الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٨٤ من سورة يونس
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 51 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٨٤ من سورة يونس من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
قول تعالى مخبرا عن موسى أنه قال لبني إسرائيل : ( ياقوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ) أي : فإن الله كاف من توكل عليه ، ( أليس الله بكاف عبده ) [ الزمر : 36 ] ، ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) [ الطلاق : 3 ] .
وكثيرا ما يقرن الله بين العبادة والتوكل ، كما في قوله تعالى : ( فاعبده وتوكل عليه ) [ هود : 123 ] ، ( قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا ) [ الملك : 29 ] ، ( رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا ) [ المزمل : 9 ] ، وأمر الله تعالى المؤمنين أن يقولوا في كل صلواتهم مرات متعددة : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) [ الفاتحة : 5 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل موسى نبيِّه لقومه: يا قوم إن كنتم أقررتم بوحدانية الله، وصدقتم بربوبيته ، (فعليه توكلوا) ، يقول: فبه فثقوا، ولأمره فسلموا، (23) فإنه لن يخذل وليّه، ولن يسلم من توكل عليه (24) ، (إن كنتم مسلمين) ، يقول: إن كنتم مذعنين لله بالطاعة، فعليه توكلوا.
(25) ----------------------- الهوامش : (23) انظر تفسير " التوكل " فيما سلف ص : 147 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك .
(24) في المطبوعة : " ويسلم " ، وفي المخطوطة : " ولم يسلم " ، والصواب ما أثبت .
(25) انظر تفسير " الإسلام " فيما سلف من فهارس اللغة ( سلم ) .
قوله تعالى وقال موسى ياقوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمينقوله تعالى وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم أي صدقتم بالله فعليه توكلوا أي اعتمدوا إن كنتم مسلمين كرر الشرط تأكيدا ، وبين أن كمال الإيمان بتفويض الأمر إلى الله .
{ وَقَالَ مُوسَى } موصيًا لقومه بالصبر، ومذكرًا لهم ما يستعينون به على ذلك فقال: { يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ } فقوموا بوظيفة الإيمان.
{ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ } أي: اعتمدوا عليه، والجؤوا إليه واستنصروه.
( وقال موسى ) لمؤمني قومه ، ( يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ) .
«وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين».
وقال موسى: يا قومي إن صدقتم بالله -جلَّ وعلا- وامتثلتم شرعه فثقوا به، وسلِّموا لأمره، وعلى الله توكلوا إن كنتم مذعنين له بالطاعة.
والمتجبرون والمسرفون يحتاجون فى مقاومتهم إلى إيمان عميق ، واعتماد على الله وثيق ، وثبات يزيل المخاوف ويطمئن القلوب إلى حسن العاقبة ، ولذا قال موسى لأتباعه المؤمنين :( ياقوم إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بالله فَعَلَيْهِ توكلوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ) .أى : قال موسى لقومه تطمينا لقلوبهم ، وقد رأى الخوف من فرعون يعلو وجوه بعضهم : يا قوم ( إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بالله ) حق الإِيمان ، وأسلمتم وجوهكم له حق الإِسلام فعليه وحده اعتمدوا ، وبجنابه وحده تمسكوا ، فإن من توكل على الله واتجه إليه ، كان الله مه بنصره وتأييده .
واعلم أنه تعالى بين فيما تقدم ما كان من موسى عليه السلام من المعجزات العظيمة وما ظهر من تلقف العصا لكل ما أحضروه من آلات السحر، ثم إنه تعالى بين أنهم مع مشاهدة المعجزات العظيمة ما آمن به منهم إلا ذرية من قومه، وإنما ذكر تعالى ذلك تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم، لأنه كان يغتم بسبب إعراض القوم عنه واستمرارهم على الكفر، فبين أن له في هذا الباب بسائر الأنبياء أسوة، لأن الذي ظهر من موسى عليه السلام كان في الإعجاز في مرأى العين أعظم، ومع ذلك فما آمن به منهم إلا ذرية.
واختلفوا في المراد بالذرية على وجوه: الأول: أن الذرية هاهنا معناها تقليل العدد.
قال ابن عباس: لفظ الذرية يعبر به عن القوم على وجه التحقير والتصغير، ولا سبيل إلى حمله على التقدير على وجه الإهانة في هذا الموضع فوجب حمله على التصغير بمعنى قلة العدد.
الثاني: قال بعضهم: المراد أولاد من دعاهم، لأن الآباء استمروا على الكفر، إما لأن قلوب الأولاد ألين أو دواعيهم على الثبات على الكفر أخف.
الثالث: أن الذرية قوم كان آباؤهم من قوم فرعون وأمهاتهم من بني إسرائيل.
الرابع: الذرية من آل فرعون آسية امرأة فرعون وخازنه وامرأة خازنه وماشطتها.
وأما الضمير في قوله: ﴿ مِن قَوْمِهِ ﴾ فقد اختلفوا أن المراد من قوم موسى أو من قوم فرعون، لأن ذكرهما جميعاً قد تقدم والأظهر أنه عائد إلى موسى، لأنه أقرب المذكورين ولأنه نقل أن الذين آمنوا به كانوا من بني إسرائيل.
أما قوله: ﴿ على خَوْفٍ مّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ ﴾ ففيه أبحاث: البحث الأول: أن أولئك الذين آمنوا بموسى كانوا خائفين من فرعون جداً، لأنه كان شديد البطش وكان قد أظهر العداوة مع موسى، فإذا علم ميل القوم إلى موسى كان يبالغ في إيذائهم، فلهذا السبب كانوا خائفين منه.
البحث الثاني: إنما قال: ﴿ وَمَلَئِهِمْ ﴾ مع أن فرعون واحد لوجوه: الأول: أنه قد يعبر عن الواحد بلفظ الجمع، والمراد التعظيم قال الله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر ﴾ الثاني: أن المراد بفرعون آل فرعون.
الثالث: أن هذا من باب حذف المضاف كأنه أريد بفرعون آل فرعون.
ثم قال: ﴿ أَن يَفْتِنَهُمْ ﴾ أي يصرفهم عن دينهم بتسليط أنواع البلاء عليهم.
ثم قال: ﴿ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الارض ﴾ أي لغالب فيها قاهر ﴿ وَإِنَّهُ لَمِنَ المسرفين ﴾ قيل: المراد أنه كثير القتل كثير التعذيب لمن يخالفه في أمر من الأمور، والغرض منه بيان السبب في كون أولئك المؤمنين خائفين، وقيل: إنما كان مسرفاً لأنه كان من أخس العبيد فادعى الإلهية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَمَا ءامَنَ لموسى ﴾ في أوّل أمره ﴿ إِلاَّ ذُرّيَّةٌ مّن قَوْمِهِ ﴾ إلاّ طائفة من ذراري بني إسرائيل، كأنه قيل: إلاّ أولاد من أولاد قومه.
وذلك أنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفاً من فرعون، وأجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف.
وقيل: الضمير في قومه لفرعون، والذرية: مؤمن آل فرعون، وآسية امرأته، وخازنه، وامرأة خازنه وماشطته.
فإن قلت: إلام يرجع الضمير في قوله: ﴿ وَمَلَئِهِمْ ﴾ ؟
قلت: إلى فرعون، بمعنى آل فرعون، كما يقال: ربيعة ومضر.
أو لأنه ذو أصحاب يأتمرون له.
ويجوز أن يرجع إلى الذرية، أي على خوف من فرعون وخوف من أشراف بني إسرائيل، لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفاً من فرعون عليهم وعلى أنفسهم.
ويدلّ عليه قوله: ﴿ أَن يَفْتِنَهُمْ ﴾ يريد أن يعذبهم ﴿ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأرض ﴾ لغالب فيها قاهر ﴿ وَإِنَّهُ لَمِنَ المسرفين ﴾ في الظلم والفساد، وفي الكبر والعتوّ بادعائه الربوبية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَما آمَنَ لِمُوسى ﴾ أيْ في مَبْدَإ أمْرِهِ.
﴿ إلا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ ﴾ إلّا أوْلادٌ مِن أوْلادِ قَوْمِهِ بَنِي إسْرائِيلَ دَعاهم فَلَمْ يُجِيبُوهُ خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ إلّا طائِفَةٌ مِن شُبّانِهِمْ، وقِيلَ الضَّمِيرُ لِـ ﴿ فِرْعَوْنَ ﴾ والذُّرِّيَّةُ طائِفَةٌ مِن شُبّانِهِمْ آمَنُوا بِهِ، أوْ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وامْرَأتُهُ آسِيَةُ وخازِنُهُ وزَوْجَتُهُ وماشِطَتُهُ ﴿ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ ﴾ أيْ مَعَ خَوْفٍ مِنهم، والضَّمِيرُ لِـ ﴿ فِرْعَوْنَ ﴾ وجَمْعُهُ عَلى ما هو المُعْتادُ في ضَمِيرِ العُظَماءِ، أوْ عَلى أنَّ المُرادَ بِـ ﴿ فِرْعَوْنَ ﴾ آلُهُ كَما يُقالُ: رَبِيعَةُ ومُضَرُ، أوْ لِلْـ ﴿ ذُرِّيَّةٌ ﴾ أوْ لِلْقَوْمِ.
﴿ أنْ يَفْتِنَهُمْ ﴾ أنْ يُعَذِّبَهم فِرْعَوْنُ، وهو بَدَلٌ مِنهُ أوْ مَفْعُولُ خَوْفٍ وإفْرادُهُ بِالضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الخَوْفَ مِنَ المَلَإ كانَ بِسَبَبِهِ.
﴿ وَإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ ﴾ لَغالِبٌ فِيها.
﴿ وَإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ ﴾ في الكِبْرِ والعُتُوِّ حَتّى ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ واسْتَرَقَ أسْباطَ الأنْبِياءِ.
<div class="verse-tafsir"
{وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله} صدقتم به وبآياته {فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ} فإليه أسندوا أمركم فى العصمة من
يونس (٨٤ _ ٨٨)
فرعون {إِن كُنْتُم مُّسْلِمِينَ} شرط في التوكل الإسلام وهو أن يسملوا نفوسهم لله اى يجعلو هاله سالمة خالصة لاحظ للشيطان فيها لأن التوكل لا يكون مع التخليط
﴿ وقالَ مُوسى ﴾ لَما رَأى تَخَوُّفَ المُؤْمِنِينَ ﴿ يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ ﴾ أيْ صَدَّقْتُمْ بِهِ وبِآياتِهِ ﴿ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا ﴾ أيِ اعْتَمِدُوا لا عَلى أحَدٍ سِواهُ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ كافِيكم كُلَّ شَرٍّ وضُرٍّ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ 84﴾ أيْ مُسْتَسْلِمِينَ لِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى مُخْلِصِينَ لَهُ، ولَيْسَ هَذا مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِشَرْطَيْنِ بَلْ مِن تَعْلِيقِ شَيْئَيْنِ بِشَرْطَيْنِ لِأنَّهُ عَلَّقَ وُجُوبَ التَّوَكُّلِ المَفْهُومِ مِنَ الأمْرِ وتَقْدِيمِ المُتَعَلِّقِ بِالإيمانِ فَإنَّهُ المُقْتَضِي لَهُ وعَلَّقَ نَفْسَ التَّوَكُّلِ ووُجُودِهِ بِالإسْلامِ والإخْلاصِ لِأنَّهُ لا يَتَحَقَّقُ مَعَ التَّخْلِيطِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ: إنْ دَعاكَ زِيدٌ فَأجِبْهُ إنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ فَإنَّ وُجُوبَ الإجابَةِ مُعَلَّقٌ بِالدَّعْوَةِ ونَفْسَ الدَّعْوَةِ مُعَلَّقَةٌ بِالقُدْرَةِ، وحاصِلُهُ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَيَجِبُ عَلَيْكُمُ التَّوَكُّلُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فافْعَلُوهُ واتَّصِفُوا بِهِ إنْ كُنْتُمْ مُسْتَسْلِمِينَ لَهُ تَعالى.
وهَذا النَّوْعُ عَلى ما في الكَشْفِ يُفِيدُ مُبالِغَةً في تُرَتِّبُ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ عَلى نَحْوِ: إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ إنْ كُنْتِ زَوْجَتِي.
وجَعَلَهُ بَعْضُهم مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِشَرْطَيْنِ المُقْتَضِي لِتَقَدُّمِ الشَّرْطِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ في الوُجُودِ حَتّى لَوْ قالَ: إنْ كَلَّمْتُ زَيْدًا فَأنْتِ طالِقٌ إنْ دَخَلْتِ الدّارَ لَمْ تُطَلَّقْ ما لَمْ تَدْخُلْ قَبْلَ الكَلامِ لِأنَّ الشَّرْطَ الثّانِيَ شَرْطٌ لِلْأوَّلِ فَيَلْزَمُ تَقَدُّمُهُ عَلَيْهِ، وقَرَّرَهُ بِأنَّ هَهُنا ثَلاثَةُ أشْياءَ: الإيمانُ والتَّوَكُّلُ والإسْلامُ والمُرادُ بِالإيمانِ التَّصْدِيقُ وبِالتَّوَكُّلِ إسْنادُ الأُمُورِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وبِالإسْلامِ تَسْلِيمُ النَّفْسِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وقَطْعُ الأسْبابِ فَعَلَّقَ التَّوَكُّلَ بِالتَّصْدِيقِ بَعْدَ تَعْلِيقِهِ بِالإسْلامِ لِأنَّ الجَزاءَ مُعَلَّقٌ بِالشَّرْطِ الأوَّلِ وتَفْسِيرٌ لِلْجَزاءِ الثّانِي كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ بِاللَّهِ تَعالى وآياتِهِ فَخُصُّوهُ سُبْحانَهُ بِإسْنادِ جَمِيعِ الأُمُورِ إلَيْهِ وذَلِكَ لا يَتَحَصَّلُ إلّا بَعْدَ أنْ تَكُونُوا مُخْلِصِينَ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى مُسْتَسْلِمِينَ بِأنْفُسِكم لَهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ فِيكم نَصِيبٌ وإلّا فاتْرُكُوا أمْرَ التَّوَكُّلِ.
ويُعْلَمُ مِنهُ أنْ لَيْسَ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ المُومِنِينَ الخَوْضُ في التَّوَكُّلِ بَلْ لِلْآحادِ مِنهم وأنَّ مَقامَ التَّوَكُّلِ دُونَ مَقامِ التَّسْلِيمِ، والأكْثَرُ عَلى الأوَّلِ ولَعَلَّهُ أدَقُّ نَظَرًا <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ أي: من بعد هلاك قوم نوح رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ، مثل: هود، وصالح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، عليهم السلام فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني: بالأمر والنهي.
ويقال: بالآيات والعلامات، فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ قال مقاتل: يعني: ما كان كُفَّار مكة ليصدِّقوا بالعذاب أنه نازل بهم، كما لم يصدق به أوائلهم من قبل كفار مكة.
وقال الكَلْبِي: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ عند الميثاق، حين أخرجهم من صلب آدم.
وقال: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا يعني: أُولئك القوم ما بعد دعاهم الرُّسل بما كذبوا به مِن قَبْلِ أَن يأتيهم الرُّسل كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ يعني: نختم على قلوبهم المتجاوزين من الحلال وإلى الحرام.
ويقال: صار تكذيبهم طبعاً على قلوبهم، فمنعهم عن الإيمان.
قوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ أي: من بعد الرُّسل مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ بِآياتِنا التّسع ثم قال: فَاسْتَكْبَرُوا يعني: تكبَّروا عن الإيمان وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ يعني: مشركين.
قوله تعالى: فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ يعني: ظهر لهم الحقُّ مِنْ عِنْدِنا من عند الله تعالى قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ يعني: الَّذي أتيتنا به كذب بيّن قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وفي الآية مضمر، ومعناه: أتقولون للحق لما جاءكم إنَّه سحر؟
ثمَّ قال: أسِحْرٌ هذا؟
يعني: أيكون مثل هذا سحراً؟
فليس ذلك بسحر، ولكنَّ ذلك علامة النّبوّة، وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ في الدُّنيا والآخرة.
ويقال: لا ظفر لهم.
قوله تعالى: قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا يعني: قال فرعون وقومه لموسى أَجِئْتَنا؟
يعني: لتصرفنا، وتصدنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا يقول: عما كان يعبد آباؤنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ يعني: السُّلطان والشَّرف والمُلْكُ فِي الْأَرْضِ، يعني: في أرض مصر وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ يعني: بمصدِّقين بأنّكما رسولا ربِّ العالمين.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ الآية: يريد ب الْحَقُّ آيَتَيِ العَصَا واليد.
وقوله: أَسِحْرٌ هذا: قالت فرقة: هو حكايةٌ عن موسَى عنهم، ثم أخبرهم موسَى عن اللَّه أَنَّ الساحِرِينَ لا يُفلحون، ثم اختلفوا في معنى قول قَوْمِ فرعونَ، فقال بعضهم:
قالها منهم كلُّ مستفهِمٍ جاهلٍ بالأمر، فهو يسأل عنه، وهذا ضعيفٌ، وقال بعضهم: بل قالوا ذلك عَلَى معنى التعظيم للسحْرِ الذي رأَوْهُ، وقالت فرقة: ليس ذلك حكايةً عن موسَى عنهم، وإِنما هو من كلام موسَى، وتقدير الكلامِ: أَتقولون للحَقِّ لما جاءكم سِحْرٌ، ثم ابتدأ يوقِّفهم بقوله: أَسِحْرٌ/ هذا على جهة التوبيخ.
وقولهم: لِتَلْفِتَنا: أي: لتصرفنا وتلوينا وتَرُدَّنا عن دين آبائنا، يقال: لفتَ الرَّجُلُ عُنُقَ الآخَرِ إِذا أَلواه، ومنه قولهم: التفت فَإِنَّهُ افتعل من لفت عنقه إذا ألواه، والْكِبْرِياءُ: مصْدَر من الكِبْرِ، والمراد به في هذا الموضع المُلْك قاله أكثر المتأوِّلين لأنه أعظم تَكَبُّرِ الدنيا، وقرأ أبو عَمْرٍو وحده: «به السّحر» - بهمزة استفهام ممدودةٍ-، وفي قراءة «١» أُبيٍّ: «مَا أَتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ» ، والتعريف هنا في السِّحْرِ أَرْتَبُ لأنه تقدَّم منكَّراً في قولهم: إِنَّ هذا لَسِحْرٌ، فجاء هنا بلامِ العَهْدِ.
قال ص: قال الفَّرَّاء: إِنما قال: «السِّحْر» ب «أَلْ» ، لأن النكرة إِذا أُعيدَتْ، أُعيدَتْ ب «أَلْ» ، وتبعه ابن عطية «٢» ، ورُدَّ بأن شرط ما ذكراه اتحاد مدلول النكرةِ المُعَادة كقوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ [المزمل: ١٥، ١٦] وهنا السِّحْر المنكَّر هو ما أتَى به موسَى، والمعروفُ ما أتَوْا به هُمْ، فاختلف
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا ﴾ وهو ما جاءَ بِهِ مُوسى مِنَ الآياتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أسِحْرٌ هَذا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم هَذا اللَّفْظَ، وهو قَوْلُهم: ﴿ إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ ثُمَّ قَرَّرَهم فَقالَ: ﴿ أسِحْرٌ هَذا ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما أدْخَلُوا الألِفَ عَلى جِهَةِ تَفْظِيعِ الأمْرِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ إذا نَظَرَ إلى الكُسْوَةِ الفاخِرَةِ: أكِسْوَةٌ هَذِهِ ؟
يُرِيدُ بِالِاسْتِفْهامِ تَعْظِيمَها، وتَأْتِي الرَّجُلَ جائِزَةٌ، فَيَقُولُ: أحَقٌّ ما أرى ؟
مُعَظِّمًا لَمّا ورَدَ عَلَيْهِ.
وقالَ غَيْرُهُ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم: هو سِحْرٌ، أسِحْرٌ هَذا ؟
فَحُذِفَ السِّحْرُ الأوَّلُ اكْتِفاءً بِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ المَعْنى: بَعَثْناهم لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لِتَصْرِفَنا.
يُقالُ: لَفَتُّ فُلانًا عَنْ كَذا: إذا صَرَفْتَهُ.
ومِنهُ الِالتِفاتُ، وهو الِانْصِرافُ عَمّا كُنْتَ مُقْبِلًا عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ ﴾ ورَوى أبانُ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ " ويَكُونَ لَكُما " بِالياءِ.
وفي المُرادِ بِالكِبْرِياءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: المُلْكُ والشَّرَفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: الطّاعَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
والثّالِثُ: العُلُوُّ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والأرْضُ هاهُنا: أرْضُ مِصْرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِكُلِّ ساحِرٍ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ " بِكُلِّ سَحّارٍ " بِتَشْدِيدِ الحاءِ وتَأْخِيرِ الألِفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ " السِّحْرُ " بِغَيْرِ مَدٍّ، عَلى لَفْظِ الخَبَرِ والمَعْنى: الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ، هو السِّحْرُ، وهَذا رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ لِلْحَقِّ: هَذا سِحْرٌ، فَتَقْدِيرُهُ: الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ، فَدَخَلَتِ الألِفُ واللّامُ، لِأنَّ النَّكِرَةَ إذا عادَتْ، عادَتْ مَعْرِفَةً، كَما تَقُولُ: رَأيْتُ رَجُلًا، فَقالَ لِي الرَّجُلُ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: " آلسِّحْرُ " بِمَدِّ الألِفِ، اسْتِفْهامًا.
قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ جِئْتُمْ بِهِ ؟
أسِحْرٌ هُوَ؟
عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَهم.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ التَّعْظِيمُ لِلسِّحْرِ، لا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ عَنْ الشَّيْءِ الَّذِي يُجْهَلُ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ الإنْسانِ في الخَطَأِ الَّذِي يَسْتَعْظِمُهُ مِن إنْسانٍ: أخْطَأٌ هَذا ؟
أيْ: هو عَظِيمُ الشَّأْنِ في الخَطَأِ.
والعَرَبُ تَسْتَفْهِمُ عَمّا هو مَعْلُومٌ عِنْدَها، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قاتِلِي وأنَّكِ مَهْما تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَلِ وَقالَ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْحٍ: أراجِعَةٌ يا لُبْنَ أيّامُنا الأُلى ∗∗∗ بِذِي الطَّلْحِ أمْ لا ما لَهُنَّ رُجُوعُ فاسْتَفْهَمَ وهو يَعْلَمُ أنَّهُنَّ لا يَرْجِعْنَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ﴾ أيْ: يُهْلِكُهُ ويُظْهِرُ فَضِيحَتَكم، ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ ﴾ لا يَجْعَلُ عَمَلَهم نافِعًا لَهم.
﴿ وَيُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ ﴾ أيْ: يُظْهِرُهُ ويُمَكِّنُهُ، ﴿ بِكَلِماتِهِ ﴾ بِما سَبَقَ مِن وعْدِهِ بِذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ ﴾ ﴿ فَلَمّا جاءَ السَحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا ألْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِحْرُ إنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ ﴾ ﴿ وَيُحِقُّ اللهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ ﴾ يُخْبِرُ أنَّ فِرْعَوْنَ قالَ لِخَدَمَتِهِ ومُتَصَرِّفِيهِ: ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ، هَذِهِ قِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وعِيسى: "بِكُلِّ سَحّارٍ" عَلى المُبالَغَةِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لَسْنا نَقْرَأُ "سَحّارٍ" إلّا في سُورَةِ الشُعَراءِ، فَرُوِيَ أنَّهم أتَوْهُ بِسَحَرَةِ الفَرَما وغَيْرِها مِن بِلادِ مِصْرَ حَسَبَما قَدْ ذُكِرَ قَبْلُ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَلَمّا ورَدَ السَحَرَةُ بِاسْتِعْدادِهِمْ لِلْمُعارَضَةِ خَيَّرُوا مُوسى كَما ذُكِرَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ لَهم عن أمْرِ اللهِ: ﴿ ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا ألْقَوْا ﴾ الآيَةُ، المَعْنى: فَلَمّا ألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم وخَيَّلُوا بِها وظَنُّوا أنَّهم قَدْ ظَهَرُوا قالَ لَهم مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ، وقَرَأ السَبْعَةُ سِوى أبِي عَمْرٍو.
﴿ بِهِ السِحْرُ ﴾ وهي قِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ومُجاهِدٌ، وأصْحابُهُ، وابْنُ القَعْقاعِ: "بِهِ آلسِّحْرُ" بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ مَمْدُودَةً قَبْلَ "السِحْرُ".
فَأمّا مَن قَرَأ "السِحْرُ" بِغَيْرِ ألِفِ اسْتِفْهامٍ قَبْلَهُ فَـ "ما" في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وهي بِمَعْنى الَّذِي وصِلَتُها قَوْلُهُ: ﴿ جِئْتُمْ بِهِ ﴾ ، والعائِدُ الضَمِيرُ في "بِهِ"، وخَبَرُها "السِحْرُ"، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ والتَأْوِيلَ أنَّ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "ما جِئْتُمْ بِهِ سِحْرٌ"، وكَذَلِكَ قَرَأها الأعْمَشُ، وهي قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "ما أتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ" والتَعْرِيفُ هُنا في "السِحْرِ" أرْتَبُ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ مُنَكَّرًا في قَوْلِهِمْ: "إنَّ هَذا لَسِحْرٌ" فَجاءَ هُنا بِلامِ العَهْدِ، كَما يُقالُ في أوَّلِ الرِسالَةِ: "سَلامٌ عَلَيْكَ"، وفي آخِرِها: "والسَلامُ عَلَيْكَ"، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، و"جِئْتُمْ بِهِ" الخَبَرُ، و"السِحْرُ" خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: "هُوَ السِحْرُ إنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ"، ووَجْهُ اسْتِفْهامِهِ هَذا هو التَقْرِيرُ والتَوْبِيخُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى مَعْنى: "أيَّ شَيْءٍ جِئْتُمْ بِهِ"، و"السِحْرُ" مَرْفُوعٌ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: "أيُّ شَيْءٍ جِئْتُمْ بِهِ هو السِحْرُ إنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ".
وأمّا مَن قَرَأ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ والمَدِّ قَبْلَ "السِحْرُ" فَـ"ما" اسْتِفْهامٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و"جِئْتُمْ بِهِ" الخَبَرُ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، وقَوْلُهُ: "السِحْرُ" اسْتِفْهامٌ أيْضًا كَذَلِكَ، وهو بَدَلٌ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِمُضْمَرِ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ جِئْتُمْ بِهِ ﴾ ، وتَقْدِيرُهُ: "أيُّ شَيْءٍ جِئْتُمْ بِهِ السِحْرُ"، وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ ﴾ إيجابٌ عن عِدَةٍ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُحِقُّ اللهُ الحَقَّ ﴾ الآيَةُ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن إخْبارِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وكَوْنُ ذَلِكَ كُلِّهِ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أقْرَبُ، وهو الَّذِي ذَكَرَ الطَبَرِيُّ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ بِكَلِماتِهِ ﴾ فَمَعْناهُ: بِكَلِماتِهِ السابِقَةِ الأزَلِيَّةِ في الوَعْدِ بِذَلِكَ، قالَ ابْنُ سَلامٍ: ﴿ بِكَلِماتِهِ ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا تَخَفْ ﴾ ، ومَعْنى: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ ﴾ : وإنْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ.
والمُجْرِمُ: المُجْتَرِمُ الراكِبُ لِلْخَطَرِ.
<div class="verse-tafsir"
تفريع على ما تقدم من المحاورة، أي فتفرع على ذلك أن فرعون وملأه لم يؤمنوا بموسى لأن حصر المؤمنين في ذرية من قوم موسى يفيد أن غيرهم لم يؤمنوا وهو المقصود، فكانت صيغة القصر في هذا المقام إيجازاً.
والتقدير: تفرع على ذلك تصميم على الإعراض.
وقد طوي ما حدث بين المحاورة وبين تصميمهم على الإعراض، وهو إلقاء موسى عصاه والتقامُها ما ألقوه من سحرهم، لعدم تعلق الغرض ببيان ذلك إذ المقصود الإفضاء إلى أنهم صمموا على الإعراض لأن ذلك محل تمثيل أعمالهم بحال مشركي أهل مكة.
وفعل ﴿ آمن ﴾ أصله (أَأْمن) بهمزتين: إحداهما أصلية في الكلمة لأن الكلمة مشتقة من الأمانة، والثانية همزة مزيدة للتعدية، أي جعله ذَا أمانة، أي غير كاذب فصار فعل ﴿ آمن ﴾ بمعنى صدّق، وحقه أن يعدى إلى المفعول بنفسه ولكن عدي باللام للتفرقة بين (آمن) بمعنى صدّق من الأمانة وبين (آمن) بمعنى جَعله في أمن، أي لا خوف عليه منه.
وهذه اللام سماها ابنُ مالك لامَ التبيين وتبعه ابن هشام، وهي تدخل على المفعول لتقوية معنى المفعولية، ويؤكد قصد التقوية في مثل فعل (آمن) بمعنى صدّق دفعُ أن يلتبس بفعل (آمنه) إذا جعله في أمن وسيأتي في قوله تعالى: ﴿ وقالوا لن نؤمن لك ﴾ في سورة [الإسراء: 90].
وقد يعدى بالباء لتضمنه معنى صدّق كما في قوله تعالى: ﴿ قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ [يونس: 90].
والذرية: الأبناء وتقدم في قوله: ﴿ ذُرية بعضها من بعض ﴾ في سورة [آل عمران: 34].
أي فما آمن بما جاء به موسى إلا أبناء بني إسرائيل ولم تبلغ دعوته بقية قومه أو لم يؤمر بالتبليغ إليهم حينئذٍ.
و (على) في قوله: ﴿ على خوف من فرعون ﴾ بمعنى (مع) مثل وآتى المال على حبه أي آمنوا مع خوفهم، وهي ظرف مستقر في موضع الحال من (ذرية)، أي في حال خوفهم المتمكن منهم.
وهذا ثناء عليهم بأنهم آمنوا ولم يصدهم عن الإيمان خَوفهم من فرعون.
والمعنى: أنهم آمنوا عند ظهور معجزته، أي أعلنوا الإيمان به في ذلك الموطن لأن الإيمان لا يعرف إلا بإظهاره ولا فائدة منه إلا ذلك الإظهار.
أي من الحاضرين في ذلك المشهد من بني إسرائيل فإن عادة هذه المجامع أن يغشاها الشباب واليافعون فعبر عنهم بالذرية أي الأبناء، كما يُقال: الغلمان، فيكونون قد آمنوا من تلقاء أنفسهم، وكل هذا لا يقتضي أن بقية قومه كفروا به، إذ يحتمل أن يكونوا آمنوا به بعد ذلك لما بلغتهم دعوته لأنه يكون قد ابتدأ بدعوة فرعون مبادرة لامتثال الأمر من الله بقوله: ﴿ اذهبا إلى فرعون إنه طغى ﴾ [طه: 43] فيكون المأمور به ابتداء هو دعوة فرعون وتخليص بني إسرائيل من الأسر.
و (الملأ) تقدم آنفاً في هذه القصة، وأضيف الملأ إلى ضمير الجمع وهو عائد إلى الذرية، أي على خوف من فرعون وعلى خوف من قومهم، وهم بقية القوم الذين لم يحضروا ذلك المشهد خشية أن يغضبوا عليهم ويؤذوهم لإيمانهم بموسى لما يتوقعون من مؤاخذة فرعون بذلك جميع قبيلتهم على عادة الجبابرة في أخذ القبيلة بفعلة من بعض رجالها.
و (الفتن) ادخال الروع والاضطراب على العقل بسبب تسليط ما لا تستطيع النفس تحمله، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ والفتنة أشد من القتل ﴾ في سورة [البقرة: 191].
فهذا وجه تفسير الآية.
وجملة: وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين } في موضع الحال فهي عطف على قوله: ﴿ على خوف من فرعون ﴾ وهي تفيد معنى التعليل لخوفهم من فرعون، أي أنهم محقون في خوفهم الشديد، فبعد أن أثنى عَليهم بأنهم آمنوا في حال شدة الخوف زاد فبين أنهم أحقاء بالخوف، وفي هذا زيادة ثناء على قوة إيمانهم إذ آمنوا في حال خوفهم من الملك مع قدرته على أذاهم، ومن مَلئهم، أي قومهم، وهو خوف شديد، لأن آثاره تتطرق المرء في جميع أحواله حتى في خلوته وخويصته لشدة ملابسةِ قومه إياه في جميع تقلباته بحيث لا يجد مفراً منهم، ثم اتبعه ببيان اتساع مقدرة فرعون بيان تجاوزه الحد في الجور، ومَن هذه حالته لا يزَعه عن إلحاق الضر بأضداده وازع.
وتأكيد الخبر ب (إن) للاهتمام بتحقيق بطش فرعون.
والعلو: مستعار للغلبة والاستبداد، كقوله تعالى: ﴿ إن فرعون علا في الأرض ﴾ وقوله: ﴿ أن لا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين ﴾ [النمل: 31].
والإسراف: تجاوز حد الاعتدال المعروف في فعل، فهو تجاوز مذموم، وأشهر موارده في الإنفاق، ولم يذكر متعلَّق الإفراط فتعيَّن أن يكون إسرافاً فيما عُرف به ملوك زمانهم من الصفات المكروهة عند الناس الملازمة للملوك في العادة.
وقوله: ﴿ من المسرفين ﴾ أبلغ في وصفه بالإسراف من أن يقال: وإنه لَمُسرف لما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قد ضللتُ إذن وما أنا من المهتدين ﴾ في [الأنعام: 56].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَما آمَنَ لِمُوسى إلا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الذَّرِّيَّةَ القَلِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُمُ الغِلْمانُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَذْبَحُهم فَأسْرَعُوا إلى الإيمانِ بِمُوسى، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الثّالِثُ: أنَّهم أوْلادُ الزَّمَنِ قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: أنَّهم قَوْمٌ أُمَّهاتُهم مِن بَنِي إسْرائِيلَ وآباؤُهم مِنَ القِبْطِ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّ ذُرِّيَّةَ قَوْمِ مُوسى نِساؤُهم ووِلْدانُهم.
﴿ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ ﴾ يَعْنِي وعُظَمائِهِمْ وأشْرافِهِمْ.
﴿ أنْ يَفْتِنَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يُعَذِّبَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنْ يُكْرِهَهم عَلى اسْتِدامَةِ ما هم عَلَيْهِ.
﴿ وَإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ مُتَجَبِّرٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: باغٍ طاغٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
﴿ وَإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ ﴾ يَعْنِي في بَغْيِهِ وطُغْيانِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لتلفتنا ﴾ قال: لتلوينا.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه ﴿ لتلفتنا ﴾ قال: لتصدنا عن آلهتنا.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتكون لكما الكبرياء في الأرض ﴾ قال: العظمة والملك والسلطان.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ليث بن أبي سليم رضي الله عنه قال: بلغني أن هذه الآيات شفاء من السحر بإذن الله تعالى، يقرأ في إناء فيه ماء ثم يصب على رأس المسحور الآية التي في يونس ﴿ فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله ﴾ إلى قوله: ﴿ ولو كره المجرمون ﴾ وقوله: ﴿ فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون ﴾ [ الأعراف: 118] إلى آخر أربع آيات وقوله: ﴿ إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى ﴾ [ طه: 69] .
وأخرج ابن المنذر عن هرون رضي الله عنه قال: في حرف أبي بن كعب ﴿ ما أتيتم به سحر ﴾ وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ ما جئتم به سحر ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ ﴾ الآية، قال أهل المعاني: أعيد ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ بعد ﴿ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ ﴾ (١) (٢) ودلت الآية على أن التوكل والتفويض إلى الله من كمال الإيمان، وأن من كان يؤمن بالله فليتوكل على الله ويسلم أمره إليه عند نزول الشدائد على الثقة بحسن تدبيره له (٣) (١) نص الآية: ﴿ وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ .
(٢) لم أقف عليه عند أهل المعاني، وذكر نحوه ابن عطية في "المحرر الوجيز" 7/ 202.
(٣) ساقط من (ى).
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَمَآ آمَنَ لموسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ ﴾ الضمير عائد على موسى، ومعنى الذرية شبان وفتيان من بني إسرائيل آمنوا به على خوف من فرعون، وقيل: إن الضمير عائد على فرعون، فالذرية على هذا من قوم فرعون، وروي في هذا أنها امرأة فرعون وخازنته وامرأة خازنه، وهذا بعيد، لأن هؤلاء لا يقال لهم ذرية، ولأن الضمير ينبغي أن يعود على أقرب مذكور ﴿ خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ ﴾ الضمير يعود على الذرية أي آمنت الذرية من بني إسرائيل، على خوف من فرعون وملأ من بني إسرائيل، لأن الأكابر من بني إسرائيل كانوا يمنعون أولادهم من الإيمان خوفاً من فرعون، وقيل: يعود على فرعون بمعنى آل فرعون كما يقال ربيعة ومضر أو لأنه ذو أصحاب يأتمرون له ﴿ أَن يَفْتِنَهُمْ ﴾ بدل من فرعون ﴿ لَعَالٍ فِي الأرض ﴾ أي متكبر قاهر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ شأن ﴾ بغير همز حيث كان: أبو عمرو غير شجاع والأعشى ويزيد والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يعزب ﴾ بالكسر حيث كان: علي.
الباقون بالضم.
﴿ ولا أصغر ﴾ ﴿ ولا أكبر ﴾ بالرفع فيهما: حمزة وخلف وسهل ويعقوب والمفضل.
الآخرون بالنصب.
الوقوف: ﴿ تفيضون فيه ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه ج لأن ﴿ الذين ﴾ يصلح صفة ﴿ لأولياء ﴾ ويصلح نصباً أو رفعاً على المدح فيوقف على ﴿ يتقون ﴾ أو مبتدأ خبره ﴿ لهم البشرى ﴾ فلا يوقف على ﴿ يتقون ﴾ ﴿ وفي الآخرة ﴾ ط ﴿ لكلمات الله ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ط لأنه لو وصل لأوهم أن الضمير عائد إلى ﴿ أولياء ﴾ وقول الأولياء لا يحزن الرسول.
﴿ قولهم ﴾ م لئلا يوهم أن قوله: ﴿ إن العزة ﴾ مقول الكفار.
﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ يخرصون ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه { } ط ﴿ الغني ﴾ ط ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ بهذا ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ لا يفلحون ﴾ ه ط، ﴿ يكفرون ﴾ ه.
التفسير: لما بين فساد طريقة الكفار في عقائدهم وأحكامهم بيّن كونه عالماً بعمل كل أحد وبما في قلبه من الدواعي والصوارف والرياء والإخلاص وغير ذلك فقال: ﴿ وما تكون ﴾ يا محمد ﴿ في شأن ﴾ أي أمر من الأمور.
وأصله الهمز بمعنى القصد من شأنت شأنه إذا قصدت قصده.
قال ابن عباس: أي في شأن من أعمال البر.
وقال الحسن: في شأن الدنيا وحوائجها و "ما" في ﴿ وما تكون ﴾ ﴿ وما تتلو ﴾ نافية والضمير في ﴿ منه ﴾ إما لله عز وجل أي نازل من عنده، وإما للشأن لأن تلاوة القرآن شأن من شؤون رسول الله بل هو معظم شأنه ولهذا أفرد بالذكر كقوله: ﴿ وملائكته وجبريل وميكال ﴾ وإما للقرآن والإضمار قبل الذكر تفخيم له كأنه قيل: وما تتلو من التنزيل من قرآن لأن كل جزء منه قرآن.
ثم عمم الخطاب فقال: ﴿ ولا تعملون ﴾ أيها المكلفون ﴿ من عمل ﴾ أيّ عمل كان ﴿ إلا كنا عليكم شهوداً ﴾ شاهدين رقباء والجمع للتعظيم أو لأن المراد الملائكة الموكلون ﴿ إذ تفيضون فيه ﴾ الإفاضة الشروع في العمل على جهة الانصباب والاندفاع ومنه قوله: ﴿ فإذا أفضتم من عرفات ﴾ قيل: شهادة الله علمه فيلزم أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وجودها.
والجواب أن الشهادة علم خاص ولا يلزم منه امتناع تقدم العلم المطلق على الشيء كما لو أخبرنا الصادق أن زيداً يفعل كذا غداً فنكون عالمين بذلك لا شاهدين.
ثم زاد في التعميم فقال: ﴿ وما يعزب عن ربك ﴾ أي لا يبعد ولا يغيب ومنه كلأ عازب أي بعيد، والرجل العزب لبعده عن الأهل.
ومعنى ﴿ مثقال ذرة ﴾ قد مر في قوله: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ وذلك في سورة النساء.
والمقصود أنه لا يغيب عن علمه شيء أصلاً وإن كان في غاية الحقارة.
وإنما قال ههنا ﴿ في الأرض ولا في السماء ﴾ خلاف ما في سورة سبأ وهو المعهود في القرآن لأن الكلام سيق لشاهدته على شؤون أهل الأرض فناسب أن يقدم ذكر ما في الأرض، هذا بعد تسليم أن الواو تفيد الترتيب.
ثم بالغ في تعميم علمه فقال: ﴿ ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ﴾ من قرأ بالنصب على نفي الجنس أو بالرفع على الابتداء ليكون كلاماً برأسه فلا إشكال، وأما من جعله منصوباً معطوفاً على لفظ مثقال لأنه في موضع الجر بالفتح لامتناع الصرف، أو جعله مرفوعاً معطوفاً على محل ﴿ من مثقال ﴾ لأنه فاعل ﴿ يعزب ﴾ فأورد عليه الإشكال وهو أنه يصير تقدير الآية لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب، ويلزم منه أن يكون ذلك الشيء الذي في الكتاب خارجاً عن علم الله وإنه محال.
ويمكن أن يجاب عنه بأن الأشياء المخلوقة قسمان: قسم أوجده الله ابتداء من غير واسطة كخلق الملائكة والسموات والأرض.
وقسم آخر أوجده بواسطة القسم الأول من حوادث عالم الكون والفساد، ولا شك أن هذا القسم الثاني متباعد في سلسة العلية والمعلولية عن مرتبة واجب الوجود، فالمراد من الآية أنه لا يبعد عن مرتبة وجوده شيء في الأرض ولا في السماء إلا هو في كتاب مبين.
وهو كتاب أثبت فيه صور تلك المعلومات، والغرض الرد على من يزعم أنه غير عالم بالجزيئات.
أو نقول: إن الاستثناء منقطع بمعنى لكن هو في كتاب مبين.
وذكر أبو علي الجرجاني صاحب النظم إن "إلا" بمعنى الواو على أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿ ولا أكبر ﴾ ثم وقع الابتداء بكلام آخر فقال: ﴿ إلا في كتاب ﴾ أي وهو أيضاً في كتاب ﴿ مبين ﴾ والعرب تضع "إلا" موضع واو النسق كثيراً ومنه قوله: ﴿ إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم ﴾ يعني ومن ظلم.
وقوله: ﴿ لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا ﴾ يعني والذين ظلموا.
ثم إنه لما بين إحاطته بجميع الأشياء وكان في ذلك تقوية قلوب المطيعين وكسر قلوب المذنبين أتبعها تفصيل حال كل فريق فقال: ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ الآية.
والتركيب يدل على القرب فكأنهم قربوا منه لاستغراقهم في نور معرفته وجماله وجلاله.
قال أبو بكر الأصم: هم الذين تولى الله هدايتهم بالبرهان وتولوا القيام بحق عبوديته والدعوة إليه.
وقال المتكلمون: ولي الله من يكون آتياً بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل، ويكون آتياً بالأعمال الصالحة الواردة في الشريعة وعنوا بذلك قوله في وصفهم ﴿ الذين آمنوا ﴾ وهو إشارة إلى كمال حال القوة النظرية.
﴿ وكانوا يتقون ﴾ وهو إشارة إلى كمال حال القوة العملية.
وههنا مقام آخر وهو أن يحمل الإيمان على مجموع الاعتقاد والعمل ويكون الولي متقياً في كل الأحوال، أما في موقف العلم فبأن يقدس ذاته عن أن يكون مقصوراً على ما عرفه أو يكون كما وصفه، وأما في مقام العمل فأن يرى عبوديته وعبادته قاصرة عما يليق بكبريائه وجلاله فيكون أبداً في الخوف والدهشة.
وأما نفي الخوف والحزن عنهم فقد مر تفسيره في أوائل سورة البقرة: وعن سعيد بن جبير أن رسول الله سئل من أولياء الله؟
فقال: هم الذين يذكر الله برؤيتهم.
يعني أن مشاهدتهم تذكر أمر الآخرة لما فيهم من آثار الخشوع والإخبات والسكينة.
وعن عمر سمعت النبي يقول: "إن من عباد الله عباداً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله.
قالوا: يا رسول الله أخبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبهم.
قال: هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ الآية" يحكى أن إبراهيم الخواص كان في البادية ومعه واحد يصحبه، فاتفق في بعض الليالي ظهور حالة قوية وكشف تام له فجلس في موضعه وجاءه السباع ووقفوا بالقرب منه والمريد تسلق على رأس شجرة خوفاً منها والشيخ كان فارغاً من تلك السباع، فلما أصبح زالت تلك الحالة.
ففي الليلة الثانية وقعت بعوضة على بدنه فأظهر الجزع من تلك البعوضة فقال المريد: كيف تليق هذه الحالة بما قبلها؟
فقال الشيخ: تحملنا البارحة ما تحملناه بسبب قوة الوارد الغيبي، فلما غاب ذلك الوارد فإنا أضعف خلق الله.
ثم أخبر الله عنهم بأن ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ فقيل: بشراهم في الدنيا ما بشر الله به المؤمنين المتقين في غير مكان من كتابه ﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات ﴾ ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات ﴾ وقيل: إنها عبارة عن محبة الناس لهم وعن ذكرهم إياهم بالثناء الحسن.
عن أبي ذر قلت: يا رسول الله إن الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس.
قال: تلك عاجل بشرى المؤمن.
والدليل العقلي عليه أن الكمال محبوب لذاته فكل من اتصف بصفة الكمال كان محبوباً لكل أحد إذا أنصفه ولم يحسده، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب في معرفة الله معرضاً عما سواه.
ونور الله مخدوم بالذات ففي أي قلب حصل كان مخدوماً بالطبع لما سوى الله.
وقيل: هي الرؤيا الصالحة.
وعنه : "الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة" وسبب تخصيص هذا العدد أن النبي استنبىء بعد أربعين سنة إلى كمال عمره - وهو ثلاث وستون سنة - وكان يأتيه الوحي أوّلاً بطريقة المنام ستة أشهر.
ونسبة هذه المدة إلى ثلاث وعشرين سنة التي هي جميع مدة الوحي نسبة الواحد إلى ستة وأربعين.
وأما أن الرؤيا الصادقة توجب لبشارة فلأنها دليل صفاء القلب واتصال النفس إلى عالم القدس والاطلاع على بعض ما هنالك.
وعن عطاء: البشرى في الدنيا هي البشارة عند الموت ﴿ تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة ﴾ وأما البشرى في الآخرة فتلقي الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة وما يرون من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يقرأون منها إلى آخر أحوالهم في الجنة ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده وقد مر مثله في "الأنعام" ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين، وكلتا الجملتين اعتراض ولا يجب أن يقع بعد الاعتراض كلام.
تقول: فلان ينطق بالحق والحق أبلج، قال القاضي: ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ يدل على أنها قابلة للتبديل، وكل ما يقبل العدم امتنع أن يكون قديماً ومحل المنع ظاهر فإن نفي شيء عن شيء لا يلزم منه إمكانه له كقول الموحد: لا شريك لله.
ثم سلى رسوله عن صنيع الفريق المكذبين فقال: ﴿ ولا يحزنك ﴾ أو نقول: إنه كما أزال الحزن عنه في الآخرة بقوله: ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ أزال الحزن عنه في الدنيا بقوله: ﴿ ولا يحزنك قولهم ﴾ أي تكذيبهم لك وتهديدهم بالخدم والأموال وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك، وبالجملة كل ما يتكلمون به في شأنك من المطاعن والقوادح.
ثم استأنف قوله: ﴿ إن العزة لله ﴾ كأنه قيل: ما لي لا أحزن؟
فقيل: لأن العزة لله.
﴿ جميعاً ﴾ إن الغلبة والقهر له ولحزبه ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ﴾ وقرىء "أن" بالفتح لا على أنه بدل فإن ذلك يؤدي إلى أن القوم كانوا يقولون إن العزة لله جميعاً والرسول كان يحزنه ذلك وهذا كفر، بل لأن التقدير لأن العزة على صريح التعليل، وكان رسول الله واثقاً بوعد الله في جميع الأحوال وإن كان قد يقع في بعض الحروب والوقائع انكسار وهزيمة فإن الأمور بخواتيمها.
ثم أكد الوعد بقوله: ﴿ هو السميع العليم ﴾ يسمع ما يقولون ويعلم ما يدبرون فيكفيك شرهم.
ثم زاد في التأكيد مع إشارة إلى فساد عقيدة المشركين فقال: ﴿ ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض ﴾ فخصص ذوي العقول إما للتغليب وإما لأن الآية سيقت لبيان فساد عقائد أهل الشرك، فذكر أن العقلاء المميزين - وهم الملائكة والثقلان - كلهم عبيد له ولا يصلح أحد منهم لأن يكون شريكاً له فما وراءهم ممن لا يسمع ولا يعقل كالأصنام أولى بأن لا يكون نداً له.
ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ وما يتبع ﴾ "ما" نافية ومفعول ﴿ يدعون ﴾ محذوف أي ليس يتبع ﴿ الذين يدعون من دون الله شركاء ﴾ شركاء في الحقيقة إنما هي أسماء لا مسميات لها لأن شركة الله في الربوبية محال.
وإنما حذف أحد المكررين للدلالة، فالأول مفعول ﴿ يدعون ﴾ والثاني مفعول ﴿ يتبع ﴾ ويجوز أن تكون "ما" استفهامية بمعنى أي شيء يتبعون.
و ﴿ شركاء ﴾ على هذا نصب بـ ﴿ يدعون ﴾ ولا حاجة إلى إضمار.
ويجوز أن تكون "ما" موصولة معطوفة على "من" كأنه قيل: ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء أي وله شركاؤهم.
ثم زاد في التأكيد فقال: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ وقد مر مثله في سورة الأنعام.
ثم ذكر طرفاً من آثار قدرته مع إشارة إلى بعض نعمه فقال: ﴿ هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ﴾ طلباً للراحة ﴿ والنهار مبصراً ﴾ ذا إبصار باعتبار صاحبه أي جعله مضيئاً لتهتدوا به في حوائجكم وهذان طرفان من منافع الليل والنهار ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ﴾ سماع تأمل وتدبر وقبول.
ثم حكى نوعاً آخر من أباطيلهم فقال: {قالوا اتخذ الله ولداً } وقد مر في "البقرة".
ولما نزه نفسه عن اتخاذ الولد برهن على ذلك بقوله: ﴿ هو الغني ﴾ وتقريره أن الغنى التام يوجب امتناع كونه ذا أجزاء، وحصول الولد لا يتصور إلا بعد انفصال جزء منه يكون كالبذر بالنسبة إلى النبات، وأيضاً إنما يحتاج إلى الولد وإلى توليد المثل الذي يقوم مقامه من يكون بصدد الانقضاء والانقراض فالأزلي القديم لا يفتقر إلى الولد ولا يصح له مثل.
وأيضاً الغني لا يفتقر إلى الشهوة ولا إلى إعانة الولد، ولو صح أن يتولد منه مثله لصح أن يكون هو أيضاً متولداً من مثله ولا يشكل هذا بالولد الأول من الأشخاص الحيوانية فإن المدعي هو الصحة لا الوقوع.
ثم بالغ في البرهان فقال: ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ وإذا كان الكل ملكه وعبيده فلا يكون شيء منها ولداً له لأن الأب يساوي الابن في الطبيعة بخلاف المالك.
ثم زيف دعواهم الفاسدة فقال: ﴿ إن عندكم من سلطان بهذا ﴾ أي ما عندكم من حجة بهذا القول.
قال في الكشاف: والباء حقها أن تتعلق بقوله: ﴿ إن عندكم ﴾ على أن يجعل القول مكاناً للسلطان كقولك: ما عندكم بأرضكم موز.
كأنه قيل: إن عندكم فيما تقولون سلطان.
أقول: كأنه نظر إلى أن استعمال الباء بمعنى "في" أكثر منه بمعنى "على".
ثم وبخهم على القول بلا دليل ومعرفة فقال: ﴿ أتقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ .
ثم أوعدهم على افترائهم فقال: ﴿ قل إن الذين يفترون ﴾ الآية.
ثم بين أن ذلك المفتري إن فاز بشيء من المطالب العاجلة والمآرب الخسيسة من رياسة ظاهرة وغرض زائل فذلك ﴿ متاع قليل ﴾ في الدنيا.
ثم لا بد من الموت والرجوع إلى حكم الله ثم حصول الشقاء المؤبد والعذاب الأليم أعاذنا الله منه.
التأويل: ﴿ وما تكون في شأن ﴾ من النبوة ﴿ وما تتلوا ﴾ من شأن النبوة ﴿ من قرآن ﴾ ﴿ ولا تعملون ﴾ يا أمة محمد ﴿ من عمل ﴾ من الأعمال من قبول القرن ورده من مثقال ذرة مما أظهر من حركة في أرض البشرية بعمل من أعمال الخير والشر.
﴿ ولا في السماء ﴾ أي في سماء القلوب بالنيات الصالحة والفاسدة ﴿ ولا أصغر ﴾ من الحركة وهو القصد دون الفعل ﴿ ولا أكبر ﴾ من النية وهو العمل ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ الذين هم أعداء النفوس ﴿ لا خوف عليهم ﴾ من تمني النظر بنفوسهم ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ على ما فاتهم من شهوات النفوس للعداوة القائمة بينهم ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا ﴾ بالوقائع والمبشرات ﴿ وفي الآخرة ﴾ بكشف القناع عن جمال العزة.
﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ لأحكامه الأزلية حيث قال للولي كن ولياً وللعدوّ كن عدواً ﴿ ولا يحزنك ﴾ يا رسول القلب قول مشركي النفوس في تزيين شهوات الدنيا ولذاتها في نظرك ﴿ إن العزة لله جميعاً ﴾ يعز من يشاء في الدنيا وفي الآخرة جميعاً فلا يمنعه نعيم الدنيا عن نعيم الآخرة بل ربما يعينه على الآخرة كما جاء في الحديث الرباني "وإن من عبادي من لا يصلحه الا الغنى فإن أفقرته يفسده ذلك" ﴿ ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض ﴾ أي القلوب السماوية والنفوس الأرضية ﴿ إن يتبعون إلا الظن ﴾ أي يظنون أنهم يتبعون شركاء الدنيا والهوى باختيارهم لا باختيارنا ﴿ هو الذي جعل لكم ﴾ ليل البشرية لتستريحوا فيه من تعب المجاهدات، وتزول عنكم الملالة والكلالة ونهار الروحانية ذا ضياء وبصيرة يبصر بها مصالح السلوك والترقي في المقامات ﴿ لقوم يسمعون ﴾ حقائق القرآن بسمع القلوب الواعية.
ثم أخبر عن الشبهات التي تقع في أثناء السلوك قالوا أي مشركو النفوس عند تجلي الروح بالخلافة في صفة الربوبية معترفاً بتجلي صفة إبداع الحق ومبدعة الروح مع كمال قربه واختصاصه بالحق عند بقاء تصرفات الخيال حتى تثبت الأبوة والبنوة بين الله وبين العبد، إذ البنوة أخص التعلقات بالوالد.
وهذا الكشف والابتداء هو مبتدأ ضلالة اليهود والنصارى ﴿ له ما في السموات ﴾ الروحانية من الكشوف والأحوال ﴿ وما في الأرض ﴾ البشرية من الوهم والخيال وما ينشأ من الشبهات والآفات ﴿ إن الذين يفترون ﴾ هم النفوس الأمارة بالسوء ﴿ لا يفلحون ﴾ لا يظفرون بكشف الحقائق {ثم نذيقهم لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا فأحسوا بالألم والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ ﴾ أي: خبره وحديثه، ﴿ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .
قال بعضهم: إن كان كبر عليكم طول مقامي ومكثي فيكم ودعائي إياكم إلى عبادة الله، والطاعة له، وتذكيري إياكم بآياته.
قال بعضهم: وتذكيري بعذابه بترككم إجابتي ودعائي.
ويحتمل قوله: ﴿ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي ﴾ بما ادعى من الرسالة، ﴿ وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ أي بحجج الله على ما ادعيت من الرسالة.
وفي قوله: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ ﴾ وجوه: أحدها: اتل منابذة نوح قومه وما أرادوا به من الكيد والمكر به.
والثاني: اذكر عواقب قوم نوح، وما حل بهم من سوء معاملتهم رسولهم.
والثالث: اذكر لهولاء عواقب متبعي قومه ومخالفيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ﴾ قال بعضهم: أي اجتمعوا أنتم وشركاؤكم ثم كيدوني ، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة، أي: اجعلوا ما تسرون من الكيد والمكر بي ظاهراً غير ملتبس ولا مشبه.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ ﴾ أي: أعدوا أمركم وادعوا شركاءكم؛ وكذلك روي في حرف أبي: (فاجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم).
﴿ ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ أي: اقضوا ما أنتم قاضون.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ﴾ أي: لا يكبر عليكم أمركم.
وقال الكسائي: هو من التغطية واللبس، أي: لا تغطوه ولا تلبسوه، اجعلوا كلمتكم ظاهرة واحدة.
وعن ابن عباس - - قال: "لا يكن أمركم اغتماما عليكم"، أي: فرجوا عن أنفسكم؛ كقوله: ﴿ مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ...
﴾ الآية [الحج: 15].
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ أي: اعملوا بي ما تريدون ولا تنظرون؛ وهو كقوله: ﴿ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ﴾ .
وقال الكسائي: هو من الإنهاء والإبلاغ؛ وهو كقوله: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ...
﴾ الآية [الإسراء: 4] ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ ﴾ ، أي: أنهينا إليه وأبلغنا إليه.
وقال أبو عوسجة: إن شئت جعلتها ظلمة فلا يبصرون أمرهم يعني غمّة، وإن شئت جعلتها شكا واشتقاق الغمة، من غم يغم غما أي غطى يغطي، تقول: غممت رأسه أي غطيته، ﴿ ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ ﴾ أي: افعلوا بي ما أردتم وفي قول نوح لقومه: ﴿ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ...
﴾ إلى قوله: ﴿ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ ، وقول هود: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ ، وقول رسول الله: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ ﴾ دلالة إثبات رسالتهم؛ لأنهم قالوا ذلك لقومهم وهم بين أظهرهم، ولم يكن معهم أنصار ولا أعوان؛ دل أنهم إنما قالوا ذلك اعتماداً على الله واتكالا بمعونته ونصرته إياهم.
وقال بعضهم في قوله: ﴿ ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ ﴾ أي: فافرغوا إلى يقال [قضى] فرغ؛ وهو قول أبي بكر الأصم.
وقال بعضهم: ثم اقضوا إلي أن امضوا إلي كقوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ ﴾ و ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ ﴾ ونحوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ ﴾ : التولي اسم لأمرين: اسم للإعراض والإدبار؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، واسم للإقبال والقبول أيضاً؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ...
﴾ الآية [المائدة: 56] ونحوه، فهاهنا يحتمل الأمرين جميعاً، أي: فإن توليتم أي أقبلتم وقبلتم ما أعرضه عليكم وأدعوكم إليه، ﴿ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ ﴾ أي: ما أجري إلا على الله.
وإن كان في الإعراض فكأنه يقول: كيف أعرضتم عن قبوله، ولم أسألكم على ذلك أجراً فيكون لكم عذر في الإعراض والرد؟!
كقوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً ﴾ الآية [الطور: 40]، أي: لم أسألكم على ما أعرضه عليكم وأدعوكم إليه غرما حتى يثقل عليكم ذلك الغرم، فيمنعكم ثقل الغرم عن الإجابة، ففي هذه الآية وغيرها دلالة منع أخذ الأجر على تعليم القرآن والعلم؛ لأنه لو جاز أخذ الأجر على ذلك لكان لهم عذر ألا يبذلوا ذلك ولا يتعلموا شيئاً من ذلك، وفي ذلك هدم شرائع الله وإسقاطها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ أي: مسلماً نفسي إلى الله، أي: سالماً، لا أجعل لأحد سواه فيها حقا ولا حظا، أو أمرت أن أكون من المخلصين [لله] والخاضعين له؛ هو يحتمل ذلك كله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ يعني: نوحاً كذبه قومه فيما ادعى من الرسالة، أو ما آتاهم من الآيات، أو ما أوعدهم من العذاب بتكذيبهم إياه.
﴿ فَنَجَّيْنَاهُ ﴾ يعني نوحاً، ﴿ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ ﴾ أي: من ركب معه الفلك من المؤمنين.
﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ ﴾ يحتمل خلائف خلفاء في الأرض وسكاناً يخلف بعضهم بعضا، ويحتمل جعلناهم خلائف أي خلف قوم أهلكوا واستؤصلوا بالتكذيب.
﴿ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ : يحتمل الآيات الحجج والبراهين التي أقامها على ما ادعى من الرسالة.
ويحتمل قوله: ﴿ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ العذاب الذي أوعدهم بتكذيبهم إياه فيما وعد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ ﴾ : كان أنذر الفريقين جميعاً المؤمن والكافر جميعاً؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ ﴾ فإذا كان ما ذكرنا فيكون تأويله: فانظر كيف كان عاقبة من أجاب ومن لم يجب: عاقبة من أجاب الثواب، وعاقبة من لم يجب العذاب.
ويحتمل المنذرين الذين لم يقبلوا الإنذار ولم يجيبوا، أي: انظر كيف كان عاقبتهم بالهلاك والاستئصال، ويكون تأويل قوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ ﴾ أي: إنما يقبل الإنذار من اتبع الذكر، أو إنما ينتفع بالإنذار من اتبع الذكر، أو أما من لم يتبع الذكر لم ينتفع، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً ﴾ أي: من بعد نوح رسلا إلى قومهم، أي: بعثنا إلى كل قوم رسولا، لا أنه بعث الرسل جملة إلى قومهم، ولكن واحداً على أثر واحد.
﴿ فَجَآءُوهُمْ بِٱلْبَيِّنَٰتِ ﴾ : يحتمل البينات الحجج والبراهين التي أقاموها على ما ادعوا من الرسالة والنبوة.
ويحتمل البينات بيان ما عليهم أن يأتوا ويتقوا.
ويحتمل البينات بما أخبروهم وأنبئوا قومهم بالعذاب أنه نازل بهم في الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ قال بعضهم: ما كان كفار مكة ليؤمنوا وليصدقوا بالآيات والبيانات كما لم يصدق به أوائلهم.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ أي: قبل بعث الرسل، ففيه دلالة أن أهل الفترة يؤاخذون بالتكذيب في حال الفترة.
ويحتمل قوله: ﴿ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ أي: من قبل إتيان البينات، أي: ما كانوا ليؤمنوا بعدما جاءوا بالبينات بما كذبوا به من قبل مجيء البينات.
﴿ كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ ﴾ أي: هكذا نطبع على قلوب أهل مكة كما طبعنا على قلوب أوائلهم؛ إذ علم أنهم لا يقبلون الآيات ولا يؤمنون بها، والاعتداء هو الظلم مع العناد والمجاوزة عن الحد الذي جعل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ هو يخرج على وجهين؛ أحدهما: ما كانوا ليؤمنوا بالبينات إذا جاءتهم البينات على السؤال، وهكذا عادتهم أنهم لا يؤمنون بالآيات إذا أتتهم على السؤال.
والثاني: ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا على علم منهم أنها آيات وأنه رسول؛ والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وقال موسى لقومه: يا قوم، إن كنتم آمنتم بالله إيمانًا حقًّا، فعلى الله وحده اعتمدوا إن كنتم مسلمين، فالتوكل على الله يدفع عنكم السوء، ويجلب لكم الخير.
<div class="verse-tafsir" id="91.ZVv5M"