تفسير الآية ٧٤ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٧٤ من سورة يونس

ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ بِمَا كَذَّبُوا۟ بِهِۦ مِن قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ ٧٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 63 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٧٤ من سورة يونس من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٧٤ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ثم بعثنا من بعد نوح رسلا إلى قومهم ، فجاءوهم بالبينات ، أي : بالحجج والأدلة والبراهين على صدق ما جاءوهم به ، ( فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ) أي : فما كانت الأمم لتؤمن بما جاءتهم به رسلهم ، بسبب تكذيبهم إياهم أول ما أرسلوا إليهم ، كما قال تعالى : ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ) [ الأنعام : 110 ] .

وقوله : ( كذلك نطبع على قلوب المعتدين ) أي : كما طبع الله على قلوب هؤلاء ، فما آمنوا بسبب تكذيبهم المتقدم ، هكذا يطبع الله على قلوب من أشبههم ممن بعدهم ، ويختم على قلوبهم ، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم .

والمراد : أن الله تعالى أهلك الأمم المكذبة للرسل ، وأنجى من آمن بهم ، وذلك من بعد نوح ، عليه السلام ، فإن الناس كانوا من قبله من زمان آدم عليه السلام على الإسلام ، إلى أن أحدث الناس عبادة الأصنام ، فبعث الله إليهم نوحا ، عليه السلام ؛ ولهذا يقول له المؤمنون يوم القيامة : أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض .

وقال ابن عباس : كان بين آدم ونوح عشرة قرون ، كلهم على الإسلام .

وقال الله تعالى : ( وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا ) [ الإسراء : 17 ] ، وفي هذا إنذار عظيم لمشركي العرب الذين كذبوا بسيد الرسل وخاتم الأنبياء والمرسلين ، فإنه إذا كان قد أصاب من كذب بتلك الرسل ما ذكره الله تعالى من العقاب والنكال ، فماذا ظن هؤلاء وقد ارتكبوا أكبر من أولئك ؟

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (74) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم بعثنا من بعد نوح رسلا إلى قومهم، فأتوهم ببينات من الحجج والأدلّة على صدقهم، وأنهم لله رسل، وأن ما يدعونهم إليه حقّ ، (فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل) ، يقول: فما كانوا ليصدّقوا بما جاءتهم به رسلهم بما كذب به قوم نوح ومن قبلَهم من الأمم الخالية من قبلهم ، (كذلك نطبع على قلوب المعتدين) ، يقول تعالى ذكره: كما طبعنا على قلوب أولئك فختمنا عليها، فلم يكونوا يقبَلون من أنبياء الله نصيحتَهم، ولا يستجيبون لدعائهم إيّاهم إلى ربهم ، بما اجترموا من الذنوب واكتسبوا من الآثام (27) ، كذلك نطبع على قلوب من اعتدى على ربّه فتجاوز ما أمره به من توحيده، وخالف ما دعاهم إليه رسلهم من طاعته، (28) عقوبة لهم على معصيتهم ربَّهم من هؤلاء الآخرين من بعدهم.

----------------------- الهوامش : (27) انظر تفسير " الطبع " فيما سلف 14 : 424 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(28) انظر تفسير " الاعتداء " فيما سلف من فهارس اللغة (عدا) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدينقوله تعالى ثم بعثنا من بعده أي من بعد نوح رسلا إلى قومهم كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وغيرهم .( فجاءوهم بالبينات ) أي بالمعجزات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل التقدير : بما كذب به قوم نوح من قبل .

وقيل : بما كذبوا به من قبل أي من قبل يوم الذر ، فإنه كان فيهم من كذب بقلبه وإن قال الجميع : بلى .

قال النحاس : ومن أحسن ما قيل في هذا أنه لقوم بأعيانهم ; مثل : أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون .( كذلك نطبع ) أي نختم على قلوب المعتدين أي المجاوزين الحد في الكفر والتكذيب فلا يؤمنوا .

وهذا يرد على القدرية قولهم كما تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي‏:‏ ‏{‏ثُمَّ بَعَثْنَا‏}‏ من بعد نوح عليه السلام ‏{‏رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ‏}‏ المكذبين، يدعونهم إلى الهدى، ويحذرونهم من أسباب الردى‏.‏ ‏{‏فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ‏}‏ أي‏:‏ كل نبي أيد دعوته، بالآيات الدالة على صحة ما جاء به‏.‏ ‏{‏فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ‏}‏ يعني‏:‏ أن الله تعالى عاقبهم حيث جاءهم الرسول، فبادروا بتكذيبه، طبع الله على قلوبهم، وحال بينهم وبين الإيمان بعد أن كانوا متمكنين منه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ‏}‏ ولهذا قال هنا‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ‏}‏ أي‏:‏ نختم عليها، فلا يدخلها خير، وما ظلمهم ‏[‏الله‏]‏، ولكنهم ظلموا أنفسهم بردهم الحق لما جاءهم، وتكذيبهم الأول‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ثم بعثنا من بعده رسلا ) أي : من بعد نوح رسلا .

( إلى قومهم فجاءوهم بالبينات ) بالدلالات الواضحات ، ( فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ) أي : بما كذب به قوم نوح من قبل ، ( كذلك نطبع ) أي : نختم ، ( على قلوب المعتدين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ثم بعثنا من بعده» أي نوح «رسلا إلى قومهم» كإبراهيم وهود وصالح «فجاءُوهم بالبينات» المعجزات «فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل» أي بعث الرسل إليهم «كذلك نطبع» نختم «على قلوب المعتدين» فلا تقبل الإيمان كما طبعنا على قلوب أولئك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ثم بعثنا من بعد نوح رسلا إلى أقوامهم (هودًا وصالحًا وإبراهيم ولوطًا وشعيبًا وغيرَهم) فجاء كل رسول قومه بالمعجزات الدالة على رسالته، وعلى صحة ما دعاهم إليه، فما كانوا ليصدِّقوا ويعملوا بما كذَّب به قوم نوح ومَن سبقهم من الأمم الخالية.

وكما ختم الله على قلوب هؤلاء الأقوام فلم يؤمنوا، كذلك يختم على قلوب مَن شابههم ممن بعدهم من الذين تجاوزوا حدود الله، وخالفوا ما دعاهم إليه رسلهم من طاعته عقوبة لهم على معاصيهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكت السورة الكريمة أن الله - تعالى - قد أرسل رسلا كثيرين بعد نوح - عليه السلام - فكان موقف أقوامهم منهم مشابها لموقف قوم نوح منه ، فقال - تعالى - :( ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ .

.

.

) .أى : ثم بعثنا من بعد نوح - عليه السلام - رسلا كثيرين دوى قدر عظيم إلى أقوامهم ، ليخرجوهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان فهود - عليه السلام - أرسلناه إلى قوم عاد ، وصالح - عليه السلام - أرسلناه إلى ثمود ، وهذا أرسلنا رسلا كثيرين إلى أقوامهم .وقوله : ( فَجَآءُوهُمْ بالبينات ) أى : فأتى كل رسول قومه بالمعجزات الواضحات ، وبالحجج الساطعات الدالة على صدقه فيما يبلغه عن ربه .وقوله - ( فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ) بيان لموقف هؤلاء الأقوام الجاحدين من رسلهم الذين جاءوا لهدايتهم وسعادتهم .وللمفسرين في معنى هذه الجملة الكريمة أقوال :فمنهم من يرى أن الضمائر فى " كانوا ، ويؤمنوا ، وكذبوا " تعود على أقوام الرسل الذين جاءوا من بعد نوح - عليه السلام - وأن المراد بقوله : ( من قبل ) أى : من قبل مجئ الرسل إليهم .والمعنى على هذا الرأى : ثم بعثنا من بعد نوح - عليه السلام - رسلا كثيرين إلى أقوامهم فجاءهم بالمعجزات الدالة على صدقهم ، إلا أن هؤلاءا لأقوام الأشقياء .

استمروا على كفرهم وعنادهم ، وامتنعوا عن الإِيمان بما كذبوا به من قبل مجئ الرسل إليهم وهو إفراد الله - تعالى بالعبادة والطاعة فكان حالهم فى الإِصرار على الكفر والجحود قبل مجئ الرسل إليهم ، كحالهم بعد أن جاءهم بالهدى ودين الحق ، حتى لكأنهم لم يأتهم من بشير ولا نذير .ومن المفسرين الذين قالوا بهذا الرأى الإِمام البيضاوي فقد قال : " قوله : ( فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ) أى : فما استقام لهم أن يؤمنوا لشدة شكيمتهم في الكفر ، وخذلان الله إياهم .

.

بما كذبوا به من قبل ، أى بسبب تعودهم تكذيب الحق ، وتمرنهم عليه قبل بعثة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - " .ومنهم من يرى - أيضا - أن الضمائر تعود على أقوام الرسل الذين جاءوا من بعد نوح - عليه السلام - إلا أن المراد بقوله ( مِن قَبْلُ ) : أى : من قبل ابتداء دعوة الرسل لهؤلاء الأقوام .وعليه يكون المعنى : ثم بعثنا من نوح - عليه السلام - رسلا كثيرين إلى أقوامهم ، فجاءهم بالأدلة الواضحة الدالة على صدقهم ، إلا أن هؤلاء الأقوام قابلوا رسلهم بالتكذيب من أول يوم ، واستمروا على ذلك حتى آخر أحوالهم معهم ، فكان تكذيبهم لهم فى آخر أحوالهم معهم ، يشبه تكذيبهم لهم من قبل : أى : فى أول مجيئهم إليهم .ومن المفسرين الذين قالوا بهذا الرأى : الإِمام ابن كثير فقال قال : " قوله : ( فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ) أى : فما كاننت الأمم لتؤمن بما جاءتهم به رسلهم ، بسبب تكذيبهم إياهم أول من أرسلوا إليهم ، كما قال - تعالى -( وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) ومنهم من يرى أن الضمير فى قوله : " كانوا ويؤمنوا " يعود على أقوام الرسل الذين جاءوا من بعد نوح - عليه السلام - وأن الضمير فى قوله " كذبوا " يعود إلى قوم نوح ، وعلى هذا الرأى يكون المعنى :ثم بعثنا من بعد نوح - عليه السلام - رسلا إلى أقوامهم ، فجاءوهم بالآيات البينات الدالة على صدقهم ، ولكن هؤلاء الأقوام استمروا فى كفرهم وعنادهم ، وأبوا أن يؤمنوا بوحدانية الله التي كذب بها قوم نوح من قبل .ومن المفسرين الذين قالوا بهذا الرأى الإِمام ابن جرير فقد قال " قوله : ( فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ) يقول : " فما كانوا ليصدقوا بما جاءتهم به رسلهم وبما كذب به قوم نوح ومن قبلهم من الأمم الخالية .

.

"وعلى أية حال فهذه الأقوال الثلاثة ، تدل على أن هؤلاء الأقوام عموا وصموا عن الحق ، واستمروا على ذلك دون أن تحولهم الآيات البينات التى جاءهم بها الرسل عن عنادهم وضلالهم .وقوله : ( كَذَلِكَ نَطْبَعُ على قُلوبِ المعتدين ) بيان لسنة الله - تعالى - فى خلقه التى لا تتخلف ولا تتبدل .

والطبع : الختم والاستيثاق بحيث لا يخرج من الشيء ما دخل فيه ، ولا يدخل فيه ما خرج منه .أى : مثل ذلك الطبع المحكم نطبع على قلوب المعتدين المتجاوزين للحدود فى الكفر والجحود ، وذلك بخذلانهم ، وتخليتهم وشأنهم ، لانهماكهم فى الغواية والضلال .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن المراد: ثم بعثنا من بعد نوح رسلاً ولم يسمهم، وكان منهم هود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب صلوات الله عليهم أجمعين بالبينات، وهي المعجزات القاهرة، فأخبر تعالى عنهم أنهم جروا على منهاج قوم نوح في التكذيب، ولم يزجرهم ما بلغهم من إهلاك الله تعالى المكذبين من قوم نوح عن ذلك، فلهذا قال: ﴿ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ وليس المراد عين ما كذبوا به، لأن ذلك لم يحصل في زمانه بل المراد بمثل ما كذبوا به من البينات، لأن البينات الظاهرة على الأنبياء عليهم السلام أجمع كأنها واحدة.

ثم قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ نَطْبَعُ على قُلوبِ المعتدين ﴾ واحتج أصحابنا على أن الله تعالى قد يمنع المكلف عن الإيمان بهذه الآية وتقريره ظاهر.

قال القاضي: الطبع غير مانع من الإيمان بدليل قوله تعالى: ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً  ﴾ ولو كان هذا الطبع مانعاً لما صح هذا الاستثناء.

والجواب: أن الكلام في هذه المسألة قد سبق على الاستقصاء في تفسير قوله تعالى: ﴿ خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ وعلى سَمْعِهِمْ  ﴾ فلا فائدة في الإعادة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ من بعد نوح ﴿ رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ ﴾ يعني هوداً وصالحاً وإبراهيم ولوطاً وشعيباً ﴿ فَجَاءوهُم بالبينات ﴾ بالحجج الواضحة المثبتة لدعواهم ﴿ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ ﴾ فما كان إيمانهم إلاّ ممتنعاً كالمحال لشدّة شكيمتهم في الكفر وتصميمهم عليه ﴿ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ يريد أنهم كانوا قبل بعثة الرسل أهل جاهلية مكذبين بالحق.

فما وقع فصل بين حالتهم بعد بعثة الرسل وقبلها، كأن لم يبعث إليهم أحد ﴿ كَذَلِكَ نَطْبَعُ ﴾ مثل ذلك الطبع المحكم نطبع ﴿ على قُلوبِ المعتدين ﴾ والطبع جار مجرى الكناية عن عنادهم ولجاجهم، لأنّ الخذلان يتبعه.

ألا ترى كيف أسند إليهم الاعتداء ووصفهم به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ثُمَّ بَعَثْنا ﴾ أرْسَلْنا.

﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ مِن بَعْدِ نُوحٍ.

﴿ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ ﴾ كُلُّ رَسُولٍ إلى قَوْمِهِ.

﴿ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ ﴾ بِالمُعْجِزاتِ الواضِحَةِ المُثْبِتَةِ لِدَعْواهم.

﴿ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ فَما اسْتَقامَ لَهم أنْ يُؤْمِنُوا لِشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في الكُفْرِ وخِذْلانِ اللَّهِ إيّاهم.

﴿ بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ بِسَبَبِ تَعَوُّدِهِمْ تَكْذِيبَ الحَقِّ وتَمَرُّنِهِمْ عَلَيْهِ قَبْلَ بَعْثِهِ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ ﴾ بِخِذْلانِهِمْ لِانْهِماكِهِمْ في الضَّلالِ واتِّباعِ المَأْلُوفِ، وفي أمْثالِ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأفْعالَ واقِعَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وكَسْبِ العَبْدِ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ} من بعد نوح عليه السلام {رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ} أي هوداً وصالحا وابراهيم ولوطا وشعيبا {فجاؤوهم بالبينات} بالحجج الواضحة المثبتة لدعواهم {فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ} فأصروا على الكفر بعد المجيء {بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ} من قبل مجيئهم يريد أنهم كانوا قبل بعثة الرسل أهل جاهلية مكذبين بالحق فما وقع فصل بن حالتيهم بعد بعثة الرسل وقبلها كأن لم يبعث اليهم أحد {كذلك نطبع} مثل ذلك الطبع نختم {على قُلوبِ المعتدين} المجاوزين الحد في التكذيب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ثُمَّ بَعَثْنا ﴾ أيْ أرْسَلْنا مِن بَعْدِهِ أيْ مِن بَعْدِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ رُسُلا ﴾ أيْ كِرامًا ذَوَيْ عُذْرٍ كَثِيرٍ فالتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ والتَّكْثِيرِ ﴿ إلى قَوْمِهِمْ ﴾ قِيلَ: أيْ إلى أقْوامِهِمْ عَلى مَعْنى أرْسَلَنا كُلَّ رَسُولِ اللَّهِ إلى قَوْمٍ خاصَّةً مِثْلَ هُودٍ إلى عادٍ وصالِحٍ إلى ثَمُودَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّنْ قَصَّ مِنهم ومَن لَمْ يَقُصَّ لا عَلى مَعْنى أرْسَلْنا كُلَّ رَسُولٍ مِنهم إلى أقْوامِ الكُلِّ أوْ إلى قَوْمٍ أيَّ قَوْمٍ كانُوا وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ عُمُومَ الرِّسالَةِ إلى البَشَرِ لَمْ يَثْبُتْ لِأحَدٍ مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وظاهِرُ كَلامِهِمُ الإجْماعُ عَلى أنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ يَثْبُتْ لِأحَدٍ مِمَّنْ أُرْسِلَ بَعْدَ نُوحٍ، واخْتُلِفَ فِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ هَلْ بُعِثَ إلى أهْلِ الأرْضِ كافَّةً أوْ إلى أهْلِ صَقْعٍ مِنها وعَلَيْهِ يُبْنى النَّظَرُ في الغَرَقِ هَلْ عَمَّ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ أوْ كانَ لِبَعْضِهِمْ وهم أهْلُ دَعْوَتِهِ المُكَذِّبِينَ بِهِ كَما هو ظاهِرُ كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الرّاجِحُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ هو الثّانِي وكَثِيرٌ مِن أهْلِ الأرْضِ كَأهْلِ الصِّينِ وغَيْرِهِمْ يُنْكِرُونَ عُمُومَ الغَرَقِ، والأوَّلُ لا يُنافِي القَوْلَ بِاخْتِصاصِ عُمُومِ الرِّسالَةِ عَلى العُمُومِ المَشْهُورِ بَيْنَ الخُصُوصِ والعُمُومِ بِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّها لِمَن بَعْدَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةُ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الغَرَقَ كانَ عامًّا مَعَ خُصُوصِ البَعْثَةِ ولا مانِعَ مِن أنْ يُهْلِكَ اللَّهُ تَعالى مَن لا جِنايَةَ لَهُ مَعَ مَن لَهُ جِنايَةٌ ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فِيما ذَكَرَ إذْ هو تَصَرَّفَ في خالِصِ مُلْكِهِ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ.

وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً ﴾ نَوْعُ إشارَةٍ إلى ذَلِكَ نَعَمْ قَدْ ثَبَتَ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عُمُومُ الرِّسالَةِ انْتِهاءً حَيْثُ لَمَّ يَبْقَ عَلى وجْهِ الأرْضِ بَعْدَ الطُّوفانِ سِوى مَن كانَ مَعَهُ وهم جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ إذْ ذاكَ فالفَرْقُ بَيْنَ رِسالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ورِسالَةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ظاهِرٌ فَإنَّ رِسالَةَ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عامَّةٌ ابْتِداءً وانْتِهاءً ورِسالَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عامَّةٌ انْتِهاءً لا ابْتِداءً ولا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ والأوْلى أنْ يُعْتَبَرَ في اخْتِصاصِ عُمُومِ رِسالَةِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَوْنُها لِمَن بَعْدَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَإنَّ عَدَمَ ثُبُوتِ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَبْلَ نُوحٍ وبَعْدَهُ مِمّا لا يُتَنازَعُ فِيهِ وهَذا كُلُّهُ إذا لَمْ يُلاحِظْ في العُمُومِ الجِنُّ وكَذا المَلائِكَةُ إذا لُوحِظَ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ فَأمْرُ الِاخْتِصاصِ أظْهَرُ وأظْهَرُ.

﴿ فَجاءُوهُمْ ﴾ أيْ فَأتى كُلُّ رَسُولِ قَوْمَهُ المَخْصُوصِينَ بِهِ ﴿ بِالبَيِّناتِ ﴾ أيْ بِالمُعْجِزاتِ الواضِحَةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ ما يَقُولُونَ والباءُ إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِما عِنْدَما عَلى أنَّها لِلتَّعْدِيَةِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ أيْ مُتَلَبِّسِينَ بِالبَيِّناتِ لَكِنْ لا بِأنْ يَأْتِيَ كُلُّ رَسُولٍ بِبَيِّنَةٍ فَقَطْ بَلْ بِأنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ أوْ بِبَيِّناتٍ كَثِيرَةٍ خاصَّةٍ بِهِ مُعَيَّنَةٍ لَهُ حَسَبَ اقْتِضاءِ الحِكْمَةِ وإلى نَفْيِ إرادَةِ الإتْيانِ بِبَيِّنَةٍ وإرادَةِ الإتْيانِ بِبَيِّناتٍ كَثِيرَةٍ ذَهَبَ شَيْخُ الإسْلامِ ثُمَّ قالَ: فَإنَّ مُراعاةَ انْقِسامِ الآحادِ عَلى الآحادِ إنَّما هي في ضَمِيرَيْ (جاءوهُمْ) كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، ولَعَلَّ صَنِيعَنا أحْسَنُ مِن صَنِيعِهِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّ انْفِهامَ إرْسالِ كُلِّ رَسُولٍ إلى قَوْمِهِ مِن إضافَةِ القَوْمِ إلى ضَمِيرِ ﴿ رُسُلا ﴾ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ المُقْتَضِي لِانْقِسامِ الآحادِ عَلى الآحادِ ولا شَكَّ أنَّ انْفِهامَ مَجِيءِ كُلِّ رَسُولٍ قَوْمَهُ المَخْصُوصِينَ بِهِ تابِعٌ لِذَلِكَ وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ إذا اعْتَبِرَ مُقابَلَةُ الجَمْعِ بِالجَمْعِ في (جاءوهُمْ) بِالبَيِّناتِ وقِيلَ بِانْقِسامِ الآحادِ عَلى الآحادِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ رَسُولٍ بَيِّنَةٌ جاءَ بِها كَما أنَّ باعَ القَوْمُ دَوابَّهم لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القَوْمِ دابَّةٌ واحِدَةٌ باعَها فَإنَّ مَعْناهُ باعَ كُلٌّ مِنَ القَوْمِ ما لَهُ مِنَ الدَّوابِّ وهو يَعُمُّ الدّابَّةَ الواحِدَةَ وغَيْرَها وهَذا بِخِلافِ رَكْبِ القَوْمِ دَوابَّهم فَإنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِيهِ إرادَةُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الدَّوابِّ لِاسْتِحالَةِ رُكُوبِ الشَّخْصِ دابَّتَيْنِ مَثَلًا وقَدْ نَصَّ العَلّامَةُ أبُو القاسِمِ السَّمَرْقَنْدِيُّ في حَواشِيهِ عَلى المُطَوَّلِ أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ في مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ انْقِسامُ الآحادِ عَلى الآحادِ بِمَعْنى أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن أحَدِ الجَمْعَيْنِ واحِدٌ مِنَ الجَمْعِ الآخَرِ وهو ظاهِرٌ فِيما قُلْنا والمِعْوَلُ عَلَيْهِ في كَوْنِ الآيَةِ مِن قَبِيلِ المِثالِ الأوَّلِ أمْرٌ خارِجٌ فَإنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الرَّسُولَ الواحِدَ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَدْ جاءَ قَوْمَهُ بِبَيِّناتٍ فَوْقَ الواحِدَةِ ﴿ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ بَيانٌ لِاسْتِمْرارِ عَدَمِ إيمانِهِمْ في الزَّمانِ الماضِي أيْ فَما صَحَّ ولا اسْتَقامَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أنْ يُؤْمِنُوا لِشَدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ ومَزِيدِ عِنادِهِمْ، وضَمِيرُ الجَمْعِ هُنا لِلْقَوْمِ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ والباءُ فِيهِ صِلَةُ يُؤْمِنُوا و(ما) مَوْصُولَةٌ والمُرادُ بِها جَمِيعُ الشَّرائِعِ الَّتِي جاءَ بِها كُلُّ رَسُولٍ أُصُولِها وفُرُوعِها والمُرادُ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِها إصْرارُهم عَلى ذَلِكَ بَعْدَ اللتيا والَّتِي وبِتَكْذِيبِهِمْ مِن قَبْلِ تَكْذِيبِهِمْ مِن حِينَ مَجِيءِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلى زَمانِ الإصْرارِ والعِنادِ وهَذا بِناءً عَلى أنَّ المَحْكِيَّ آخِرُ أحْوالِهِمْ حَسْبَما يُشِيرُ إلَيْهِ حِكايَةُ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يُجْعَلْ التَّكْذِيبُ مَقْصُودًا بِالذّاتِ كَما جُعِلَ عَدَمُ إيمانِهِمْ كَذَلِكَ إيذانًا بِأنَّهُ بَيِّنٌ في نَفْسِهِ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ وإنَّما المُحْتاجُ إلَيْهِ عَدَمُ إيمانِهِمْ بَعْدَ تَواتُرِ البَيِّناتِ وتَظاهُرِ المُعْجِزاتِ الَّتِي كانَتْ تَضْطَرُّهم إلى القَبُولِ لَوْ كانُوا مِن أهْلِ العُقُولِ وإذا كانَ المَحْكِيُّ جَمِيعَ أحْوالِ أُولَئِكَ الأقْوامِ فالمُرادُ بِهَدْمِ إيمانِهِمُ المُفادِ بِالنَّفْيِ السّابِقِ كُفْرُهُمُ المُسْتَمِرُّ مِن حِينِ مَجِيءِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلى زَمانِ إصْرارِهِمْ وبِعَدَمِ إيمانِهِمُ المَفْهُومِ مِن جُمْلَةِ الصِّلَةِ كُفْرُهم قَبْلَ مَجِيءِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ويُرادُ حِينَئِذٍ مِنَ المَوْصُولِ أُصُولُ الشَّرائِعِ الَّتِي أجْمَعَتْ عَلَيْها الرُّسُلُ قاطِبَةً ودَعَوْا أُمَمَهم إلَيْها كالتَّوْحِيدِ ولَوازِمِهِ مِمّا يَسْتَحِيلُ تَبَدُّلُهُ وتَغَيُّرُهُ ومَعْنى تَكْذِيبِهِمْ بِذَلِكَ قَبْلَ مَجِيءِ رُسُلِهِمْ أنَّهم ما كانُوا أهْلَ جاهِلِيَّةٍ بِحَيْثُ لَمْ يَسْمَعُوا بِذَلِكَ قَطُّ بَلْ كَأنَّ كُلَّ قَوْمٍ يَتَسامَعُونَ بِهِ مِن بَقايا مَن قَبْلَهم فَيُكَذِّبُونَهُ ثُمَّ كانَتْ حالُهم بَعْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ كَحالِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ كَأنْ لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ أحَدٌ وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم لَمْ يَنْتَفِعُوا بِالبَعْثَةِ وكانَتْ حالُهم بَعْدَ البَعْثَةِ كَحالِهِمْ قَبْلَها في كَوْنِهِمْ أهْلَ جاهِلِيَّةٍ والأوَّلُ أوْلى، وتَخْصِيصُ التَّكْذِيبِ وعَدَمُ الإيمانِ بِما ذَكَرَ مِنَ الأُصُولِ لِظُهُورِ حالِ الباقِي بِدَلالَةِ النَّصِّ فَإنَّهم حِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الكافَّةُ فَلِأنْ لا يُؤْمِنُوا بِما تَفَرَّدَ بِهِ البَعْضُ أوْلى، وعَدَمُ جَعْلِ هَذا التَّكْذِيبِ مَقْصُودًا بِالذّاتِ لِأنَّ ما عَلَيْهِ يَدُورُ أمْرُ العَذابِ عِنْدَ اجْتِماعِ التَّكْذِيبِيِّنَ هو التَّكْذِيبُ الواقِعُ بَعْدَ البَعْثَةِ والدَّعْوَةِ حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا ﴾ وإنَّما ذَكَرَ ما وقَعَ قَبْلُ بَيانًا لِعَراقَتِهِمْ في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ وفَكَّكَ بَعْضُهم بَيْنَ الضَّمائِرِ فَقِيلَ: ضَمِيرُ ﴿ كانُوا ﴾ و(يُؤْمِنُوا) لِقَوْمِ الرُّسُلِ وضَمِيرُ ﴿ كَذَّبُوا ﴾ لِقَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْ ما كانَ قَوْمُ الرُّسُلِ لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبَ بِهِ قَوْمُ نُوحٍ أيْ بِمِثْلِهِ والمُرادُ بِهِ ما بَعَثَ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِإبْلاغِهِ.

وجُوِّزَ عَلى هَذا القَوْلِ أنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ نُوحٌ نَفْسُهُ أيْ ما كانَ قَوْمُ الرُّسُلِ لِيُؤْمِنُوا بِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ لَوْ آمَنُوا بِهِ آمَنُوا بِأنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعْلِ الباءِ سَبَبِيَّةً و(ما) مَصْدَرِيَّةً والمَعْنى كَذَّبُوا رُسُلَهم فَكانَ عِقابُهم مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ مِن قَبْلُ وأيَّدَهُ بِالآيَةِ الآتِيَةِ، وفِيهِ مُخالَفَةُ الجُمْهُورِ مِن جَعْلِ (ما) المَصْدَرِيَّةِ اسْمًا كَما هو رَأْيُ الأخْفَشِ وابْنِ السَّرّاجِ لِيَرْجِعَ الضَّمِيرُ إلَيْها وفي إرْجاعِهِ إلى الحَقِّ بِادِّعاءِ كَوْنِهِ مَرْكُوزًا في الأذْهانِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّعَسُّفِ وقِيلَ: (ما) مَوْصُوفَةٌ والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْضًا أوْ لِلْمُلابَسَةِ أيْ بِشَيْءٍ كَذَّبُوا بِهِ وهو العِنادُ والتَّمَرُّدُ وهو كَما تَرى.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ المُحَكِّمِ ﴿ نَطْبَعُ ﴾ فالإشارَةُ عَلى حَدِّ ما قَرَّرَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا ﴾ ونَظائِرُهُ مِمّا مَرَّ، وجَعْلُ الإشارَةِ إلى الإغْراقِ كَما فَعَلَ الخازِنُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والطَّبْعُ يُطْلَقُ عَلى تَأْثِيرِ الشَّيْءِ بِنَقْشِ الطّابَعِ وعَلى الأثَرِ الحاصِلِ عَنِ النَّقْشِ والخَتْمُ مِثْلُهُ في ذَلِكَ عَلى ما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ أيْضًا، وذَكَرَ أنَّهُ تَصَوُّرُ الشَّيْءِ بِصُورَةٍ ما كَطَبْعِ السِّكَّةِ وطَبْعِ الدَّراهِمِ وأنَّهُ أعَمُّ مِنَ الخَتْمِ وأخَصُّ مِنَ النَّقْشِ والأكْثَرُونَ عَلى تَفْسِيرِهِ بِالخَتْمِ مُرادًا بِهِ المَنعُ أيْ نَخْتِمُ ﴿عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ 74﴾ أيِ المُتَجاوِزِينَ عَنِ الحُدُودِ المَعْهُودَةِ في الكُفْرِ والعِنادِ ونَمْنَعُها لِذَلِكَ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ وسُلُوكِ سَبِيلِ الرَّشادِ وقَدْ جاءَ الطَّبْعُ بِمَعْنى الدَّنَسِ ومِنهُ طَبْعُ السَّيْفِ لِصَدَئِهِ ودَنَسِهِ وبَعْضُهم حَمَلَ ما في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، وفَسَّرَهُ المُعْتَزِلَةُ حَيْثُ وقَعَ مَنسُوبًا إلَيْهِ تَعالى بِالخِذْلانِ تَطْبِيقًا لَهُ عَلى مَذْهَبِهِمْ ومِن هُنا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهُ جارٍ مَجْرى الكِنايَةِ عَنْ عِنادِهِمْ ولَجاجِهِمْ لِأنَّ مَن عانَدَ وثَبَتَ عَلى اللَّجاجِ خَذَلَهُ اللَّهُ تَعالى ومَنَعَهُ التَّوْفِيقَ واللُّطْفَ فَلا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يَتَراكَمَ الرَّيْنُ والطَّبْعُ عَلى قَلْبِهِ، ومُرادُهُ كَما قِيلَ أنْ ﴿ نَطْبَعُ ﴾ بِمَعْنى نَخْذُلَ عَلى سَبِيلِ الاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ التَّبَعِيَّةِ لَكِنْ لَمّا كانَ الطَّبْعُ الَّذِي هو الخِذْلانُ تابِعًا لِعِنادِهِمْ ولَجاجِهِمْ لازِمًا لَهُما أُجْرِي مَجْرى الكِنايَةِ عَنْهُما وقُرِئَ (يَطْبَعُ) بِالياءِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ فإن لم تعتبروا بذلك، فاتْلُ عليهم، يعني: اقرأ عليهم خبر نوح في القرآن، إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ يعني: عظم وثَقُلَ عليكم مَقامِي يعني: طول مقامي فيكم وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ يعني: وعظي لكم بالله تعالى، وهو ما قال الله تعالى في سورة نوح: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً [نوح: 10] إلى قوله: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً [الملك: 3] الآية.

فلمَّا وعظهم بذلك أرادوا قتله، حين قَالُواْ: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ [الشعراء: 26] يعني: من المقتولين بالحجارة.

فقال لهم نوح: إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي فيكم وعظتي لكم فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ يقول: وثقت وفوَّضت أمري إلى الله تعالى، فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ يعني: كيدكم.

ويقال: قولكم، وعملكم وَشُرَكاءَكُمْ يعني: وادعوا شركاءكم ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً يقول: أظهروا أمركم فلا تكتموه، يعني: القتل.

وقال القتبِيُّ: الغمّ والغمّة واحد كما يقال: كُرْبَةٌ وكرب، يعني: لا يكون أمركم غمّاً عليكم ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ يعني: امضوا إليّ ويقال: اعملوا ما تريدون كقوله تعالى فَاقْضِ مَآ أَنْتَ قاضٍ [طه: 72] وَلا تُنْظِرُونِ يعني: ولا تمهلون.

يعني: اقضوا إليّ ما أنتم قاضون، واستعينوا بآلهتكم.

ويقال: اعملوا بما في أنفسكم من الشَّرِّ.

وروي عن نافع أنه قرأ: فَأَجْمِعُوا بالوصل وبالجزم، مِنْ جمعت.

وقرأ الباقون: فَأَجْمِعُوا بالقطع من الإجماع.

وقرأ الحسن البصريُّ، ويعقوب الحضرميّ: شركاؤكم بالرفع يعني: أين شركاؤكم ليجمعوا أمرهم معكم، ويعينوكم؟

فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ يعني: أعرضتم وأبيتم عن الإيمان، وأبيتم أن تقبلوا ما أتيتكم به، ونهيتكم عنه، فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ يعني: ما سألتكم بذلك أجراً في الدُّنيا ومعناه: إن أعرضتم عن الإيمان لا يضرُّني لأنِّي لا أطلب منكم بذلك أجرا في الدنيا، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يعني: وأُمرتُ أن أستقيم على التَّوحيد مع المسلمين.

قوله تعالى: فَكَذَّبُوهُ بالعذاب، بأنَّه غير نازلٍ بهم فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ من الغرق، وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ يعني: خلفاء من بعد هلاكِ كفّارهم، وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: أهلكنا الذين كذَّبوا نوحاً بما أتاهم به فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ يعني: كيف كان آخر أمرِ مَنْ أنذرهم الرُّسلُ فلم يؤمنوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بعدُ تعمُّ كلَّ من قال نحو هذا القول كالنّصارى، وسُبْحانَهُ معناه: «تنزيهاً له، وبراءةً من ذلك» فسَّره بهذا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

وقوله: إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا «إِنْ» نافيةٌ، والسلطانُ: الحُجَّة، وكذلك معناه حيث تكرَّر في القرآن، ثم وبَّخهم تعالى بقوله: أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ.

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ ...

الآية: توعُّد لهم بأنهم لا يظفرون ببُغْيَة، ولا يَبْقَوْن في نعمة، إِذ هذه حالُ مَنْ يصير إِلى العذاب، وإن نعّم في دنياه يسيرا.

وقوله تعالى: مَتاعٌ مرفوعٌ على خبر ابتداء أي: ذلك متاعٌ.

قال ص: مَتاعٌ جوابُ سؤالٍ مقدَّر، كأنه قيل: كيف لا يُفْلِحون، وهُمْ في الدنيا مفلحون بأنواعِ التلذُّذات؟!

فقيل: ذَلِكَ مَتَاعٌ، فهو خبر مبتدإٍ محذوف.

انتهى، وهذا الذي قدَّره ص: يُفْهَمُ من كلام ع «١» .

وقول نوح عليه السلام: يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي ...

الآية: المَقَامُ:

وقوف الرجل لكلامٍ أو خُطْبَةٍ أَو نحوه، والمُقَام- بضم الميم-: إِقامته ساكناً في موضعٍ أو بلدٍ، ولم يقرأ هنا بضَمِّ الميم فيما علمتُ، وتذكيره: وعظُه وزَجْره، وقوله: فَأَجْمِعُوا:

من أَجْمَعَ الرَّجُلُ عَلَى الشَّيْءِ، إِذا عزم عليه ومنه الحديثُ: ما لم يجمعْ مكثاً، وأَمْرَكُمْ: يريد به: قُدْرَتكُم وحِيَلكُمْ، ونصب «الشركاء» بفعل مضمر كأنه قال: وادعوا شَركَاءَكُمْ فهو مِنْ باب: [الرجز]

عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِدَا ...

حَتَّى شتت همّالة عيناها «٢»

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ نُوحٍ ﴿ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: إبْراهِيمَ وهُودًا وصالِحًا ولُوطًا وشُعَيْبًا.

﴿ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ ﴾ أيْ: بانَ لَهم أنَّهم رُسُلُ اللَّهِ.

﴿ فَما كانُوا ﴾ أيْ: أُولَئِكَ الأقْوامُ ﴿ لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ قَبْلَهم.

والمُرادُ: أنَّ المُتَأخِّرِينَ مَضَوْا عَلى سَنَنِ المُتَقَدِّمِينَ في التَّكْذِيبِ.

وقالَ مُقاتِلٌ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنَ العَذابِ مِن قَبْلِ نُزُولِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ نَطْبَعُ ﴾ أيْ: كَما طَبَعْنا عَلى قُلُوبٍ أُولَئِكَ، ﴿ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ ﴾ يَعْنِي المُتَجاوِزِينَ ما أُمِرُوا بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِن المُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ وجَعَلْناهم خَلائِفَ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ ﴾ المَعْنى: فَإنْ لَمْ تُقْبِلُوا عَلى دَعْوَتِي وكَفَرْتُمْ بِها وتَوَلَّيْتُمْ عنها، والتَوَلِّي أصْلُهُ بِالبَدَنِ، ويُسْتَعْمَلُ في الإعْراضِ عَنِ المَعانِي، يَقُولُ: فَأنا لَمْ أسْألُكم أجْرًا عَلى ذَلِكَ ولا مالًا فَيَقَعُ مِنكم قَطْعٌ لِي وتَقْصِيرٌ بِإرادَتِي وإنَّما أجْرِي عَلى الَّذِي بَعَثَنِي.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ-: "أجْرِي" بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ: "أجْرِيَ" بِفَتْحِ الياءِ الأعْرَجُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو.

وقالَ أبُو حاتِمٍ: هُما لُغَتانِ، والقِراءَةُ بِالإسْكانِ في كُلِّ القُرْآنِ، ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّ اللهَ أمَرَهُ بِالإسْلامِ والدِينِ الحَنِيفِ الَّذِي هو تَوْحِيدُ اللهِ والعَمَلُ بِطاعَتِهِ والإعْدادُ لِلِقائِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ الآيَةُ، إخْبارٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عن حالِ قَوْمِ نُوحٍ المُكَذِّبِينَ لَهُ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ الإخْبارِ تَوَعُّدٌ لِلْكُفّارِ بِمُحَمَّدٍ  وضَرْبُ المِثالِ لَهُمْ، أيْ: أنْتُمْ بِحالِ هَؤُلاءِ مِنَ التَكْذِيبِ فَسَتَكُونُونَ بِحالِهِمْ مِنَ النِقْمَةِ والتَعْذِيبِ، و"الفُلْكِ": السَفِينَةُ، والمُفَسِّرُونَ وأهَّلُ الآثارِ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ سَفِينَةَ نُوحٍ كانَتْ واحِدَةً، والفُلْكُ لَفْظُ الواحِدِ مِنهُ ولَفْظُ الجَمْعِ مُسْتَوٍ، ولَيْسَ بِهِ، وقَدْ مَضى شَرْحُ هَذا في "الأعْرافِ"، و"خَلائِفَ" حَمْعُ خَلِيفَةٍ، وقَوْلُهُ: "فانْظُرْ" مُخاطَبَةُ لِلنَّبِيِّ  يُشارِكُهُ في مَعْناها جَمِيعُ الخَلْقِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أغْرَقَ جَمِيعَ مَن كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ الَّتِي جاءَ بِها نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وهي مُقْتَضِيَةٌ أيْضًا أنَّهُ أنْذَرَهم فَكانُوا مُنْذَرِينَ، فَلَوْ كانُوا جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ كَما قالَ بَعْضُ الناسِ لاسْتَوى نُوحٌ ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ في البَعْثِ إلى أهْلِ الأرْضِ، ويَرُدُّ ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي"» الحَدِيثُ.

ويَتَرَجَّحُ بِهَذا النَظَرِ أنَّ بَعْثَةَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ والغَرَقَ إنَّما كانَ في أهْلِ صُقْعٍ لا في أهْلِ جَمِيعِ الأرْضِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ ثم ﴾ للتراخي الرتبي، لأن بعثة رسل كثيرين إلى أمم تَلقوهم بمثل ما تلقَّى به نوحاً قومه أعجب من شأن قوم نوح حيث تمالأت تلك الأمم على طريقة واحدة من الكفر.

وليست (ثم) لإفادة التراخي في الزمن للاستغناء عن ذلك بقوله: ﴿ من بعده ﴾ .

وقد أُبهم الرسل في هذه الآية.

ووقع في آيات أخرى التصريح بأنهم: هود وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب.

وقد يكون هنالك رسل آخرون كما قال تعالى: ﴿ ورسلاً لم نقصصهم عليك ﴾ [النساء: 164]، ويتعين أن يكون المقصود هنا من كانوا قبل موسى لقوله: ﴿ ثم بعثنا من بعدهم موسى ﴾ [يونس: 75].

وفي الآية إشارة إلى أن نوحاً أول الرسل.

والبينات: هي الحجج الواضحة الدلالة على الصدق.

والفاءُ للتعقيب، أي أظهروا لهم المعجزات بإثر إرسالهم.

والباء للملابسة، أي جاءوا قومهم مبلغين الرسالة ملابسين البينات.

وقد قوبل جمع الرسل بجمع (البينات) فكان صادقاً ببينات كثيرة موزعة على رسل كثيرين، فقد يكون لكل نبيء من الأنبياء آيات كثيرة، وقد يكون لبعض الأنبياء آية واحدة مثل آية صالح وهي الناقة.

والفاء في قوله: ﴿ فما كانوا ليؤمنوا ﴾ للتفريع، أي فترتب على ذلك أنهم لم يؤمنوا.

وصيغ النفي بصيغة لام الجحود مبالغة في انتفاء الإيمان عنهم بأقصى أحوال الانتفاء.

حتى كأنهم لم يوجدوا لأن يؤمنوا بما كذبوا به، أي لم يتزحزحوا عنه.

ودلت صيغة الجحود على أن الرسل حاولوا إيمانهم محاولة متكررة.

ودل قوله: ﴿ بما كذبوا به من قبل ﴾ أن هنالك تكذيباً بادروا به لرسلهم، وأنهم لم يقلعوا عن تكذيبهم الذي قابلوا به الرسل، لأن التكذيب إنما يكون لخبرِ مخبر فقوله: ﴿ فجاءهم بالبينات ﴾ مؤذن بحصول التكذيب فلما كذبوهم جاؤوهم بالبينات على صدقهم فاستمروا على التكذيب فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل.

وهذا من إيجاز الحذف لجمل كثيرة.

وهذا يقتضي تكرر الدعوة وتكرر البينات وإلا لما كان لقوله: ﴿ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ﴾ وقع لأن التكذيب الذي حصل أول مرة إذا لم يطرأ عليه ما من شأنه أن يقلعه كان تكذيباً واحداً منسياً.

وهذا من بلاغة معاني القرآن.

وبذلك يظهر وقع قوله عقبه ﴿ كذلك نطبع على قلوب المعتدين ﴾ فان الطبع مؤذن بأن قلوبهم قد ورد عليها ما لو خلت عند وروده عن الطبع عليها لكان شأنه أن يصل بهم إلى الإيمان، ولكن الطبع على قلوبهم حال دون تأثير البينات في قلوبهم.

وقد جُعل الطبع الذي وقع على قلوب هؤلاء مثلاً لكيفيات الطبع على قلوب المعتدين فقوله: ﴿ كذلك نطبع على قلوب المعتدين ﴾ ، أي مثل هذا الطبع العجيب نطبع على قلوب المعتدين فتأملوه واعتبروا به.

والطبع: الختم.

وهو استعارة لعدم دخول الإيمان قلوبهم.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ في سورة البقرة (7.

(والاعتداء: افتعال من عدا عليه، إذا ظلمه، فالمعتدين مرادف الظالمين، والمراد به المشركون لأن الشرك اعتداء، فإنهم كذبوا الرسل فاعتدوا على الصادقين بلمزهم بالكذب وقد جاء في نظير هذه الآية من سورة [الأعراف: 101] ﴿ كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين ﴾ فهذا التَّحالف للتفنّن في حكاية هذه العبرة في الموضعين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فاجْمَعُوا أمْرَكم وادْعُوا شُرَكاءَكم لِنُصْرَتِكم، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّانِي: فاجْمَعُوا أمْرَكم مَعَ شُرَكائِكم عَلى تَناصُرِكم، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَفي هَذا الإجْماعِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإعْدادُ.

الثّانِي: أنَّهُ العَزْمُ.

﴿ ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الغُمَّةَ ضِيقُ الأمْرِ الَّذِي يُوجِبُ الغَمَّ.

الثّانِي: أنَّهُ المُغَطّى، مِن قَوْلِهِمْ: قَدْ غُمَّ الهِلالُ إذا اسْتُتِرَ.

وَفي المُرادِ بِالأمْرِ ها هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: مَن يَدْعُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى.

الثّانِي: ما هم عَلَيْهِ مِن عَزْمٍ.

﴿ ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ثُمَّ انْهَضُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ما أنْتُمْ قاضُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: اقْضُوا إلَيَّ ما في أنْفُسِكم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَلا تُنْظِرُونِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولا تُؤَخِّرُونِي.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ يَعْنِي عَنِ الإيمانِ.

﴿ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ تَسْتَثْقِلُونَهُ فَتَمْتَنِعُونَ مِنَ الإجابَةِ لِأجْلِهِ، ﴿ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ ﴾ والثّانِي: فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنِ انْقَطَعَ عَنِّي ثَقُلَ عَلَيَّ.

﴿ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ ﴾ وقَدْ حَصَلَ بِالدُّعاءِ لَكم إنْ أجَبْتُمْ أوْ أبَيْتُمْ.

﴿ وَأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ أيْ مِنَ المُسْتَسْلِمِينَ لِأمْرِ اللَّهِ بِطاعَتِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ ﴾ قالَ ابْنْ عَبّاسٍ: كانَ في سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَمانُونَ رَجُلًا أحَدُهم جِرْهَمْ وكانَ لِسانُهُ عَرَبِيًّا، وحَمَلَ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فَكانَ أوَّلُ ما حَمَلَ الذَّرَّةَ وآخِرُ ما حَمَلَ الحَمّالُ ودَخَلَ مَعَهُ إبْلِيسُ يَتَعَلَّقُ بِذَنَبِهِ.

﴿ وَجَعَلْناهم خَلائِفَ ﴾ أيْ خَلَفًا لِمَن هَلَكَ بِالغَرَقِ.

﴿ وَأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ حَكى أبُو زُهَيْرٍ أنَّ قَوْمَ نُوحٍ عاشُوا في الطُّوفانِ أرْبَعِينَ يَوْمًا.

وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ الماءَ بَقِيَ بَعْدَ الغَرَقِ مِائَةً وخَمْسِينَ يَوْمًا، فَكانَ بَيْنَ أنْ أرْسَلَ اللَّهُ الطُّوفانَ إلى أنْ غاضَ الماءُ سِتَّةُ أشْهُرٍ وعَشَرَةُ أيّامٍ وذَلِكَ مِائَةٌ وتِسْعُونَ يَوْمًا.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ لَمّا مَضَتْ عَلى نُوحٍ أرْبَعُونَ لَيْلَةً فَتَحَ كُوَّةَ السَّفِينَةِ ثُمَّ أرْسَلَ مِنها الغُرابَ لِيَنْظُرَ ما فَعَلَ الماءُ فَلَمْ يَعُدْ، فَأرْسَلَ الحَمامَةَ فَرَجَعَتْ إلَيْهِ ولَمْ تَجِدْ لِرِجْلِها مَوْضِعًا، ثُمَّ أرْسَلَها بَعْدَ سَبْعَةِ أيّامٍ فَرَجَعَتْ حَيْثُ أمْسَتْ وفي فِيها ورَقَةُ زَيْتُونَةٍ فَعَلِمَ أنَّ الماءَ قَدْ قَلَّ عَلى الأرْضِ، ثُمَّ أرْسَلَها بَعْدَ سَبْعَةِ أيّامٍ فَلَمْ تَعُدْ فَعَلِمَ أنَّ الأرْضَ قَدْ بَرَزَتْ، وكانَ اسْتِواءُ السَّفِينَةِ عَلى الجُودِيِّ لِسَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مِنَ الشَّهْرِ السّابِعِ فِيما ذُكِرَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن الأعرج رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأجمعوا أمركم وشركاءكم ﴾ يقول: فاحكموا أمركم، وادعوا شركاءكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه ﴿ فأجمعوا أمركم وشركاءكم ﴾ أي فلتجمعوا أمرهم معكم.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ﴾ قال: لا يكبر عليكم أمركم، ثم اقضوا ما أنتم قاضون.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم اقضوا إليَّ ﴾ قال: انهضوا إليَّ ﴿ ولا تنظرون ﴾ يقول: ولا تؤخرون.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ ثم اقضوا إليَّ ﴾ قال: ما في أنفسكم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ ﴾ أي من بعد نوح، ﴿ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: إبراهيم وهودًا وصالحًا ولوطًا (١) (٢) ﴿ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ﴾ يريد بان لهم أنهم رسل الله، ﴿ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ أي: أولئك الأقوام الذين بُعث إليهم الرسل، ﴿ بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ ﴾ يعني قوم نوح، أي: لم يصدقوا بما كذب به قوم نوح [هذا معنى قول ابن عباس (٣) (٤) ثم قال: ﴿ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: أن الله طبع على قلوبهم فأعماها (٥) (٦) (٧) وقال بعضهم: يحتمل نظم الآية أن يقال فيه: إن الأمم كذبوا رسلهم قبل أن جاءوهم بالمعجزات فجاءوهم بالمعجزات، ﴿ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ ﴾ (٨) (٩) (١٠) (١١) (١) ساقط من (ى).

(٢) ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 49، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 555.

(٣) انظر: "تنوير المقباس" ص 217.

(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٥) في (م): (وأعماها)، والمثبت موافق لما في "الوسيط".

(٦) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 555.

(٧) في (ى): (طبع الله).

(٨) روي نحو هذا القول عن الكلبي كما في "بحر العلوم" 2/ 106، واعتمده ابن كثير 2/ 467، وانظر: "الدر المصون" 6/ 245.

(٩) في (ى): (إذا طبع).

(١٠) ما في (ي): (ممن طبع على قلبه).

(١١) يشير المؤلف إلى المعتزلة القائلين بأن الله لا يطبع على قلوب الكافرين طبعًا يمنعهم من الإيمان، بل المراد بذلك عندهم سواد في القلب ليكون سمة لهم == تعرفهم الملائكة بها، وقال بعضهم: الطبع هو شهادة الله بأنهم لا يؤمنون، وقال آخرون: هو تسمية الرب تعالى الكفرة بالكفر والضلال.

انظر: "مقالات الإسلاميين" 1/ 323، "الإرشاد إلى قواطع الأدلة" ص 192.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ متاع فِي الدنيا ﴾ تقديره: لهم متاع في الدنيا ﴿ نُوحٍ ﴾ روي أن اسمه عبد الغفار، وإنما سمي نوحاً لكثرة نوحه على نفسه من خوف الله ﴿ كَبُرَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي صعب وشق ﴿ مَّقَامِي ﴾ أي قيامي لوعظكم والكلام معكم، وقيل: معناه مكاني يعني نفسه، كقولك: فعلت ذلك لمكان فلان ﴿ فأجمعوا ﴾ بقطع الهمزة من أجمع الأمر إذا عزم عليه، وقرئ بألف وصل من الجمع ﴿ وَشُرَكَآءَكُمْ ﴾ أي ما تعبدون من دون الله، وإعرابه: مفعول معه، أو مفعول بفعل مضمر تقديره: ادعو شركاءكم، وهذا على القراءة بقطع الهمزة، وأما على الوصل فهو معطوف ﴿ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ﴾ أي لا يكون قصدكم إلى هلاكي مستوراً ولكن مكشوفاً تجاهرونني به وهو من قولك: غم الهلال إذا لم يظهر، والمراد بقوله: أمركم في الموضعين إهلاككم لنوح عليه السلام، أي: لا تقصروا في إهلاكي إن قدرتم على ذلك ﴿ ثُمَّ اقضوا إِلَيَّ ﴾ أي انفذوا فيما تريدون، ومعنى الآية أن نوحاً عليه السلام قال لقومه: إن صعب عليكم دعائي لكم إلى الله فاصنعوا بي غاية ما تريدون، وإني لا أبالي بكم لتوكلي على الله وثقتي به سبحانه ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ خلائف ﴾ أي يخلفون من هلك بالغرق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ شأن ﴾ بغير همز حيث كان: أبو عمرو غير شجاع والأعشى ويزيد والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يعزب ﴾ بالكسر حيث كان: علي.

الباقون بالضم.

﴿ ولا أصغر ﴾ ﴿ ولا أكبر ﴾ بالرفع فيهما: حمزة وخلف وسهل ويعقوب والمفضل.

الآخرون بالنصب.

الوقوف: ﴿ تفيضون فيه ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه ج لأن ﴿ الذين ﴾ يصلح صفة ﴿ لأولياء ﴾ ويصلح نصباً أو رفعاً على المدح فيوقف على ﴿ يتقون ﴾ أو مبتدأ خبره ﴿ لهم البشرى ﴾ فلا يوقف على ﴿ يتقون ﴾ ﴿ وفي الآخرة ﴾ ط ﴿ لكلمات الله ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ط لأنه لو وصل لأوهم أن الضمير عائد إلى ﴿ أولياء ﴾ وقول الأولياء لا يحزن الرسول.

﴿ قولهم ﴾ م لئلا يوهم أن قوله: ﴿ إن العزة ﴾ مقول الكفار.

﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ يخرصون ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه {  } ط ﴿ الغني ﴾ ط ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ بهذا ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ لا يفلحون ﴾ ه ط، ﴿ يكفرون ﴾ ه.

التفسير: لما بين فساد طريقة الكفار في عقائدهم وأحكامهم بيّن كونه  عالماً بعمل كل أحد وبما في قلبه من الدواعي والصوارف والرياء والإخلاص وغير ذلك فقال: ﴿ وما تكون ﴾ يا محمد ﴿ في شأن ﴾ أي أمر من الأمور.

وأصله الهمز بمعنى القصد من شأنت شأنه إذا قصدت قصده.

قال ابن عباس: أي في شأن من أعمال البر.

وقال الحسن: في شأن الدنيا وحوائجها و "ما" في ﴿ وما تكون ﴾ ﴿ وما تتلو ﴾ نافية والضمير في ﴿ منه ﴾ إما لله عز وجل أي نازل من عنده، وإما للشأن لأن تلاوة القرآن شأن من شؤون رسول الله  بل هو معظم شأنه ولهذا أفرد بالذكر كقوله: ﴿ وملائكته وجبريل وميكال  ﴾ وإما للقرآن والإضمار قبل الذكر تفخيم له كأنه قيل: وما تتلو من التنزيل من قرآن لأن كل جزء منه قرآن.

ثم عمم الخطاب فقال: ﴿ ولا تعملون ﴾ أيها المكلفون ﴿ من عمل ﴾ أيّ عمل كان ﴿ إلا كنا عليكم شهوداً ﴾ شاهدين رقباء والجمع للتعظيم أو لأن المراد الملائكة الموكلون ﴿ إذ تفيضون فيه ﴾ الإفاضة الشروع في العمل على جهة الانصباب والاندفاع ومنه قوله: ﴿ فإذا أفضتم من عرفات  ﴾ قيل: شهادة الله علمه فيلزم أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وجودها.

والجواب أن الشهادة علم خاص ولا يلزم منه امتناع تقدم العلم المطلق على الشيء كما لو أخبرنا الصادق أن زيداً يفعل كذا غداً فنكون عالمين بذلك لا شاهدين.

ثم زاد في التعميم فقال: ﴿ وما يعزب عن ربك ﴾ أي لا يبعد ولا يغيب ومنه كلأ عازب أي بعيد، والرجل العزب لبعده عن الأهل.

ومعنى ﴿ مثقال ذرة ﴾ قد مر في قوله: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة  ﴾ وذلك في سورة النساء.

والمقصود أنه لا يغيب عن علمه شيء أصلاً وإن كان في غاية الحقارة.

وإنما قال ههنا ﴿ في الأرض ولا في السماء ﴾ خلاف ما في سورة سبأ وهو المعهود في القرآن لأن الكلام سيق لشاهدته على شؤون أهل الأرض فناسب أن يقدم ذكر ما في الأرض، هذا بعد تسليم أن الواو تفيد الترتيب.

ثم بالغ في تعميم علمه فقال: ﴿ ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ﴾ من قرأ بالنصب على نفي الجنس أو بالرفع على الابتداء ليكون كلاماً برأسه فلا إشكال، وأما من جعله منصوباً معطوفاً على لفظ مثقال لأنه في موضع الجر بالفتح لامتناع الصرف، أو جعله مرفوعاً معطوفاً على محل ﴿ من مثقال ﴾ لأنه فاعل ﴿ يعزب ﴾ فأورد عليه الإشكال وهو أنه يصير تقدير الآية لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب، ويلزم منه أن يكون ذلك الشيء الذي في الكتاب خارجاً عن علم الله وإنه محال.

ويمكن أن يجاب عنه بأن الأشياء المخلوقة قسمان: قسم أوجده الله  ابتداء من غير واسطة كخلق الملائكة والسموات والأرض.

وقسم آخر أوجده بواسطة القسم الأول من حوادث عالم الكون والفساد، ولا شك أن هذا القسم الثاني متباعد في سلسة العلية والمعلولية عن مرتبة واجب الوجود، فالمراد من الآية أنه لا يبعد عن مرتبة وجوده شيء في الأرض ولا في السماء إلا هو في كتاب مبين.

وهو كتاب أثبت فيه صور تلك المعلومات، والغرض الرد على من يزعم أنه  غير عالم بالجزيئات.

أو نقول: إن الاستثناء منقطع بمعنى لكن هو في كتاب مبين.

وذكر أبو علي الجرجاني صاحب النظم إن "إلا" بمعنى الواو على أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿ ولا أكبر ﴾ ثم وقع الابتداء بكلام آخر فقال: ﴿ إلا في كتاب ﴾ أي وهو أيضاً في كتاب ﴿ مبين ﴾ والعرب تضع "إلا" موضع واو النسق كثيراً ومنه قوله: ﴿ إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم  ﴾ يعني ومن ظلم.

وقوله: ﴿ لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا ﴾ يعني والذين ظلموا.

ثم إنه لما بين إحاطته بجميع الأشياء وكان في ذلك تقوية قلوب المطيعين وكسر قلوب المذنبين أتبعها تفصيل حال كل فريق فقال: ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ الآية.

والتركيب يدل على القرب فكأنهم قربوا منه  لاستغراقهم في نور معرفته وجماله وجلاله.

قال أبو بكر الأصم: هم الذين تولى الله هدايتهم بالبرهان وتولوا القيام بحق عبوديته والدعوة إليه.

وقال المتكلمون: ولي الله من يكون آتياً بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل، ويكون آتياً بالأعمال الصالحة الواردة في الشريعة وعنوا بذلك قوله  في وصفهم ﴿ الذين آمنوا ﴾ وهو إشارة إلى كمال حال القوة النظرية.

﴿ وكانوا يتقون ﴾ وهو إشارة إلى كمال حال القوة العملية.

وههنا مقام آخر وهو أن يحمل الإيمان على مجموع الاعتقاد والعمل ويكون الولي متقياً في كل الأحوال، أما في موقف العلم فبأن يقدس ذاته عن أن يكون مقصوراً على ما عرفه أو يكون كما وصفه، وأما في مقام العمل فأن يرى عبوديته وعبادته قاصرة عما يليق بكبريائه وجلاله فيكون أبداً في الخوف والدهشة.

وأما نفي الخوف والحزن عنهم فقد مر تفسيره في أوائل سورة البقرة: وعن سعيد بن جبير أن رسول الله  سئل من أولياء الله؟

فقال: هم الذين يذكر الله برؤيتهم.

يعني أن مشاهدتهم تذكر أمر الآخرة لما فيهم من آثار الخشوع والإخبات والسكينة.

وعن عمر سمعت النبي  يقول: "إن من عباد الله عباداً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله.

قالوا: يا رسول الله أخبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبهم.

قال: هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ الآية" يحكى أن إبراهيم الخواص كان في البادية ومعه واحد يصحبه، فاتفق في بعض الليالي ظهور حالة قوية وكشف تام له فجلس في موضعه وجاءه السباع ووقفوا بالقرب منه والمريد تسلق على رأس شجرة خوفاً منها والشيخ كان فارغاً من تلك السباع، فلما أصبح زالت تلك الحالة.

ففي الليلة الثانية وقعت بعوضة على بدنه فأظهر الجزع من تلك البعوضة فقال المريد: كيف تليق هذه الحالة بما قبلها؟

فقال الشيخ: تحملنا البارحة ما تحملناه بسبب قوة الوارد الغيبي، فلما غاب ذلك الوارد فإنا أضعف خلق الله.

ثم أخبر الله  عنهم بأن ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ فقيل: بشراهم في الدنيا ما بشر الله به المؤمنين المتقين في غير مكان من كتابه ﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات  ﴾ ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات  ﴾ وقيل: إنها عبارة عن محبة الناس لهم وعن ذكرهم إياهم بالثناء الحسن.

عن أبي ذر  قلت: يا رسول الله إن الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس.

قال: تلك عاجل بشرى المؤمن.

والدليل العقلي عليه أن الكمال محبوب لذاته فكل من اتصف بصفة الكمال كان محبوباً لكل أحد إذا أنصفه ولم يحسده، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب في معرفة الله معرضاً عما سواه.

ونور الله مخدوم بالذات ففي أي قلب حصل كان مخدوماً بالطبع لما سوى الله.

وقيل: هي الرؤيا الصالحة.

وعنه  : "الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة" وسبب تخصيص هذا العدد أن النبي  استنبىء بعد أربعين سنة إلى كمال عمره - وهو ثلاث وستون سنة - وكان يأتيه الوحي أوّلاً بطريقة المنام ستة أشهر.

ونسبة هذه المدة إلى ثلاث وعشرين سنة التي هي جميع مدة الوحي نسبة الواحد إلى ستة وأربعين.

وأما أن الرؤيا الصادقة توجب لبشارة فلأنها دليل صفاء القلب واتصال النفس إلى عالم القدس والاطلاع على بعض ما هنالك.

وعن عطاء: البشرى في الدنيا هي البشارة عند الموت ﴿ تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة  ﴾ وأما البشرى في الآخرة فتلقي الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة وما يرون من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يقرأون منها إلى آخر أحوالهم في الجنة ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده وقد مر مثله في "الأنعام" ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين، وكلتا الجملتين اعتراض ولا يجب أن يقع بعد الاعتراض كلام.

تقول: فلان ينطق بالحق والحق أبلج، قال القاضي: ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ يدل على أنها قابلة للتبديل، وكل ما يقبل العدم امتنع أن يكون قديماً ومحل المنع ظاهر فإن نفي شيء عن شيء لا يلزم منه إمكانه له كقول الموحد: لا شريك لله.

ثم سلى رسوله عن صنيع الفريق المكذبين فقال: ﴿ ولا يحزنك ﴾ أو نقول: إنه كما أزال الحزن عنه في الآخرة بقوله: ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ أزال الحزن عنه في الدنيا بقوله: ﴿ ولا يحزنك قولهم ﴾ أي تكذيبهم لك وتهديدهم بالخدم والأموال وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك، وبالجملة كل ما يتكلمون به في شأنك من المطاعن والقوادح.

ثم استأنف قوله: ﴿ إن العزة لله ﴾ كأنه قيل: ما لي لا أحزن؟

فقيل: لأن العزة لله.

﴿ جميعاً ﴾ إن الغلبة والقهر له ولحزبه ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي  ﴾ وقرىء "أن" بالفتح لا على أنه بدل فإن ذلك يؤدي إلى أن القوم كانوا يقولون إن العزة لله جميعاً والرسول كان يحزنه ذلك وهذا كفر، بل لأن التقدير لأن العزة على صريح التعليل، وكان رسول الله  واثقاً بوعد الله  في جميع الأحوال وإن كان قد يقع في بعض الحروب والوقائع انكسار وهزيمة فإن الأمور بخواتيمها.

ثم أكد الوعد بقوله: ﴿ هو السميع العليم ﴾ يسمع ما يقولون ويعلم ما يدبرون فيكفيك شرهم.

ثم زاد في التأكيد مع إشارة إلى فساد عقيدة المشركين فقال: ﴿ ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض ﴾ فخصص ذوي العقول إما للتغليب وإما لأن الآية سيقت لبيان فساد عقائد أهل الشرك، فذكر أن العقلاء المميزين - وهم الملائكة والثقلان - كلهم عبيد له ولا يصلح أحد منهم لأن يكون شريكاً له فما وراءهم ممن لا يسمع ولا يعقل كالأصنام أولى بأن لا يكون نداً له.

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ وما يتبع ﴾ "ما" نافية ومفعول ﴿ يدعون ﴾ محذوف أي ليس يتبع ﴿ الذين يدعون من دون الله شركاء ﴾ شركاء في الحقيقة إنما هي أسماء لا مسميات لها لأن شركة الله في الربوبية محال.

وإنما حذف أحد المكررين للدلالة، فالأول مفعول ﴿ يدعون ﴾ والثاني مفعول ﴿ يتبع ﴾ ويجوز أن تكون "ما" استفهامية بمعنى أي شيء يتبعون.

و ﴿ شركاء ﴾ على هذا نصب بـ ﴿ يدعون ﴾ ولا حاجة إلى إضمار.

ويجوز أن تكون "ما" موصولة معطوفة على "من" كأنه قيل: ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء أي وله شركاؤهم.

ثم زاد في التأكيد فقال: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ وقد مر مثله في سورة الأنعام.

ثم ذكر طرفاً من آثار قدرته مع إشارة إلى بعض نعمه فقال: ﴿ هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ﴾ طلباً للراحة ﴿ والنهار مبصراً ﴾ ذا إبصار باعتبار صاحبه أي جعله مضيئاً لتهتدوا به في حوائجكم وهذان طرفان من منافع الليل والنهار ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ﴾ سماع تأمل وتدبر وقبول.

ثم حكى نوعاً آخر من أباطيلهم فقال: {قالوا اتخذ الله ولداً  } وقد مر في "البقرة".

ولما نزه نفسه عن اتخاذ الولد برهن على ذلك بقوله: ﴿ هو الغني ﴾ وتقريره أن الغنى التام يوجب امتناع كونه ذا أجزاء، وحصول الولد لا يتصور إلا بعد انفصال جزء منه يكون كالبذر بالنسبة إلى النبات، وأيضاً إنما يحتاج إلى الولد وإلى توليد المثل الذي يقوم مقامه من يكون بصدد الانقضاء والانقراض فالأزلي القديم لا يفتقر إلى الولد ولا يصح له مثل.

وأيضاً الغني لا يفتقر إلى الشهوة ولا إلى إعانة الولد، ولو صح أن يتولد منه مثله لصح أن يكون هو أيضاً متولداً من مثله ولا يشكل هذا بالولد الأول من الأشخاص الحيوانية فإن المدعي هو الصحة لا الوقوع.

ثم بالغ في البرهان فقال: ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ وإذا كان الكل ملكه وعبيده فلا يكون شيء منها ولداً له لأن الأب يساوي الابن في الطبيعة بخلاف المالك.

ثم زيف دعواهم الفاسدة فقال: ﴿ إن عندكم من سلطان بهذا ﴾ أي ما عندكم من حجة بهذا القول.

قال في الكشاف: والباء حقها أن تتعلق بقوله: ﴿ إن عندكم ﴾ على أن يجعل القول مكاناً للسلطان كقولك: ما عندكم بأرضكم موز.

كأنه قيل: إن عندكم فيما تقولون سلطان.

أقول: كأنه نظر إلى أن استعمال الباء بمعنى "في" أكثر منه بمعنى "على".

ثم وبخهم على القول بلا دليل ومعرفة فقال: ﴿ أتقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ .

ثم أوعدهم على افترائهم فقال: ﴿ قل إن الذين يفترون ﴾ الآية.

ثم بين أن ذلك المفتري إن فاز بشيء من المطالب العاجلة والمآرب الخسيسة من رياسة ظاهرة وغرض زائل فذلك ﴿ متاع قليل ﴾ في الدنيا.

ثم لا بد من الموت والرجوع إلى حكم الله ثم حصول الشقاء المؤبد والعذاب الأليم أعاذنا الله منه.

التأويل: ﴿ وما تكون في شأن ﴾ من النبوة ﴿ وما تتلوا ﴾ من شأن النبوة ﴿ من قرآن ﴾ ﴿ ولا تعملون ﴾ يا أمة محمد  ﴿ من عمل ﴾ من الأعمال من قبول القرن ورده من مثقال ذرة مما أظهر من حركة في أرض البشرية بعمل من أعمال الخير والشر.

﴿ ولا في السماء ﴾ أي في سماء القلوب بالنيات الصالحة والفاسدة ﴿ ولا أصغر ﴾ من الحركة وهو القصد دون الفعل ﴿ ولا أكبر ﴾ من النية وهو العمل ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ الذين هم أعداء النفوس ﴿ لا خوف عليهم ﴾ من تمني النظر بنفوسهم ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ على ما فاتهم من شهوات النفوس للعداوة القائمة بينهم ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا ﴾ بالوقائع والمبشرات ﴿ وفي الآخرة ﴾ بكشف القناع عن جمال العزة.

﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ لأحكامه الأزلية حيث قال للولي كن ولياً وللعدوّ كن عدواً ﴿ ولا يحزنك ﴾ يا رسول القلب قول مشركي النفوس في تزيين شهوات الدنيا ولذاتها في نظرك ﴿ إن العزة لله جميعاً ﴾ يعز من يشاء في الدنيا وفي الآخرة جميعاً فلا يمنعه نعيم الدنيا عن نعيم الآخرة بل ربما يعينه على الآخرة كما جاء في الحديث الرباني "وإن من عبادي من لا يصلحه الا الغنى فإن أفقرته يفسده ذلك" ﴿ ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض ﴾ أي القلوب السماوية والنفوس الأرضية ﴿ إن يتبعون إلا الظن ﴾ أي يظنون أنهم يتبعون شركاء الدنيا والهوى باختيارهم لا باختيارنا ﴿ هو الذي جعل لكم ﴾ ليل البشرية لتستريحوا فيه من تعب المجاهدات، وتزول عنكم الملالة والكلالة ونهار الروحانية ذا ضياء وبصيرة يبصر بها مصالح السلوك والترقي في المقامات ﴿ لقوم يسمعون ﴾ حقائق القرآن بسمع القلوب الواعية.

ثم أخبر عن الشبهات التي تقع في أثناء السلوك قالوا أي مشركو النفوس عند تجلي الروح بالخلافة في صفة الربوبية معترفاً بتجلي صفة إبداع الحق ومبدعة الروح مع كمال قربه واختصاصه بالحق عند بقاء تصرفات الخيال حتى تثبت الأبوة والبنوة بين الله وبين العبد، إذ البنوة أخص التعلقات بالوالد.

وهذا الكشف والابتداء هو مبتدأ ضلالة اليهود والنصارى ﴿ له ما في السموات ﴾ الروحانية من الكشوف والأحوال ﴿ وما في الأرض ﴾ البشرية من الوهم والخيال وما ينشأ من الشبهات والآفات ﴿ إن الذين يفترون ﴾ هم النفوس الأمارة بالسوء ﴿ لا يفلحون ﴾ لا يظفرون بكشف الحقائق {ثم نذيقهم لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا فأحسوا بالألم والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ ﴾ أي: خبره وحديثه، ﴿ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .

قال بعضهم: إن كان كبر عليكم طول مقامي ومكثي فيكم ودعائي إياكم إلى عبادة الله، والطاعة له، وتذكيري إياكم بآياته.

قال بعضهم: وتذكيري بعذابه بترككم إجابتي ودعائي.

ويحتمل قوله: ﴿ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي ﴾ بما ادعى من الرسالة، ﴿ وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ أي بحجج الله على ما ادعيت من الرسالة.

وفي قوله: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ ﴾ وجوه: أحدها: اتل منابذة نوح قومه وما أرادوا به من الكيد والمكر به.

والثاني: اذكر عواقب قوم نوح، وما حل بهم من سوء معاملتهم رسولهم.

والثالث: اذكر لهولاء عواقب متبعي قومه ومخالفيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ﴾ قال بعضهم: أي اجتمعوا أنتم وشركاؤكم ثم كيدوني ، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة، أي: اجعلوا ما تسرون من الكيد والمكر بي ظاهراً غير ملتبس ولا مشبه.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ ﴾ أي: أعدوا أمركم وادعوا شركاءكم؛ وكذلك روي في حرف أبي: (فاجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم).

﴿ ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ أي: اقضوا ما أنتم قاضون.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ﴾ أي: لا يكبر عليكم أمركم.

وقال الكسائي: هو من التغطية واللبس، أي: لا تغطوه ولا تلبسوه، اجعلوا كلمتكم ظاهرة واحدة.

وعن ابن عباس -  - قال: "لا يكن أمركم اغتماما عليكم"، أي: فرجوا عن أنفسكم؛ كقوله: ﴿ مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ...

﴾ الآية [الحج: 15].

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ أي: اعملوا بي ما تريدون ولا تنظرون؛ وهو كقوله: ﴿ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ  ﴾ .

وقال الكسائي: هو من الإنهاء والإبلاغ؛ وهو كقوله: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ...

﴾ الآية [الإسراء: 4] ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ  ﴾ ، أي: أنهينا إليه وأبلغنا إليه.

وقال أبو عوسجة: إن شئت جعلتها ظلمة فلا يبصرون أمرهم يعني غمّة، وإن شئت جعلتها شكا واشتقاق الغمة، من غم يغم غما أي غطى يغطي، تقول: غممت رأسه أي غطيته، ﴿ ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ ﴾ أي: افعلوا بي ما أردتم وفي قول نوح لقومه: ﴿ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ...

﴾ إلى قوله: ﴿ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ ، وقول هود: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ  ﴾ ، وقول رسول الله: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ  ﴾ دلالة إثبات رسالتهم؛ لأنهم قالوا ذلك لقومهم وهم بين أظهرهم، ولم يكن معهم أنصار ولا أعوان؛ دل أنهم إنما قالوا ذلك اعتماداً على الله واتكالا بمعونته ونصرته إياهم.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ ﴾ أي: فافرغوا إلى يقال [قضى] فرغ؛ وهو قول أبي بكر الأصم.

وقال بعضهم: ثم اقضوا إلي أن امضوا إلي كقوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ  ﴾ و ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ  ﴾ ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ ﴾ : التولي اسم لأمرين: اسم للإعراض والإدبار؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ ، واسم للإقبال والقبول أيضاً؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ...

﴾ الآية [المائدة: 56] ونحوه، فهاهنا يحتمل الأمرين جميعاً، أي: فإن توليتم أي أقبلتم وقبلتم ما أعرضه عليكم وأدعوكم إليه، ﴿ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ ﴾ أي: ما أجري إلا على الله.

وإن كان في الإعراض فكأنه يقول: كيف أعرضتم عن قبوله، ولم أسألكم على ذلك أجراً فيكون لكم عذر في الإعراض والرد؟!

كقوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً ﴾ الآية [الطور: 40]، أي: لم أسألكم على ما أعرضه عليكم وأدعوكم إليه غرما حتى يثقل عليكم ذلك الغرم، فيمنعكم ثقل الغرم عن الإجابة، ففي هذه الآية وغيرها دلالة منع أخذ الأجر على تعليم القرآن والعلم؛ لأنه لو جاز أخذ الأجر على ذلك لكان لهم عذر ألا يبذلوا ذلك ولا يتعلموا شيئاً من ذلك، وفي ذلك هدم شرائع الله وإسقاطها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ أي: مسلماً نفسي إلى الله، أي: سالماً، لا أجعل لأحد سواه فيها حقا ولا حظا، أو أمرت أن أكون من المخلصين [لله] والخاضعين له؛ هو يحتمل ذلك كله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ يعني: نوحاً كذبه قومه فيما ادعى من الرسالة، أو ما آتاهم من الآيات، أو ما أوعدهم من العذاب بتكذيبهم إياه.

﴿ فَنَجَّيْنَاهُ ﴾ يعني نوحاً، ﴿ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ ﴾ أي: من ركب معه الفلك من المؤمنين.

﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ ﴾ يحتمل خلائف خلفاء في الأرض وسكاناً يخلف بعضهم بعضا، ويحتمل جعلناهم خلائف أي خلف قوم أهلكوا واستؤصلوا بالتكذيب.

﴿ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ : يحتمل الآيات الحجج والبراهين التي أقامها على ما ادعى من الرسالة.

ويحتمل قوله: ﴿ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ العذاب الذي أوعدهم بتكذيبهم إياه فيما وعد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ ﴾ : كان أنذر الفريقين جميعاً المؤمن والكافر جميعاً؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ  ﴾ فإذا كان ما ذكرنا فيكون تأويله: فانظر كيف كان عاقبة من أجاب ومن لم يجب: عاقبة من أجاب الثواب، وعاقبة من لم يجب العذاب.

ويحتمل المنذرين الذين لم يقبلوا الإنذار ولم يجيبوا، أي: انظر كيف كان عاقبتهم بالهلاك والاستئصال، ويكون تأويل قوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ  ﴾ أي: إنما يقبل الإنذار من اتبع الذكر، أو إنما ينتفع بالإنذار من اتبع الذكر، أو أما من لم يتبع الذكر لم ينتفع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً ﴾ أي: من بعد نوح رسلا إلى قومهم، أي: بعثنا إلى كل قوم رسولا، لا أنه بعث الرسل جملة إلى قومهم، ولكن واحداً على أثر واحد.

﴿ فَجَآءُوهُمْ بِٱلْبَيِّنَٰتِ ﴾ : يحتمل البينات الحجج والبراهين التي أقاموها على ما ادعوا من الرسالة والنبوة.

ويحتمل البينات بيان ما عليهم أن يأتوا ويتقوا.

ويحتمل البينات بما أخبروهم وأنبئوا قومهم بالعذاب أنه نازل بهم في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ قال بعضهم: ما كان كفار مكة ليؤمنوا وليصدقوا بالآيات والبيانات كما لم يصدق به أوائلهم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ أي: قبل بعث الرسل، ففيه دلالة أن أهل الفترة يؤاخذون بالتكذيب في حال الفترة.

ويحتمل قوله: ﴿ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ أي: من قبل إتيان البينات، أي: ما كانوا ليؤمنوا بعدما جاءوا بالبينات بما كذبوا به من قبل مجيء البينات.

﴿ كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ ﴾ أي: هكذا نطبع على قلوب أهل مكة كما طبعنا على قلوب أوائلهم؛ إذ علم أنهم لا يقبلون الآيات ولا يؤمنون بها، والاعتداء هو الظلم مع العناد والمجاوزة عن الحد الذي جعل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ هو يخرج على وجهين؛ أحدهما: ما كانوا ليؤمنوا بالبينات إذا جاءتهم البينات على السؤال، وهكذا عادتهم أنهم لا يؤمنون بالآيات إذا أتتهم على السؤال.

والثاني: ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا على علم منهم أنها آيات وأنه رسول؛ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ثم بعد مدة من الزمن بعثنا من بعد نوح رسلًا إلى أقوامهم، فجاء الرسل أممهم بالآيات والبراهين، فما كانت لهم إرادة أن يؤمنوا بسبب إصرارهم السابق على تكذيب الرسل، فختم الله على قلوبهم.

مثل هذا الختم الَّذي ختمنا به على قلوب أتباع الرسل الماضين نختم به على قلوب الكافرين المتجاوزين لحدود الله بالكفر في كل زمان ومكان.

<div class="verse-tafsir" id="91.kN18g"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله