِاسْتِغْناءِ بِالفَتْحِ المُبِينِ في الِاسْتِثْناءِ في ﴿ ولا أكْبَرَ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ بِأنَّهُ عَلى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ القَوْلُ بِتَرْكِيبٍ في الكَلامِ المَجِيدِ لَمْ يُوجَدْ في كَلامِ العَرَبِ مِثْلُهُ أعْنِي إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا ولَيْسَ ذَلِكَ نَظِيرٌ أمْرِرْ رَبِّهِمْ إلّا الفَتى إلّا العُلا كَما لا يَخْفى وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أقَلَّ الأقْوالِ تَكَلُّفًا القَوْلُ بِالِانْقِطاعِ وأجَلُّها قَدْرًا وأدَقُّها سِرًّا القَوْلُ بِالِاتِّصالِ وإخْراجُ الكَلامِ مَخْرَجَ ﴿ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ ونَظائِرِهِ الكَثِيرَةِ نَثْرًا ونَظْمًا ولا عَيْبَ فِيهِ إلّا أنَّ الآيَةَ عَلَيْهِ أبْلَغُ فَلْيُفْهَمْ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ، يقول: وما تكون يا مُحَمَّدُ في أمر من الأمور، وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ يعني: وما تقرأ من الله من قرآن، يعني: ممَّا أوحي إليك.
فخاطب النبيّ ، وخاطب أمته أيضاً، فقال تعالى: وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً يعني: عالماً بكم وبأعمالكم، فلا تنسوه.
ويقال: إلاّ جعل عليكم شاهداً من الملائكة، وهم الحفظة إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ يعني: حين تأخذون في قراءة القرآن، ويقال: حين تخوضون فيه.
وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ قرأ الكِسَائِيُّ: وَما يَعْزُبُ بكسر الزَّاي.
وقرأ الباقون: بالضّم، وهما لغتان.
وهكذا روي عن الفَرَّاءِ.
يعني: وما يغيب عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ قال الكَلْبِيّ: الذرة هي النَّملة الحُمَيْرَاءُ.
وقال مقاتل: أصغر نملة في الأرض.
ويقال: الذّرة ما يرى في شعاع الشَّمس، والمثقال: عبارة عن الوزن.
يعني: لا يغيب عنه وزن الذَّرَّة فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ يعني: ولا أخف من وزن الذَّرَّة وَلا أَكْبَرَ، يعني: ولا أثقل من وزن الذَّرَّة.
ويقال: لا أقلَّ منه، ولا أعظم، إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ.
يعني: مكتوباً في اللَّوح المحفوظ.
قرأ حمزة: وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ بضمِّ الرَّاءين، ومعناه: ولا يغيب عنه أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ، وَلاَ أكبر منه، فيصير رفعاً لأنه فاعل.
وقرأ الباقون بالنَّصب، لأن معناه: ولا يغيب عنه بمثقال ذرة في الأرض ولا في السَّماء، ولا بمثقال ذرَّة أصغر من ذلك.
فموضعه خَفْضٌ، إلاّ أنّه لا ينصرف فصار نصبا.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : ولا وجْه عندي لشيْءٍ من هذا التخْصيصِ إِلاَّ أن يستند شيءٌ منْه إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وإِنما الذي يقتضيه اللفظُ، ويلزم منْه أنَّ الفضْلَ: هو هدايةُ اللَّه تعالى إِلَى دِينِهِ، والتوفيقُ إِلى اتباع شرعه، والرحمةُ هي عفوه وسُكْنَى جنَّته التي جَعَلَها جزاءً على التشرُّع بالإِسلام والإِيمان به، ومعنى/ الآية: قل، يا محمَّد، لجميع النَّاس: بفضلِ اللَّه ورحمته فَلْيَقَعِ الفَرِحُ منكم، لا بأمور الدنيا وما يُجْمَعُ من حُطَامها، فإِن قيل: كيف أمر اللَّه بالفَرَحِ في هذه الآية، وقد وَرَدَ ذمُّه في قوله: لَفَرِحٌ فَخُورٌ [هود: ١٠] وفي قوله: لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص: ٧٦] .
قيل: إِن الفرح إِذا ورد مقيَّداً في خيرٍ، فليس بمذمومٍ، وكذلك هو في هذه الآية، وإِذا ورد مقيَّداً في شرٍّ، أو مطلقاً لَحِقَهُ ذمٌّ، إِذ ليس من أفعال الآخرة، بل ينبغي أنْ يغلب على الإِنسان حُزْنُهُ على دينه، وخوفُه لربِّه.
وقوله: مِمَّا يَجْمَعُونَ: يريد: مالَ الدنيا وحُطَامَها الفانِيَ المردي في الآخرة.
وقوله سبحانه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا ...
الآية.
قال ص: أَرَأَيْتُمْ: مضمَّن معنى: أَخْبِروني، و «ما» موصولة.
قال ع «٢» : هذه المخاطبة لكفَّار العرب الذين جعلوا البحائِرَ والسَّوائب وغَيْرَ ذلك، وقوله: أَنْزَلَ: لفظةً فيها تجوّز.
وقوله: وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ آية وعيدٍ- لمَّا تحقَّقَ عليهم بتقسيمِ الآية التي قبلها أنهم مفترون على اللَّه- عَظَّمَ في هذه الآية جُرْمَ الافتراء، أي: ظَنُّهم في غايَةِ الرداءة بحسب سُوء أفعالهم، ثم ثَنَّى بذكْرِ الفَضْل على النَّاس في الإِمهال لهم مع الافتراء والعصيان إِذ الإِمهال لهم داعيَةٌ إِلى التوبةِ والإِنابةِ، ثم الآية تعمّ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَكُونُ في شَأْنٍ ﴾ أيْ: في عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ، وجَمْعُهُ: شُؤُونٌ.
﴿ وَما تَتْلُو مِنهُ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ إلى الشَّأْنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الآيَةِ: أيُّ وقْتٍ تَكُونُ في شَأْنٍ مِن عِبادَةِ اللَّهِ، وما تَلَوْتَ مِنَ الشَّأْنِ مِن قُرْآنٍ.
والثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى اللَّهِ تَعالى، فالمَعْنى: وما تَلَوْتَ مِنَ اللَّهِ، أيْ: مِن نازِلٍ مِنهُ مِن قُرْآنٍ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ.
والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ، وأُمَّتُهُ داخِلُونَ فِيهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: جَمَعَ في هَذا، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم داخِلُونَ في الفِعْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ الهاءُ عائِدَةٌ عَلى العَمَلِ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تُفِيضُونَ بِمَعْنى تَأْخُذُونَ فِيهِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: تَنْتَشِرُونَ فِيهِ، يُقالُ: أفاضَ القَوْمُ في الحَدِيثِ: إذا انْتَشَرُوا فِيهِ وخاضُوا.
﴿ وَما يَعْزُبُ ﴾ مَعْناهُ: وما يَبْعُدُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ما يَبْعُدُ ولا يَغِيبُ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ " يَعْزِبُ " بِكَسْرِ الزّايِ هاهُنا وفي (سَبَإٍ:٣) .
وقَدْ بَيَّنّا ﴿ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ﴾ في سُورَة ِ(النِّساءِ:٤٠) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الرّاءِ فِيهِما.
وقَرَأ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ بِرَفْعِ الرّاءِ فِيهِما.
قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِالفَتْحِ، فالمَعْنى: وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ، ولا مِثْقالٍ أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ، والمَوْضِعُ مَوْضِعُ خَفْضٍ، إلّا أنَّهُ فُتِحَ لِأنَّهُ لا يَنْصَرِفُ.
ومَن رَفَعَ، فالمَعْنى: وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِثْقالُ ذَرَّةٍ ولا أصْغَرُ ولا أكْبَرُ.
ويَجُوزُ رَفْعُهُ عَلى الِابْتِداءِ، فَيَكُونُ المَعْنى ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ، ﴿ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللهُ تَفْتَرُونَ ﴾ ﴿ وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللهِ لَذُو فَضْلٍ عَلى الناسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ ﴾ هَذِهِ المُخاطَبَةُ لِكُفّارِ العَرَبِ الَّذِينَ جَعَلُوا البَحائِرَ والسَوائِبَ والنَصِيبَ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَأْذَنِ اللهُ بِهِ، وإنَّما اخْتَلَقُوهُ بِأمْرِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْزَلَ ﴾ لَفْظَةٌ فِيها تَجَوُّزٌ، وإنْزالُ الرِزْقِ إمّا أنْ يَكُونَ في ضِمْنِ إنْزالِ المَطَرِ بِالمَآلِ أو نُزُولِ الأمْرِ بِهِ الَّذِي هو ظُهُورُ الأثَرِ في المَخْلُوقِ مِنهُ المُخْتَرَعِ، ثُمَّ أمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى أحَدِ القِسْمَيْنِ، وهم لا يُمْكِنُهُمُ ادِّعاءُ إذْنِ اللهِ في ذَلِكَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّهُمُ افْتَرَوْهُ، وهَذِهِ الآيَةُ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ ﴾ ، ذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ ﴾ آيَةُ وعِيدٍ، لَمّا تَحَقَّقَ عَلَيْهِمْ بِتَقْسِيمِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها أنَّهم مُفْتَرُونَ عَلى اللهِ، عَظَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ جُرْمَ الِافْتِراءِ، أيْ: ظَنُّهم في غايَةِ الرَداءَةِ بِحَسَبِ سُوءِ أفْعالِهِمْ، ثُمَّ ثَنّى بِإيجابِ الفَضْلِ عَلى الناسِ في الإمْهالِ لَهم مَعَ الِافْتِراءِ والعِصْيانِ: والإمْهالُ داعِيَةٌ إلى التَوْبَةِ والإنابَةِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ ذِكْرَ مَن لا يَرى حَقَّ الإمْهالِ ولا يَشْكُرُهُ ولا يُبادِرُ فِيهِ عَلى جِهَةِ الذَمِّ لَهُمْ، والآيَةُ بَعْدَ هَذا تَعُمُّ جَمِيعَ فَضْلِ اللهِ وجَمِيعَ تَقْصِيرِ الخَلْقِ في شُكْرِهِ لا رَبَّ غَيْرُهُ.
<div class="verse-tafsir"
معطوفة على جملة ﴿ وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة ﴾ [يونس: 60] عطفَ غرض على غرض، لأن فصل الغرض الأول بالتذييل دليل على أن الكلام قد نقل إلى غرض آخر، وذلك الوعدُ بالثواب للرسول على ما هو قائم به من تبليغ أمر الله وتدبير شؤون المسلمين وتأييد دين الإسلام، وبالثواب للمسلمين على اتباعهم الرسول فيما دعاهم إليه.
وجاء هذا الوعد بطريقة التعريض بحصول رضى الله تعالى عنهم في قوله: ﴿ إلا كنا عليكم شهوداً ﴾ لأنهم يعلمون أن عملهم وعمل النبي ما كان إلا في مرضاة الله، فهو كقوله تعالى: ﴿ الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين ﴾ .
ويتضمن ذلك تنويهاً بالنبي صلى الله عليه وسلم في جليل أعماله وتسلية على ما يُلاقيه من المشركين من تكذيب وأذى، لأن اطلاع الله على ذلك وعلمه بأنه في مرضاته كاف في التسلية، كقوله: ﴿ واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ﴾ [الطور: 48]، ولذلك توجه الخطاب ابتداء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم توجه إليه وإلى من معه من المسلمين.
و ﴿ ما ﴾ الأولى و ﴿ ما ﴾ الثانية نافيتان.
والشأن: العمل المهم والحال المهم.
و(في) للظرفية المجازية التي بمعنى شدة التلبس.
وضمير (منه) إما عائد إلى (شأن)، أي وما تتلو من الشَّأن قرآناً فتكون (مِن) مبينة ل (ما) الموصولة أو تكون بمعنى لام التعليل، أي تتلو من أجل الشأن قرآناً.
وعَطْف ﴿ وما تتلو ﴾ من عطف الخاص على العام للاهتمام به، فإن التلاوة أهم شؤون الرسول عليه الصلاة والسلام.
وإما عائد إلى ﴿ قرآن ﴾ ، أي وما تتلو من القرآن قرآناً، فتكون ﴿ منه ﴾ للتبعيض، والضمير عائد إلى مؤخر لتحصيل التشويق إليه حتى يتمكن في نفس السامع.
وواو (تتلو) لام الكلمة، والفعل محتمل لضمير مفرد لخطاب النبي صلى الله عليه وسلم فيكون الكلام قد ابتدئ بشؤون النبي صلى الله عليه وسلم التي منها ما هو من خواصّه كقيام الليل، وثُنِّي بما هو من شؤونه بالنسبة إلى الناس وهو تلاوة القرآن على الناس، وثُلِّث بما هو من شؤون الأمة في قوله: ﴿ ولا تعمَلون من عمل ﴾ فإنه وإن كان الخطاب فيه شاملاً للنبيء صلى الله عليه وسلم إلا أن تقديم ذكر شأن في أول الآية يخصص عموم الخطاب في قوله: ﴿ تَعملون ﴾ فلا يبقى مراداً منه إلا ما يعمله بقية المسلمين.
ووقع النفي مرتين بحرف (ما) ومرة أخرى بحرف (لا) لأن حرف (ما) أصله أن يخلص المضارع للحال، فقصد أولاً استحضار الحال العظيم من شأن النبي صلى الله عليه وسلم ومن قراءته القرآن، ولما نفي عمل الأمة جيء بالحرف الذي الأصل فيه تخليصه المضارع للاستقبال للتثنية من أول الكلام على استمرار ذلك في الأزمنة كلها.
ويعلم من قرينة العموم في الأفعال الثلاثة بواسطة النكرات الثلاث المتعلقة بتلك الأفعال والواقعة في سياق النفي أن ما يحصل في الحال وما يحصل في المستقبل من تلك الأفعال سواءٌ، وهذا من بديع الإيجاز والإعجاز.
وكذلك الجمع بين صيغ المضارع في الأفعال المعممة ﴿ تكونُ وتتلو وتعملون ﴾ وبين صيغة الماضي في الفعل الواقع في موضع الحال منها ﴿ إلاَّ كنا ﴾ للتنبيه على أن ما حصل ويحصل وسيحصل سواء في علم الله تعالى على طريقة الاحتباس كأنه قيل: وما كنتم وتكون وهكذا، إلاَّ كنا ونكون عليكم شهودا.
و ﴿ من عمل ﴾ مفعول ﴿ تعملون ﴾ فهو مصدر بمعنى المفعول وأدخلت عليه (من) للتنصيص على التعميم ليشمل العمل الجليل والحقير والخير والشر.
والاستثناء في قوله: ﴿ إلاَّ كنا عليكم شهوداً ﴾ استثناء من عموم الأحوال التي اقتضاها عموم الشأن وعموم التلاوة وعموم العَمل، أي إلا في حالة علمْنا بذلك، فجملة ﴿ كنا عليكم ﴾ في موضع الحال.
ووجود حرف الاستثناء أغنى عن اتصال جملة الحال بحرف (قد) لأن الربط ظاهر بالاستثناء.
والشهود: جمع شاهد.
وأخبر بصيغة الجمع عن الواحد وهو الله تعالى تبعاً لضمير الجمع المستعمل للتعظيم، ومثله قوله تعالى: ﴿ إنا كنا فاعلين ﴾ [الأنبياء: 104].
ونظيره في ضمير جماعة المخاطبين في خطاب الواحد في قول جعفر بن عُلبة الحارثِي: فلا تحسبي أني تخشعت بعدكم *** لشيء ولا أني من الموت أفرق وذلك استعارة بتشبيه الواحد بالجماعة في القوة لأن الجماعة لا تخلو من مزايا كثيرة موزعة في أفرادها.
والشاهد: الحاضر، وأطلق على العالم بطريقة المجاز المرسل ولذلك عدي بحرف (على).
و ﴿ إذْ ﴾ ظرف، أي حين تفيضون.
والإفاضة في العمل: الاندفاع فيه، أي الشروع في العمل بقوة واهتمام، وهذه المادة مؤذنة بأن المراد أعمالهم في مرضاة الله ومصابرتهم على أذى المشركين.
وخصت هذه الحالة وهذا الزمان بالذكر بعد تعميم الأعمال اهتماماً بهذا النوع فهو كذكر الخاص بعد العام، كأنه قيل: ولا تعملون من عمللٍ مَّا وعمللٍ عظيممٍ تفيضون فيه إلا كنا عليكم شهوداً حين تعملونه وحين تفيضون فيه.
وجملة: ﴿ وما يعزب عن ربك ﴾ الخ عطف على جملة: ﴿ وما تكون في شأن ﴾ ، وهي بمنزلة التذييل لما فيها من زيادة التعميم في تعلق علم الله تعالى بجميع الموجودات بعد الكلام على تعلقه بعمل النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين.
والعزوب: البعد، وهو مجاز هنا للخفاء وفواتتِ العلم، لأن الخفاء لازم للشيء البعيد، ولذلك علق باسم الذات دون صفة العلم فقال: ﴿ عن ربك ﴾ .
وقرأ الجمهور ﴿ يعزب ﴾ بضم الزاي، وقرأه الكسائي بكسر الزاي وهما وجهان في مضارع (عزب).
و (من) في قوله: ﴿ من مثقال ذرة ﴾ مزيدة لتأكيد عموم النفي الذي في ﴿ ما يعزب ﴾ .
والمِثقال: اسم آلة لما يعرف به مقدار ثِقَل الشيء فهو وزن مِفعال من ثَقُل، وهو اسم لصنج مقدر بقدر معين يوزن به الثقل.
والذرة: النملة الصغيرة، ويطلق على الهباءة التي ترى في ضوء الشمس كغبارٍ دقيق جداً، والظاهر أن المراد في الآية الأولُ.
وذُكرت الذرة مبالغة في الصغر والدقة للكناية بذلك عن إحاطة العلم بكل شيء فإن مَا هو أعظم من الذرة يكون أولى بالحكم.
والمراد بالأرض والسماء هنا العالم السفلي والعالم العلوي.
والمقصود تعميم الجهات والأبعاد بأخصر عبارة.
وتقديم الأرض هنا لأن ما فيها أعلق بالغرض الذي فيه الكلام وهو أعمال الناس فإنهم من أهل الأرض بخلاف ما في سورة [سبأ: 3] ﴿ عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ﴾ فإنه لما كان المقام لذكر علم الغيب والغيب ما غاب عن الناس ومعظمه في السماء لاءم ذلك أن قدمت السماء على الأرض.
وعطف ﴿ ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ﴾ على ﴿ ذرة ﴾ تصريحاً بما كني عنه بمثقال ذرة من جميع الأجرام.
و ﴿ أصغر ﴾ بالفتح في قراءة الجمهور ممنوعاً من الصرف لأنه معطوف على ﴿ ذرة ﴾ المجرور على أنَّ ﴿ لا ﴾ مقحمة لتأكيد النفي.
وجوز أن يكون العطف عطف جملة وتكون ﴿ لا ﴾ نافية للجنس ﴿ وأصغر ﴾ اسمها مبنياً على الفتح فيكون ابتداء كلام.
وقرأ حمزة وخلف ويعقوب ﴿ ولا أصغرُ ولا أكبرُ ﴾ برفعهما باعتبار عطف ﴿ أصغر ﴾ على محل ﴿ مثقال ﴾ لأنه فاعل ﴿ يعزب ﴾ في المعنى، وكسرته كسرة جر الحرف الزائد وهو وجه من فصيح الاستعمال، أو باعتبار عطف الجملة على الجملة وتكون ﴿ لا ﴾ نافية عاملة عمل ليس و ﴿ أصغر ﴾ اسمها.
والاستثناء على الوجهين الأوَّلين من قراءتي نصب ﴿ أصغرَ ﴾ ورفعه استثناء منقطع بمعنى (لكن)، أي لا يعزب ذلك ولكنه حاضر في كتاب، وجوز أن يكون استثناء متصلاً من عموم أحوال عزوب مثقال الذرة وأصغرَ منها وأكبر.
وتأويله أن يكون من تأكيد الشيء بما يشبه ضده.
والمعنى لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في حال كونه في كتاب مُبين، أي إلا معلوماً مكتوباً ويعلم السامع أن المكتوب في كتاب مبين لا يمكن أن يعزب، فيكون انتفاء عزوبه حاصلاً بطريق برهاني.
والمجرور على هذا كله في محل الحال، وعلى الوجهين الأخيرين من القراءتين يكون الاستثناء متصلاً والمجرور ظرفاً مستقلاً في محل خبر (لا) النافية فهو في محل رفع أو في محل نصب، أي لا يوجد أصغر من الذرة ولا أكبر إلا في كتاب مبين كقوله تعالى: ﴿ ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ﴾ [الأنعام: 59].
والكتاب: علم الله، استعير له الكتاب لأنه ثابت لا يخالف الحق بزيادة ولا نقصان.
ومبين: اسم فاعل من أبان بمعنى بان، أي واضح بيّن لا احتمال فيه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ قُلْ بِفَضْل اللَّه وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴾ ﴿ وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ مَعْرِفَتُهُ، ورَحْمَتَهُ تَوْفِيقُهُ.
الثّانِي: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ القُرْآنُ، ورَحْمَتَهُ الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ الإسْلامُ، ورَحْمَتَهُ القُرْآنُ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ يَعْنِي بِالمَغْفِرَةِ والتَّوْفِيقِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وبِالإسْلامِ والقُرْآنِ عَلى الوَجْهَيْنِ الآخَرَيْنِ.
وَفِيهِ ثالِثٌ: فَلْتَفْرَحْ قُرَيْشٌ بِأنَّ مُحَمَّدًا مِنهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا.
رَوى أبانُ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: « (مَن هَداهُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ وعَلَّمَهُ القُرْآنَ ثُمَّ شَكا الفاقَةَ كَتَبَ اللَّهُ الفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ إلى يَوْمِ يَلْقاهُ ثُمَّ تَلا: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ » <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إذ تفيضون فيه ﴾ قال: إذ تفعلون.
وأخرج عبد بن حميد والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وما يعزب ﴾ قال: ما يغيب.
وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه.
مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه ﴿ وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة ﴾ قال: لا يغيب عنه وزن ذرة ﴿ ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ﴾ قال: هو الكتاب الذي عند الله.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾ الآية، قال الفراء: (ما) هاهنا جحد لا موضع لها (١) قال الأخفش: وتقول ما شأنتُ شأنه أي: ما عملت عمله (٢) وقال غيره: يقال: أتاني فلان وما شأنتُ شأنه، إذا لم تكترث له (٣) (٤) (٥) (٦) قال ابن عباس: (وما تكون) يا محمد (في شأن) يريد من أعمال البر (٧) وقال الحسن: في شأن من شأن الدنيا، وحوائجك فيها (٨) (٩) يا طالب الجود [إن الجود] (١٠) (١١) أي ولا من قصدك الجود، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ ﴾ اختلفوا في الكناية في (منه)، فقيل: إنه كناية عن القرآن (١٢) ﴿ مِنْ قُرْآنٍ ﴾ أي من (١٣) ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ والمعنى وما تتلو من القرآن من سورة.
وقال بعض أهل المعاني: ذكر القرآن بالإضمار ثم بالإظهار لتفخيم ذكره، على نحو قوله: ﴿ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ ﴾ ، قال ابن عباس: خاطبه وأمته جميعًا (١٩) ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو ﴾ خطاب للنبي ، وأمته داخلون فيه، ومعنيون به، ومعروف عندهم أن يخاطب الرئيس والمراد هو وأتباعه إذ كان هو زعيمهم، يدل على هذا قوله ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ﴾ ، ثم جمع في قوله: ﴿ وَلَا تَعْمَلُونَ ﴾ ليدل على أنهم داخلون في الفعلين الأولين الذين أفردا (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا ﴾ ، قال الفراء: يقول: الله شاهد على كل شيء، وهو كقوله: ﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ ﴾ يقول: إلا هو شاهدهم (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ ، معنى الإفاضة هاهنا: الدخول في العمل على جهة الانصباب إليه، وهو الانبساط في العمل، قال ابن الأنباري: ﴿ إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ إذ تندفعون فيه وتنبسطون في ذكره، يقال: قد أفاض القوم في الحديث: إذا اندفعوا (٢٥) (٢٦) (٢٧) وقال الزجاج: إذ تنتشرون فيه، وأفاض القوم في الحديث: إذا انتشروا فيه (٢٨) (٢٩) وقال ابن عباس: يقول الله تعالى: شهدت ذلك منكم إذ تأخذون فيه (٣٠) قال صاحب النظم: (إذ) هاهنا بمعنى حين، ولذلك جاز في المستقبل، والمعنى حين تفيضون فيه.
وقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ ﴾ أي: وما يبعد وما يغيب، قاله ابن عباس (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ ﴾ أي وزن ذرة، ومثقال الشيء: ميزانه من مثله، والمعنى: ما يزن ذرة، والذر صغار النمل، واحدها ذرة (٣٦) ﴿ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ ﴾ ويقرآن بالرفع (٣٧) (٣٨) (٣٩) ﴿ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ ، [هود: 50، 61، 84]، [المؤمنون: 23، 32] وغَيْرِهِ (٤٠) (٤١) وشرحه أبو علي الفارسي فقال: من فتح الراء من ﴿ وَلَا أَصْغَرَ ﴾ ، ﴿ وَلَا أَكْبَرَ ﴾ ؛ فلأن (أفعل) في الموضعين في موضع جر؛ لأنه صفة للمجرور الذي هو (مثقال)، وإنما فتح لأن (أفعل) إذا اتصل به (من) كان صفة، [وإذا كان صفة] (٤٢) (٤٣) ﴿ مِن مِّثقَالِ ﴾ الجار والمجرور فيه في موضع رفع، كما كان (٤٤) ﴿ كَفَى بِاللَّهِ ﴾ (٤٥) ألم يأتيك والأنباء تنمي ...
بما لاقت ..............
(٤٦) ﴿ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ وقوله: ﴿ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ ، وقول الشاعر: فلسنا بالجبال ولا الحديدا (٤٧) قال: وقد يجوز أن يعطف قوله: ﴿ وَلَا أَصْغَرَ ﴾ على ﴿ ذَرَّةٍ ﴾ فيكون التقدير: وما يعزب عن ربك مثقال ذرة ولا مثقال أصغر، فإذا حمل على هذا لم يجز فيه إلا الجر؛ لأنه لا موضع للذرة غير لفظها كما كان لقوله: ﴿ مِنْ مِثْقَالِ ﴾ (٤٨) ﴿ ذَرَّةٍ ﴾ وجب أن يكون مجرورًا (٤٩) (٥٠) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: اللوح المحفوظ (٥١) ﴿ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ مشروحًا، وذكر أبو علي الجرجاني هاهنا فصلاً لابد من الوقوف عليه وهو أنه قال: قول: ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلَا أَكْبَرَ ﴾ كلام تام نفى الله عز وجل (٥٢) (٥٣) ﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ خبرآخر منقطع بما قبله؛ لأنه لو كان متصلًا بما قبله فيكون محققًا من قوله: ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ ﴾ ؛ وجب أن يكون قوله: ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ ﴾ نفيًا منتظرًا له تحقيق، وإذا كان النفي منتظرًا له التحقيق كان نفيًا (٥٤) ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾ متصلًا بقوله: ﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ لوجب أن يكون قد عزب عن الله أو يعزب عنه مثقال ذرة وأصغر وأكبر (٥٥) (٥٦) ﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ فيكون ما يعزب عنه من ذلك مستدركًا في الكتاب وفي هذا ما فيه، ونظيره من الكلام قول القائل (ما يغيب عني زيد إلا في بيته)، فالغيبة واجبة بهذه الحال.
وإذا كان كان آخر الكلام منقطعًا من الأول لم يؤد (٥٧) ﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ \[أي: وهو أيضًا في كتاب مبين\] (٥٨) ﴿ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ﴾ يعني ومن ظلم، وقوله: ﴿ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ (٥٩) (٦٠) (٦١) (٦٢) ﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ معنى (إلا) هاهنا: واو النسق، وأضمر بعده (هو)، والعرب تضمر (هو) وما يتصرف منه كقوله: ﴿ وَقُولُوا حِطَّةٌ ﴾ ، أي: هي حطة، وقوله: ﴿ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ﴾ أي: هم ثلاثة، ومما جاء من (٦٣) ﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلَا يَابِسٍ ﴾ فهذا تمام، ثم قال: ﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ \[المعنى: وهو في كتاب مبين\] (٦٤) وذكر أبو إسحاق على قراءة من قرأ (ولا أصغرُ، ولا أكبرُ) رفعًا وجهًا للرفع سوى ما ذكرنا يستغنى فيه عن هذا التطويل الذي ذكره الجرجاني، وهو (٦٥) ﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ (٦٦) ﴿ إِلَّا فِي كِتَابٍ ﴾ خبر المبتدأ، وهذا مستقيم، ولكن لا يستقيم هذا الوجه في قراءة من قرأ بالفتح وهو قراءة أكثر القراء (٦٧) (١) اهـ.
كلام الفراء، "معاني القرآن" 1/ 470.
(٢) "الكشف والبيان" 7/ 18 أ، "تفسير الرازي" 17/ 121، والقرطبي 8/ 356، ولم يذكره الأخفش في كتابه "معاني القرآن" كما لم أجد من أشار إليه من أهل اللغة.
(٣) هذا قول الأزهري، انظر: "تهذيب اللغة" (شأن) 3/ 1814.
(٤) "الصحاح" (شأن) 5/ 2142.
(٥) في (م): (الفسد)، وهو خطأ.
(٦) انظر: "تفسير ابن جرير" 17/ 121، والسمرقندي 2/ 103، والثعلبي 7/ 18 أ.
(٧) ذكره الرازي في "تفسيره" 17/ 121.
(٨) ذكره الرازي في "تفسيره" 17/ 121، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 551.
(٩) "مقاييس اللغة" 3/ 238.
(١٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ز).
(١١) في (م): (الجودُ)، والصواب ما أثبته إذ هو مفعول به للمصدر (شأن) الذي هو بمعنى القصد كما بينه المؤلف.
(١٢) هذا قول ابن جرير 11/ 129، واحد قولي الزمخشري في "كشافه" 2/ 242.
(١٣) ساقط من (ح).
(١٤) وقد اعتمد هذا القول الزمخشري 2/ 242، وانظر: "الدر المصون" 6/ 228.
(١٥) هذا قول السمرقندي 2/ 103، والثعلبي 7/ 18 أ، والبغوي 4/ 139، وهو القول الآخر للزمخشري 2/ 242.
(١٦) هذا قول الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 26، وذكره عن الفراء أبو جعفر النحاس في "إعراب القرآن" 2/ 65، ومكي في "مشكل إعراب القرآن" 1/ 348.
(١٧) قال النحاس في "إعراب القرآن" 2/ 65 بعد ذكر قول الفراء: وهذا كلام يحتاج إلى شرح، يكون المعنى: وما تتلو من الشأن، أي من أجل الشأن، أي يحدث شأن فيتلى من أجله القرآن ليعلم كيف حكمه، أو ينزل فيه قرآن فيتلى.
(١٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 26.
(١٩) "الوجيز" 1/ 502.
(٢٠) في (ى): (افردوا)، وهو خطأ.
(٢١) ذكر بعض قول ابن الأنباري هذا ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 45، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 553.
(٢٢) "معاني القرآن" 1/ 470.
(٢٣) ساقط من (ى).
(٢٤) لم يذكره الفراء في "معاني القرآن"، وقد ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 552.
(٢٥) في (ى): (انتشروا).
(٢٦) في (م): (فتعرفوا)، وفي (ح) و (ز): (فنفروا)، وأثبت ما في (ى) لأمرين: أ- ما جاء في "تهذيب اللغة" (فاض) ونصه: كل ما في اللغة من باب الإفاضة فليس يكون إلا عن تفرق وكثرة.
ب- موافقته لـ"تفسير الرازي"، وهو كثير النقل من "البسيط".
(٢٧) ذكره مختصرًا البغوي 4/ 139، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 552.
(٢٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 26.
(٢٩) انظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 18/ أ، والقرطبي 8/ 356.
(٣٠) رواه بمعناه مختصرًا ابن جرير 11/ 129، وابن أبي حاتم 6/ 1962، والثعلبي 7/ 18 أ، وذكره بلفظه مختصرًا المؤلف في "الوسيط" 2/ 552.
(٣١) رواه ابن أبي حاتم 6/ 1963، والثعلبي 7/ 18 أ، وانظر كتاب "غريب القرآن" لابن عباس ص 48.
(٣٢) انظر: "غريب القرآن" لليزيدي ص 171، ولابن قتية ص 203، "تفسير ابن جرير" 11/ 131، "نزهة القلوب" للسجستاني ص 498، "تفسير الثعلبي" 7/ 18 أ.
(٣٣) في (ى): (العزب).
(٣٤) ساقط من (ى).
(٣٥) وقد قرأ الكسائي بكسر الزاي، وقرأ الباقون بضمها.
انظر كتاب "السبعة" ص 328، "الغاية" ص 172، "النشر" 2/ 285.
(٣٦) انظر: "لسان العرب" (ذرر) 3/ 1494، وفيه أيضًا في نفس الموضع: وقيل: الذرة ليس لها وزن، ويراد بها ما يرى في شعاع الشمس الداخل في النافذة.
(٣٧) قرأهما بالرفع حمزة ويعقوب وخلف، والباقون بالنصب.
انظر المصادر السابقة، نفس المواضع.
(٣٨) في (ح): (واحد).
(٣٩) يعني بالجر والرفع، فجره باعتباره صفة لأحد، ورفعه باعتبار معنى (أحد) لأنك لو حذفت (من) لكان فاعلًا مرفوعًا.
(٤٠) قال الإمام ابن الجزري: قرأ أبو جعفر والكسائي (من إله غيره) بخفض الراء وكسر الهاء بعدها، والباقون بالرفع والضم حيث وقع.
"تقريب النشر" ص 115، وانظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 286.
(٤١) "معاني القرآن" 1/ 470.
(٤٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح).
(٤٣) في (م): (وقال)، وهو خطأ.
(٤٤) في "الحجة": (كانا).
(٤٥) وقد وردت أيضًا في مواضع كثيرة مسبوقة بالواو.
(٤٦) وعجزه بتمامه: بما لاقت لبون بني زياد والبيت لقيس بن زهير، كما في "الأغاني" 17/ 131، "خزانة الأدب" 8/ 359، "شرح أبيات سيبويه" 1/ 340، "شرح شواهد الشافية" ص 408، "الخصائص" 1/ 333.
وكان قيس هذا استاق إبل الربيع بن زياد العبسي وباعها بمكة؛ لأن الربيع كان قد أخذ منه درعًا ولم يردها عليه فقال قيس في ذلك قصيدة مطلعها هذا البيت.
(٤٧) عجز بيت وصدره: معاوي إننا بشر فأَسْجِح والبيت لعقبة أو عقيبة الأسدي كما في "خزانة الأدب" 2/ 260، "سر صناعة الإعراب" 1/ 131، "شرح أبيات سيبويه" 1/ 300، "شرح شواهد المغني" 2/ 870، "كتاب سيبويه" 1/ 67، "لسان العرب" (غمز) 6/ 3296.
ومعنى الإسجاح: حسن العفو والتسهيل.
انظر: "لسان العرب" (سجح) (1944).
(٤٨) في "الحجة": من مثقال ذرة.
(٤٩) في "الحجة": وجب أن يكون (أصغر) مجرورًا.
(٥٠) "الحجة للقراء السبعة" 4/ 285 بتصرف.
(٥١) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 43، والمؤلف "الوسيط" 2/ 552،== وبنحوه رواه عبد بن حميد وابن أبي حاتم عند تفسير آية الأنعام كما في "الدر المنثور" 3/ 29.
(٥٢) ساقط من (ح) و (ز).
(٥٣) في (ى): (تحقيق).
(٥٤) ساقط من (ح) و (ز).
(٥٥) في (ي): (أو أكبر أو أصغر).
(٥٦) ساقط من (م).
(٥٧) في (خ) و (ز): (يرد).
(٥٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(٥٩) وقد كتب نساخ (ح) و (ز) و (ى) و (ص) الآية هكذا: ﴿ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ ﴿ إلا الذين ظلموا ﴾ وأسقط ناسخ (م) لفظ (للناس) ولا توجد آية بأحد هذين اللفظين، وفي قول الله تعالى: ﴿ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ ، ودلالة السياق تدل على أن المؤلف أراد آية سورة البقرة وعندها ذكر أبو عبيدة مذهبه.
(٦٠) انظر قول أبي علي الجرجاني في "تفسير الرازي" 17/ 124، "الدر المصون" 6/ 231 مختصرًا، وقال الرازي: هذا الوجه في غاية التعسف.
اهـ.
وقال السمين الحلبي: هذا الذي قاله الجرجاني ضعيف جدًا، ولم يثبت ذلك بدليل صحيح.
(٦١) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 60، وانظر أيضًا: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 162 فهو يجيز أن تكون (إلا) بمنزلة الواو.
(٦٢) انظر النسخة الأزهرية 1/ 97 أ.
(٦٣) ساقط من (ى).
(٦٤) ما بين المعقوفين ساقط من النسخ عدا (م).
(٦٥) في (ح) و (ز): (وهذا).
(٦٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 26 بمعناه.
(٦٧) سبق تخريج القراءة عند أول تفسير الجملة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾ الشأن الأمر، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد هو وجميع الخلق، ولذلك قال في آخرها: وما تعملون من عمل بمخاطبة الجماعة، ومعنى الآية: إحاطة علم الله بكل شيء ﴿ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ ﴾ الضمير عائد على القرآن وإن لم يتقدم ذكره لدلالة ما بعده عليه، كأنه قال: ما تتلو شيئاً من القرآن، وقيل: يعود على الشأن، والأول أرجح، لأن الاضمار قبل الذكر تفخيم للشيء ﴿ إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ يقال: أفاض الرجل في الأمر إذا أخذ فيه بجدّ ﴿ وَمَا يَعْزُبُ ﴾ ما يغيب ﴿ مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ ﴾ وزنها والذرة صغار النمل، قال الزمخشري: إن قلت لم قدمت الأرض على السماء بخلاف سورة سبأ؟
فالجواب: أن السماء تقدمت في سبأ لأن حقها التقديم، وقدمت الأرض هنا لما ذكرت الشهادة على أهل الأرض ﴿ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك ولا أَكْبَرَ ﴾ من قرأهما بالفتح فهو عطف على لفظ مثقال، ومن قرأهما بالرفع فهو عطف على موضعه أو رفع بالابتداء.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أفأنت ﴾ بتليين الهمزة ونحوه: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.
﴿ ولكن الناس ﴾ بالتخفيف والرفع: حمزة وعلي وخلف ﴿ يحشرهم ﴾ بالياء: حفص الباقون بالنون ﴿ نرينك أو نتوفينك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس ﴿ آلان ﴾ بوزن "عالان" بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام حيث كان: أبو جعفر ونافع وزمعة وحمزة في الوقف ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.
﴿ فليفرحوا ﴾ بياء الغيبة ﴿ تجمعون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر ويزيد.
وقرأ زيد على ضده، وقرأ رويس كليهما على الخطاب.
والباقون على الغيبة فيهما.
الوقوف: ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ لا يبصرون ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مهتدين ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ رسول ﴾ ج ط ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ ط ﴿ أجل ﴾ ط ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ آمنتم به ﴾ ط، ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ الخلد ﴾ ج ط للاستفهام مع أن القائل واحد ﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ أحق هو ﴾ ط ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ لافتدت به ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ج ط للعطف على ﴿ أسروا ﴾ دون ﴿ رأوا ﴾ ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ فليفرحوا ﴾ ط ﴿ يجمعون ﴾ ه ﴿ وحلالاً ﴾ ط ﴿ تفترون ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه.
التفسير: إن الإنسان إذا قوي بغضه لإنسان آخر وعظمت نفرته عنه صارت نفسه متوجهة إلى طلب مقابحه في كلامه معرضة عن جهات محاسنه فيه، وكما أن الصمم في الأذن معنى ينافي حصول إدراك الصوت، والعمى في العين أمر ينافي حصول إدراك الصورة، فكذلك حصول هذا البغض الشديد يضاد وقوف الإنسان على محاسن من يعاديه، فبين الله في أولئك الكفار من بلغت حاله في النفرة والعداوة إلى هذا الحد ﴿ يستمعون إليك ﴾ إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع ولكنهم لا يسمعون ولا يقبلون وينظرون إليك يعاينون أدلة الصدق وأعلام النبوة ولكنهم لا يتبصرون ولا يصدقون.
قال أهل المعاني: المستمع إلى القرآن كالمستمع إلى النبي بخلاف النظر.
فكان في المستمعين كثرة فجمع ليطابق اللفظ المعنى ووحد النظر حملاً على اللفظ إذ لم يكثروا كثرتهم.
ثم قال: أتطمع أن تقدر على إسماع الصم ولو انضم إلى صممهم عدم عقولهم، أو تقدر على هداية العمي ولا سيما إذا قرن بفقد البصر فقد البصيرة، إنما يقدر على ردهم إلى حالة الكمال خالق القدر والقوى وحده.
وهذا الحصر إنما يفهم من قوله: ﴿ أفأنت ﴾ .
والمقصود من هذا الكلام تسلية الرسول فإن الطبيب إذا رأى مريضاً لا يقبل العلاج أصلاً أعرض عنه ولم يستوحش من ذلك لأن التقصير من المزاج لا من الصنعة والحذق.
ثم أكد عدم قابليتهم في الفطرة مع إشارة إلى ما يلحقهم من الوعيد يوم القيامة بقوله: ﴿ إن الله لا يظلم ﴾ الآية.
فسرها المعتزلة بأن المراد من نفي الظلم أنه ما ألجأ أحد إلى هذه القبائح والمنكرات ولكنهم باختيار أنفسهم أقدموا عليها.
وأجاب الواحدي عنه بأنه إنما نفى الظلم عن نفسه لأنه يتصرف في ملك نفسه فلا اعتراض عليه.
وإنما قال: ﴿ ولكن الناس أنفسهم يظلمون ﴾ لأن الفعل منسوب إليهم بسبب الكسب.
والتحقيق أنه نفى الظلم عنه لأنه وقوع فريق القهر ضروري، ونسب الظلم إليهم لخصوص وقوعهم في الطريق وفيه دقة.
ثم ذكر وعيد الكفار فقال: ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ أي واذكر يوم يحشرهم ﴿ كأن لم يلبثوا ﴾ في محل النصب على الحال أي مشبهين بمن لم يلبث ﴿ إلا ساعة ﴾ وقوله ﴿ يتعارفون ﴾ إما حال أخرى أو بيان لقوله: ﴿ كأن لم يلبثوا ﴾ لأن التعارف لا يبقى مع طول العهد.
ويجوز أن يكون قوله: ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ متعلقاً بـ ﴿ يتعارفون ﴾ والمراد باللبث.
قيل: لبثهم في الدنيا وقيل في القبور استقلوا المدد الطوال إما لأنهم ضيعوا أعمارهم في الدنيا فجعلوا وجودها كالعدم واستقصروها للدهش والحيرة، أو لطول وقوفهم في الحشر، أو لشدة ما هم فيه من العذاب نسوا لذات الدنيا واستحقروها.
وأما التعارف فقد قيل: يعرّف بعضهم بعضاً ما كانوا عليه من الخطإ والكفر وقيل: يعرف كل واحد أهل معرفته.
والجمع بين ذلك وبين قوله: ﴿ ولا يسأل حميم حميماً ﴾ أن هذا تعارف توبيخ وتضليل يقول كل فريق لصاحبه أنت أضللتني يوم كذا، أو أنهم يتعارفون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة.
وإنما حذف "جميعاً" في هذه الآية اكتفاء بما في الآية السابقة ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا ﴾ ولأن الآية سيقت هناك لبيان حشر العابدين والمعبودين فأكد بقوله: ﴿ جميعاً ﴾ ليشمل الفريقين صريحاً والله أعلم.
قوله: ﴿ قد خسر ﴾ استئناف فيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أخسرهم!
وفيه شهادة من الله على خسرانهم.
وجوز في الكشاف أن يكون على إرادة القول أي يتعارفون بينهم قائلين ذلك.
ثم أكد خسرانهم بقوله: ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ أي في رعاية مصالح هذه التجارة لأنهم أعطوا الكثير الشريف الباقي وقنعوا بالقليل الخسيس الفاني كمن رأى زجاجة خسيسة فظنها جوهرة نفيسة فاشتراها بكل ماله، فإذا عرضها على الناقدين خاب سعيه وفات أمله.
ثم سلى رسوله فقال: ﴿ وإما نرينك ﴾ وجوابه محذوف.
وقوله: ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ جواب ﴿ أو نتوفينك ﴾ والمعنى وإما نرينك في أعدائك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل أن تدركه فنحن نريكهم في الآخرة لأن مرجع الكل إلينا.
ولقد صدق الله وعده فقد أراه في هذه الدار خزيهم وقهرهم بالقتل والأسر والاستعلاء عليهم والاستيلاء على ديارهم وأموالهم، والذي سيريه في الآخرة أكثر وأدوم يدل عليه لفظ "ثم" لتبعيد الرتبة في قوله: ﴿ ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾ ولا يخفى نتيجة هذه الشهادة من السخط والعقاب، ويحتمل أن يراد إنطاق جوارحهم يوم القيامة جعل ذلك بمنزلة شهادة الله.
ثم بيّن أنه ما أهمل أمة من الأمم من رسول في وقت من الأوقات فقال: ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ وزمان الفترة محمول على ضعف دعوة النبي المتقدم ووقوع موجبات التخليط في شرعه.
﴿ فإذا جاء رسولهم ﴾ فبلغ فكذبه قوم وصدقه آخرون ﴿ قضى بينهم بالقسط ﴾ أي حكم وفصل بالعدل فأنجى الرسول والمصدقون وعذب المكذبون فهذه الآية نظيرة قوله: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ﴾ ويحتمل أن يقال: المراد ولكل أمة من الأمم يوم القيامة رسول ينسبون إليه ويدعون به فكأنه يقول: أنا شهيد على أعمالهم ومع ذلك فإني أحضر في موقف القيامة، مع كل قوم رسولهم حتى يشهد عليهم بالكفر والإيمان.
﴿ فإذا جاء رسولهم ﴾ وشهد لهم أو عليهم ﴿ قضي بينهم ﴾ والمراد منه المبالغة في إظهار العدل والنصفة فتكون الآية كقوله: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ﴾ ثم ذكر شبهة أخرى من شبهات الكفرة، وذلك أنه كلما هددهم بنزول العذاب ومر زمان ولم يظهر ذلك العذاب كانوا ﴿ يقولون متى هذا الوعد ﴾ استبعاداً لنزوله وقدحاً في نبوته وهذا مما يؤكد القول الأوّل في الآية المتقدمة، لأنه لا يجوز أن يقولوا متى هذا الوعد عند حضورهم في دار الآخرة لحصول اليقين والمعرفة حينئذٍ.
وأيضاً قوله: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ لفظ الجمع موافق لقوله: ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ ثم أمره أن يجيب بما يحسم مادة الشبهة وهو قوله: ﴿ قل لا أملك لنفسي ضراً ﴾ من مرض أو فقر ﴿ ولا نفعاً ﴾ من صحة أو غنى ﴿ إلا ما شاء الله ﴾ قال العلماء: إنه استثناء منقطع أي ولكن ما شاء الله من ذلك كائن فكيف أملك لكم الضر وجلب العذاب.
ثم بين أن أحداً لا يموت إلا بالقضاء، وأن لعذاب كل طائفة أمداً محدوداً لا يتجاوزه فلا وجه للاستعجال.
فقال و ﴿ لكل أمة أجل ﴾ الآية.
وقد مر تفسير الآية في أوائل الأعراف إلا أنه أدخل الفاء ههنا في الجزاء، فإنه بنى الشرط على الاستئناف أو البيان بخلاف ما هنالك فإنه جعل الشرط مرتباً على قوله: ﴿ ولكل أمة أجل ﴾ فلم يحسن الجمع بين الفاءين.
ثم زيف رأيهم في استعجال العذاب مرة أخرى فقال: ﴿ قل أرأيتم ﴾ أي أخبروني ﴿ إن أتاكم عذابه بياتاً ﴾ أي في حين الغفلة والراحة.
﴿ أو نهاراً ﴾ حين الاشتغال بطلب المعاش كما مر في أول الأعراف ﴿ ماذا يستعجل ﴾ أي شيء يستعجل ﴿ منه ﴾ أي من العذاب ﴿ المجرمون ﴾ وإنما لم يقل" ماذا يستعجلون منه" دلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام، لأن حق المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه وإن أبطأ مجيئه فضلاً عن أن يستعجله.
و "من" للبيان أو للابتداء والمعنى أن العذاب كله مر المذاق موجب للنفار فأيّ شيء يستعجلون منه وليس شيء منه يوجب الاستعجال؟
أو المراد التعجب كأنه قيل: أيّ شيء هائل شديد يستعجلون؟
وقيل: الضمير في "منه" لله وجواب الشرط محذوف وهو تندموا على الاستعجال أو تعرفوا الخطأ فيه.
و "ماذا" الجملة مفعول ﴿ أرأيتم ﴾ ويجوز أن يكون جواباً للشرط كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني، ثم تتعلق الجملة بـ ﴿ أرأيتم ﴾ ويجوز أن يكون اعتراضاً وجواب الشرط ﴿ ثم إذا وقع آمنتم به ﴾ والمعنى إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان، ودخول حرف الاستفهام على "ثم" كدخوله على الواو والفاء إلا أنه على إرادة القول أي قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب ﴿ آلآن ﴾ آمنتم به ﴿ وقد كنتم به تستعجلون ﴾ على جهة التكذيب والإنكار وقوله ﴿ ثم قيل ﴾ عطف على قيل المضمر قبل ﴿ آلآن ﴾ والحاصل أن الذي تطلبونه ضرر محض عارٍ عن المنفعة، والعاقل لا يطلب مثل ذلك.
وإنما قلنا إنه ضرر محض لأنه إذا وقع العذاب فإما أن تؤمنوا وإيمان اليأس غير مقبول، وإما أن لا تؤمنوا فيحصل عقيب ذلك عذاب آخر أشد وأدوم ويقال على سبيل الإهانة.
﴿ ذوقوا عذاب الخلد ﴾ فإن قلتم إلهنا أنت الغني عن الكل فكيف يليق برحمتك هذا الوعيد والتهديد؟
أجبتم ﴿ هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون ﴾ فالجزاء مرتب على العمل ترتب المعلول على العلة كما يقوله الحكيم، أو ترتب الأجر الواجب عند المعتزلة، أو بحكم الوعد المحض عند أهل السنة.
وتفسير الكسب مذكور في البقرة في قوله: ﴿ لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ﴾ .
ثم حكى عنهم أنهم بعد هذه البيانات استفهموا تارة أخرى عن تحقيق العذاب فقال: ﴿ ويستنبئونك أحق هو ﴾ وهو استخبار على جهة الاستهزاء والإنكار أي أحق ما تعدنا به من نزول العذاب في العاجل؟
وهذا السؤال جهل محض لأنه تقدم ذكره مع الجواب مرة واحدة فلا وجه للإعادة، ولأنه قد تبين بالبراهين القاطعة صحة نبوة محمد فيلزم القطع بصحة كل ما يخبر عن وقوعه.
وقيل: المراد أحق ما جئت به من القرآن والشرائع؟
وقيل: أي ما تعدنا من البعث والقيامة؟
فأمره الله أن يجيبهم بقوله: ﴿ قل إي وربي ﴾ ومعناه نعم ولكنه مستعمل مع القسم ألبتة.
وفائدة هذا القسم في جوابهم أن يكون قد أبرز الكلام معهم على الوجه المعتاد بينهم استمالة لقلوبهم.
ومن الظاهر أن من أخبر عن شيء وأكده بالقسم فقد أخرجه عن حد الهزل وأدخله في باب الجد.
فقد يكون هذا القدر مقنعاً إذا لم يكن الخصم ألد.
ثم أكد مضمون المقسم عليه بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ فائتين العذاب.
والغرض التنبيه على أن أحداً لا يدافع نفسه عما أراد الله وقضى.
ثم زاد في التأكيد بقوله: ﴿ ولو أن لكل نفس ﴾ الآية.
وقد مر مثله في "آل عمران" و "المائدة".
وقوله: ﴿ ظلمت ﴾ صفة لنفس.
أما قوله: ﴿ وأسروا الندامة ﴾ فقد قيل: الإسرار بمعنى الإظهار والهمزة للسلب أي أظهروا الندامة حينئذٍ لضعفهم وليس هناك تجلد.
والمشهور أنه الإخفاء وسببه أنهم بهتوا حين عاينوا ما سلبهم قواهم فلم يطيقوا صراخاً ولا بكاء، أو أخفوا الندامة من سفلتهم وأتباعهم حياء منهم وخوفاً من توبيخهم.
وهذا التزوير في أول ما يرون العذاب، أما عند إحاطة النار بهم فلا يبقى هذا التماسك، أو أراد بالإخفاء الإخلاص لأن من أخلص في الدعاء أسره، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم لأنهم أتوا بذلك في غير وقته ﴿ وقضى بينهم بالقسط ﴾ قيل: أي بين المؤمنين والكافرين.
وقيل: بين الرؤساء والأتباع، وقيل: بين الكفار بإنزال العقوبة عليهم.
وقيل: بين الظالمين من الكفار والمظلومين منهم فيكون في ذلك القضاء تخفيف من عذاب بعضهم وتثقيل لعذاب بعضهم وإن اشترك كلهم في العذاب.
ثم ذكر آيتين أن له جميع ما قرر بحكم المالكية والقدرة على الإحياء والإماتة والإبداء والإعادة.
وقيل: في وجه النظم أنه لما ذكر حديث الافتداء بيّن أنه ليس للظالم شيء يفتدي به فإن كل الأشياء ملكه وملكه.
وقيل: إنه لما أقسم على حقية ما جاء به النبي وكان دليلاً إقناعياً أراد أن يصححها بالبرهان النير فذكر أن كل ما في هذا العالم من نبات وحيوان وجسد وروح وظلمة ونور وعلوي وسفلي بسيط ومركب فهو ملكه، فلكونه قادراً على جميع الممكنات يقدر على إيصال الرحمة إلى أوليائه والعذاب إلى أعدائه، ولكنه منزهاً عن النقائص والآفات يكون بريئاً عن الخلف في الوعد والإيعاد.
وفي تصدير الكلام بكلمة "ألا" تنبيه للغافلين وإيقاظ للنائمين وتقريع للناظرين في الأسباب الظاهرة القائلين: البستان للأمير، والدار للوزير، والغلام لزيد والجارية لعمرو، ولا يعلمون أن كلها عوارٍ وودائع.
ولا بد يوماً أن ترد الودائع *** واعلم أن الطريق إلى إثبات نبوة الأنبياء بأمور أحدها: إظهار المعجزة على يده مطابقاً لدعواه، وقد قرره الله في هذه السورة على أحسن الوجوه حيث قال: ﴿ وما كان هذا القرآن أن يفترى ﴾ إلى تمام الآيتين.
والثاني أن نعلم بعقولنا أن الاعتقاد الحق والعمل الصالح ما هو فكل من جاء ودعا الخلق إلى ذلك وادعى الرسالة وكان لنفسه قوّة تكميل الناقصين غلب على ظننا أنه النبي الحق، فأشار إلى هذا الطريق بقوله: قل ﴿ يا أيها الناس ﴾ الآية.
فوصف القرآن بصفات أربع: الأولى كونه موعظة والمراد بها الزجر عما لا ينبغي كالطبيب ينهى المريض أوّلاً عما يضره.
الثانية كونه شفاء لما في الصدور لحصول العقائد الحقة والأخلاق الحميدة فيها بدل أضدادها كالطبيب يعيد الصحة بدل المرض والأخلاط المحمودة بدل الأخلاط الفاسدة بالمعالجات الصائبة والأدوية النافعة.
الثالثة حصول الهدي بسببه وذلك أنه إذا زالت الملكات الرديئة التي طبيعتها الظلمة وصارت مرآة النفس مصقولة محاذية لعالم القدس انطبع فيها نقش الملكوت وتجلى لها قدس اللاهوت.
الرابعة كونه رحمة للمؤمنين وذلك بأن تصير النفس البالغة إلى هذه الدرجات الروحانية والمعارج الربانية بحيث تفيض أنوارها على أرواح الناقصين فيض النور من جوهر الشمس على أجرام هذا العالم.
وإنما خص المؤمنين بهذه الرحمة لأن كل روح لم يتوجه إلى خدمة أرواح الأنبياء المطهرين لم ينتفع بأنوارهم كما أن كل جرم لم يقع في مواجهة قرص الشمس لا يستضيء بنورها.
والحاصل أن الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي وهو الشريعة، والشفاء إشارة إلى تطهير الأرواح عن العقائد الفاسدة والأخلاق الرديئة بتحصيل أضدادها وهي الطريقة، والهدى عبارة عن ظهور نور الحق في قلوب الصدّيقين وهي الحقيقة، والرحمة إشارة إلى كونها بالغة في الكمال والإشراق إلى حيث تصير مكملة للباقين وهي النبوة.
ولما أرشد إلى الطريق الموصل إلى السعادات الباقية الروحانية ذكر أنها هي التي يجب أن يكمل الفرح بحصولها دون السعادات الفانية الجسمانية فقال: ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ قال في الكشاف: أصل الكلام بفضل الله وبرحمته فليفرحوا ﴿ فبذلك فليفرحوا ﴾ والتكرير للتقرير والتأكيد، وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا فحذف أحد الفعلين لدلالة الآخر عليه.
والفاء داخلة لمعنى الشرط كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح، وجوز أن يراد بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا، وأن يراد قد جاءتكم موعظة بفضل الله وبرحمته فبذلك أي بمجيئها فليفرحوا.
وعلى هذا يكون ﴿ قل ﴾ اعتراضاً.
ومن قرأ بتاء الخطاب فمعناه على ما نقل عن زيد بن ثابت فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد هو خير مما يجمع الكفار، ونسبت هذه القراءة إلى النبي وهو الأصل والقياس لأنه أدل على الأمر بالفرح وأشد تحريضاً به، وإنما قلنا إنه الأصل لأن حكم الأمر في المخاطب والغائب واحد إلا أنه خفف أمر المخاطب بحذف اللام وبحذف حرف المضارعة لكثرة الاستعمال فاضطروا إلى همزة الوصل.
ومن قرأ تجمعون بتاء الخطاب فإنه عنى المخاطبين والغائبين جميعاً إلا أنه غلب الخطاب كما يغلب التذكير، أو كأنه أراد المؤمنين وفيه حث لهم على ترجيح الجواذبالعقلية الروحانية على النوازع النفسانية الجسدانية لأنه لا معنى لهذه اللذات الجسمانية إلا دفع الآلام، والمعنى العدمي لا يستحق الفرح به، وبتقدير أن تكون صفات ثبوتية إلا أن التضرر بآلامها أقوى من الانتفاع بلذاتها فلا نسبة للذة الوقاع - وهي أقوى اللذات - إلى ألم القولنج وسائر الآلام القوية.
وأيضاً إن مداخل اللذات الجسمانية معظمها البطن والفرج، ومداخل الآلام كل جزء من أجزاء البدن.
وأيضاً اللذات الجسمانية لا بقاء لها مثلاً إذا زال ألم الجوع زال الالتذاذ بالأكل، وكل ما لا بقاء له لا يشتد فرح العاقل بحصوله، ولو لم يحصل في لذة الأكل والوقاع إلا إتعاب الحواس والجوارح في مقدماتها ولواحقها لكفى.
ومن المعلوم أن الفرح الحاصل بحدوث الولد لا يعادل الحزن الواقع عند موته وفيه قال المعري: إن حزناً في ساعة الموت ضعا *** ف سرور في ساعة الميلاد فتبين بهذه الوجوه أن الفرح إنما يجب أن يكون بالروحانيات الباقيات لا بالجسمانيات الزائلات، أما المفسرون فقد قالوا: فضل الله الإسلام، ورحمته ما وعد عليه.
وعن أبيّ بن كعب أن رسول الله تلا ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ فقال: بكتاب الله والإسلام.
ومثله ما روي عن أبي سعيد الخدري: فضل الله القرآن ورحمته أن جعلكم من أهله.
ثم أشار إلى طريق ثالث في إثبات النبوة فقال: ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.
وتقريره أنكم تحكمون بحل بعض الأشياء وبحرمة بعضها فإن كان هذا لمجرد التشهي فذلك طريق باطل مهجور بالاتفاق لأدائه إلى التنازع والتشاجر واختلاف الآراء وافتراق الأهواء، وإن كان لأنه حكم الله فيكم فبم عرفتم ذلك فإن كان بقول رسول أرسله إليكم فقد اعترفتم بصحة النبوة وإلا كان افتراء على الله.
وفي الآية أيضاً إشارة إلى فساد طريقتهم في شرائعهم وأحكامهم من تحريم السوائب والبحائر وقولهم: ﴿ هذه أنعام وحرث حجر ﴾ وغير ذلك.
﴿ وما أنزل ﴾ الجملة في محل الرفع بالابتداء وخبره ﴿ آلله أذن لكم ﴾ و ﴿ قل ﴾ مكرر للتأكيد والرابط محذوف، ومجموع المبتدأ والخبر متعلق بـ ﴿ أرأيتم ﴾ والمعنى أخبروني الذى أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً آلله أذن لكم في تحريمه وتحليله ﴿ أم على الله تفترون ﴾ وعن الزجاج أن "ما" في ﴿ ما أنزل ﴾ بمعنى الاستفهام منصوباً بـ ﴿ أنزل ﴾ وأنه مع معموله مفعول ﴿ أرأيتم ﴾ معناه أخبرونيه.
وعلى هذا يكون ﴿ قل آلله ﴾ كلاماً مستأنفاً.
ومعنى أنزل خلق وأنشأ كقوله: ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ وذلك أن كل ما في الأرض من زرع أو ضرع فإنه بسبب الماء النازل من السماء.
قال في الكشاف: ويجوز أن تكون الهمزة في ﴿ آلله ﴾ للإنكار و "أم" منقطعة بمعنى "بل" أتفترون على الله تقريراً للافتراء.
ثم قال: ﴿ وما ظن الذين ﴾ يعني أي شيء ظنهم في ذلك اليوم وما يصنع بهم فيه؟
وهو في صورة الاستعلام ولكن المراد تعظيم وعيد من يفتري على الله حيث أبهم أمره وكفى به زاجراً للمفتي في الأحكام بغير علم فليتق الله وليصمت ﴿ لذو فضل على الناس ﴾ إذ أنعم عليهم بالعقل ورحمهم بإرسال النبي وتعليم الشرائع ﴿ ولكن أكثرهم لا يشكرون ﴾ هذه النعمة بجحد نبيه أو مخالفته.
التأويل: ﴿ أفأنت تسمع الصم ﴾ صم آذان القلوب ﴿ أفأنت تهدي العمى ﴾ عمي أبصار البصائر.
﴿ ويوم نحشرهم ﴾ حشر العوام خروج أجسادهم من القبور إلى المحشر، وحشر الخواص خروج أرواحهم الأخروية من قبور أجسادهم الدنيوية بالسير والسلوك، وحشر الأخص خروجهم من قبور الأنانية الروحانية إلى هوية الربانية كما قال: ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن ﴾ كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار لأنه لا نسبة لمدة الدنيا إلى ما بين الأزل والأبد.
﴿ يتعارفون بينهم ﴾ يعرفون تفاوت مقامات كل صنف من هؤلاء ﴿ وإما نرينك بعض الذي نعدهم ﴾ بشرط الإيمان من نعيم الجنان ولقاء الرحمن ﴿ أو نتوفينك ﴾ فنبلغك أقصى المراتب ومقامك المحمود ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ رجوعاً اضطرارياً لا اختيارياً ﴿ ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾ من خسارة الدارين ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ في الظاهر من الأنبياء وفي الباطن من إلهام الحق.
﴿ لكل أمة أجل ﴾ في استكمال السعادة والشقاوة ﴿ بياتاً ﴾ أي في الأزل ﴿ أو نهاراً ﴾ أي يظهر الآن ما قدّر لكم في الأزل.
﴿ قل أي وربي إنه لحق ﴾ أي أقسم بربك الذي يريك أن وقوع الأمور الأخروية حق لأنك عبرت على الجنة والنار ليلة المعراج ظلمت بإفساد الاستعدادات.
﴿ ألا إن لله ما في السموات ﴾ الأرواح وأرض القلوب والنفوس ﴿ ألا إن وعد الله ﴾ لأهل السعادة ولأهل الشقاوة في الأزل ﴿ حق هو يحيي ﴾ قلوب بعضهم بالمعرفة ﴿ ويميت ﴾ قلوب آخرين بالجهل، أو يحيي بالنور ويميت بالظلمة، أو يحيي بصفة الجمال ويميت بصفة الجلال ﴿ يا أيها الناس ﴾ يأ أهل النسيان ﴿ قد جاءتكم موعظة ﴾ هي خطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ وهو داء العشق وشفاء من ذلك الداء وهو توفيق إجابة ﴿ بلى ﴾ ﴿ لما في الصدور ﴾ وهو القلب فإنها درة صدف الصدر وهدى عناية خاصة إذ الدعوة عامة والهداية خاصة.
ورحمة اتصال إمداد الفيض إلى أن يبلغ غاية الكمال ويفوز بالوصول والوصال ﴿ قل بفضل الله ﴾ وهو إسماع الخطاب ورحمته وهو الإبقاء على مدلول الخطاب ﴿ فليفرحوا هو خير مما ﴾ يجمعه أهل الدنيا في دنياهم ﴿ ما أنزل الله لكم من رزق ﴾ القلوب والأرواح فضلاً عن النفوس والأشباح من الواردات والشواهد ﴿ فجعلتم منه حراماً ﴾ على أنفسكم ﴿ وحلالاً ﴾ على غيركم أي حدثت أنفسكم بأن تحصيل هذه السعادات ونيل تلك الكرامات ليس من شأننا وإنما هو من شأن الأنبياء وخواص الأولياء ﴿ قل آلله أذن لكم ﴾ أن تعرضوا عن هذه المقامات وتحيلوها إلى غيركم وتركنوا إلى الدنيا وزخارفها ﴿ أم على الله تفترون ﴾ بأن الدعوة اختصت بهم دوننا ﴿ إن الله لذو فضل على الناس ﴾ بتسوية الاستعداد الفطري.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: إن ما في السماوات والأرض كلهم عبيده [وإماؤه وملكه]، لا لمن [تعبدون دونه] من الأصنام والأوثان، فمن عند من يملك الدنيا والآخرة اطلبوا ذلك منه؛ لا من عند من لا يملك يبين سفههم في طلبهم الدنيا من عند من يعلمون أنه لا يملك ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ : في كل وعد ووعيد أنه كائن لا محالة عذابا أو رحمة.
﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: لا ينتفعون بعلمهم، فنفى عنهم العلم وإن علموا؛ لما لم ينتفعوا به.
ويحتمل قوله: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: لم يكتسبوا سبب العلم، [وهو التأويل والنظر في آياته وحججه.
ويحتمل نفي العلم عنهم لما أعطوا أسباب العلم] فلم يعلموا، فإن كان على هذا فيكونون معذورين، وإن كان على الوجهين الأولين فلا عذر لهم في ذلك.
وفي قوله: ﴿ أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ دلالة إثبات البعث من وجهين: أحدهما: فيما يذكر من قدرته من خلق السماوات والأرض وما بينهما [بغلظهما وكثافتهما وشدتهما وعظم خلقتهما]، وأن تلك القدرة خارجة عن وسع البشر وتوهمهم، فمن قدر على ذلك فهو قادر على إحياء الخلق بعد فنائهم.
والثاني: يخبر عن حكمته من تعليق منافع الأرض بالسماء على بعد ما بينهما، والإفضال على الخلق بأنواع النعم التي تكبر الإحصاء، وأن كل شيء منها قد وضع مواضعها، فلا يحتمل من هذا وصفه في الحكمة يخلق شيئاً عبثاً باطلا ولو كانوا للفناء لا حياة بعده كان يكون خارجاً عن الحكمة، فظهر أنه خلقهم لأمر أراد بهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ أي: تعلمون أنه هو أحيا الأحياء، وهو الأموات أيضاً وهو كقوله: ﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ، فإذا عرفتم أنه هو يحيي الأحياء وهو يميت الأموات لا غير، فاعلموا أنه هو يبعثكم وإليه ترجعون؛ ألزمهم الحجة أولاً بالكائن، ثم أخبرهم عما يكون بالحجة التي ذكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ : وهو هذا القرآن قال بعضهم: الموعظة: النهي كقوله: ﴿ يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً ﴾ قيل: ينهاكم أن تعودوا لمثله أبدا.
وقال آخرون: الموعظة هي التي تدعوا إلى كل مرغوب وتزجر عن كل مرهوب وقال بعضهم [العظة] هي [التي] تلين كل قلب قاس وتجلي كل قلب مظلم وفي القرآن جميع ما ذكرنا فيه النهي، وفيه الدعاء إلى كل مرغوب، والزجر عن كل مرهوب، وهو يلين القلوب القاسية ويجلي القلوب المظلمة إذا تأملوا فيه، ونظروا، وتفكروا تفكر المستشهد وطالب الحق.
وقيل: الموعظة هي التي تلين القلوب القاسية وتدمع العيون اليابسة، وتجلي الصدور المظلمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ ﴾ : إن للدين آفات وداء تضر به وتتلفه كما لهذه الأبدان آفات وأمراض تعمل في إتلافها وإهلاكها، ثم جعلت لآفات الأبدان وأمراضها أدوية يشفى بها الأبدان [المؤرقة] المريضة؛ فعلى ذلك جعل هذا القرآن شفاء لهذا الدين ودواء يداوى به، فيذهب بآفات الدين وأمراضه؛ كما تعمل الأدوية في دفع آفات الأبدان وأمراضها؛ لذلك سماه موعظة وشفاء لما في الصدور، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ قيل: هدى من الضلالة، ورحمة من عذابه.
أو يقول: ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ هدى أي: يدعوا إلى كل خير ويهدي [إليه]، ورحمة: لمن اتبعه، هو هدى ورحمة لمن اتبعه وتمسك به، وعمى وضلال لمن خالفه وترك اتباعه وهو ما ذكر ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ ، وقال: ﴿ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً ﴾ أي: زاد للمؤمنين إيماناً إلى إيمانهم، و ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً ﴾ أي: زاد للكافرين رجساً إلى رجسهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ : قال بعضهم: فضل الله ورحمته القرآن.
وقال قائلون: فضل الله القرآن، ورحمته الإيمان، وفيه أنه بإنزال القرآن متفضل إذ له ألا ينزل، وفيه أن أهل الفترة يؤاخذون في حال فترتهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ أي: فرحكم بما ذكر [هو] خير مما تجمعون من الدنيا.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ : إنما خاطب المؤمنين بقول: قل للمؤمنين بفضل الله: الإسلام، وبرحمته: يعني القرآن فبذلك يعني فبهذا الفضل والرحمة فليفرحوا يعني المؤمنين، هو خير مما يجمعون يعني مما يجمع الكفار من الأموال من الذهب والفضة وغيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ ﴾ .
[يحتمل ﴿ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ ﴾ ] أضاف إنزاله إلى السماء، وإن كانت الأرزاق إنما تخرج من الأرض لما كانت أسبابها متعلقة بالسماء، يكون نضج الأنزال وينع الأعناب وإصلاح الأشياء كلها أعني أسباب الأرزاق من نحو المطر الذي به تنبت الأرض النبات وبه يخرج جميع أنواع الخارج مما يكون فيه غذاء البشر والدواب، ومن نحو الشمس التي [ينضج بها] الأنزال وبها تينع الأعناب وجميع الفواكه ونحوه أضاف ذلك إلى السماء لما ذكرنا.
وكذلك قوله: ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ أي: أسباب ذلك في السماء؛ لا أن عين ذلك في السماء.
ويحتمل قوله: ﴿ قُمَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ ﴾ أي: ما خلق الله لكم؛ وكذلك جميع ما يضاف إلى الله إنما يضاف إليه بحق الخلق أي خلقه منزلا؛ كقوله: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ ونحو ذلك، أي: خلق لكم مما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً ﴾ : قال بعضهم: ما حرموا من البحيرة والسائبة والوصيلة وما ذكر في سورة الأنعام والمائدة.
وقال بعضهم: ما حرموا الآلهة التي كانوا عبدوها، أي: جعلوها للأصنام وهو ما ذكر في الأنعام، وهو قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً...
﴾ الآية [الأنعام: 136] نحو ما ذكرنا في الآية، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴾ أي: آلله أذن لكم في تحريم ما حرمتم وتحليل ما أحللتم أم على الله تفترون: [بل على الله تفترون] وذلك أن هذه السورة نزلت في محاجة أهل مكة وهم لم يكونوا مؤمنين بالرسل والكتب، وإنما يوصل إلى معرفة [المحرم والمحلل] بالرسل والكتب والخبر عن الله، وهم لم يكونوا مؤمنين بواحد مما ذكرنا، فكيف جعلتم منه حراماً وحلالا وأنتم لا تؤمنون بما به يعرف الحلال من الحرام، فكيف حرمتم ما أحل لكم أو أحللتم ما حرم عليكم؟!
يخبر عن سفههم وعنادهم وافترائهم على الله، فإذا اجترءوا أن يفتروا على الله فعلى غيره أجرأ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ : فإن قيل كيف أوعدوا بيوم القيامة وهم كانوا لا يؤمنون بالبعث؟!
قيل: قد ألزمهم الحجة بكون البعث بما أظهر من كذبهم وافترائهم على الله في التحريم والتحليل، فذلك يظهر كذبهم بتكذيبهم البعث.
وبعد فإنه قد يوعد المرء بما لا يتيقن به ويتخوف عليه ويحذر وإن لم يحط علمه به، فكذلك هذا.
وبعد فإنه قد جعل في عقولهم ما يلزمهم الإيمان بالبعث والجزاء للأعمال؛ إذ ليس من الحكمة خلق الخلق للفناء خاصة.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن يقول: وما ظن الذين يفترون على الله الكذب لو خرج الأمر حقّاً، وكان صدقاً على ما أخبر رسول الله وقاله من البعث والجزاء لما اكتسبوا؟!
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ : هو ذو فضل على جميع الناس من [جهة ما ساق] إلى الكل من الرزق كافرهم ومؤمنهم وأنواع النعم، وما أخر عنهم العذاب إلى وقت، أو لما بعث إليهم الرسل والكتب من غير أن كان منهم إلى الله سابقة صنع يستوجبون به ذلك ومنه خصوص فضل على المؤمنين ليس ذلك على الكافرين، ولكن أكثرهم لا يشكرون لفضله وما أنعم عليهم.
<div class="verse-tafsir"
وما تكون -أيها الرسول- في أمر من الأمور، وما تقرأ من قرآن، وما تعملون -أيها المؤمنون- من عمل إلا كنا نراكم عالمين بكم ونسمعكم حين تشرعون في العمل مندفعين فيه، وما يغيب عن علم ربك وزن ذرة في السماء أو في الأرض، ولا أصغر من وزنها ولا أكبر، إلا وهو مسجل في كتاب واضح لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
من فوائد الآيات عظم ما ينتظر المشركين بالله من عذاب، حتَّى إنهم يتمنون دفعه بكل ما في الأرض، ولن يُقْبلَ منهم.
القرآن شفاء للمؤمنين من أمراض الشهوات وأمراض الشبهات بما فيه من الهدايات والدلائل العقلية والنقلية.
ينبغي للمؤمن أن يفرح بنعمة الإسلام والإيمان دون غيرهما من حطام الدنيا.
دقة مراقبة الله لعباده وأعمالهم وخواطرهم ونياتهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.r8aZB"