تفسير الآية ٨١ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٨١ من سورة يونس

فَلَمَّآ أَلْقَوْا۟ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ ٱلسِّحْرُ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُۥٓ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ ٨١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 55 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٨١ من سورة يونس من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٨١ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

فعند ذلك قال موسى لما ألقوا : ( ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون ) .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عمار بن الحارث ، حدثنا عبد الرحمن - يعني الدشتكي - أخبرنا أبو جعفر الرازي ، عن ليث - وهو ابن أبي سليم - قال : بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله تعالى ، تقرأ في إناء فيه ماء ، ثم يصب على رأس المسحور : الآية التي من سورة يونس : ( فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين)

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما ألقوا ما هم ملقوه ، قال لهم موسى: ما جئتم به السحر.

* * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة الحجاز والعراق ( مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ ) على وجه الخبر من موسى عن الذي جاءت به سحرة فرعون ، أنه سحرٌ.

كأن معنى الكلام على تأويلهم: قال موسى: الذي جئتم به أيّها السحرة ، هو السحر.

* * * وقرأ ذلك مجاهد وبعض المدنيين والبصريين: (مَا جِئْتُمْ بِهِ آلسِّحْرُ) على وجه الاستفهام من موسى إلى السحرة عما جاؤوا به، أسحر هو أم غيره؟

(2) * * * قال أبو جعفر: وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب ، قراءة من قرأه على وجه الخبر لا على الاستفهام، لأن موسى صلوات الله وسلامه عليه ، لم يكن شاكا فيما جاءت به السحرة أنه سحر لا حقيقة له ، فيحتاج إلى استخبار السحرة عنه ، أي شيء هو؟

وأخرى أنه صلوات الله عليه قد كان على علم من السحرة، إنما جاء بهم فرعون ليغالبوه على ما كان جاءهم به من الحق الذي كان الله آتاه، فلم يكن يذهب عليه أنهم لم يكونوا يصدِّقونه في الخبر عمّا جاءوه به من الباطل، فيستخبرهم أو يستجيز استخبارهم عنه، ولكنه صلوات الله عليه أعلمهم أنه عالم ببطول ما جاؤوا به من ذلك بالحق الذي أتاه ، (3) ومبطلٌ كيدهم بحَدِّه .

(4) وهذه أولى بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأخرى.

* * * فإن قال قائل: فما وجه دخول الألف واللام في " السحر " إن كان الأمر على ما وصفت ، وأنت تعلم أن كلام العرب في نظير هذا أن يقولوا: " ما جاءني به عمرو درهمٌ ، والذي أعطاني أخوك دينار " ، ولا يكادون أن يقولوا (5) : الذي أعطاني أخوك الدرهم ، وما جاءني به عمرو الدينار؟

قيل له: بلى، كلام العرب إدخال " الألف واللام " في خبر " ما " و " الذي" إذا كان الخبر عن معهود قد عرفه المخاطَب والمخاطِب، بل لا يجوز إذا كان ذلك كذلك إلا بالألف واللام، لأنّ الخبر حينئذ خبرٌ عن شيء بعينه معروف عند الفريقين، وإنما يأتي ذلك بغير " الألف واللام " ، (6) إذا كان الخبر عن مجهول غير معهود ولا مقصود قصدَ شيء بعينه، فحينئذ لا تدخل الألف واللام في الخبر.

(7) وخبرُ موسى كان خبرًا عن معروف عنده وعند السحرة، وذلك أنها كانت نسبت ما جاءهم به موسى من الآيات التي جعلها الله عَلَمًا له على صدقه ونبوته ، إلى أنه سحرٌ، فقال لهم موسى: السحرُ الذي وصفتم به ما جئتكم به من الآيات أيها السحرة، هو الذي جئتم به أنتم ، لا ما جئتكم به أنا.

ثم أخبرهم أن الله سيبطله.

فقال: (إن الله سيبطله) ، يقول: سيذهب به، فذهب به تعالى ذكره ، بأن سلط عليه عصا موسى قد حوّلها ثعبانًا يتلقَّفه ، حتى لم يبق منه شيء ، (إن الله لا يصلح عمل المفسدين) ، يعني: أنه لا يصلح عمل من سعى في أرض الله بما يكرهه ، وعمل فيها بمعاصيه.

(8) * * * وقد ذكر أن ذلك في قراءة أبي بن كعب: (مَا أَتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ).

* * * وفي قراءة ابن مسعود: (مَا جِئْتُمْ بِهِ سِحْرٌ) ، (9) وذلك مما يؤيد قراءة من قرأ بنحو الذي اخترنا من القراءة فيه.

----------------------- الهوامش : (2) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 475 ، وفيه تفصيل مفيد .

(3) في المخطوطة : " ما جاؤوا به من ذلك الحق الذي أتاه " ، وأرجح أن ناسخ المخطوطة قد أسقط شيئًا من الكلام ، ولكن ما في المطبوعة يؤدي عن معناه ، وذلك بزيادة الباء في " بالحق " ، وإن كانت الجملة عندي ضعيفة .

(4) في المطبوعة : " بجده " بالجيم ، والصواب بالحاء .

و " الحد " الشدة والبأس والسطوة .

(5) هكذا في المخطوطة " لا يكادون أن يقولوا " ، وبعد " يقولوا " حرف " ط " دلالة على الخطأ ، وليس خطأ .

وقد عقد ابن هشام في شواهد التوضيح لمشكلات الجامع الصحيح : 98 - 102 ، فصلا جيدًا في وقوع خبر " كاد " مقرونا به " أن " ، وذكر شواهده في الحديث وفي الشعر ، واحتج لذلك أحسن الاحتجاج .

(6) في المطبوعة والمخطوطة أسقط " واللام " .

(7) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 475 .

(8) انظر تفسير " الإفساد " فيما سلف من فهارس اللغة ( فسد ) .

(9) انظر هاتين القراءتين في معاني القرآن للفراء 1 : 475 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين قوله تعالى فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر تكون ( ما ) في موضع رفع بالابتداء ، والخبر ( جئتم به ) والتقدير : أي شيء جئتم به ، على التوبيخ والتصغير لما جاءوا به من السحر .

وقراءة أبي عمرو " آلسحر " على الاستفهام على إضمار مبتدأ والتقدير أهو السحر .

ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر محذوف ، التقدير : السحر جئتم به .

ولا تكون ( ما ) على قراءة من استفهم بمعنى الذي ، إذ لا خبر لها .

وقرأ الباقون ( السحر ) على الخبر ، ودليل هذه القراءة قراءة ابن مسعود : " ما جئتم به سحر " .

وقراءة أبي : " ما أتيتم به سحر " ; ف ( ما ) بمعنى الذي ، و ( جئتم به ) الصلة ، وموضع ( ما ) رفع بالابتداء ، و ( السحر ) خبر الابتداء .

ولا تكون ( ما ) إذا جعلتها بمعنى ( الذي ) نصبا لأن الصلة لا تعمل في الموصول .

وأجاز الفراء نصب السحر بجئتم ، وتكون ( لا ) للشرط ، و ( جئتم ) في موضع جزم بما والفاء محذوفة ; التقدير : فإن الله سيبطله .

ويجوز أن ينصب ( السحر ) على المصدر ، أي ما جئتم به سحرا ، ثم دخلت الألف واللام زائدتين ، فلا يحتاج على هذا التقدير إلى حذف الفاء .

واختار هذا القول النحاس ، وقال : حذف الفاء في المجازاة لا يجيزه كثير من النحويين إلا في ضرورة الشعر ; كما قال :من يفعل الحسنات الله يشكرها[ ص: 276 ] بل ربما قال بعضهم : إنه لا يجوز ألبتة .

وسمعت علي بن سليمان يقول : حدثني محمد بن يزيد قال حدثني المازني قال سمعت الأصمعي يقول : غير النحويون هذا البيت ، وإنما الرواية :من يفعل الخير فالرحمن يشكرهوسمعت علي بن سليمان يقول : حذف الفاء في المجازاة جائز .

قال : والدليل على ذلك وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم .

وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم قراءتان مشهورتان معروفتان .

إن الله لا يصلح عمل المفسدين يعني السحر .

قال ابن عباس : من أخذ مضجعه من الليل ثم تلا هذه الآية .

ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين لم يضره كيد ساحر .

ولا تكتب على مسحور إلا دفع الله عنه السحر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{‏فَلَمَّا أَلْقَوْا‏}‏ حبالهم وعصيهم، إذا هي كأنها حيات تسعى، فـ ‏{‏قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ‏}‏ أي‏:‏ هذا السحر الحقيقي العظيم، ولكن مع عظمته ‏{‏إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ‏}‏ فإنهم يريدون بذلك نصر الباطل على الحق، وأي فساد أعظم من هذا‏؟‏‏!‏‏!‏ وهكذا كل مفسد عمل عملاً، واحتال كيدًا، أو أتى بمكر، فإن عمله سيبطل ويضمحل، وإن حصل لعمله روجان في وقت ما، فإن مآله الاضمحلال والمحق‏.‏ وأما المصلحون الذين قصدهم بأعمالهم وجه الله تعالى، وهي أعمال ووسائل نافعة، مأمور بها، فإن الله يصلح أعمالهم ويرقيها، وينميها على الدوام، فألقى موسى عصاه، فتلقفت جميع ما صنعوا، فبطل سحرهم، واضمحل باطلهم‏.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر ) قرأ أبو عمرو وأبو جعفر : " آلسحر " بالمد على الاستفهام ، وقرأ الآخرون بلا مد ، يدل عليه قراءة ابن مسعود " ما جئتم به سحر " بغير الألف واللام .

( إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فلما ألقوا» حبالهم وعصيهم «قال موسى ما» استفهامية مبتدأ خبره «جئتم به السحر» بدل وفي قراءة بهمزة واحدة إخبار فما اسم موصول مبتدأ «إن الله سيبطله» أي سيمحقه «إن الله لا يصلح عمل المفسدين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فلما ألقَوا حبالهم وعصيَّهم قال لهم موسى: إنَّ الذي جئتم به وألقيتموه هو السحر، إن الله سيُذْهب ما جئتم به وسيُبطله، إن الله لا يصلح عمل مَن سعى في أرض الله بما يكرهه، وأفسد فيها بمعصيته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( فَلَمَّآ أَلْقُواْ ) أى : فلما ألقى السحرة حبالهم وعصيهم .( قَالَ ) لهم ( موسى ) على سبيل السخرية مما صنعوه .( مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ إِنَّ الله لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المفسدين ) أى : قال لهم موسى : أيها السحرة ، إن الذي جئتم به هو السحر بعينه ، وليس الذي جئت به أنا مما وصفه فرعون وملؤه بأنه سحر مبين .وإن الذى جئتم به سيمحقه الله ويزيل أثره من النفوس عن طريق ما أمرنى الله به - سبحانه - من إلقاء عصاى ، فقد جرت سنته - سبحانه - أنه لايصلح عمل الذين يفسدون فى الأرض ولا يصلحون وصنيعكم هذا هو من نوع الإِفساد وليس من نوع الإِصلاح .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا الكلام غني عن التفسير وفيه سؤال واحد، وهو أن القوم لما قالوا: ﴿ إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ فكيف حكى موسى عليه السلام أنهم قالوا: ﴿ أَسِحْرٌ هذا ﴾ على سبيل الاستفهام؟

وجوابه: أن موسى عليه السلام ما حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿ أَسِحْرٌ هذا ﴾ بل قال: ﴿ أَتقُولُونَ لِلْحَقّ لَمَّا جَاءكُمْ ﴾ ما تقولون، ثم حذف عنه مفعول ﴿ أَتَقُولُونَ ﴾ لدلالة الحال عليه، ثم قال مرة أخرى ﴿ أَسِحْرٌ هذا ﴾ وهذا استفهام على سبيل الإنكار، ثم احتج على أنه ليس بسحر، وهو قوله: ﴿ وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون ﴾ يعني أن حاصل صنعهم تخييل وتمويه ﴿ وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون ﴾ وأما قلب العصا حيّة وفلق البحر، فمعلوم بالضرورة أنه ليس من باب التخييل والتمويه؛ فثبت أنه ليس بسحر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مّن بَعْدِهِمْ ﴾ من بعد الرسل ﴿ بئاياتنا ﴾ بالآيات التسع ﴿ فاستكبروا ﴾ عن قبولها، وهو أعظم الكبر أن يتهاون العبيد برسالة ربهم بعد تبينها، ويتعظموا عن تقبلها ﴿ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ ﴾ كفاراً ذوي آثام عظام، فلذلك استكبروا عنها واجترءوا على ردّها ﴿ فَلَمَّا جَاءهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا ﴾ فلما عرفوا أنه هو الحق، وأنه من عند الله، لا من قبل موسى وهارون ﴿ قالوا ﴾ لحبهم الشهوات ﴿ إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ وهم يعلمون أنّ الحق أبعد شيء من السحر الذي ليس إلاّ تمويهاً وباطلاً.

فإن قلت: هم قطعوا بقولهم: ﴿ إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ على أنه سحر، فكيف قيل لهم: أتقولون أسحر هذا؟

قلت: فيه أوجه: أن يكون معنى قوله: ﴿ أَتقُولُونَ لِلْحَقّ ﴾ أتعيبونه وتطعنون فيه.

وكان عليكم أن تذعنوا له وتعظموه، من قولهم: فلان يخاف القالة، وبين الناس تقاول إذا قال بعضهم لبعض ما يسوؤه، ونحو القول: الذكر، في قوله: ﴿ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ ﴾ [الأنبياء: 60] ثم قال: ﴿ أَسِحْرٌ هذا ﴾ فأنكر ما قالوه في عيبه والطعن عليه، وأن يحذف مفعول أتقولون وهو ما دلّ عليه قولهم: ﴿ إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ كأنه قيل: أتقولون ما تقولون، يعني قولهم: إن هذا لسحر مبين، ثم قيل: أسحر هذا؟

وأن يكون جملة قوله: ﴿ أَسِحْرٌ هذا وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون ﴾ حكاية لكلامهم، كأنهم قالوا: أَجئتما بالسحر تطلبان به الفلاح ﴿ وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون ﴾ كما قال موسى للسحرة: ما جئتم به آلسحر، إنّ الله سيبطله ﴿ لِتَلْفِتَنَا ﴾ لتصرفنا.

واللفت والفتل: أخوان، ومطاوعهما الالتفات والانفتال ﴿ عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا ﴾ يعنون عبادة الأصنام ﴿ وَتَكُونَ لَكُمَا الكبرياء ﴾ أي الملك؛ لأن الملوك موصوفون بالكبر.

ولذلك قيل للملك الجبار، ووصف بالصيد والشوس، ولذلك وصف ابن الرقيات مصعباً في قوله: مُلْكُهُ مُلْكُ رَأْفَةٍ لَيْسَ فِيه ** جَبَرُوتٌ مِنْهُ وَلاَ كُبْرِيَاءُ ينفي ما عليه الملوك من ذلك.

ويجوز أن يقصدوا ذمّهما وأنهما إن ملكا أرض مصر تجبرا وتكبرا، كما قال القبطي لموسى عليه السلام: إن تريد إلاّ أن تكون جباراً في الأرض ﴿ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ﴾ أي مصدّقين لكما فيما جئتما به.

وقرئ: ﴿ يطبع ﴾ ويكون لكما، بالياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا ﴾ لِتَصْرِفَنا واللَّفْتُ والفَتْلُ أخَوانِ.

﴿ عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ﴾ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ.

﴿ وَتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ ﴾ المُلْكُ فِيها سُمِّيَ بِها لِاتِّصافِ المُلُوكِ بِالكِبْرِ، أوِ التَّكَبُّرِ عَلى النّاسِ بِاسْتِتْباعِهِمْ.

﴿ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ ﴾ بِمُصَدِّقِينَ فِيما جِئْتُما بِهِ.

﴿ وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكُلِّ « سَحّارٍ» .

﴿ عَلِيمٍ ﴾ حاذِقٍ فِيهِ.

﴿ فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١)

{فَلَمَّا جَاء السحرة قَالَ لَهُمْ موسى أَلْقُواْ مَا أَنتُمْ مُّلْقُونَ فَلَمَّا أَلْقُواْ قَالَ موسى مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر} ما موصولة واقعة مبتدأ وجئتم به صلها والسحر خبر أي الذي جئتم به هو السحر لا الذي سماه فرعون وقومه سحراً من آيات الله آلسحر بعد وقف أبو عمروعلى الاستفهام فعلى هذه القراءة استفهامية أيْ أيّ شيء جئتم به أهو السحر {إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ} يظهر بطلانه {إِنَّ الله لا يصلح عمل المفسدين} لا يثبته بل يدمره

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَلَمّا ألْقَوْا ﴾ ما ألْقَوْا مِنَ العِصِيِّ والحِبالِ واسْتَرْهَبُوا النّاسَ وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴿ قالَ ﴾ لَهم ﴿ مُوسى ﴾ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِمْ وبِما صَنَعُوا ﴿ ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ ﴾ (ما) مَوْصُولَةٌ وقَعَتْ مُبْتَدَأً و(السِّحْرُ) خَبَرٌ وألْ فِيهِ لِلْجِنْسِ والتَّعْرِيفِ لِإفادَةِ القَصْرِ إفْرادًا أيِ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ هو السِّحْرُ لا الَّذِي سَمّاهُ فِرْعَوْنُ ومَلَؤُهُ مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى سِحْرًا وهو لِلْجِنْسِ ونُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ ألْ لِلْعَهْدِ لِتَقَدُّمِ السِّحْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ هَذا لَسِحْرٌ ﴾ ورَدَ بِأنَّ شَرْطَ كَوْنِها لِلْعَهْدِ اتِّحادُ المُتَقَدِّمِ والمُتَأخِّرِ ذاتًا كَما في ﴿ أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا ﴾ ﴿ فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ﴾ ولا اتِّحادَ فِيما نَحْنُ فِيهِ فَإنَّ السِّحَرالمُتَقَدِّمَ ما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهَذا ما جاءَ بِهِ السَّحَرَةُ ومِنَ النّاسِ مَن مَنَعَ اشْتِراطَ الِاتِّحادِ الذّاتِيِّ مُدَّعِيًا أنَّ الِاتِّحادَ في الجِنْسِ كافٍ فَقَدْ قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والسَّلامُ عَلَيَّ ﴾ إنَّ ألْ لِلْعَهْدِ مَعَ أنَّ السَّلامَ الواقِعَ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرُ السَّلامِ الواقِعِ عَلى يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ ذاتًا والظّاهِرُ اشْتِراطُ ذَلِكَ وعَدَمُ كِفايَةِ الِاتِّحادِ في الجِنْسِ وإلّا لَصَحَّ في رَأيْتُ رَجُلًا وأكْرَمْتُ الرَّجُلَ إذا كانَ الأوَّلُ زَيْدًا والثّانِي عَمْرًا مَثَلًا أنْ يُقالَ: إنَّ ألْ لِلْعَهْدِ لِأنَّ الِاتِّحادَ في الجِنْسِ ظاهِرٌ ولَمْ نَجِدْ مَن يَقُولُهُ بَلْ لا أظُنُّ أحَدًا تُحَدِّثُهُ نَفْسُهُ بِذَلِكَ وما في الآيَةِ مِن هَذا القَبِيلِ بَلِ المُغايِرَةُ بَيْنَ المُتَقَدِّمِ والمُتَأخِّرِ أظْهَرُ إذِ الأوَّلُ سِحْرٌ ادِّعائِيٌّ والثّانِي حَقِيقِيٌّ و(السَّلامُ) فِيما قَلَوْا مُتَحِدٌّ، وتَعَدُّدُ مَن وقَعَ عَلَيْهِ لا يَجْعَلُهُ مُتَعَدِّدًا في العُرْفِ والتَّدْقِيقُ الفَلْسَفِيُّ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ في مِثْلِ ذَلِكَ.

وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ القَوْلَ بِكَوْنِ التَّعْرِيفِ لِلْعَهْدِ مَعَ دَعْوى اسْتِفادَةِ القَصْرِ مِنهُ مِمّا يَتَنافَيانِ لِأنَّ القَصْرَ إنَّما يَكُونُ إذا كانَ التَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ نَعَمْ إذا لَمْ يُرِدْ بِالنَّكِرَةِ المَذْكُورَةِ أوَّلًا مُعَيَّنَ ثُمَّ عُرِّفَتْ لا يُنافِي التَّعْرِيفُ الجِنْسِيَّةَ لِأنَّ النَّكِرَةَ تُساوِي تَعْرِيفَ الجِنْسِ فَحِينَئِذٍ لا يُنافِي تَعْرِيفُ العَهْدِ القَصْرَ وإنْ كانَ كَلامُهم يُخالِفُهُ ظاهِرًا فَلْيُحَرَّرِ انْتَهى.

وأقُولُ: دَعْوى الفَرّاءِ العَهْدَ هُنا مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ ولَعَلَّهُ أرادَ الجِنْسَ وإنْ عَبَّرَ بِالعَهْدِ بِناءً عَلى ما ذَكَرَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في هَمْعِ الهَوامِعِ نَقْلًا عَنِ ابْنِ عُصْفُورٍ أنَّهُ قالَ: لا يَبْعُدُ عِنْدِي أنْ يُسَمّى الألِفُ واللّامُ اللَّتانِ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ عَهْدِيَّتَيْنِ لِأنَّ الأجْناسَ عِنْدَ العُقَلاءِ مَعْلُومَةٌ مُذْ فَهِمُوها والعَهْدُ تُقَدِّمُ المَعْرِفَةَ.

وادَّعى أبُو الحَجّاجِ يُوسُفُ بْنُ مَعْزُوزٍ أنَّ ألْ لا تَكُونُ إلّا عَهْدِيَّةً وتَأوَّلَهُ بِنَحْوِ ما ذَكَرَ إلّا أنَّ ظاهِرَ التَّعْلِيلِ لا يُساعِدُ ذَلِكَ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (سِحْرٌ) بِالتَّنْكِيرِ وأُبَيٌّ (ما أتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ) والكَلامُ عَلى ذَلِكَ مُفِيدٌ لِلْقَصْرِ أيْضًا لَكِنْ بِواسِطَةِ التَّعْرِيضِ لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿ إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ وجُوِّزَ في (ما) في جَمِيعِ هَذا القِراءاتِ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً و(السِّحْرُ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ (آلسِّحْرُ) بِقَطْعِ الألِفِ ومَدِّها عَلى الِاسْتِفْهامِ فَما اسْتِفْهامِيَّةٌ مَرْفُوعَةٌ عَلى الِابْتِداءِ و ﴿ جِئْتُمْ بِهِ ﴾ خَبَرُها و(السِّحْرُ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ شَيْءٌ جَسِيمٌ جِئْتُمْ بِهِ أهُوَ السِّحْرُ أوِ السِّحْرُ هُوَ، وقَدْ يُجْعَلُ السِّحْرُ بَدَلًا مِن (ما) كَما تَقُولُ ما عِنْدَكَ أدِينارٌ أمْ دِرْهَمٌ، وقَدْ تُجْعَلُ (ما) نَصْبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُقَدَّرُ بَعْدَها أيْ أيُّ شَيْءٍ أتَيْتُمْ بِهِ و ﴿ جِئْتُمْ بِهِ ﴾ مُفَسِّرٌ لَهُ وفي (السِّحْرُ) الوَجْهانِ الأوَّلانِ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأً والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ أيْ أهُوَ السِّحْرُ أوِ السِّحْرُ هو خَبَرُهُ وفِيهِ الإخْبارُ بِالجُمْلَةِ الإنْشائِيَّةِ ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ لِأنَّ ما لا يَعْمَلُ لا يُفَسِّرُ عامِلًا.

﴿ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ﴾ أيْ سَيَمْحَقُهُ بِالكُلِّيَّةِ بِما يُظْهِرُهُ عَلى يَدَيْ مِنَ المُعْجِزَةِ فَلا يَبْقى لَهُ أثَرٌ أصْلًا أوْ سَيَظْهَرُ بُطْلانُهُ وفَسادُهُ لِلنّاسِ والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ 81﴾ أيْ جِنْسَهم عَلى الإطْلاقِ فَيَدْخُلُ فِيهِ السَّحَرَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمُفْسِدِينَ المُخاطَبُونَ فَيَكُونُ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالإفْسادِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِتَعْلِيلِ ما قَبْلَها وتَأْكِيدِهِ والمُرادُ بِعَدَمِ إصْلاحِ ذَلِكَ عَدَمُ إثْباتِهِ أوْ عَدَمُ تَقْوِيَتِهِ بِالتَّأْيِيدِ الإلَهِيِّ لا عَدَمُ جَعْلِ الفاسِدِ صالِحًا لِظُهُورِ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَكُونُ أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُثْبِتُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ ولا يُدِيمُهُ بَلْ يُزِيلُهُ ويَمْحَقُهُ أوْ لا يُقَوِّيهِ ولا يُؤَيِّدُهُ بَلْ يُظْهِرُ بُطْلانَهُ ويَجْعَلُهُ مَعْلُومًا.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ السِّحْرَ إفْسادٌ وتَمْوِيهٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في إطْلاقِ القَوْلِ بِأنَّ السِّحْرَ لا حَقِيقَةَ لَهُ بَحْثًا، والحَقُّ أنَّ مِنهُ ما لَهُ حَقِيقَةٌ ومِنهُ ما هو تَخَيُّلٌ باطِلٌ ويُسَمّى شَعْبَذَةً وشَعْوَذَةً <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ أي: من بعد هلاك قوم نوح رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ، مثل: هود، وصالح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، عليهم السلام فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني: بالأمر والنهي.

ويقال: بالآيات والعلامات، فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ قال مقاتل: يعني: ما كان كُفَّار مكة ليصدِّقوا بالعذاب أنه نازل بهم، كما لم يصدق به أوائلهم من قبل كفار مكة.

وقال الكَلْبِي: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ عند الميثاق، حين أخرجهم من صلب آدم.

وقال: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا يعني: أُولئك القوم ما بعد دعاهم الرُّسل بما كذبوا به مِن قَبْلِ أَن يأتيهم الرُّسل كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ يعني: نختم على قلوبهم المتجاوزين من الحلال وإلى الحرام.

ويقال: صار تكذيبهم طبعاً على قلوبهم، فمنعهم عن الإيمان.

قوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ أي: من بعد الرُّسل مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ بِآياتِنا التّسع ثم قال: فَاسْتَكْبَرُوا يعني: تكبَّروا عن الإيمان وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ يعني: مشركين.

قوله تعالى: فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ يعني: ظهر لهم الحقُّ مِنْ عِنْدِنا من عند الله تعالى قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ يعني: الَّذي أتيتنا به كذب بيّن قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وفي الآية مضمر، ومعناه: أتقولون للحق لما جاءكم إنَّه سحر؟

ثمَّ قال: أسِحْرٌ هذا؟

يعني: أيكون مثل هذا سحراً؟

فليس ذلك بسحر، ولكنَّ ذلك علامة النّبوّة، وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ في الدُّنيا والآخرة.

ويقال: لا ظفر لهم.

قوله تعالى: قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا يعني: قال فرعون وقومه لموسى أَجِئْتَنا؟

يعني: لتصرفنا، وتصدنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا يقول: عما كان يعبد آباؤنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ يعني: السُّلطان والشَّرف والمُلْكُ فِي الْأَرْضِ، يعني: في أرض مصر وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ يعني: بمصدِّقين بأنّكما رسولا ربِّ العالمين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وفي مصحفِ أبيٍّ: «فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ، وادعوا شُرَكَاءَكُمْ» قال الفارسيُّ «١» : وقد ينتصب «الشركاء» ب «واو مع» كما قالوا: جَاءَ البَرْدُ وَالطَّيَالِسَةَ «٢» .

وقوله: ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً: أيْ: ملتبساً مشكلاً ومنه قوله عليه السلام في الهلال: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُم» .

وقوله: ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ: أي: أنفذوا قضاءكُمْ نَحْوِي، ولا تؤخّروني، والنّظرة: التأخير.

فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (٧٥)

وقوله سبحانه: فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ: مضَى شرح هذه المعاني.

وقوله سبحانه: فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ: مخاطبة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم يشاركُه في معناها جميعُ الخَلْق.

وقوله سبحانه: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ: الضمير في مِنْ بَعْدِهِ عائدٌ عَلى نوحٍ عليه السلام.

وقوله تعالى: فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ: معنى هذه الآية ضرب المثل لحاظري نبِيِّنا محمَّد عليه السلام ليعتبروا بمَنْ سلف، والبينات المعجزات، والضمائر في فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا وفي كَذَّبُوا تعود الثلاثةُ على قوم الرسل، وقيل: الضمير في كذَّبوا يعود على «قوم نوح» وقد تقدَّم تفسير نظيرها «في الأعراف» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ يَعْنِي الرُّسُلَ الَّذِينَ أُرْسِلُوا بَعْدَ نُوحٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ الساحِرُونَ ﴾ ﴿ قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ ﴾ يُرِيدُ بِـ"الحَقُّ" آيَتَيِ العَصا واليَدِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهم عِنْدَهُما: "هَذا سِحْرٌ"، ولَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ إلّا عِنْدَهُما، ولا تَعاطَوْا إلّا مُقاوَمَةَ العَصا فَهي مُعْجِزَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ الَّتِي وقَعَ فِيها عَجْزُ المُعارِضِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لَسِحْرٌ مُبِينٌ"، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والأعْمَشُ: "لَساحِرٌ مُبِينٌ".

ثُمَّ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: ﴿ أسِحْرٌ هَذا ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو حِكايَةٌ مِن مُوسى عنهم عَلى مَعْنى أنَّ قَوْلَهم كانَ: "أسِحْرٌ هَذا؟"، ثُمَّ اخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ: "أسِحْرٌ هَذا؟" فَقالَ بَعْضُهُمْ: قالَها مِنهم كُلُّ مُسْتَفْهِمٍ جاهِلٍ بِالأمْرِ فَهو يَسْألُ عنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ يُضَعِّفُهُ ما ذَكَرَ اللهُ قَبْلُ عنهم مِن أنَّهم صَمَّمُوا عَلى أنَّهُ سِحْرٌ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ .

وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ قالُوا ذَلِكَ عَلى مَعْنى التَعْظِيمِ لِلسِّحْرِ الَّذِي رَأوهُ بِزَعْمِهِمْ، كَما تَقُولُ لِفَرَسٍ تَراهُ يُجِيدُ الجَرْيَ: "أفَرَسٌ هَذا؟" عَلى مَعْنى التَعَجُّبِ مِنهُ والِاسْتِغْرابِ وأنْتَ قَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ فَرَسٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ غَيْرُ هاتَيْنِ: لَيْسَ ذَلِكَ حِكايَةً مِن مُوسى عنهُمْ، بَلِ القَوْلُ الَّذِي حَكاهُ عنهم مُقَدَّرٌ تَقْدِيرُهُ: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم سِحْرٌ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أو نَحْوُ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ، ثُمَّ ابْتَدَأ يُوقِفُهم بِقَوْلِهِ: "أسِحْرٌ هَذا؟" عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، ثُمَّ أخْبَرَهم عَنِ اللهِ تَعالى أنَّ الساحِرِينَ لا يُفْلِحُونَ ولا يَظْفَرُونَ بِبُغْيَةٍ، ومِثْلُ هَذا التَقْدِيرِ المَحْذُوفِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: فَلَمّا لَبِسْنَ اللَيْلَ أو حِينَ نَصَّبَتْ ∗∗∗ لَهُ مِن خَذا آذانِها وهو جانِحُ يُرِيدُ: أو حِينَ قارَبْنَ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ  ﴾ ، المَعْنى: بَعَثْناهم لِيَسْؤُوا، ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ شائِعٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا أجِئْتَنا ﴾ الآيَةُ، المَعْنى: قالَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ لِمُوسى: أجِئْتَنا لِتَصْرِفَنا وتَلْوِيَنا وتَرُدَّنا عن دِينِ آبائِنا؟

يُقالُ: "لَفَتَ الرَجُلُ عَنِ الآخَرِ" إذا لَواهُ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ:التَفَتَ، فَإنَّهُ افْتَعَلَ مِن لَفَتْ عُنُقَهُ، ومِنهُ قَوْلً رُؤْبَةَ: لَفْتًا وتَهْزِيعًا سَواءَ اللَفْتِ ∗∗∗ ∗∗∗.......................

وقَرَأ السَبْعَةُ سِوى أبِي عَمْرٍو -فَإنَّهُ اخْتُلِفَ عنهُ-: "وَتَكُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وهي قِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ -فِيما زَعَمَ خارِجَةُ وإسْماعِيلُ -: "وَيَكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وعن عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

و"الكِبْرِياءُ": مَصْدَرٌ مَبالَغٌ مِنَ الكِبْرِ، والمُرادُ بِهِ -فِي هَذا المَوْضِعِ- المُلْكُ، وكَذَلِكَ قالَ فِيهِ مُجاهِدٌ، والضَحّاكُ، وأكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ، لِأنَّهُ أعْظَمُ تَكَبُّرِ الدُنْيا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: سُؤْدُدًا غَيْرَ فاحِشٍ لا يُدا ∗∗∗ ∗∗∗ نِيهِ تَجْبارُهُ ولا كِبْرِياءُ وَقَوْلُهُ: "بِمُؤْمِنِينَ" أيْ: بِمُصَدِّقِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الكلام على جملة: ﴿ قالوا أجئتنا ﴾ مثل الكلام على جملة: ﴿ قال موسى أتقولون ﴾ [يونس: 77].

والاستفهام في ﴿ أجئتنا ﴾ إنكاري، بنَوا إنكارهم على تخطئة موسى فيما جاء به، وعلى سوء ظنهم به وبهارون في الغاية التي يتطلبانها مما جاء به موسى.

وإنما واجهوا موسى بالخطاب لما تقدم من أنه الذي باشر الدعوة وأظهر المعجزة، ثم أشركاه مع أخيه هارون في سوء ظنهم بهما في الغاية من عملهما.

و ﴿ تلْفِتَنَا ﴾ مضارع لَفَتَ من باب ضرَب متعدياً: إذا صرف وجهه عن النظر إلى شيء مقابل لوجهه.

والفعل القاصر منه ليس إلا لا لمطاوعة.

يقال: التفت.

وهو هنا مستعمل مجازاً في التحويل عن العمل أو الاعتقاد إلى غيره تحويلاً لا يبقى بعده نظر إلى ما كان ينظره، فأصله استعارة تمثيلية ثم غلبت حتى صارت مساوية الحقيقة.

وقد جمعت صلة ﴿ ما وجدنا عليه آباءنا ﴾ كل الأحوال التي كان آباؤهم متلبسين بها.

واختير التعبير ب ﴿ وَجدنا ﴾ لما فيه من الإشارة إلى أنهم نشأوا عليها وعقلوها، وذلك مما يكسبهم تعلقاً بها، وأنها كانت أحوال آبائهم وذلك مما يزيدهم تعلقاً بها تبعاً لمحبة آبائهم لأن محبة الشيء تقتضي محبة أحواله وملابساته.

وفي ذلك إشارة إلى أنها عندهم صواب وحق لأنهم قد اقتدوا بآبائهم كما قال تعالى: ﴿ وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمَّة وإنَّا على آثارهم مقتدون ﴾ [الزخرف: 23].

وقال عن قوم إبراهيم عليه السلام: ﴿ قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين ﴾ [الأنبياء: 53، 54]، وقد جاءهم موسى لقصد لفتهم عما وجدوا عليه آباءهم فكان ذلك محل الإنكار عندهم لأن تغيير ذلك يحسبونه إفساداً ﴿ قال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ﴾ [الأعراف: 127].

والإتيان بحرف (على) للدلالة على تمكن آبائهم من تلك الأحوال وملازمتهم لها.

وعطف ﴿ وتكون لكما الكبرياء ﴾ على الفعل المعلَّل به، والمعطوف هو العلة في المعنى لأنهم أرادوا أنهم تفطنوا لغرض موسى وهارون في مجيئهما إليهم بما جاءوا به، أي أنهما يحاولان نفعاً لأنفسهما لا صلاحاً للمدعوين، وذلك النفع هو الاستحواذ على سيادة مصر بالحيلة.

والكبرياء: العظمة وإظهار التفوق على الناس.

والأرض: هي المعهودة بينهم، وهي أرض مصر، كقوله: ﴿ يريد أن يخرجكم من أرضكم ﴾ [الأعراف: 110].

ولما كانوا ظنوا تطلبهما للسيادة أتوا في خطاب موسى بضمير المثنى المخاطب لأن هارون كان حاضراً فالتفتوا عن خطاب الواحد إلى خطاب الاثنين.

وإنَّما شرّكوا هارون في هذا الظن من حيث إنه جاء مع موسى ولم يباشر الدعوة فظنوا أنه جاء معه لينال من سيادة أخيه حظاً لنفسه.

وجملة: ﴿ وما نحن لكما بمؤمنين ﴾ عطف على جملة: ﴿ أجئتنا ﴾ .

وهي في قوة النتيجة لتلك الجملة بما معها من العلة، أي لما تبين مقصدكما فما نحن لكما بمؤمنين.

وتقديم ﴿ لكما ﴾ على متعلَّقه لأن المخاطبين هما الأهم من جملة النفي لأن انتفاء إيمانهم في زعمهم كان لأجل موسى وهارون إذ توهموهما متطلبي نفع لأنفسهما.

فالمراد من ضمير التثنية ذاتاهما باعتبار ما انطويا عليه من قصد إبطال دين آباء القبط والاستيلاء على سيادة بلادهم.

وصيغت جملة: ﴿ وما نحن لكما بمؤمنين ﴾ اسمية دون أن يقولوا وما نؤمن لكُما لإفادة الثبات والدوام وأن انتفاء إيمانهم بهما متقرر متمكن لا طماعية لأحد في ضده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِتَلْوِينا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: لِتَصُدَّنا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: لِتَصْرِفَنا، مِن قَوْلِهِمْ لَفَتَهُ لَفْتًا إذا صَرَفَهُ ومِنهُ لَفَتَ عُنُقَهُ أيْ لَواها، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

﴿ وَتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: المُلْكُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: العَظَمَةُ، حَكاهُ الأعْمَشُ.

الثّالِثُ: العُلُوُّ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.

الرّابِعُ: الطّاعَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن الأعرج رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأجمعوا أمركم وشركاءكم ﴾ يقول: فاحكموا أمركم، وادعوا شركاءكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه ﴿ فأجمعوا أمركم وشركاءكم ﴾ أي فلتجمعوا أمرهم معكم.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ﴾ قال: لا يكبر عليكم أمركم، ثم اقضوا ما أنتم قاضون.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم اقضوا إليَّ ﴾ قال: انهضوا إليَّ ﴿ ولا تنظرون ﴾ يقول: ولا تؤخرون.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ ثم اقضوا إليَّ ﴾ قال: ما في أنفسكم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ ﴾ ، (ما) هاهنا موصولة بمعنى (الذي) وهي مرتفعة بالابتداء وخبرها (السحر)، قال الفراء: وإنما قال: ﴿ السِّحْرُ ﴾ بالألف واللام؛ لأنه جواب لكلام (١) ﴿ هَذَا سِحْرٌ ﴾ (٢) (٣) قال أبو بكر: فوجب دخول الألف واللام؛ لأن النكرة إذا عادت عادت معرفة، يقول الرجل لمخاطبه: لقيت رجلاً، فيقول له: من الرجل؟

فيعيده بالألف واللام، ولو قال له من رجل؟

لم يقع في وهمه أنه يسأله عن الرجل الذي ذكره له (٤) وقرأ أبو عمرو (آلسحر) بالاستفهام (٥) ﴿ جِئْتُمْ بِهِ ﴾ في موضع الخبر كأن قيل: أي شيء جئتم به؟

ثم قال على وجه التقرير والتوبيخ (آلسحر)؟

كقوله تعالى: ﴿ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ  ﴾ ونحوه كثير، و (آلسحر) بدل من المبتدأ، ولزم أن يلحقه الاستفهام ليساوي المبدل منه في أنه استفهام، كما تقول: كم مالك؟

أعشرون أم ثلاثون؟

فجعلت (أعشرون) بدل من كم، ولا يلزم أن يضمر للسحر خبر؛ لأنك (٦) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ﴾ سيهلكه ويظهر فضيحة صاحبه، ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ أي: لا يجعله ينفعهم؛ لأن معنى إصلاح العمل تقويمه على ما ينفع بدلا بما يضر.

(١) من (م) وفي بقية النسخ: (الكلام)، والصواب ما أثبته وهو موافق للمصدر.

(٢) ورد قولهم هذا في قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ  ﴾ .

(٣) اهـ.

كلام الفراء، انظر: "معاني القرآن" 1/ 475.

(٤) ذكره الرازي في "تفسيره" 17/ 142، لكنه لم ينسبه لابن الأنباري، بل أدخله ضمن قول الفراء.

(٥) انظر: كتاب "السبعة" ص 328، "إرشاد المبتدي" ص 365، "النشر" 1/ 378، "إتحاف فضلاء البشر" ص 253.

(٦) في (ح) و (ز): (خبرًا أنك) وهو خطأ.

(٧) في (ح) و (ز): (أنزلت) وهو خطأ.

(٨) انظر هذا التوجيه للقراءة في: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 290.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً ﴾ يعني: هوداً وصالحاً وإبراهيم وغيرهم ﴿ أَسِحْرٌ هذا ﴾ قيل إنه معمول أتقولون، فهو من كلام قوم فرعون وهذا ضعيف، لأنهم كانوا يصممون على أنه سحر لقولهم: ﴿ إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ فكيف يستفهمون عنه.

وقيل: إنه كلام موسى تقريراً وتوبيخاً فيوقف على قوله: ﴿ أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ﴾ ، ويكون معمول أتقولون محذوف تقديره: أتقولون للحق لما جاءكم إنه لسحر، ويدل على هذا المحذوف ما حكى عنهم من قولهم: إن هذا لسحر مبين، فلما تم الكلام ابتدأ موسى توبيخهم بقوله: أسحر هذا ولا يفلح الساحرون؟

وهذا هو اختيار شيخنا الأستاذ أبي جعفر ابن الزبير رحمه الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ شأن ﴾ بغير همز حيث كان: أبو عمرو غير شجاع والأعشى ويزيد والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يعزب ﴾ بالكسر حيث كان: علي.

الباقون بالضم.

﴿ ولا أصغر ﴾ ﴿ ولا أكبر ﴾ بالرفع فيهما: حمزة وخلف وسهل ويعقوب والمفضل.

الآخرون بالنصب.

الوقوف: ﴿ تفيضون فيه ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه ج لأن ﴿ الذين ﴾ يصلح صفة ﴿ لأولياء ﴾ ويصلح نصباً أو رفعاً على المدح فيوقف على ﴿ يتقون ﴾ أو مبتدأ خبره ﴿ لهم البشرى ﴾ فلا يوقف على ﴿ يتقون ﴾ ﴿ وفي الآخرة ﴾ ط ﴿ لكلمات الله ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ط لأنه لو وصل لأوهم أن الضمير عائد إلى ﴿ أولياء ﴾ وقول الأولياء لا يحزن الرسول.

﴿ قولهم ﴾ م لئلا يوهم أن قوله: ﴿ إن العزة ﴾ مقول الكفار.

﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ يخرصون ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه {  } ط ﴿ الغني ﴾ ط ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ بهذا ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ لا يفلحون ﴾ ه ط، ﴿ يكفرون ﴾ ه.

التفسير: لما بين فساد طريقة الكفار في عقائدهم وأحكامهم بيّن كونه  عالماً بعمل كل أحد وبما في قلبه من الدواعي والصوارف والرياء والإخلاص وغير ذلك فقال: ﴿ وما تكون ﴾ يا محمد ﴿ في شأن ﴾ أي أمر من الأمور.

وأصله الهمز بمعنى القصد من شأنت شأنه إذا قصدت قصده.

قال ابن عباس: أي في شأن من أعمال البر.

وقال الحسن: في شأن الدنيا وحوائجها و "ما" في ﴿ وما تكون ﴾ ﴿ وما تتلو ﴾ نافية والضمير في ﴿ منه ﴾ إما لله عز وجل أي نازل من عنده، وإما للشأن لأن تلاوة القرآن شأن من شؤون رسول الله  بل هو معظم شأنه ولهذا أفرد بالذكر كقوله: ﴿ وملائكته وجبريل وميكال  ﴾ وإما للقرآن والإضمار قبل الذكر تفخيم له كأنه قيل: وما تتلو من التنزيل من قرآن لأن كل جزء منه قرآن.

ثم عمم الخطاب فقال: ﴿ ولا تعملون ﴾ أيها المكلفون ﴿ من عمل ﴾ أيّ عمل كان ﴿ إلا كنا عليكم شهوداً ﴾ شاهدين رقباء والجمع للتعظيم أو لأن المراد الملائكة الموكلون ﴿ إذ تفيضون فيه ﴾ الإفاضة الشروع في العمل على جهة الانصباب والاندفاع ومنه قوله: ﴿ فإذا أفضتم من عرفات  ﴾ قيل: شهادة الله علمه فيلزم أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وجودها.

والجواب أن الشهادة علم خاص ولا يلزم منه امتناع تقدم العلم المطلق على الشيء كما لو أخبرنا الصادق أن زيداً يفعل كذا غداً فنكون عالمين بذلك لا شاهدين.

ثم زاد في التعميم فقال: ﴿ وما يعزب عن ربك ﴾ أي لا يبعد ولا يغيب ومنه كلأ عازب أي بعيد، والرجل العزب لبعده عن الأهل.

ومعنى ﴿ مثقال ذرة ﴾ قد مر في قوله: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة  ﴾ وذلك في سورة النساء.

والمقصود أنه لا يغيب عن علمه شيء أصلاً وإن كان في غاية الحقارة.

وإنما قال ههنا ﴿ في الأرض ولا في السماء ﴾ خلاف ما في سورة سبأ وهو المعهود في القرآن لأن الكلام سيق لشاهدته على شؤون أهل الأرض فناسب أن يقدم ذكر ما في الأرض، هذا بعد تسليم أن الواو تفيد الترتيب.

ثم بالغ في تعميم علمه فقال: ﴿ ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ﴾ من قرأ بالنصب على نفي الجنس أو بالرفع على الابتداء ليكون كلاماً برأسه فلا إشكال، وأما من جعله منصوباً معطوفاً على لفظ مثقال لأنه في موضع الجر بالفتح لامتناع الصرف، أو جعله مرفوعاً معطوفاً على محل ﴿ من مثقال ﴾ لأنه فاعل ﴿ يعزب ﴾ فأورد عليه الإشكال وهو أنه يصير تقدير الآية لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب، ويلزم منه أن يكون ذلك الشيء الذي في الكتاب خارجاً عن علم الله وإنه محال.

ويمكن أن يجاب عنه بأن الأشياء المخلوقة قسمان: قسم أوجده الله  ابتداء من غير واسطة كخلق الملائكة والسموات والأرض.

وقسم آخر أوجده بواسطة القسم الأول من حوادث عالم الكون والفساد، ولا شك أن هذا القسم الثاني متباعد في سلسة العلية والمعلولية عن مرتبة واجب الوجود، فالمراد من الآية أنه لا يبعد عن مرتبة وجوده شيء في الأرض ولا في السماء إلا هو في كتاب مبين.

وهو كتاب أثبت فيه صور تلك المعلومات، والغرض الرد على من يزعم أنه  غير عالم بالجزيئات.

أو نقول: إن الاستثناء منقطع بمعنى لكن هو في كتاب مبين.

وذكر أبو علي الجرجاني صاحب النظم إن "إلا" بمعنى الواو على أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿ ولا أكبر ﴾ ثم وقع الابتداء بكلام آخر فقال: ﴿ إلا في كتاب ﴾ أي وهو أيضاً في كتاب ﴿ مبين ﴾ والعرب تضع "إلا" موضع واو النسق كثيراً ومنه قوله: ﴿ إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم  ﴾ يعني ومن ظلم.

وقوله: ﴿ لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا ﴾ يعني والذين ظلموا.

ثم إنه لما بين إحاطته بجميع الأشياء وكان في ذلك تقوية قلوب المطيعين وكسر قلوب المذنبين أتبعها تفصيل حال كل فريق فقال: ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ الآية.

والتركيب يدل على القرب فكأنهم قربوا منه  لاستغراقهم في نور معرفته وجماله وجلاله.

قال أبو بكر الأصم: هم الذين تولى الله هدايتهم بالبرهان وتولوا القيام بحق عبوديته والدعوة إليه.

وقال المتكلمون: ولي الله من يكون آتياً بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل، ويكون آتياً بالأعمال الصالحة الواردة في الشريعة وعنوا بذلك قوله  في وصفهم ﴿ الذين آمنوا ﴾ وهو إشارة إلى كمال حال القوة النظرية.

﴿ وكانوا يتقون ﴾ وهو إشارة إلى كمال حال القوة العملية.

وههنا مقام آخر وهو أن يحمل الإيمان على مجموع الاعتقاد والعمل ويكون الولي متقياً في كل الأحوال، أما في موقف العلم فبأن يقدس ذاته عن أن يكون مقصوراً على ما عرفه أو يكون كما وصفه، وأما في مقام العمل فأن يرى عبوديته وعبادته قاصرة عما يليق بكبريائه وجلاله فيكون أبداً في الخوف والدهشة.

وأما نفي الخوف والحزن عنهم فقد مر تفسيره في أوائل سورة البقرة: وعن سعيد بن جبير أن رسول الله  سئل من أولياء الله؟

فقال: هم الذين يذكر الله برؤيتهم.

يعني أن مشاهدتهم تذكر أمر الآخرة لما فيهم من آثار الخشوع والإخبات والسكينة.

وعن عمر سمعت النبي  يقول: "إن من عباد الله عباداً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله.

قالوا: يا رسول الله أخبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبهم.

قال: هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ الآية" يحكى أن إبراهيم الخواص كان في البادية ومعه واحد يصحبه، فاتفق في بعض الليالي ظهور حالة قوية وكشف تام له فجلس في موضعه وجاءه السباع ووقفوا بالقرب منه والمريد تسلق على رأس شجرة خوفاً منها والشيخ كان فارغاً من تلك السباع، فلما أصبح زالت تلك الحالة.

ففي الليلة الثانية وقعت بعوضة على بدنه فأظهر الجزع من تلك البعوضة فقال المريد: كيف تليق هذه الحالة بما قبلها؟

فقال الشيخ: تحملنا البارحة ما تحملناه بسبب قوة الوارد الغيبي، فلما غاب ذلك الوارد فإنا أضعف خلق الله.

ثم أخبر الله  عنهم بأن ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ فقيل: بشراهم في الدنيا ما بشر الله به المؤمنين المتقين في غير مكان من كتابه ﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات  ﴾ ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات  ﴾ وقيل: إنها عبارة عن محبة الناس لهم وعن ذكرهم إياهم بالثناء الحسن.

عن أبي ذر  قلت: يا رسول الله إن الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس.

قال: تلك عاجل بشرى المؤمن.

والدليل العقلي عليه أن الكمال محبوب لذاته فكل من اتصف بصفة الكمال كان محبوباً لكل أحد إذا أنصفه ولم يحسده، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب في معرفة الله معرضاً عما سواه.

ونور الله مخدوم بالذات ففي أي قلب حصل كان مخدوماً بالطبع لما سوى الله.

وقيل: هي الرؤيا الصالحة.

وعنه  : "الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة" وسبب تخصيص هذا العدد أن النبي  استنبىء بعد أربعين سنة إلى كمال عمره - وهو ثلاث وستون سنة - وكان يأتيه الوحي أوّلاً بطريقة المنام ستة أشهر.

ونسبة هذه المدة إلى ثلاث وعشرين سنة التي هي جميع مدة الوحي نسبة الواحد إلى ستة وأربعين.

وأما أن الرؤيا الصادقة توجب لبشارة فلأنها دليل صفاء القلب واتصال النفس إلى عالم القدس والاطلاع على بعض ما هنالك.

وعن عطاء: البشرى في الدنيا هي البشارة عند الموت ﴿ تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة  ﴾ وأما البشرى في الآخرة فتلقي الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة وما يرون من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يقرأون منها إلى آخر أحوالهم في الجنة ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده وقد مر مثله في "الأنعام" ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين، وكلتا الجملتين اعتراض ولا يجب أن يقع بعد الاعتراض كلام.

تقول: فلان ينطق بالحق والحق أبلج، قال القاضي: ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ يدل على أنها قابلة للتبديل، وكل ما يقبل العدم امتنع أن يكون قديماً ومحل المنع ظاهر فإن نفي شيء عن شيء لا يلزم منه إمكانه له كقول الموحد: لا شريك لله.

ثم سلى رسوله عن صنيع الفريق المكذبين فقال: ﴿ ولا يحزنك ﴾ أو نقول: إنه كما أزال الحزن عنه في الآخرة بقوله: ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ أزال الحزن عنه في الدنيا بقوله: ﴿ ولا يحزنك قولهم ﴾ أي تكذيبهم لك وتهديدهم بالخدم والأموال وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك، وبالجملة كل ما يتكلمون به في شأنك من المطاعن والقوادح.

ثم استأنف قوله: ﴿ إن العزة لله ﴾ كأنه قيل: ما لي لا أحزن؟

فقيل: لأن العزة لله.

﴿ جميعاً ﴾ إن الغلبة والقهر له ولحزبه ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي  ﴾ وقرىء "أن" بالفتح لا على أنه بدل فإن ذلك يؤدي إلى أن القوم كانوا يقولون إن العزة لله جميعاً والرسول كان يحزنه ذلك وهذا كفر، بل لأن التقدير لأن العزة على صريح التعليل، وكان رسول الله  واثقاً بوعد الله  في جميع الأحوال وإن كان قد يقع في بعض الحروب والوقائع انكسار وهزيمة فإن الأمور بخواتيمها.

ثم أكد الوعد بقوله: ﴿ هو السميع العليم ﴾ يسمع ما يقولون ويعلم ما يدبرون فيكفيك شرهم.

ثم زاد في التأكيد مع إشارة إلى فساد عقيدة المشركين فقال: ﴿ ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض ﴾ فخصص ذوي العقول إما للتغليب وإما لأن الآية سيقت لبيان فساد عقائد أهل الشرك، فذكر أن العقلاء المميزين - وهم الملائكة والثقلان - كلهم عبيد له ولا يصلح أحد منهم لأن يكون شريكاً له فما وراءهم ممن لا يسمع ولا يعقل كالأصنام أولى بأن لا يكون نداً له.

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ وما يتبع ﴾ "ما" نافية ومفعول ﴿ يدعون ﴾ محذوف أي ليس يتبع ﴿ الذين يدعون من دون الله شركاء ﴾ شركاء في الحقيقة إنما هي أسماء لا مسميات لها لأن شركة الله في الربوبية محال.

وإنما حذف أحد المكررين للدلالة، فالأول مفعول ﴿ يدعون ﴾ والثاني مفعول ﴿ يتبع ﴾ ويجوز أن تكون "ما" استفهامية بمعنى أي شيء يتبعون.

و ﴿ شركاء ﴾ على هذا نصب بـ ﴿ يدعون ﴾ ولا حاجة إلى إضمار.

ويجوز أن تكون "ما" موصولة معطوفة على "من" كأنه قيل: ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء أي وله شركاؤهم.

ثم زاد في التأكيد فقال: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ وقد مر مثله في سورة الأنعام.

ثم ذكر طرفاً من آثار قدرته مع إشارة إلى بعض نعمه فقال: ﴿ هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ﴾ طلباً للراحة ﴿ والنهار مبصراً ﴾ ذا إبصار باعتبار صاحبه أي جعله مضيئاً لتهتدوا به في حوائجكم وهذان طرفان من منافع الليل والنهار ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ﴾ سماع تأمل وتدبر وقبول.

ثم حكى نوعاً آخر من أباطيلهم فقال: {قالوا اتخذ الله ولداً  } وقد مر في "البقرة".

ولما نزه نفسه عن اتخاذ الولد برهن على ذلك بقوله: ﴿ هو الغني ﴾ وتقريره أن الغنى التام يوجب امتناع كونه ذا أجزاء، وحصول الولد لا يتصور إلا بعد انفصال جزء منه يكون كالبذر بالنسبة إلى النبات، وأيضاً إنما يحتاج إلى الولد وإلى توليد المثل الذي يقوم مقامه من يكون بصدد الانقضاء والانقراض فالأزلي القديم لا يفتقر إلى الولد ولا يصح له مثل.

وأيضاً الغني لا يفتقر إلى الشهوة ولا إلى إعانة الولد، ولو صح أن يتولد منه مثله لصح أن يكون هو أيضاً متولداً من مثله ولا يشكل هذا بالولد الأول من الأشخاص الحيوانية فإن المدعي هو الصحة لا الوقوع.

ثم بالغ في البرهان فقال: ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ وإذا كان الكل ملكه وعبيده فلا يكون شيء منها ولداً له لأن الأب يساوي الابن في الطبيعة بخلاف المالك.

ثم زيف دعواهم الفاسدة فقال: ﴿ إن عندكم من سلطان بهذا ﴾ أي ما عندكم من حجة بهذا القول.

قال في الكشاف: والباء حقها أن تتعلق بقوله: ﴿ إن عندكم ﴾ على أن يجعل القول مكاناً للسلطان كقولك: ما عندكم بأرضكم موز.

كأنه قيل: إن عندكم فيما تقولون سلطان.

أقول: كأنه نظر إلى أن استعمال الباء بمعنى "في" أكثر منه بمعنى "على".

ثم وبخهم على القول بلا دليل ومعرفة فقال: ﴿ أتقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ .

ثم أوعدهم على افترائهم فقال: ﴿ قل إن الذين يفترون ﴾ الآية.

ثم بين أن ذلك المفتري إن فاز بشيء من المطالب العاجلة والمآرب الخسيسة من رياسة ظاهرة وغرض زائل فذلك ﴿ متاع قليل ﴾ في الدنيا.

ثم لا بد من الموت والرجوع إلى حكم الله ثم حصول الشقاء المؤبد والعذاب الأليم أعاذنا الله منه.

التأويل: ﴿ وما تكون في شأن ﴾ من النبوة ﴿ وما تتلوا ﴾ من شأن النبوة ﴿ من قرآن ﴾ ﴿ ولا تعملون ﴾ يا أمة محمد  ﴿ من عمل ﴾ من الأعمال من قبول القرن ورده من مثقال ذرة مما أظهر من حركة في أرض البشرية بعمل من أعمال الخير والشر.

﴿ ولا في السماء ﴾ أي في سماء القلوب بالنيات الصالحة والفاسدة ﴿ ولا أصغر ﴾ من الحركة وهو القصد دون الفعل ﴿ ولا أكبر ﴾ من النية وهو العمل ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ الذين هم أعداء النفوس ﴿ لا خوف عليهم ﴾ من تمني النظر بنفوسهم ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ على ما فاتهم من شهوات النفوس للعداوة القائمة بينهم ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا ﴾ بالوقائع والمبشرات ﴿ وفي الآخرة ﴾ بكشف القناع عن جمال العزة.

﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ لأحكامه الأزلية حيث قال للولي كن ولياً وللعدوّ كن عدواً ﴿ ولا يحزنك ﴾ يا رسول القلب قول مشركي النفوس في تزيين شهوات الدنيا ولذاتها في نظرك ﴿ إن العزة لله جميعاً ﴾ يعز من يشاء في الدنيا وفي الآخرة جميعاً فلا يمنعه نعيم الدنيا عن نعيم الآخرة بل ربما يعينه على الآخرة كما جاء في الحديث الرباني "وإن من عبادي من لا يصلحه الا الغنى فإن أفقرته يفسده ذلك" ﴿ ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض ﴾ أي القلوب السماوية والنفوس الأرضية ﴿ إن يتبعون إلا الظن ﴾ أي يظنون أنهم يتبعون شركاء الدنيا والهوى باختيارهم لا باختيارنا ﴿ هو الذي جعل لكم ﴾ ليل البشرية لتستريحوا فيه من تعب المجاهدات، وتزول عنكم الملالة والكلالة ونهار الروحانية ذا ضياء وبصيرة يبصر بها مصالح السلوك والترقي في المقامات ﴿ لقوم يسمعون ﴾ حقائق القرآن بسمع القلوب الواعية.

ثم أخبر عن الشبهات التي تقع في أثناء السلوك قالوا أي مشركو النفوس عند تجلي الروح بالخلافة في صفة الربوبية معترفاً بتجلي صفة إبداع الحق ومبدعة الروح مع كمال قربه واختصاصه بالحق عند بقاء تصرفات الخيال حتى تثبت الأبوة والبنوة بين الله وبين العبد، إذ البنوة أخص التعلقات بالوالد.

وهذا الكشف والابتداء هو مبتدأ ضلالة اليهود والنصارى ﴿ له ما في السموات ﴾ الروحانية من الكشوف والأحوال ﴿ وما في الأرض ﴾ البشرية من الوهم والخيال وما ينشأ من الشبهات والآفات ﴿ إن الذين يفترون ﴾ هم النفوس الأمارة بالسوء ﴿ لا يفلحون ﴾ لا يظفرون بكشف الحقائق {ثم نذيقهم لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا فأحسوا بالألم والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ ﴾ أي: خبره وحديثه، ﴿ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .

قال بعضهم: إن كان كبر عليكم طول مقامي ومكثي فيكم ودعائي إياكم إلى عبادة الله، والطاعة له، وتذكيري إياكم بآياته.

قال بعضهم: وتذكيري بعذابه بترككم إجابتي ودعائي.

ويحتمل قوله: ﴿ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي ﴾ بما ادعى من الرسالة، ﴿ وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ أي بحجج الله على ما ادعيت من الرسالة.

وفي قوله: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ ﴾ وجوه: أحدها: اتل منابذة نوح قومه وما أرادوا به من الكيد والمكر به.

والثاني: اذكر عواقب قوم نوح، وما حل بهم من سوء معاملتهم رسولهم.

والثالث: اذكر لهولاء عواقب متبعي قومه ومخالفيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ﴾ قال بعضهم: أي اجتمعوا أنتم وشركاؤكم ثم كيدوني ، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة، أي: اجعلوا ما تسرون من الكيد والمكر بي ظاهراً غير ملتبس ولا مشبه.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ ﴾ أي: أعدوا أمركم وادعوا شركاءكم؛ وكذلك روي في حرف أبي: (فاجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم).

﴿ ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ أي: اقضوا ما أنتم قاضون.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ﴾ أي: لا يكبر عليكم أمركم.

وقال الكسائي: هو من التغطية واللبس، أي: لا تغطوه ولا تلبسوه، اجعلوا كلمتكم ظاهرة واحدة.

وعن ابن عباس -  - قال: "لا يكن أمركم اغتماما عليكم"، أي: فرجوا عن أنفسكم؛ كقوله: ﴿ مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ...

﴾ الآية [الحج: 15].

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ أي: اعملوا بي ما تريدون ولا تنظرون؛ وهو كقوله: ﴿ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ  ﴾ .

وقال الكسائي: هو من الإنهاء والإبلاغ؛ وهو كقوله: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ...

﴾ الآية [الإسراء: 4] ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ  ﴾ ، أي: أنهينا إليه وأبلغنا إليه.

وقال أبو عوسجة: إن شئت جعلتها ظلمة فلا يبصرون أمرهم يعني غمّة، وإن شئت جعلتها شكا واشتقاق الغمة، من غم يغم غما أي غطى يغطي، تقول: غممت رأسه أي غطيته، ﴿ ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ ﴾ أي: افعلوا بي ما أردتم وفي قول نوح لقومه: ﴿ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ...

﴾ إلى قوله: ﴿ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ ، وقول هود: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ  ﴾ ، وقول رسول الله: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ  ﴾ دلالة إثبات رسالتهم؛ لأنهم قالوا ذلك لقومهم وهم بين أظهرهم، ولم يكن معهم أنصار ولا أعوان؛ دل أنهم إنما قالوا ذلك اعتماداً على الله واتكالا بمعونته ونصرته إياهم.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ ﴾ أي: فافرغوا إلى يقال [قضى] فرغ؛ وهو قول أبي بكر الأصم.

وقال بعضهم: ثم اقضوا إلي أن امضوا إلي كقوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ  ﴾ و ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ  ﴾ ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ ﴾ : التولي اسم لأمرين: اسم للإعراض والإدبار؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ ، واسم للإقبال والقبول أيضاً؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ...

﴾ الآية [المائدة: 56] ونحوه، فهاهنا يحتمل الأمرين جميعاً، أي: فإن توليتم أي أقبلتم وقبلتم ما أعرضه عليكم وأدعوكم إليه، ﴿ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ ﴾ أي: ما أجري إلا على الله.

وإن كان في الإعراض فكأنه يقول: كيف أعرضتم عن قبوله، ولم أسألكم على ذلك أجراً فيكون لكم عذر في الإعراض والرد؟!

كقوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً ﴾ الآية [الطور: 40]، أي: لم أسألكم على ما أعرضه عليكم وأدعوكم إليه غرما حتى يثقل عليكم ذلك الغرم، فيمنعكم ثقل الغرم عن الإجابة، ففي هذه الآية وغيرها دلالة منع أخذ الأجر على تعليم القرآن والعلم؛ لأنه لو جاز أخذ الأجر على ذلك لكان لهم عذر ألا يبذلوا ذلك ولا يتعلموا شيئاً من ذلك، وفي ذلك هدم شرائع الله وإسقاطها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ أي: مسلماً نفسي إلى الله، أي: سالماً، لا أجعل لأحد سواه فيها حقا ولا حظا، أو أمرت أن أكون من المخلصين [لله] والخاضعين له؛ هو يحتمل ذلك كله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ يعني: نوحاً كذبه قومه فيما ادعى من الرسالة، أو ما آتاهم من الآيات، أو ما أوعدهم من العذاب بتكذيبهم إياه.

﴿ فَنَجَّيْنَاهُ ﴾ يعني نوحاً، ﴿ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ ﴾ أي: من ركب معه الفلك من المؤمنين.

﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ ﴾ يحتمل خلائف خلفاء في الأرض وسكاناً يخلف بعضهم بعضا، ويحتمل جعلناهم خلائف أي خلف قوم أهلكوا واستؤصلوا بالتكذيب.

﴿ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ : يحتمل الآيات الحجج والبراهين التي أقامها على ما ادعى من الرسالة.

ويحتمل قوله: ﴿ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ العذاب الذي أوعدهم بتكذيبهم إياه فيما وعد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ ﴾ : كان أنذر الفريقين جميعاً المؤمن والكافر جميعاً؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ  ﴾ فإذا كان ما ذكرنا فيكون تأويله: فانظر كيف كان عاقبة من أجاب ومن لم يجب: عاقبة من أجاب الثواب، وعاقبة من لم يجب العذاب.

ويحتمل المنذرين الذين لم يقبلوا الإنذار ولم يجيبوا، أي: انظر كيف كان عاقبتهم بالهلاك والاستئصال، ويكون تأويل قوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ  ﴾ أي: إنما يقبل الإنذار من اتبع الذكر، أو إنما ينتفع بالإنذار من اتبع الذكر، أو أما من لم يتبع الذكر لم ينتفع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً ﴾ أي: من بعد نوح رسلا إلى قومهم، أي: بعثنا إلى كل قوم رسولا، لا أنه بعث الرسل جملة إلى قومهم، ولكن واحداً على أثر واحد.

﴿ فَجَآءُوهُمْ بِٱلْبَيِّنَٰتِ ﴾ : يحتمل البينات الحجج والبراهين التي أقاموها على ما ادعوا من الرسالة والنبوة.

ويحتمل البينات بيان ما عليهم أن يأتوا ويتقوا.

ويحتمل البينات بما أخبروهم وأنبئوا قومهم بالعذاب أنه نازل بهم في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ قال بعضهم: ما كان كفار مكة ليؤمنوا وليصدقوا بالآيات والبيانات كما لم يصدق به أوائلهم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ أي: قبل بعث الرسل، ففيه دلالة أن أهل الفترة يؤاخذون بالتكذيب في حال الفترة.

ويحتمل قوله: ﴿ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ أي: من قبل إتيان البينات، أي: ما كانوا ليؤمنوا بعدما جاءوا بالبينات بما كذبوا به من قبل مجيء البينات.

﴿ كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ ﴾ أي: هكذا نطبع على قلوب أهل مكة كما طبعنا على قلوب أوائلهم؛ إذ علم أنهم لا يقبلون الآيات ولا يؤمنون بها، والاعتداء هو الظلم مع العناد والمجاوزة عن الحد الذي جعل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ هو يخرج على وجهين؛ أحدهما: ما كانوا ليؤمنوا بالبينات إذا جاءتهم البينات على السؤال، وهكذا عادتهم أنهم لا يؤمنون بالآيات إذا أتتهم على السؤال.

والثاني: ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا على علم منهم أنها آيات وأنه رسول؛ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فلما طرحوا ما عندهم من السحر قال لهم موسى  : الَّذي أظهرتموه هو السحر، إن الله سيصيِّر ما صنعتم باطلًا لا أثر له، إنكم بسحركم مفسدون في الأرض، والله لا يصلح عمل من كان مفسدًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.7P4ox"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله