تفسير الآية ٩٨ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٩٨ من سورة يونس

فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَـٰنُهَآ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا۟ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍۢ ٩٨

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 101 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ٩٨ من سورة يونس من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ٩٨ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : فهلا كانت قرية آمنت بكمالها من الأمم السالفة الذين بعثنا إليهم الرسل ، بل ما أرسلنا من قبلك يا محمد من رسول إلا كذبه قومه ، أو أكثرهم كما قال تعالى : ( ياحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ) [ يس : 30 ] ، ( كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ) [ الذاريات : 52 ] ، ( وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) [ الزخرف : 23 ] وفي الحديث الصحيح : " عرض علي الأنبياء ، فجعل النبي يمر ومعه الفئام من الناس ، والنبي معه الرجل والنبي معه الرجلان ، والنبي ليس معه أحد " ثم ذكر كثرة أتباع موسى ، عليه السلام ، ثم ذكر كثرة أمته ، صلوات الله وسلامه عليه ، كثرة سدت الخافقين الشرقي والغربي .

والغرض أنه لم توجد قرية آمنت بكمالها بنبيهم ممن سلف من القرى ، إلا قوم يونس ، وهم أهل نينوى ، وما كان إيمانهم إلا خوفا من وصول العذاب الذي أنذرهم به رسولهم ، بعد ما عاينوا أسبابه ، وخرج رسولهم من بين أظهرهم ، فعندها جأروا إلى الله واستغاثوا به ، وتضرعوا لديه .

واستكانوا وأحضروا أطفالهم ودوابهم ومواشيهم ، وسألوا الله تعالى أن يرفع عنهم العذاب الذي أنذرهم به نبيهم .

فعندها رحمهم الله ، وكشف عنهم العذاب وأخروا ، كما قال تعالى : ( إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ) .

واختلف المفسرون : هل كشف عنهم العذاب الأخروي مع الدنيوي ؟

أو إنما كشف عنهم في الدنيا فقط ؟

على قولين ، أحدهما : إنما كان ذلك في الحياة الدنيا ، كما هو مقيد في هذه الآية .

والقول الثاني فيهما لقوله تعالى : ( وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين ) [ الصافات : 147 ، 148 ] فأطلق عليهم الإيمان ، والإيمان منقذ من العذاب الأخروي ، وهذا هو الظاهر ، والله أعلم .

قال قتادة في تفسير هذه الآية : لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين حضرها العذاب ، فتركت ، إلا قوم يونس ، لما فقدوا نبيهم وظنوا أن العذاب قد دنا منهم ، قذف الله في قلوبهم التوبة ، ولبسوا المسوح ، وفرقوا بين كل بهيمة وولدها ثم عجوا إلى الله أربعين ليلة .

فلما عرف الله منهم الصدق من قلوبهم ، والتوبة والندامة على ما مضى منهم كشف الله عنهم العذاب بعد أن تدلى عليهم - قال قتادة : وذكر أن قوم يونس كانوا بنينوى أرض الموصل .

وكذا روي عن ابن مسعود ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وغير واحد من السلف ، وكان ابن مسعود يقرؤها : " فهلا كانت قرية آمنت " .

وقال أبو عمران ، عن أبي الجلد قال : لما نزل بهم العذاب ، جعل يدور على رءوسهم كقطع الليل المظلم ، فمشوا إلى رجل من علمائهم فقالوا : علمنا دعاء ندعوا به ، لعل الله يكشف عنا العذاب ، فقال : قولوا : يا حي حين لا حي ، يا محيي الموتى لا إله إلا أنت .

قال : فكشف عنهم العذاب .

وتمام القصة سيأتي مفصلا في سورة الصافات إن شاء الله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: فهلا كانت قرية آمنت؟

(1) وهي كذلك فيما ذكر في قراءة أبيّ.

ومعنى الكلام: فما كانت قرية آمنت عند معاينتها العذاب ، ونـزول سَخَط الله بها ، بعصيانها ربها واستحقاقها عقابه، فنفعها إيمانها ذلك في ذلك الوقت، كما لم ينفع فرعون إيمانه حين أدركه الغرق بعد تماديه في غيّه، واستحقاقه سَخَط الله بمعصيته ، إلا قوم يونس، فإنهم نفعهم إيمانهم بعد نـزول العقوبة وحلول السخط بهم.

فاستثنى الله قوم يونس من أهل القرى الذين لم ينفعهم إيمانهم بعد نـزول العذاب بساحتهم، وأخرجهم منهم، وأخبر خلقه أنه نفعهم أيمانهم خاصة من بين سائر الأمم غيرهم.

* * * فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت من أن قوله: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها) ، بمعنى : فما كانت قرية آمنَت ، بمعنى الجحود، فكيف نصب " قوم " وقد علمت أن ما قبل الاستثناء إذا كان جحدًا كان ما بعده مرفوعًا، وأن الصحيح من كلام العرب: " ما قام أحدٌ إلا أخوك " ، و " ما خرج أحدٌ إلا أبوك " ؟

قيل: إن ذلك فيما يكون كذلك إذا كان ما بعد الاستثناء من جنس ما قبله، وذلك أن " الأخ " من جنس " أحد "، وكذلك " الأب " ، ولكن لو اختلف الجنسان حتى يكون ما بعد الاستثناء من غير جنس ما قبله ، كان الفصيح من كلامهم النصبُ، وذلك لو قلت: " ما بقي في الدار أحدٌ إلا الوتدَ"، و " ما عندنا أحدٌ إلا كلبًا أو حمارًا "، لأن " الكلب "، و " الوتد " ، و " الحمار " ، من غير جنس " أحد " ، ومنه قول النابغة الذبياني: عَيَّتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ ثم قال: إِلا أَوَارِيَّ لأيًـــا مَـــا أُبَيَّنُهــا وَالنُّـؤْي كَـالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَـةِ الجَلَدِ (2) فنصب " الأواري" إذ كان مستثنى من غير جنسه.

فكذلك نصب (قوم يونس)، لأنهم أمة غير الأمم الذين استثنوا منهم ، ومن غير جنسهم وشكلهم ، وإن كانوا من بني آدم.

وهذا الاستثناء الذي يسميه بعض أهل العربية الاستثناء المنقطع، (3) ولو كان (قوم يونس ) بعض " الأمة " الذين استثنوا منهم ، كان الكلام رفعًا، ولكنهم كما وصفت.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 17897- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس قوله: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها) ، يقول: لم تكن قرية آمنت فنفعها الإيمان إذا نـزل بها بأس الله، إلا قرية يونس.

قال ابن جريج: قال مجاهد: فلم تكن قرية آمنت فنفعها إيمانها كما نفع قوم يونس إيمانهم إلا قوم يونس.

17898- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) ، يقول: لم يكن هذا في الأمم قبلهم لم ينفع قريةً كفرت ثم آمنت حين حضرها العذابُ، فتُرِكت، إلا قوم يونس ، لما فقدوا نبيَّهم وظنوا أن العذاب قد دنا منهم، قذف الله في قلوبهم التوبة ، ولبسوا المسوح ، [وفرقوا] بين كل بهيمة وولدها، (4) ثم عجُّوا إلى الله أربعين ليلةً.

فلما عرف الله الصِّدق من قلوبهم ، والتوبة والندامة على ما مضى منهم، كشف الله عنهم العذاب بعد أن تدلَّى عليهم.

قال: وذكر لنا أن قوم يونس كانوا بنينوى أرضِ الموصل.

17899- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (إلا قوم يونس) ، قال: بلغنا أنهم خرجوا فنـزلوا على تل ، وفرقوا بين كل بهيمة وولدها ، يدعون الله أربعين ليلة ، حتى تاب عليهم.

17900- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبد الحميد الحماني، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن سعيد بن جبير قال: غشَّى قوم يونس العذابُ، كما يغشِّي الثوبُ القبرَ.

(5) 17901- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن صالح المري، عن قتادة، عن ابن عباس: إن العذاب كان هبط على قوم يونس، حتى لم يكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل، فلما دَعَوْا كشف الله عنهم.

17902- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ، وإسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء ، جميعًا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا)، قال: كما نفع قوم يونس.

زاد أبو حذيفة في حديثه ، قال: لم تكن قرية آمنت حين رأت العذاب فنفعها إيمانها، إلا قوم يونس متعناهم.

17903- حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس قال ، حدثنا رجل قد قرأ القرآن في صدره ، في إمارة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، (6) فحدّث عن قوم يونس حين أنذر قومه فكذّبوه، فأخبرهم أن العذاب يصيبهم ، وفارقهم .

(7) فلما رأوا ذلك وغشيهم العذاب ، [لكنهم] خرجوا من مساكنهم ، (8) وصعدوا في مكان رفيع، وأنهم جأروا إلى ربهم ودعوه مخلصين له الدين : أن يكشف عنهم العذاب ، وأن يرجعَ إليهم رسولهم.

قال: ففي ذلك أنـزل: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) ، فلم تكن قرية غشيها العذاب ثم أمسك عنها ، إلا قوم يونس خاصة.

فلما رأى ذلك يونس، [لكنه ] ذهب عاتبًا على ربه ، (9) وانطلق مغاضبًا وظنّ أن لن يُقدرَ عليه، حتى ركب في سفينة ، فأصاب أهلَها عاصفُ الريح ، فذكر قصة يونس وخبره.

17904- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح قال: " لما رأوا العذاب ينـزل ، فرَّقوا بين كل أنثى وولدها من الناس والأنعام، ثم قاموا جميعًا فدعوا الله ، وأخلصوا إيمانهم، فرأوا العذاب يكشف عنهم.

قال يونس حين كشف عنهم العذاب: أرجع إليهم وقد كذَبْتُهم!

وكان يونس قد وعدهم العذاب بصبح ثالثةٍ، فعند ذلك خرج مغضبًا وساء ظنُّه.

(10) 17905- حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن سعيد بن جبير قال: لما أرسل يونس إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام وترك ما هم عليه.

قال: فدعاهم فأبوا، فقيل له: أخبرهم أن العذاب مصبِّحهم، فقالوا: إنا لم نجرب عليه كذبًا ، فانظروا، فإن بات فيكم فليس بشيء ، وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم.

فلما كان في جوف الليل أخذ عُلاثَةً فتزوّد منها شيئًا ، (11) ثم خرج، فلما أصبحوا تغشَّاهم العذاب ، كما يتغشَّى الإنسان الثوبَ في القبر، ففرقوا بين الإنسان وولده ، وبين البهيمة وولدها، ثم عجُّوا إلى الله فقالوا: آمنا بما جاء به يونس وصدّقنا!

فكشف الله عنهم العذاب، فخرج يونس ينظر العذاب فلم ير شيئًا ، قال: جَرَّبوا عليّ كذبًا!

فذهب مغاضبًا لربه حتى أتى البحر.

17906- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال ، حدثنا ابن مسعود في بيت المال ، قال: إن يونس عليه السلام كان قد وعد قومه العذاب ، وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام، ففرَّقوا بين كل والدة وولدها، ثم خرجوا فجأروا إلى الله واستغفروه .

فكف الله عنهم العذاب، وغدا يونس ينظر العذاب فلم ير شيئًا ، وكان من كذب ولم تكن له بيِّنةٌ قُتِل، فانطلق مغاضبًا.

17907- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا صالح المرى، عن أبي عمران الجوني، عن أبي الجلد جيلان قال: لما غشّى قوم يونس العذاب ، مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا له: إنه قد نـزل بنا العذاب فما ترى؟

فقال: قولوا : " يا حيُّ حين لا حيَّ، ويا حي محييَ الموتى، ويا حيُّ لا إله إلا أنت " !

فكشف عنهم العذاب ، ومُتِّعوا إلى حين.

(12) 17908- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال: بلغني في حرف ابن مسعود: " فلولا "، يقول (فَهَلا).

* * * وقوله: ( لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )، يقول: لما صدّقوا رسولهم ، وأقروا بما جاءهم به بعد ما أظلّهم العذاب وغشيهم أمْرُ الله ونـزل بهم البلاء، كشفنا عنهم عَذَاب الهوان والذلّ في حياتهم الدنيا (13) ، (ومتعناهم إلى حين) ، يقول: وأخَّرنا في آجالهم ولم نعاجلهم بالعقوبة، وتركناهم في الدنيا يستمتعون فيها بآجالهم إلى حين مماتهم ، ووقت فناء أعمارهم التي قَضَيْتُ فَنَاءها.

(14) ------------------ الهوامش : (1) انظر " لولا " بمعنى " هلا " 2 : 552 ، 553 / 11 : 266 ، 343 ، 356 .

(2) سلف الشعر وشرحه 9 : 203 ، تعليق : 3 ، 4 ، والمراجع هناك .

(3) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 479 ، 480 ، وفيه زيادة بيان .

(4) في المطبوعة : " وألهوا بين كل بهيمة .

.

.

"، ولا معنى له ، وفي المخطوطة : " وألفوا " غير منقوطة ، وقد أعياني أن أجد لقراءتها وجهًا ارتضيه ، فوضعت ( وفرقوا ) بين قوسين ، لأن هذه الكلمة بهذا المعنى ولا شك ، كما يتبين من الآثار التالية ، ومن رواية هذا الأثر عن قتادة في الدر المنثور 3 : 317 وفيه مكان هذه الكلمة المبهمة : " وفرقوا " كالتي أثبت بين القوسين .

(5) معنى هذا : كما يغشي القبر بالثوب ، إذا أدخل فيه صاحبه ، كما جاء في رواية هذا الأثر في الدر المنثور 3 : 318 ، باللفظ الذي ذكرته .

وانظر ما سيأتي رقم : 17905 .

(6) قوله : " قرأ القرآن في صدره " ، أي جمعه ، فحفظه جميعًا .

(7) في المطبوعة : " ففارقهم " بالفاء ، والصواب من المخطوطة .

(8) في المطبوعة : " لكنهم " ، ولا معنى لها ، وفي المخطوطة : " لكنهم " غير منقوطة ، ولست أدري ما صوابها ، والمشكل أنه جاء مثلها فيما يلي ، واستعصت علي قراءتها في الموضعين - فوضعتها بين القوسين في الموضوعين .

(9) انظر التعليق السالف .

(10) انظر تفسير " ساء ظنه " فيما سلف 3 : 585 ، تعليق : 1 / 13 : 95 ، تعليق : 4 .

(11) في المطبوعة : " أخذ مخلاته فتزود فيها شيئًا " ، خالف رسم المخطوطة ، وفيها رسم ما أثبته غير منقوط .

و " العلاثة " ( بضم العين ) : الأقط المخلوط بالسمن .

(12) الأثر : 17907 - " أبو الجلد " ، هو " جيلان بن أبي فروة الأسدي " ، مضى برقم 434 ، 723 ، 1913 .

(13) انظر تفسير " الخزي " فيما سلف 14 : 330 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(14) انظر تفسير " المتاع " فيما سلف من فهارس اللغة ( متع ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حينقوله تعالى فلولا كانت قرية آمنت قال الأخفش والكسائي : أي فهلا .

وفي مصحف أبي وابن مسعود " فهلا " وأصل لولا في الكلام التحضيض أو الدلالة على منع أمر لوجود غيره .

ومفهوم من معنى الآية نفي إيمان أهل القرى ثم استثنى قوم يونس ; فهو بحسب اللفظ استثناء منقطع ، وهو بحسب المعنى متصل ; لأن تقديره ما آمن أهل قرية إلا قوم يونس .

والنصب في قوم هو الوجه ، وكذلك أدخله سيبويه في " باب ما لا يكون إلا منصوبا " .

قال النحاس : إلا قوم يونس نصب لأنه استثناء ليس من الأول ، أي لكن قوم يونس ; هذا قول الكسائي والأخفش والفراء .

ويجوز .

" إلا قوم يونس " بالرفع ، ومن أحسن ما قيل في الرفع ما قال أبو إسحاق الزجاج قال : يكون المعنى غير قوم يونس ، فلما جاء بإلا أعرب الاسم الذي بعدها بإعراب غير ; كما قال :وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدانوروي في قصة قوم يونس عن جماعة من المفسرين : أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل وكانوا يعبدون الأصنام ، فأرسل الله إليهم يونس عليه السلام يدعوهم إلى الإسلام وترك ما هم عليه فأبوا ; فقيل : إنه أقام يدعوهم تسع سنين فيئس من إيمانهم ; فقيل له : أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث ففعل ، وقالوا : هو رجل لا يكذب فارقبوه فإن أقام معكم وبين أظهركم فلا عليكم ، وإن ارتحل عنكم فهو نزول العذاب لا شك ; فلما كان الليل تزود يونس وخرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه فتابوا ودعوا الله ولبسوا المسوح وفرقوا بين الأمهات والأولاد من الناس والبهائم ، وردوا المظالم في تلك الحالة .

وقال ابن مسعود : وكان الرجل يأتي الحجر قد وضع عليه أساس بنيانه فيقتلعه فيرده ; والعذاب منهم فيما روي عن ابن عباس على ثلثي ميل .

وروي على ميل .

وعن ابن عباس أنهم غشيتهم ظلة وفيها حمرة فلم تزل تدنو حتى وجدوا حرها بين أكتافهم .

وقال ابن جبير : غشيهم العذاب كما يغشى الثوب [ ص: 290 ] القبر ، فلما صحت توبتهم رفع الله عنهم العذاب .

وقال الطبري : خص قوم يونس من بين سائر الأمم بأن تيب عليهم بعد معاينة العذاب ; وذكر ذلك عن جماعة من المفسرين .

وقال الزجاج : إنهم لم يقع بهم العذاب ، وإنما رأوا العلامة التي تدل على العذاب ، ولو رأوا عين العذاب لما نفعهم الإيمان .

قلت : قول الزجاج حسن ; فإن المعاينة التي لا تنفع التوبة معها هي التلبس بالعذاب كقصة فرعون ، ولهذا جاء بقصة قوم يونس على أثر قصة فرعون لأنه آمن حين رأى العذاب فلم ينفعه ذلك ، وقوم يونس تابوا قبل ذلك .

ويعضد هذا قوله عليه السلام : إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر .

والغرغرة الحشرجة ، وذلك هو حال التلبس بالموت ، وأما قبل ذلك فلا .

والله أعلم .

وقد روي معنى ما قلناه عن ابن مسعود ، أن يونس لما وعدهم العذاب إلى ثلاثة أيام خرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه فتابوا وفرقوا بين الأمهات والأولاد ; وهذا يدل على أن توبتهم قبل رؤية علامة العذاب .

وسيأتي مسندا مبينا في سورة " والصافات إن شاء الله تعالى .

ويكون معنى كشفنا عنهم عذاب الخزي أي العذاب الذي وعدهم به يونس أنه ينزل بهم ، لا أنهم رأوه عيانا ولا مخايلة ; وعلى هذا لا إشكال ولا تعارض ولا خصوص ، والله أعلم .

وبالجملة فكان أهل نينوى في سابق العلم من السعداء .

وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال : إن الحذر لا يرد القدر ، وإن الدعاء ليرد القدر .

وذلك أن الله تعالى يقول : إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا .

قال رضي الله عنه : وذلك يوم عاشوراء .قوله تعالى ومتعناهم إلى حين قيل إلى أجلهم ، قال السدي وقيل : إلى أن يصيروا إلى الجنة أو إلى النار ; قاله ابن عباس .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: { فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ْ} من قرى المكذبين { آمَنَتْ ْ} حين رأت العذاب { فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا ْ} أي: لم يكن منهم أحد انتفع بإيمانه، حين رأى العذاب، كما قال تعالى عن فرعون ما تقدم قريبًا، لما قال: { آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ْ} فقيل له { آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ْ} وكما قال تعالى: { فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ْ} وقال تعالى: { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا ْ} والحكمة في هذا ظاهرة، فإن الإيمان الاضطراري، ليس بإيمان حقيقة، ولو صرف عنه العذاب والأمر الذي اضطره إلى الإيمان، لرجع إلى الكفران.

وقوله: { إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا ْ} بعدما رأوا العذاب، { كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ْ} فهم مستثنون من العموم السابق.

ولا بد لذلك من حكمة لعالم الغيب والشهادة، لم تصل إلينا، ولم تدركها أفهامنا.

قال الله تعالى: { وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ْ} إلى قوله: { وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ْ} ولعل الحكمة في ذلك، أن غيرهم من المهلكين، لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه.

وأما قوم يونس، فإن الله علم أن إيمانهم سيستمر، [بل قد استمر فعلا وثبتوا عليه] والله أعلم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( فلولا كانت ) أي : فهلا كانت ، ( قرية ) ومعناه : فلم تكن قرية لأن في الاستفهام ضربا من الجحد ، أي : أهل قرية ، ( آمنت ) عند معاينة العذاب ، ( فنفعها إيمانها ) في حالة البأس ( إلا قوم يونس ) فإنه نفعهم إيمانهم في ذلك الوقت .

و " قوم " نصب على الاستثناء المنقطع ، تقديره : ولكن قوم يونس ، ( لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ) وهو وقت انقضاء آجالهم .

واختلفوا في أنهم هل رأوا العذاب عيانا أم لا؟

فقال بعضهم : رأوا دليل العذاب؟

والأكثرون على أنهم رأوا العذاب عيانا بدليل قوله : " كشفنا عنهم عذاب الخزي " والكشف يكون بعد الوقوع أو إذا قرب .

وقصة الآية - على ما ذكره عبد الله بن مسعود ، وسعيد بن جبير ، ووهب وغيرهم - أن قوم يونس كانوا بنينوى ، من أرض الموصل ، فأرسل الله إليهم يونس يدعوهم إلى الإيمان فدعاهم فأبوا ، فقيل له : أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث ، فأخبرهم بذلك ، فقالوا : إنا لم نجرب عليه كذبا فانظروا فإن بات فيكم تلك الليلة فليس بشيء ، وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم ، فلما كان في جوف تلك الليلة خرج يونس من بين أظهرهم ، فلما أصبحوا تغشاهم العذاب فكان فوق رءوسهم قدر ميل .

وقال وهب : غامت السماء غيما أسود هائلا يدخن دخانا شديدا ، فهبط حتى تغشاهم في مدينتهم واسودت سطوحهم ، فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك ، فطلبوا يونس نبيهم فلم يجدوه ، وقذف الله في قلوبهم التوبة ، فخرجوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم ، ولبسوا المسوح وأظهروا الإيمان والتوبة ، وأخلصوا النية وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والأنعام فحن بعضها إلى بعض ، وعلت أصواتها ، واختلطت أصواتها بأصواتهم ، وعجوا وتضرعوا إلى الله عز وجل ، وقالوا آمنا بما جاء به يونس ، فرحمهم ربهم فاستجاب دعاءهم وكشف عنهم العذاب بعد ما أضلهم ، وذلك يوم عاشوراء ، وكان يونس قد خرج فأقام ينتظر العذاب وهلاك قومه فلم ير شيئا ، وكان من كذب ولم تكن له بينة قتل ، فقال يونس : كيف أرجع إلى قومي وقد كذبتهم؟

فانطلق عاتبا على ربه مغاضبا لقومه ، فأتى البحر فإذا قوم يركبون سفينة ، فعرفوه فحملوه بغير أجر ، فلما دخلها وتوسطت بهم ولججت ، ووقفت السفينة لا ترجع ولا تتقدم ، قال أهل السفينة : إن لسفينتنا لشأنا ، قال يونس : قد عرفت شأنها ركبها رجل ذو خطيئة عظيمة ، قالوا : ومن هو؟

قال : أنا ، اقذفوني في البحر ، قالوا : ما كنا لنطرحك من بيننا حتى نعذر في شأنك ، واستهموا فاقترعوا ثلاث مرات فأدحض سهمه ، والحوت عند رجل السفينة فاغرا فاه ينتظر أمر ربه فيه ، فقال يونس : إنكم والله لتهلكن جميعا أو لتطرحنني فيها ، فقذفوه فيه وانطلقوا وأخذه الحوت .

وروي : أن الله تعالى أوحى إلى حوت عظيم حتى قصد السفينة ، فلما رآه أهل السفينة مثل الجبل العظيم وقد فغر فاه ينظر إلى من في السفينة كأنه يطلب شيئا خافوا منه ، ولما رآه يونس زج نفسه في الماء .

وعن ابن عباس : أنه خرج مغاضبا لقومه فأتى بحر الروم فإذا سفينة مشحونة ، فركبها فلما لججت السفينة ، تكفأت حتى كادوا أن يغرقوا ، فقال الملاحون : هاهنا رجل عاص أو عبد آبق ، وهذا رسم السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري ، ومن رسمنا أن نقترع في مثل هذا فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في البحر ، ولأن يغرق واحد خير من أن تغرق السفينة بما فيها ، فاقترعوا ثلاث مرات ، فوقعت القرعة في كلها على يونس ، فقال يونس : أنا الرجل العاصي والعبد الآبق ، فألقى نفسه في الماء فابتلعه حوت ، ثم جاء حوت آخر أكبر منه وابتلع هذا الحوت ، وأوحى الله إلى الحوت لا تؤذي منه شعرة ، فإني جعلت بطنك سجنه ولم أجعله طعاما لك .

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نودي الحوت : إنا لم نجعل يونس لك قوتا ، إنما جعلنا بطنك له حرزا ومسجدا .

وروي : أنه قام قبل القرعة فقال : أنا العبد العاصي والآبق ، قالوا : من أنت؟

قال : أنا يونس بن متى ، فعرفوه فقالوا : لا نلقيك يا رسول الله ، ولكن نساهم فخرجت القرعة عليه ، فألقى نفسه في الماء .

قال ابن مسعود رضي الله عنه : ابتلعه الحوت فأهوى به إلى قرار الأرض السابعة ، وكان في بطنه أربعين ليلة فسمع تسبيح الحصى ، فنادى في الظلمات : أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، فأجاب الله له فأمر الحوت ، فنبذه على ساحل البحر ، وهو كالفرخ الممعط ، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين ، وهو الدباء ، فجعل يستظل تحتها ووكل به وعلة يشرب من لبنها ، فيبست الشجرة ، فبكى عليها فأوحى الله إليه : تبكي على شجرة يبست ، ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون وأردت أن أهلكهم ، فخرج يونس فإذا هو بغلام يرعى ، فقال : من أنت يا غلام؟

قال : من قوم يونس ، قال : إذا رجعت إليهم فأخبرهم أني لقيت يونس ، فقال الغلام : قد تعلم أنه إن لم تكن لي بينة قتلت ، قال يونس عليه السلام : تشهد لك هذه البقعة وهذه الشجرة ، فقال له الغلام : فمرها ، فقال يونس : إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له ، قالتا : نعم ، فرجع الغلام ، فقال للملك : إني لقيت يونس فأمر الملك بقتله ، فقال : إن لي بينة ، فأرسلوا معي ، فأتى البقعة والشجرة ، فقال : أنشدكما بالله هل أشهدكما يونس؟

قالتا : نعم ، فرجع القوم مذعورين ، وقالوا للملك : شهد له الشجرة والأرض ، فأخذ الملك بيد الغلام وأجلسه في مجلسه ، وقال : أنت أحق بهذا المكان مني ، فأقام لهم أمرهم ذلك الغلام أربعين سنة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فلولا» فهلا «كانت قرية» أريد أهلها «آمنت» قبل نزول العذاب بها «فنفعها إيمانها إلا» لكن «قوم يونس لما آمنوا» عند رؤية أمارة العذاب ولم يؤخروا إلى حلوله «كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين» انقضاء آجالهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لم ينفع الإيمان أهل قرية آمنوا عند معاينة العذاب إلا أهل قرية يونس بن مَتَّى، فإنهم لـمَّا أيقنوا أن العذاب نازل بهم تابوا إلى الله تعالى توبة نصوحا، فلمَّا تبيَّن منهم الصدق في توبتهم كشف الله عنهم عذاب الخزي بعد أن اقترب منهم، وتركهم في الدنيا يستمتعون إلى وقت إنهاء آجالهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

استمع إلى السورة الكريمة وهى تسوق كل ذلك وغيره بأسلوبها البليغ المؤثر فتقول :( فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا .

.

.

) .قال القرطبي ما ملخصه : " روى فى قصة يونس - عليه السلام - عن جماعة من المفسرين ، أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل - بالعراق - وكانوا يعبدون الأًنام ، فأرسل الله إليهم يونس يدعوهم إلى الإِسلام ، وترك ما هم عليه فأبوا ، فقيل : إنه أقام يدعوهم تسع سنين فيئس من إيمانهم .

فقيل له : أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث ففعل .

وقالوا : هو رجل لا يكذب فارقبوه ، فإن أقام معكم وبين أظهركم فلا عليكم ، ون ارتحل عنكم ، فهو نزول العذاب لا شك .

.فلما كان الليل تزود يونس وخرج عنهم ، فأصبحوا فلم يجدوه ، فآمنوا وتابوا ، ودعوا الله ولبسوا المسوح ، وفرقاو بين الأمهات والأولاد من الناس والبهائم ، وردوا المظالم .

.قال الزواج : " إنهم لم يقع بهم العذاب ، وإنما رأوا العلامة التي تدل على العذاب ، ولو رأوا العذاب لما نفعهم الإِيمان " .وكلمة ( لولا ) فى قوله - سبحانه - ( فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ .

.

.

) للحث والتحضيض ، فهى بمعنى هلا .والمقصود بالقرية أهلا وهم أقوام الأنبياء السابقين ، وهى اسم كان .

وقوله ( آمنت ) خبرها .

وقوله ( فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا ) معطوف على ( آمنت ) .والمعنى : فهلا عاد المكذبون إلى رشدهم وصوابهم ، فآمنوا بالحق الذى جاءتهم به رسلهم ، فنجوا بذلك من عذاب الاستئصال الذى حل بهم فقطع دابرهم ، كما نجا منه قوم يونس - عليه السلام - فإنهم عندما رأوا أمارت العذاب الذى أنذرهم به نبيهم آمنوا وصدقوا ، فكشف الله عنهم هذا العذاب الذى كاد ينزل بهم ، ومتعهم بالحياة المقدرة لهم ، إلى حين انقضاء آجالهم فى هذه الدنيا .قال الإِمام الشوكانى : والاستثناء بقوله : ( إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ .

.

) منقطع ، وهو استثناء من القرية لأن المراد أهلها .والمعنى : فهلا قرية واحدة من القرى التي أهلكناها آمنت إيمانا معتدا به - وذلك بأن يكون خالصا لله - قبل معاينة العذاب ، ولم تؤخره كما أخره فرعون ، لكن قوم يونس " لما آمنوا " إيمانا معتدا به قبل معاينة العذاب ، أو عند أول المعاينة قبل حلوله بهم " كشفنا عنهم عذا الخزى " أى : الذل والهوان .وقيل يحوز أن يكون متصلا ، والجملة فى معنى النفى ، كأنه قيل : " ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس .

.

.

"وقال الشيخ القاسمى ما ملخصه : " وما يرويه بعض المفسرين هنا من أن العذاب نزل عليهم ، وجعل يدور على رءوسهم .

.

ونحو هذا ، ليس له أصل لا فى القرآن ولا فى السنة .

.

.وفى الآية إشارة إلى أنه لم توجد قرية آمنت بأجمعها بنبيها المرسل إليها من سائر القرى ، سوى قوم يونس .والبقية دأبهم التكذيب ، كلهم أو أكثرهم ، كما قال - تعالى -( وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ) وفي الحديث الصحيح : " عرض على الأنبياء ، فجعل النبى يمر ومعه الفئام من الناس - أى العدد القليل - والنبى معه الرجل ، والنبى معه الرجلان ، والنبى ليس معه أحد " .وفي الآية الكريمة - أيضاً - تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من حزن بسبب إعراض قومه عن دعوته ، وفيها كذلك تعريض بأهل مكة ، وإنذارهم من سوء عاقبة الإِصرار على الكفر والجحود ، وحض لهم على أن يكونوا كقوم يونس - عليه السلام - الذين آمنوا قبل نزول العذاب فنفعهم إيمانهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين من قبل ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ  وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ  ﴾ أتبعه بهذه الآية، لأنها دالة على أن قوم يونس آمنوا بعد كفرهم وانتفعوا بذلك الإيمان، وذلك يدل على أن الكفار فريقان: منهم من حكم عليه بخاتمة الكفر، ومنهم من حكم عليه بخاتمة الإيمان وكل ما قضى الله به فهو واقع.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في كلمة ﴿ لَوْلاَ ﴾ في هذه الآية طريقان: الطريق الأول: أن معناه النفي، روى الواحدي في البسيط قال: قال أبو مالك صاحب ابن عباس كل ما في كتاب الله تعالى من ذكر لولا، فمعناه هلا، إلا حرفين، ﴿ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ ءامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا ﴾ معناه فما كانت قرية آمنت، فنفعها إيمانها، وكذلك ﴿ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القرون مِن قَبْلِكُمْ  ﴾ معناه، فما كان من القرون، فعلى هذا تقدير الآية، فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس.

وانتصب قوله: ﴿ إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ ﴾ على أنه استثناء منقطع عن الأول، لأن أول الكلام جرى على القرية، وإن كان المراد أهلها ووقع استثناء القول من القرية، فكان كقوله: وما بالربع من أحد *** ألاأواري وقرئ أيضاً بالرفع على البدل.

الطريق الثاني: أن ﴿ لَوْلاَ ﴾ معناه هلا، والمعنى هلا كانت قرية واحدة من القرى التي أهلكناها تابت عن الكفر وأخلصت في الإيمان قبل معاينة العذاب إلا قوم يونس.

وظاهر اللفظ يقتضي استثناء قوم يونس من القرى، إلا أن المعنى استثناء قوم يونس من أهل القرى، وهو استثناء منقطع بمعنى ولكن قوم يونس لما آمنوا فعلنا بهم كذا وكذا.

المسألة الثانية: روي أن يونس عليه السلام بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه فذهب عنهم مغاضباً، فلما فقدوه خافوا نزول العقاب، فلبسوا المسوح وعجوا أربعين ليلة، وكان يونس قال لهم إن أجلكم أربعون ليلة.

فقالوا: إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك، فلما مضت خمس وثلاثون ليلة ظهر في السماء غيم أسود شديد السواد، فظهر منه دخان شديد وهبط ذلك الدخان حتى وقع في المدينة وسود سطوحهم فخرجوا إلى الصحراء، وفرقوا بين النساء والصبيان وبين الدواب وأولادها فحن بعضها إلى بعض فعلت الأصوات، وكثرت التضرعات وأظهروا الإيمان والتوبة وتضرعوا إلى الله تعالى فرحمهم وكشف عنهم، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء يوم الجمعة وعن ابن مسعود بلغ من توبتهم أن يردوا المظالم حتى أن الرجل كان يقلع الحجر بعد أن وضع عليه بناء أساسه فيرده إلى مالكه، وقيل خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا قد نزل بنا العذاب فما ترى؟

فقال لهم قولوا يا حي حين لا حي.

ويا حي يا محيي الموتى ويا حي لا إله إلا أنت، فقالوا فكشف الله العذاب عنهم، وعن الفضل بن عباس أنهم قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله.

المسألة الثالثة: إن قال قائل إنه تعالى حكى عن فرعون أنه تاب في آخر الأمر ولم يقبل توبته وحكى عن قوم يونس أنهم تابوا وقبل توبتهم فما الفرق؟

والجواب: أن فرعون إنما تاب بعد أن شاهد العذاب، وأما قوم يونس فإنهم تابوا قبل ذلك فإنهم لما ظهرت لهم أمارات دلت على قرب العذاب تابوا قبل أن شاهدوا فظهر الفرق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَلَوْلاَ كَانَتْ ﴾ فهلا كانت ﴿ قَرْيَةٌ ﴾ واحدة من القرى التي أهلكناها، تابت عن الكفر وأخلصت الإيمان قبل المعاينة وقت بقاء التكليف، ولم تأخر كما أخر فرعون إلى أن أخذ بمخنقه ﴿ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا ﴾ بأن يقبله الله منها لوقوعه في وقت الاختيار.

وقرأ أبيّ وعبد الله: ﴿ فهلا كانت ﴾ ﴿ إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ ﴾ استثناء من القرى؛ لأنّ المراد أهاليها، وهو استثناء منقطع بمعنى: ولكن قوم يونس لما آمنوا.

ويجوز أن يكون متصلاً والجملة في معنى النفي، كأنه قيل: ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلاّ قوم يونس، وانتصابه على أصل الاستثناء.

وقرئ بالرفع على البدل، هكذا روي عن الجرمي والكسائي.

روي أن يونس عليه السلام بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه، فذهب عنهم مغاضباً، فلما فقدوه خافوا نزول العذاب.

فلبسوا المسوح، وعجوا أربعين ليلة.

وقيل: قال لهم يونس: إن أجلكم أربعون ليلة، فقالوا: إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك، فلما مضت خمس وثلاثون أغامت السماء غيماً أسود هائلاً يدخن دخاناً شديداً ثم يهبط حتى يغشى مدينتهم ويسوّد سطوحهم فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم، وفرّقوا بين النساء والصبيان، وبين الذواب وأولادها، فحنّ بعضها على بعض، وعلت الأصوات والعجيج، وأظهروا الإيمان والتوبة وتضرعوا، فرحمهم الله وكشف عنهم، وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة.

وعن ابن مسعود: بلغ من توبتهم أن ترادّوا المظالم، حتى إنّ الرجل كان يقتلع الحجر وقد وضع عليه أساس بنائه فيردّه، وقيل: خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا: قد نزل بنا العذاب فما ترى؟

فقال لهم: قولوا: «يا حيّ حين لا حيّ، ويا حيّ محيي الموتى، ويا حيّ لا إله إلاّ أنت» فقالوها فكشف عنهم.

وعن الفضيل بنعياض: قالوا: «اللَّهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلّت، وأنت أعظم منها وأجلّ، افعل بنا ما أنت أهله، ولا تفعل بنا ما نحن أهله» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ ﴾ فَهَلّا كانَتْ قَرْيَةٌ مِنَ القُرى الَّتِي أهْلَكْناها آمَنَتْ قَبْلَ مُعايَنَةِ العَذابِ، ولَمْ تُؤَخِّرْ إلَيْها كَما أخَّرَ فِرْعَوْنُ.

﴿ فَنَفَعَها إيمانُها ﴾ بِأنْ يَقْبَلَهُ اللَّهُ مِنها ويَكْشِفَ العَذابَ عَنْها.

﴿ إلا قَوْمَ يُونُسَ ﴾ لَكِنَّ قَوْمَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿ لَمّا آمَنُوا ﴾ أوَّلَ ما رَأوْا أمارَةَ العَذابِ ولَمْ يُؤَخِّرُوهُ إلى حُلُولِهِ.

﴿ كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَعْنى النَّفْيِ لِتَضَمُّنِ حَرْفِ التَّحْضِيضِ مَعْناهُ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا لِأنَّ المُرادَ مِنَ القُرى أهالِيها كَأنَّهُ قالَ: ما آمَنَ أهْلُ قَرْيَةٍ مِنَ القُرى العاصِيَةِ فَنَفَعَهم إيمانُهم إلّا قَوْمَ يُونُسَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الرَّفْعِ عَلى البَدَلِ.

﴿ وَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ ﴾ إلى آجالِهِمْ.

رُوِيَ: أنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى أهْلِ نَيْنَوى مِنَ المَوْصِلِ، فَكَذَّبُوهُ وأصَرُّوا عَلَيْهِ فَوَعَدَهم بِالعَذابِ إلى ثَلاثٍ.

وقِيلَ إلى ثَلاثِينَ.

وقِيلَ إلى أرْبَعِينَ، فَلَمّا دَنا المَوْعِدُ أغامَتِ السَّماءُ غَيْمًا أسْوَدَ ذا دُخانٍ شَدِيدٍ فَهَبَطَ حَتّى غَشِيَ مَدِينَتَهم، فَهابُوا فَطَلَبُوا يُونُسَ فَلَمْ يَجِدُوهُ فَأيْقَنُوا صِدْقَهُ، فَلَبِسُوا المُسُوحَ وبَرَزُوا إلى الصَّعِيدِ بِأنْفُسِهِمْ ونِسائِهِمْ وصِبْيانِهِمْ ودَوابِّهِمْ، وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ والِدَةٍ ووَلَدِها فَحَنَّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ وعَلَتِ الأصْواتُ والعَجِيجُ وأخْلَصُوا التَّوْبَةَ وأظْهَرُوا الإيمانَ وتَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ تَعالى، فَرَحِمَهم وكَشَفَ عَنْهم وكانَ يَوْمُ عاشُوراءَ يَوْمَ الجُمُعَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)

{فلولا كانت قرية آمنت} فهلا كانت قرية واحدة من القرى التي أهلكناها تابت عن الكفر وأخلصت الإيمان قبل المعاينة ولم تؤخر كما أخر فرعون إلى أن اخذ بحتفه {فنفعها إيمانها} بأن تقبل الله إيمانها منها بوقوعه في وقت الاختيار {إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ} استثناء منقطع أي ولكن قوم يونس أو متصل والجملة في معنى النفي كأنه قيل ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس وانتصابه على أصل الاستثناء {لما آمنوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخزى فِى الحياة الدنيا وَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ} إلى آجالهم رُوي أن يونس عليه السلام بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه فذهب عنه مغاضبا فلما فقدوه خافوا نزول عذاب فلبسوا المسوح كلهم وعجوا أربعين ليلة وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم وفرّقوا بين النساء والصبيان والدواب وأولادها فحن بعضهم إلى بعض وأظهروا الإيمان والتوبة فرحمهم وكشف عنهم وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة وبلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم حتى إن الرجل كان يقلع الحجر وقد وضع عليه أساس بنيانه فيرده وقيل خرجوا لما نزل بهم العذاب إلى شيخ من بقية علمائهم فقال له قولوا يا حى حين لا حى ويا حى محيى الموتى ويا حى لا إله إلا أنت

يونس (٩٩ _ ١٠٣)

فقالوا فكشف الله عنهم وعن الفضيل قدس الله روحه قالوا اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت اعظم منها وأجل افعل بناما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَلَوْلا كانَتْ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِتَقْرِيرِ هَلاكِهِمْ و(لَوْلا) هُنا تَحْضِيضِيَّةٌ فِيها مَعْنى التَّوْبِيخِ كَهَلّا ومِثْلُها ما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أفْضَلَ مَجْدِكم بَنِي ضَوْطَرِي لَوْلا الكَمى المُقَنَّعا ويَشْهَدُ لِذَلِكَ قِراءَةُ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (فَهَلّا) والتَّوْبِيخُ عَلى ما نُقِلَ عَنِ السَّفاقِسِيِّ عَلى تَرْكِ الإيمانِ المَذْكُورِ بَعْدُ (وكانَ) كَما اخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ ناقِصَةٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَرْيَةٌ ﴾ اسْمُها وجُمْلَةُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ آمَنَتْ ﴾ خَبَرُها وقَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ فَنَفَعَها إيمانُها ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الخَبَرِ أيْ فَهَلّا كانَتْ قَرْيَةٌ مِن القُرى التِّي أُهْلِكَتْ هَلاكَ الِاسْتِئْصالِ آمَنَتْ قَبْلَ مُعايَنَةِ العَذابِ ولَمْ تُؤَخِّرْ إيمانَها إلى حِينِ مُعايَنَتِهِ كَما أخَّرَ فِرْعَوْنُ إيمانَهُ فَنَفَعَها ذَلِكَ بِأنْ يَقْبَلَهُ اللَّهُ تَعالى مِنها ويَكْشِفَ بِسَبَبِهِ العَذابَ عَنْها وذَهَبَ السَّمِينُ وغَيْرُهُ إلى أنَّها تامَّةٌ وقَرْيَةٌ فاعِلُها وجُمْلَةُ آمَنَتْ صِفَةٌ ونَفَعَها مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ التَّحْضِيضُ والتَّوْبِيخُ عَلى الوُجُودِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِمُرادٍ وأُجِيبُ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ التَّحْضِيضُ عَلى الصِّفَةِ وحِينَئِذٍ لا غُبارَ عَلى ما قِيلَ وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِالقَرْيَةِ أهْلُها مَجازًا شائِعًا والقَرِينَةُ هُنا أظْهَرُ مِن أنْ تَخْفى وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ إلا قَوْمَ يُونُسَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَما قالَ الزَّجّاجُ وسِيبَوَيْهِ والكِسائِيُّ وأكْثَرُ النُّحاةِ أيْ لَكِنَّ قَوْمَ يُونُسَ ﴿ لَمّا آمَنُوا ﴾ عِنْدَما رَأوْا أماراتِ العَذابِ ولَمْ يُؤَخِّرُوا إلى حُلُولِهِ ﴿ كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ ﴾ أيِ الذُّلِّ والهَوانِ ﴿ فِي الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ بَعْدَ ما أظَلَّهم وكادَ يَنْزِلُ بِهِمْ ﴿ ومَتَّعْناهُمْ ﴾ بِمَتاعِ الدُّنْيا بَعْدَ كَشْفِ العَذابِ عَنْهم ﴿إلى حِينٍ 98﴾ أيْ زَمانٍ مِنَ الدَّهْرِ مُقَدَّرٍ لَهم في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.

ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَهُمُ اليَوْمَ أحْياءٌ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى سَتَرَهم عَنِ النّاسِ عَلى حَدِّ ما يُقالُ في الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ ما يُوافِقُهُ إلّا أنَّهُ ذُكِرَ فِيهِ أنَّهم يَظْهَرُونَ أيّامَ المَهْدِيِّ ويَكُونُونَ مِن جُمْلَةِ أنْصارِهِ ثُمَّ يَمُوتُونَ والكُلُّ مِمّا لا صِحَّةَ لَهُ وقالَ آخَرُونَ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ ويُرادُ مِنَ القَرْيَةِ أهْلُها المُشْرِفُونَ عَلى الهَلاكِ وقِيلَ: العاصُونَ ويُعْتَبَرُ النَّفْيُ الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ التَّحْضِيضُ وهو مُشْعِرٌ بِالأمْرِ أيْضًا ولِذا جَعَلُوهُ في حُكْمِهِ إلّا أنَّهُ لا يَصِحُّ اعْتِبارُهُ عَلى تَقْدِيرِ الِاتِّصالِ لِما يَلْزَمُهُ مِن كَوْنِ الإيمانِ مِنَ المُسْتَثْنَيْنَ غَيْرُ مَطْلُوبٍ وهو غَيْرُ مَطْلُوبٍ بَلْ فاسِدٌ وقِيلَ: لا مانِعَ مِن ذَلِكَ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ لِأنَّ أهْلَ القُرى مَحْضُوضُونَ عَلى الإيمانِ النّافِعِ ولَيْسَ قَوْمُ يُونُسَ مَحْضُوضِينَ عَلَيْهِ لِأنَّهم آمَنُوا والذَّوْقُ يَأْبى إلّا اعْتِبارَ النَّفْيِ فَقَطْ حالَ اعْتِبارِ الِاتِّصالِ ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَمّا آمَنُوا ﴾ اسْتِئْنافًا لِبَيانِ نَفْعِ إيمانِهِمْ وقُرِئَ (إلّا قَوْمُ) بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِن قَرْيَةٌ المُرادِ بِها أهْلُها وأيَّدَ بِذَلِكَ القَوْلَ بِالِاتِّصالِ واعْتِبارَ النَّفْيِ لِأنَّ البَدَلَ لا يَكُونُ إلّا في غَيْرِ المُوجِبِ وخَرَّجَ بَعْضُهم هَذِهِ القِراءَةَ عَلى أنَّ (إلّا) بِمَعْنى غَيْرَ وهي صِفَةٌ ظَهَرَ إعْرابُها فِيما بَعْدَها كَما في قَوْلِهِ عَلى رَأْيٍ وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ وظاهِرُ كَلامِهِمْ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُطْلَقًا مِن ﴿ قَرْيَةٌ ﴾ وعَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ عَلى الأوَّلِ مِنَ القَرْيَةِ لا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ آمَنَتْ ﴾ وعَلَّلَ بِأنَّ المُنْقَطِعَ بِمَعْنى لَكِنْ في تَوَسُّطٍ بَيْنَ الكَلامَيْنِ المُتَغايِرَيْنِ فَلا يُعْتَمَدُ ما لا يَسْتَقِلُّ ولِأنَّهُ لا مَدْخَلَ لِلْوَصْفِ أعْنِي الإيمانَ في المُسْتَثْنى مِنهُ فالِاسْتِثْناءُ عَنْ أصْلِ الكَلامِ وأمّا عَلى الثّانِي فَهو اسْتِثْناءٌ مِنَ الضَّمِيرِ مِن حَيْثُ المَعْنى جُعِلَ في اللَّفْظِ مِنهُ أوْ مِنَ القَرْيَةِ إذْ لا فَرْقَ في قَوْلِكَ: كانَ القَوْمُ مُنْطَلِقِينَ إلّا زَيْدًا بَيْنَ جَعْلِهِ مِنَ الِاسْمِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الخَبَرِ لِأنَّ الحُكْمَ إنَّما يَتِمُّ بِالخَبَرِ وإنَّما الفَرْقُ في نَحْوِ ضَرَبْتُ القَوْمَ العالَمِينَ إلّا زَيْدًا ثُمَّ قالَ: ونَظِيرُ هَذا في الوَجْهَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ إلا آلَ لُوطٍ ﴾ ووَجْهُ ذَلِكَ ظاهِرٌ.

وفي الكَشْفِ أنَّ وجْهَ الشَّبَهِ اخْتِلافُ مَعْنى الهَلاكِ عَلى الوَجْهَيْنِ كاخْتِلافِ مَعْنى الإرْسالِ هُنالِكَ عَلى الوَجْهَيْنِ وكَأنَّهُ عَنى بِالهَلاكِ المَأْخُوذِ قَيْدًا في قَوْلِهِ فَهَلّا كانَتْ قَرْيَةٌ مِنَ القُرى الَّتِي أهْلَكْناها فَتَدَبَّرْ وفي ﴿ يُونُسَ ﴾ لُغاتُ تَثْلِيثِ النُّونِ مَهْمُوزًا وغَيْرَ مَهْمُوزٍ والمُتَواتِرُ مِنها الضَّمُّ بِلا هَمْزٍ وكانَ مِن قِصَّةِ هَؤُلاءِ القَوْمِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ أنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى أهْلِ نِينَوى مِن أرْضِ المَوْصِلِ وكانُوا أهْلَ كُفْرٍ وشِرْكٍ فَدَعاهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى وحْدَهُ وتَرْكِ ما يَعْبُدُونَ مِنَ الأصْنامِ فَأبَوْا عَلَيْهِ وكَذَّبُوهُ فَأخْبَرَهم أنَّ العَذابَ مُصَبِّحُهم إلى ثَلاثٍ فَلَمّا كانَتِ اللَّيْلَةُ الثّالِثَةُ ذَهَبَ عَنْهم مِن جَوْفِ اللَّيْلِ فَلَمّا أصْبَحُوا تَغَشّاهُمُ العَذابُ فَكانَ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ إلّا قَدْرُ ثُلُثَيْ مَيْلٍ وجاءَ أنَّهُ غامَتِ السَّماءُ غَيْمًا أسْوَدَ هائِلًا يُدَخِّنُ دُخانًا شَدِيدًا فَهَبَطَ حَتّى غَشِيَ مَدِينَتَهم واسْوَدَّتْ أسْطِحَتُهم فَلَمّا أيْقَنُوا بِالهَلاكِ طَلَبُوا نَبِيَّهم فَلَمْ يَجِدُوهُ فَخَرَجُوا إلى الصَّحْراءِ بِأنْفُسِهِمْ ونِسائِهِمْ وصِبْيانِهِمْ ودَوابِّهِمْ ولَبِسُوا المُسُوحَ وأظْهَرُوا الإيمانَ والتَّوْبَةَ وفَرَّقُوا بَيْنَ الوالِدَةِ ووَلَدِها مِنَ النّاسِ والدَّوابِّ فَحَنَّ البَعْضُ إلى البَعْضِ وعَلَتِ الأصْواتُ وعَجُّوا جَمِيعًا وتَضَرَّعُوا إلَيْهِ تَعالى وأخْلَصُوا النِّيَّةَ فَرَحِمَهم رَبُّهم واسْتَجابَ دُعاءَهم وكَشَفَ عَنْهم ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ وكانَ ذَلِكَ يَوْمَ عاشُوراءَ وكانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّهُ بَلَغَ مِن تَوْبَتِهِمْ أنْ تَرادُّوا المَظالِمَ فِيما بَيْنَهم حَتّى إنْ كانَ الرَّجُلُ لَيَأْتِي إلى الحَجْرِ قَدْ وضَعَ أساسَ بُنْيانِهِ عَلَيْهِ فَيَقْلَعُهُ ويَرُدُّهُ إلى صاحِبِهِ وجاءَ في رِوايَةٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهم عَجُّوا إلى اللَّهِ تَعالى أرْبَعِينَ صَباحًا حَتّى كَشَفَ ما نَزَلَ بِهِمْ وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ غَيْلانَ قالَ: لَمّا غَشى قَوْمَ يُونُسَ العَذابُ مَشَوْا إلى شَيْخٍ مِن بَقِيَّةِ عُلَمائِهِمْ فَقالُوا: ما تَرى؟

قالَ: قُولُوا: يا حَيُّ حِينَ لا حِيَّ ويا حَيُّ مُحْيِيَ المَوْتى ويا حَيُّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ فَقالُوها فَكَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ وقالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: قالُوا: اللَّهُمَّ إنَّ ذُنُوبَنا قَدْ عَظُمَتْ وجَلَّتْ وأنْتَ أعْظَمُ وأجَلُّ فافْعَلْ بِنا ما أنْتَ أهْلُهُ ولا تَفْعَلُ بِنا ما نَحْنُ أهْلُهُ وكانَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ ذَهَبَ عَنْهم قَعَدَ في الطَّرِيقِ يَسْألُ الخَبَرَ كَما جاءَ مَرْفُوعًا فَمَرَّ بِهِ رْجُلٌ فَقالَ لَهُ: ما فَعَلَ قَوْمُ يُونُسَ ؟

فَحَدَّثَهُ بِما صَنَعُوا فَقالَ: لا أرْجِعُ إلى قَوْمٍ قَدْ كُذِبْتُهم وانْطَلَقَ مُغاضِبًا حَسْبَما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ مِمّا سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وظاهِرُ الآيَةِ يَسْتَدْعِي أنَّ القَوْمَ شاهَدُوا العَذابَ لِمَكانِ ﴿ كَشَفْنا ﴾ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهُ أكْثَرُ الأخْبارِ وإلَيْهِ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ ونَفْعُ الإيمانِ لَهم بَعْدَ المُشاهَدَةِ مِن خُصُوصِيّاتِهِمْ فَإنَّ إيمانَ الكَفّارِ بَعْدَ مُشاهَدَةِ ما وُعِدُوا بِهِ إيمانُ بَأْسٍ غَيْرُ نافِعٍ لِارْتِفاعِ التَّكْلِيفِ حِينَئِذٍ وعادَةُ اللَّهِ إهْلاكُهم مِن غَيْرِ إمْهالٍ كَما أهْلَكَ فِرْعَوْنَ والقَوْلُ بِأنَّهُ بَقِيَ حَيًّا إلى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى وسَكَنَ أرْضَ المَوْصِلِ مِن مُفْتَرَياتِ اليَهُودِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ يقول: لم يكن أهل قرية كافرة آمنت عند نزول العذاب فَنَفَعَها إِيمانُها وقبل منها الإيمان، ودفع عنهم العذاب إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ  .

قال مقاتل: فَلَوْلا، على ثلاثة أوجه: الأول فَلَوْلا يعني: فلم، مثل قوله تعالى: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ.

الثاني: فَلَوْلا يعني: فهلاّ كقوله: فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا [الأنعام: 43] فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ [الواقعة: 86] والثالث: فَلَوْلا يعني: فلو ما، كقوله: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ [النساء: 83] فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ [الصافات: 143] .

ويقال: فَلَوْلا هاهنا بمعنى: فهلا كانت قرية آمنت، فنفعها إيمانها.

ومعناه: فهلاّ آمنت في وقت ينفعها إيمانها.

فأعلم الله تعالى أن الإيمان لا ينفع عند وقوع العذاب، ثمّ قال: إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ معناه: لكن قوم يونس لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ يعني: أنهم آمنوا قبل المعاينة، فكشفنا عنهم.

وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها كما نفع قوم يونس.

وعن قتادة: إنَّ قوم يونس  خرجوا ونزلوا على تل، فدعوا الله تعالى أربعين ليلة، حتى تاب الله عليهم.

وروي عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم: أنَّ يونس بعثه الله تعالى إلى قومه، فدعاهم إلى عبادة الله تعالى، وترك ما هم فيه من الكفر فأبوا، فدعا ربه فقال: يا رب قد دعوتهم فأبوا.

فأوحى الله تعالى إليه: أن ادعهم، فإن أجابوك وإلا فأعلمهم أن العذاب يأتيهم إلى ثلاثة أيام.

فدعاهم فلم يجيبوه، فأخبرهم بالعذاب، فقالوا: ما جربنا عليه كذبة مذ كان معنا، فإن لم يلبث معكم وخرج من عندكم، فاحتالوا لأنفسكم.

فلمّا كان بعض الليل خرج يونس من بينهم، فلما كان اليوم الثالث رأوا حمرة وسواداً في السماء كهيئة النار والدخان، فظنُّوا أن العذاب نازل بهم، فجعلوا يطلبون يونس فلم يجدوه، فلما كان آخر النهار أيسوا من يونس، وجعل يهبط السواد والحمرة، فقال قائل منهم: إن لم تجدوا يونس  فإنكم تجدون رب يونس، فادعوه، وتضرعوا إليه.

فخرجوا من القرية إلى الصحراء، وأخرجوا النساء والصبيان والبهائم، وفرقوا بين كل إنسان وولده، وبين كل بهيمة وولدها، ثمّ عجوا إلى الله تعالى مؤمنين به مصدقين.

وارتفعت أصوات الرجال والنساء والصبيان، وخوار البهائم وأولادها، واختلطت الأصوات، وقربت منهم الحمرة والدخان، حتى غشي السواد سطوحهم، وبلغهم حرُّ النار.

فلما عرف الله تعالى منهم صدق التوبة، رفع عنهم العذاب بعد ما كان غشيهم، فذلك قوله تعالى: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ يعني: لم يكن أهل قرية آمنت فَنَفَعَها إِيمانُها عند نزول العذاب إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا يعني: صدّقوا بالألسن والقلوب، عرف الله تعالى منهم الصدق، كَشَفْنا عَنْهُمْ يعني: رفعنا وصرفنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يعني: عذاب الهون، وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ يعني: إلى منتهى آجالهم.

وفي هذه الآية تخويف وتهديد لكفار مكة، ولجميع الكفار إلى يوم القيامة، أنهم إن لم يؤمنوا ينزل بهم العذاب، فلا ينفعهم إيمانهم عند نزول العذاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يموتُ، فَنُجِّيَ عَلَى نَجْوَةٍ مِنَ الأَرض، حتى رآه جميعهم ميتاً كأَنه ثَوْرٌ أَحمر، وتحقَّقوا غَرَقَه.

والجمهور «١» على تشديدِ نُنَجِّيكَ فقالت فرقة: معناه: من النَّجَاةِ، أي: من غمراتِ البَحْرِ والماءِ، وقال جماعة: معناه: نُلْقِيكَ على نَجْوة من الأرض، وهي: ما ارتفع منها، وقرأ يعقوب «٢» بسكون النونِ وتخفيف الجيم، وقوله: بِبَدَنِكَ قالت فرقة: معناه:

بشَخْصِكَ، وقالتْ فرقة: معناه: بِدِرْعِكَ، وقرأ الجمهورُ «٣» : «خَلْفَكَ» ، أي: من أَتَى بعدك، وقرىء شاذًّا: «لِمَنْ خَلَفَكَ» «٤» - بفتح اللام-، والمعنى: ليجعلك اللَّه آيَةً له في عبادِهِ، وباقي الآية بيِّن.

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ: المعنى: ولقد اخترنا لبني إِسرائيل أَحْسَنَ اختيار، وأحللناهم مِنَ الأماكن أحْسَنَ محلّ، ومُبَوَّأَ صِدْقٍ: أي: يصدُقُ فيه ظنُّ قاصده وساكنه، ويعني بهذه الآية إِحلاَلُهُمْ بلادَ الشَّامِ وبَيْتَ المَقْدِسِ قاله قتادة وابن زَيْد، وقيل: بلاد الشام ومصر، والأول أصحُّ، وقوله سبحانه: فَمَا اخْتَلَفُوا أيْ: في نبوَّة نبينا محمَّد عليه السلام، وهذا التخصيصُ هو الذي وقع في كُتُب المتأوِّلين كلِّهم، وهو تأويلٌ يحتاج إِلى سند، والتأويل الثاني الذي يحتمله اللفظُ: أنَّ بني إِسرائيل لم يكن لهم اختلاف على موسَى في أول حاله، فلما جاءَهُم العلْمُ والأوامرُ، وغَرَقُ فرعَوْنَ، اختلفوا، فالآية ذامَّة لهم.

ت: فَرَّ رحمه اللَّه من التخصيص، فوقع فيه، فلو عمَّم اختلافهم على أنبيائهم موسَى وغيرِهِ، وعلَى نبيِّنا، لكان أَحْسَنَ، وما ذهب إِليه المتأوِّلون من التخصيص أَحْسَنُ لقرينةِ قوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ، فالربطُ بين الآيتين واضح، والله أعلم.

فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٩٧)

وقوله عز وجل: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ ...

الآية: الصوابُ في معنى الآية: أنها مخاطبة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمراد بها سِوَاهُ مِنْ كُلِّ من يمكِنُ أن يشُكَّ أو يعارِض.

ت: ورُوينَا عن أبي داود سُلَيْمَانَ بْنِ الأَشْعَثِ، قال: حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هَارُونَ، قال: حدَّثنا محمَّد بنِ عَمْرٍو، عن أَبي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيْرَةَ رضي اللَّه عنه، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: «المِرَاءُ في القُرْآنِ كُفْرٌ» «١» ، قال عِيَاض في «الشفا» :

تأول بمعنى «الشك» ، وبمعنى «الجِدَال» .

انتهى.

والَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ: من أسلم من أهْلِ الكتاب، كابن سَلاَمٍ وغيره، وروي عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لَمَّا نزَلَتْ هذه الآية: «أَنَا لاَ أَشُكُّ وَلاَ أَسْأَلُ» «٢» ، ثم جزم سبحانه الخَبَر بقوله: لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، واللام في «لَقَدْ» لامُ قَسَم.

وقوله: مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ يريد به: من أَن بني إِسرائيل لم يختلفوا في أمْره إِلا مِنْ بعد مجيئهِ عَلَيْه السلام هذا قول أهل التأويل قاطبة.

قال ع «٣» : وهذا هو الذي يشبه أنْ تُرْجَى إِزالةُ الشَّكِّ فيه مِنْ قبل أهل الكتاب،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ ﴾ أيْ: أهْلُ قَرْيَةٍ.

وفي " لَوْلا " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى: لَمْ تَكُنْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ " فَنَفَعَها إيمانُها " أيْ: قُبِلَ مِنها ﴿ إلا قَوْمَ يُونُسَ ﴾ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ قَتادَةُ: لَمْ يَكُنْ هَذا لِأُمَّةٍ آمَنَتْ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، إلّا لِقَوْمِ يُونُسَ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى فَهَلّا، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: فَهَلّا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ في وقْتٍ نَفَعَها إيمانُها، إلّا قَوْمَ يُونُسَ ؟

و " إلّا " هاهُنا اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، كَأنَّهُ قالَ: لَكِنْ قَوْمُ يُونُسَ.

قالَ الفَرّاءُ: نُصِبَ القَوْمُ عَلى الِانْقِطاعِ مِمّا قَبْلَهُ، ألا تَرى أنَّ " ما " بَعْدَ " إلّا " في الجَحْدِ يَتْبَعُ ما قَبْلَها ؟

تَقُولُ: ما قامَ أحَدٌ إلّا أخُوكَ، فَإذا قُلْتَ: ما فِيها أحَدٌ إلّا كَلْبًا أوْ حِمارًا، نَصَبْتَ، لِانْقِطاعِهِمْ مِنَ الجِنْسِ، كَذَلِكَ كانَ قَوْمُ يُونُسَ مُنْقَطِعِينَ مِن غَيْرِهِمْ مِن أُمَمِ الأنْبِياءِ، ولَوْ كانَ الِاسْتِثْناءُ وقَعَ عَلى طائِفَةٍ مِنهم لَكانَ رَفْعًا.

وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في قَوْلِهِ: " إلّا " قَوْلَيْنِ آخَرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى الواوِ، والمَعْنى: وقَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا فَعَلْنا بِهِمْ كَذا وكَذا، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، والفَرّاءُ يُنْكِرُهُ.

والثّانِي: أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ، تَقْدِيرُهُ: حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ إلّا قَوْمَ يُونُسَ، فالِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَشَفْنا عَنْهُمْ ﴾ أيْ: صَرَفْنا عَنْهم " عَذابَ الخِزْيِ " أيْ: عَذابَ الهَوانِ والذُّلِّ ﴿ وَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ ﴾ أيْ: إلى حِينِ آجالِهِمْ.

الإشارَةُ إلى شَرْحِ قِصَّتِهِمْ ذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ بِالسِّيَرِ والتَّفْسِيرِ أنَّ قَوْمَ يُونُسَ كانُوا بِـ " نَيْنَوى " مِن أرْضِ المَوْصِلِ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِمْ يُونُسَ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ ويَأْمُرُهم بِتَرْكِ الأصْنامِ، فَأبَوْا، فَأخْبَرَهم أنَّ العَذابَ مُصَبِّحُهم بَعْدَ ثَلاثٍ، فَلَمّا تَغَشّاهُمُ العَذابُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسٌ: لَمْ يَبْقَ بَيْنَ العَذابِ وبَيْنَهم إلّا قَدْرُ ثُلُثَيْ مِيلٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: قَدْرُ مِيلٍ، وقالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: وجَدُوا حَرَّ العَذابِ عَلى أكْتافِهِمْ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: غَشِيَهُمُ العَذابُ كَما يَغْشى الثَّوْبُ القَبْرَ، وقالَ بَعْضُهم: غامَتِ السَّماءُ غَيْمًا أسْوَدَ يُظْهِرُ دُخانًا شَدِيدًا، فَغَشِيَ مَدِينَتَهم، واسْوَدَّتْ سُطُوحُهم، فَلَمّا أيْقَنُوا بِالهَلاكِ لَبِسُوا المُسُوحَ، وحَثَوْا عَلى رُؤُوسِهِمُ الرَّمادَ، وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ والِدَةٍ ووَلَدِها مِنَ النّاسِ والأنْعامِ، وعَجُّوا إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ الصّادِقَةِ، وقالُوا: آمَنّا بِما جاءَ بِهِ يُونُسُ، فاسْتَجابَ اللَّهُ مِنهم.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: بَلَغَ مِن تَوْبَتِهِمْ أنْ تَرادُّوا المَظالِمَ بَيْنَهم، حَتّى إنْ كانَ الرَّجُلُ لَيَأْتِي إلى الحَجَرِ قَدْ وضَعَ عَلَيْهِ أساسَ بُنْيانِهِ فَيَقْلَعُهُ، فَيَرُدُّهُ.

وقالَ أبُو الجَلْدِ: لَمّا غَشِيَهُمُ العَذابُ، مَشَوْا إلى شَيْخٍ مِن بَقِيَّةِ عُلَمائِهِمْ، فَقالُوا: ما تَرى ؟

قالَ: قُولُوا: يا حَيُّ حِينَ لا حَيَّ، يا حَيُّ مُحْيِي المَوْتى، يا حَيُّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، فَقالُوها، فَكُشِفَ العَذابُ عَنْهم.

قالَ مُقاتِلٌ: عَجُّوا إلى اللَّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَكُشِفَ العَذابُ عَنْهم.

وكانَتِ التَّوْبَةُ عَلَيْهِمْ في يَوْمِ عاشُوراءَ يَوْمَ الجُمْعَةَ.

قالَ: وكانَ يُونُسُ قَدْ خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، فَقِيلَ لَهُ ارْجِعْ إلَيْهِمْ، فَقالَ: كَيْفَ أرْجِعُ إلَيْهِمْ فَيَجِدُونِي كاذِبًا ؟

وكانَ مَن يَكْذِبُ بَيْنَهم ولا بَيِّنَةَ لَهُ يُقْتَلُ، فانْصَرَفَ مُغاضِبًا، فالتَقَمَهُ الحُوتُ.

وقالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أوْحى اللَّهُ إلى نَبِيٍّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ يُقالُ لَهُ: شَعْيا، فَقِيلَ لَهُ: ائْتِ فُلانًا المَلِكَ، فَقُلْ لَهُ يَبْعَثْ إلى بَنِي إسْرائِيلَ نَبِيًّا قَوِيًّا أمِينًا، وكانَ في مَمْلَكَتِهِ خَمْسَةٌ مِنَ الأنْبِياءِ، فَقالَ المَلِكُ لِيُونُسَ: اذْهَبْ إلَيْهِمْ، فَقالَ: ابْعَثْ غَيْرِي، فَعَزَمَ عَلَيْهِ أنْ يَذْهَبَ، فَأتى بَحْرَ الرُّومَ، فَرَكِبَ سَفِينَةً، فالتَقَمَهُ الحُوتُ، فَلَمّا خَرَجَ مِن بَطْنِها أُمِرَ أنْ يَنْطَلِقَ إلى قَوْمِهِ، فانْطَلَقَ نَذِيرًا لَهم، فَأبَوْا عَلَيْهِ، فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، وخَرَجَ، فَلَمّا تابُوا رُفِعَ عَنْهم.

والقَوْلُ الأوَّلُ أثْبَتُ عِنْدَ العُلَماءِ، وأنَّهُ إنَّما التَقَمَهُ الحُوتُ بَعْدَ إنْذارِهِ لَهم وتَوْبَتِهِمْ.

وسَيَأْتِي شَرْحُ قِصَّتِهِ في التِقامِ الحُوتِ إيّاهُ في مَكانِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى [الصّافّاتِ:١٤٣] .

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ كُشِفَ العَذابُ عَنْ قَوْمِ يُونُسَ بَعْدَ إتْيانِهِ إلَيْهِمْ، ولَمْ يُكْشَفْ عَنْ فِرْعَوْنَ حِينَ آمَنَ ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ كانَ خاصًّا لَهم كَما ذَكَرْنا في أوَّلِ الآيَةِ.

والثّانِي: أنَّ فِرْعَوْنَ باشَرَهُ العَذابُ، وهَؤُلاءِ دَنا مِنهم ولَمْ يُباشِرْهم، فَكانُوا كالمَرِيضِ يَخافُ المَوْتَ ويَرْجُو العافِيَةَ، فَأمّا الَّذِي يُعايِنُ، فَلا تَوْبَةَ لَهُ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ مِنهم صِدْقَ النِّيّاتِ، بِخِلافِ مِن تَقَدَّمَهم مِنَ الهالِكِينَ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ ﴾ ﴿ فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عنهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ ﴾ جاءَ هَذا تَحْذِيرًا مُرَدَّدًا وإعْلامًا بِسُوءِ حالِ المَحْتُومِ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: إنَّ اللهَ أوجَبَ لَهم سُخْطَهُ في الأزَلِ وخَلَقَهم لِعَذابِهِ، فَلا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَهم كُلُّ بَيانٍ وكُلُّ وُضُوحٍ إلّا في الوَقْتِ الَّذِي لا يَنْفَعُهم فِيهِ إيمانٌ، كَما صَنَعَ فِرْعَوْنُ وأشْباهُهُ مِنَ الخَلْقِ، وذَلِكَ وقْتَ المُعايَنَةِ، وفي ضِمْنِ الألْفاظِ التَحْذِيرُ مِن هَذِهِ الحالِ، وبَعْثُ الكُلِّ عَلى المُبادَرَةِ إلى الإيمانِ، والفِرارِ مِن سُخْطِ اللهِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: "كَلِمَةُ" بِالإفْرادِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأهْلُ المَدِينَةِ: "كَلِماتُ" بِالجَمْعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ التَرْجَمَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ ﴾ الآيَةُ.

في مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ: "فَهَلّا"، والمَعْنى فِيهِما واحِدٌ، وأصْلُ "لَوْلا" في الكَلامِ التَحْضِيضُ أوِ الدَلالَةُ عَلى مَنعِ أمْرٍ لِوُجُودِ غَيْرِهِ، فَأمّا هَذِهِ فَبَعِيدَةٌ عن هَذِهِ الآيَةِ، لَكِنَّها مِن جُمْلَةِ الَّتِي هي لِلتَّحْضِيضِ، وحَقِيقَةُ التَحْضِيضِ بِها أنْ يَكُونَ المُحَضِّضُ يُرِيدُ مِنَ المُخاطَبِ فِعْلَ ذَلِكَ الشَيْءِ الَّذِي يَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وقَدْ تَجِيءُ "لَوْلا" ولَيْسَ مِن قَصْدِ المُخاطَبِ أنْ يَحُضَّ المُخاطَبَ عَلى فِعْلِ ذَلِكَ الشَيْءِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ المَعْنى تَوْبِيخًا، كَقَوْلِ جَرِيرٍ: ..........................

∗∗∗ لَوْلا الكَمِّيَّ المُقَنَّعا وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ حَضَّهم عَلى عَقْرِ الكَمِّيِّ، كَقَوْلِكَ لِرَجُلٍ قَدْ وقَعَ في أمْرٍ صَعْبٍ: "لَوْلا تَحَرَّزْتَ"، وهَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا القَبِيلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَفْهُومٌ مِن مَعْنى الآيَةِ نَفْيُ إيمانِ أهْلِ القُرى، ومَعْنى الآيَةِ: فَهَلّا آمَنَ مِن أهْلِ القَرْيَةِ وَهم عَلى مَهَلٍ لَمْ يَلْتَبِسِ العَذابُ بِهِمْ فَيَكُونَ الإيمانُ نافِعًا في هَذِهِ الحالَةِ، ثُمَّ اسْتَثْنى قَوْمَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ، فَهو بِحَسَبِ اللَفْظِ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وكَذَلِكَ رَسَمَهُ النَحْوِيُّونَ أجْمَعَ، وهو بِحَسَبِ المَعْنى مُتَّصِلٌ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: ما آمَنَ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ إلّا قَوْمَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ، والنَصْبُ في قَوْلِهِ: ﴿ إلا قَوْمَ ﴾ هو الوَجْهُ، ولِذَلِكَ أدْخَلَهُ سِيبَوَيْهِ في بابِ "ما لا يَكُونُ فِيهِ إلّا النَصْبُ"، وكَذَلِكَ مَعَ انْقِطاعِ الِاسْتِثْناءِ، ويُشْبِهُ الآيَةَ قَوْلُ النابِغَةِ: إلّا الأُوارِيَّ...............

∗∗∗ ∗∗∗.......................

وذَلِكَ هو حُكْمُ لَفْظِ الآيَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَجُوزُ فِيهِ الرَفْعُ وهَذا اتِّصالُ الِاسْتِثْناءِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: والرَفْعُ عَلى البَدَلِ مِن "قَرْيَةٌ".

ورُوِيَ في قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ: أنَّ القَوْمَ لَمّا كَفَرُوا أوحى اللهُ إلَيْهِ أنْ أنْذِرْهم بِالعَذابِ لِثَلاثَةٍ، فَفَعَلَ فَقالُوا: هو رَجُلٌ لا يَكْذِبُ فارْقُبُوهُ، فَإنْ أقامَ بَيْنَأظْهُرِكم فَلا عَلَيْكُمْ، وإنِ ارْتَحَلَ عنكم فَهو نُزُولُ العَذابِ لا شَكَّ، فَلَمّا كانَ اللَيْلُ تَزَوَّدَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَلامُ وخَرَجَ عنهُمْ، فَأصْبَحُوا فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَتابُوا ودَعَوُا اللهَ وآمَنُوا ولَبِسُوا المُسُوحَ وفَرَّقُوا بَيْنَ الأُمَّهاتِ والأولادِ مِنَ الناسِ والبَهائِمِ، والعَذابُ مِنهم -فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- عَلى ثُلُثَيْ مِيلٍ.

ورُوِيَ عن عَلِيٍّ مِيلٌ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: غَشِيَهُمُ العَذابُ كَما يُغْشِي الثَوْبُ القَبْرَ، فَرَفَعَ اللهُ عنهُمُ العَذابَ، فَلَمّا مَضَتِ الثَلاثَةُ وعَلِمَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ العَذابَ لَمْ يَنْزِلْ قالَ: كَيْفَ أنْصَرِفُ وقَدْ وجَدُونِي في كَذِبٍ؟

فَذَهَبَ مُغاضِبًا كَما ذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ قَوْمَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ خُصُّوا مِن بَيْنِ الأُمَمِ بِأنْ تِيبَ عَلَيْهِمْ مِن بَعْدِ مُعايَنَةِ العَذابِ، ذَكَرَ ذَلِكَ عن جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، والمُعايِنَةُ الَّتِي لا تَنْفَعُ التَوْبَةُ مَعَها هي تَلَبُّسُ العَذابِ أوِ المَوْتِ بِشَخْصِ الإنْسانِ كَقِصَّةِ فِرْعَوْنَ، وأمّا قَوْمُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ فَلَمْ يَصِلُوا هَذا الحَدَّ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: "يُونِسَ" بِكَسْرِ النُونِ، وفِيهِ لِلْعَرَبِ ثَلاثُ لُغاتٍ: ضَمُّ النُونِ وفَتْحُها وكَسْرُها، وكَذَلِكَ في "يُوسُفَ"، وقَوْلُهُ: ﴿ إلى حِينٍ ﴾ يُرِيدُ: إلى آجالِهِمُ المَفْرُوضَةِ في الأزَلِ.

ورُوِيَ أنَّ قَوْمَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ كانُوا بِنَيْنَوى مِن أرْضِ المُوصِلِ، ويَقْتَضِي ذَلِكَ «قَوْلُ النَبِيِّ  لِعَدّاسٍ حِينَ قالَ لَهُ إنَّهُ مِن أهْلِ نَيْنَوى: "مِن قَرْيَةِ الرَجُلِ الصالِحِ يُونُسَ بْنِ مَتّى؟"» الحَدِيثُ الَّذِي في السِيرَةِ لِابْنِ إسْحاقَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء لتفريع التغليط على امتناع أهل القرى من الإيمان بالرسل قبل أن ينزل بهم العذاب على الإخبار بأن الذين حقت عليهم كلمة الله أن لا يؤمنوا لا يؤمنون حتى يروا العذاب فإن أهل القرى من جملة الذين حقت عليهم الكلمة بأن لا يؤمنوا.

والغرض من ذكر أهل القرى التعريض بالمقصود، وهم أهل مكة فإنهم أهل قرية فكان ذلك كالتخلص بالتعريض إلى المخصوصين به، وللإفضاء به إلى ذكر قوم يونس فإنهم أهل قرية.

و (لولا) حرف يرد لمعان منها التوبيخ، وهو هنا مستعمل في لازم التوبيخ كناية عن التغليط، لأن أهل القرى قد انقضوا، وذلك أن أصل معنى (لولا) التحضيض، وهو طلب الفعل بحَثّ، فإذا دخلت على فعل قد فات وقوعه كانت مستعملة في التغليط والتنديم والتوبيخ على تفويته، ويكون ما بعدها في هذا الاستعمال فعل مضي مثل قوله تعالى: ﴿ ولَولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ﴾ [النور: 16].

وإذا توجه الكلام الذي فيه (لولا) إلى غير صاحب الفعل الذي دخلت عليه كانت مستعملة في التعجيب من حال المتحدث عنه، كقوله: ﴿ لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء ﴾ [النور: 13] وقوله: ﴿ فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ﴾ [الأنعام: 43] وهذه الآية أصرح في ذلك لوجود (كان) الدالة على المضي والانقضاء.

والمقصود: التعريض بأن مشركي أهل مكة يوشك أن يكونوا على سنَن أهل القرى.

قال تعالى: ﴿ ما آمنتْ قبلهم من قرية أهلكناها أفَهُم يؤمنون ﴾ [الأنبياء: 6]، ونظير هذه الآية استعمالاً ومعنى قوله تعالى: ﴿ فلولا كان من القرون من قبلكم أولُوا بقيّة ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم ﴾ [هود: 116]، وذلك تعريض بتحريض أهل مكة على الإيمان قبل نزول العذاب.

والمستخلص من الروايات الواردة في قوم يونس أنهم بادروا إلى الإيمان بعد أن فارقهم يونس، توقعاً لنزول العذاب، وقبل أن ينزل بهم العذاب، وذلك دليل على أن معاملة الله إياهم ليست مخالفة لما عامل به غيرهم من أهل القرى، وأن ليست لقوم يونس خصوصية، وبذلك لا يكون استثنائهم استثناءاً منقطعاً.

وإذ كان الكلام تغليطاً لأهل القرى المعرضين عن دعوة الرسل، وتعريضاً بالتحذير مما وقعوا فيه.

كان الكلام إثباتاً صريحاً ووقوع قرية وهو نكرة في مساق الإثبات أفاد العموم بقرينة السياق مثل قول الحريري: «يا أهل ذا المغْنَى وقيتم ضُراً» أي كل ضر لا ضراً معيناً، وبقرينة الاستثناء فإنه معيار العموم، وهذا الاستثناء من كلام موجب فلذلك انتصب قوله: ﴿ إلا قومَ يونس ﴾ فهذا وجه تفسير الآية.

وجرى عليه كلام العُكبري في «إعراب القرآن»، والكواشي في «التخليص» وجمهور المفسرين جعلوا جملة: ﴿ فلولا كانت قرية آمنت ﴾ في قوة المنفية، وجعلوا الاستثناء منقطعاً منصوباً ولا داعي إلى ذلك.

وجملة: ﴿ لمّا آمنوا ﴾ مستأنفة لتفصيل مجمَل معنى الاستثناء.

وفي الآية إيماء إلى أن أهل مكة يعاملهم الله معاملة قوم يونس إذ آمنوا عند رؤية العذاب.

وذلك حالهم عندما تسامعوا بقدوم جيش غزوة الفتح الذي لا قبل لهم به عدة وعُدة، فيكاد يحل بهم عذاب استئصال لولا أنهم عجّلوا بالإيمان يوم الفتح.

فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم «أنتُم الطلقاء» وقوم يونس هم أهل قرية نَيْنَوَى من بلاد العراق.

وهم خليط من الأشوريين واليهود الذين كانوا في أسر ملوك بابل بعد بختنصر.

وكانت بعثة يونس إليهم في أول القرى الثامن قبل المسيح.

وقد تقدم ذكر يونس وترجمته في سورة الأنعام.

ولما كذّبه أهل نَيْنَوَى توعدهم بخسف مدينتهم بعد أربعين يوماً، وخرج من المدينة غاضباً عليهم، فلمّا خرج خافوا نزول العذاب بهم فتابوا وآمنوا بالله فقبل الله إيمانهم ولم يعذّبهم.

والمذكور أنهم رأوا غيماً أسود بعد مضي خمسة وثلاثين يوماً من حين توعدهم يونس عليه السلام بحلول العذاب فعلموا أنه مقدمة العذاب فآمنوا وخضعوا لله تعالى فأمسك عنهم العذاب.

وسيجيء ذكر ما حل بيونس عليه السلام في خروجه ذلك من ابتلاع الحوت إياه في سورة الأنبياء.

والكشف: إزالة ما هو ساتر لشيء، وهو هنا مجاز في الرفع.

والمراد: تقدير الرفع وإبطال العذاب قبل وقوعه فعبر عنه بالكشف تنزيلاً لمقاربة الوقوع منزلة الوقوع.

والخزي: الإهانة والذل.

وإضافة العذاب إلى الخزي يجوز كونها بيانية لأن العذاب كله خزي، إذ هو حالة من الهلاك غير معتادة فإذا قدرها الله لقوم فقد أراد إذلالهم، ويجوز أن تكون الإضافة حقيقية للتخصيص، ويكون المراد من الخزي الحالة المتصورة من حلوله.

وهي شناعة الحالة لمن يشاهدهم مثل الخسف والحرق والغرق، وأشنع الخزي ما كان بأيدي أناس مثلهم، وهو عذاب السيف الذي حل بصناديد قريش يوم بدر، والذي كاد أن يحل بجميع قريش يوم فتح مكة فنجاهم الله منه كما نجّى قوم يونس.

و ﴿ في الحياة الدنيا ﴾ صفة ل ﴿ عذاب الخزي ﴾ للإشارة إلى أن العذاب الذي يحل بالأمم الكافرة هو عقاب في الدنيا وبعده عقاب في الآخرة، وأن الأمم التي لم تعذب في الدنيا قد أدخر لها عذاب الآخرة.

والتمتيع: الإمهال.

وإبهام ﴿ حين ﴾ لأنه مختلف باختلاف آجال أحادهم، والمراد به التمتيع بالحياة لا بكشف العذاب، لأنهم بعد موتهم ناجون من العذاب إذ كانوا قد آمنوا وأخلصوا.

ولعل الحكمة في نجاة قوم يونس تتمثل في أمرين: أحدهما: أن الله علم أن تكذيبهم يونس عليه السلام في ابتداء دعوته لم يكن ناشئاً عن تصميم على الكفر واستخفاف بعظمة الله، ولكنه كان شكاً في صدق يونس عليه السّلام.

ولعل ذلك أنهم كانوا على بقية من شريعة موسى عليه السّلام وإنما حرّفوا وحادوا عن طريق الإيمان مما يعلمه الله، فإن في نَيْنَوَى كثيراً من أسرى بني إسرائيل الذين كانوا في أسر الأشوريين كما علمت آنفاً، فلما أوعدهم يونس عليه السّلام بالعذاب بعد أربعين يوماً ورأوا أماراته بعد خمسة وثلاثين يوماً اهتدَوا وآمنوا إيماناً خالصاً.

وثانيهما: أن يونس عليه السّلام لمّا صدرت منه فلتة المغاضبة كان قد خلط في دعوته شيئاً من حظ النفس وإن كان لفائدة الدين، فقدر الله إيمان قومه لعلمه كمال الإيمان والصبر والتسليم لله، وهذا عتاب وتأديب بينه وبين ربه، ولذلك حذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمةَ من توهم أنّ ما جرى ليونس عليه السّلام من المغاضبة والمعاقبة ينقص من قدره فقال صلى الله عليه وسلم «لا ينبغي لأحد أن يقول أنَا خير من يونس بن متّى» يعني في صحة الرسالة لا في التفاضل فيها.

وقد كان حال أهل مكة كحال قوم يونس إذ بادروا إلى الإيمان بمجرد دخول جيش الفتح مكة وقبل أن يقعُوا في قبضة الأسر، ولذلك لم ينج منهم عبدُ الله بن خطل، لأنه لم يأت مُؤمناً قبل أن يتمكن منه المسلمون ولم ينفعه التعلق بأستار الكعبة لأن ذلك التعلق ليس بإيمان وإنما هو من شعار العوذ في الجاهلية بما أبطله الإسلام إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم «إن الحرم لا يعيذ عاصياً» وقد بيّنّا في آخر سورة غافر (84) عند قوله تعالى: ﴿ فلمّا رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ﴾ إلى آخر السورة فانظره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها ﴾ والمُرادُ بِالقَرْيَةِ أهْلُ القَرْيَةِ.

﴿ إلا قَوْمَ يُونُسَ ﴾ وهم أهْلُ نَيْنَوى مِن بِلادِ المَوْصِلِ فَإنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَهم بِالعَذابِ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَقالُوا: انْظُرُوا يُونُسَ فَإنْ خَرَجَ عَنّا فَوَعِيدُهُ حَقٌّ، فَلَمّا خَرَجَ عَنْهم تَحَقَّقُوهُ فَفَزِعُوا إلى شَيْخٍ مِنهم فَقالَ: تُوبُوا وادْعُوا وقُولُوا يا حَيُّ حِينَ لا حَيُّ، ويا حَيُّ يا مُحْيِيَ المَوْتى، ويا حَيُّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، فَلَبِسُوا المُسُوحَ وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ والِدَةٍ ووَلَدِها، وخَرَجُوا مِن قَرْيَتِهِمْ تائِبِينَ داعِينَ فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمُ العَذابُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم تابُوا قَبْلَ أنْ يَرَوُا العَذابَ فَلِذَلِكَ قَبِلَ تَوْبَتَهم، ولَوْ رَأوْهُ لَمْ يَقْبَلْها كَما لَمْ يَقْبَلْ مِن فِرْعَوْنَ إيمانَهُ لَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى خَصَّهم بِقَبُولِ التَّوْبَةِ بَعْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ، قالَ قَتادَةُ: كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ بَعْدَ أنْ تَدَلّى عَلَيْهِمْ ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَ العَذابِ إلّا مَيْلٌ.

﴿ وَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: إلى أجَلِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: إلى أنْ يُصَيِّرَهم إلى الجَنَّةِ أوِ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ الحَذَرَ لا يَرُدُّ القَدَرَ، وإنَّ الدُّعاءَ يَرُدُّ القَدَرَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ ﴾ قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَلِكَ يَوْمُ عاشُوراءَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ﴾ قال: حق عليهم سخط الله بما عصوه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا ﴾ الآية، في هذه الآية طريقان: أحدهما: وهو طريق المفسرين أن (لولا) معناها (١) ﴿ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا ﴾ معناها: فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها، وكذلك ﴿ فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ  ﴾ معناه فما كان من القرون (٢) وقال ابن عباس في رواية عطاء: فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس: قال: يريد لم أفعل هذا بأمة قط ﴿ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا ﴾ عند نزول العذاب، كشفنا عنهم العذاب (٣) (٤) وقال قتادة في هذه الآية: لم يكن هذا معروفًا لأمة من الأمم؛ كفرت ثم آمنت عند نزول العذاب فكشف عنهم، إلا قوم يونس كشف عنهم العذاب بعد ما تدلى عليهم (٥) وقال مقاتل: كان العذاب فوق رؤوسهم قدر ميل (٦) وقال ابن الأنباري (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) وانتصب قوله تعالى: ﴿ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ ﴾ على أنه استثناء منقطع من الأول؛ لأن أول الكلام جرى على القرية وإن كان المراد أهلها، ووقع استثناء القوم من القرية فكان كقوله (١٣) إلا أواريَّ .................

وذكر صاحب النظم أوجهًا سوى هذا، وهو أنه قال: معنى (لولا): هلا، وهلا: حث على الشيء، ويكون تبكيتًا وتنديمًا على فأئت، وفي ذلك دليل بالاعتبار على أنه لم يكن، فقوله: ﴿ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ ﴾ أي: لم تكن آمنت عند حلول العذاب فنفعها إيمانها، ثم استثنى قوم يونس فقال: (إلا قوم يونس) (١٤) (١٥) ﴿ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا ﴾ ثم جاء قوله: ﴿ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ ﴾ بعد التمام كما نصب [من قرأ (ما فعلوه إلا قليلا منهم) [النساء: 66] بالنصب (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) ﴿ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا ﴾ على تأويل: لم ينفع قرية آمنت إيمانها إلا قوم يونس، أي: أن الإيمان نفع قوم يونس لما آمنوا.

هذا الذي ذكرنا طريقة المفسرين (٢٠) الثاني: وهو طريقة الزجاج، وذكرها ابن الأنباري أيضاً، وهو أن معنى الآية حث على الإيمان حين ينفع الإيمان، يقول (٢١) وهذا تبكيت لفرعون؛ لأنه آمن لما أدركه الغرق فلم ينفعه، يدل على صحة هذا المعنى أن هذه الآية ذكرت عقيب قصته، وعلى هذا (لولا) يكون على ما هو موضوع له.

وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ ﴾ ، قال الزجاج: وقوم يونس -والله أعلم- لم يقع بهم العذاب، إنما رأوا الآية التي تدل على العذاب فلما آمنوا كشف عنهم، ومثل ذلك العليل الذي يتوب في مرضه وهو يرجو في مرضه العافية ويخاف (٢٢) وقال ابن الأنباري: قوم يونس تابوا (٢٣) ﴿ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ ﴾ من الاستثناء المنقطع؛ معناه: لكن قوم يونس لما آمنوا في وقت ينفعهم الإيمان ﴿ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [قال ابن عباس: يريد: سخط الله في الحياة الدنيا (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) ﴿ وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد حين آجالهم (٢٨) (١) في (م): (معناه).

(٢) ذكره السيوطي في "الدر المنثور" 3/ 572، ونسبه لابن أبي حاتم، ورواه ابن أبي حاتم في تفسير سورة يونس 6/ 1987 مختصرًا.

(٣) ساقط من (م) و (ى).

(٤) "الوسيط" 2/ 560، ورواه بمعناه ابن جرير 11/ 171 من رواية عطاء الخراساني، ورواه أيضًا ابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 572.

(٥) رواه بنحوه ابن جرير 11/ 170 - 172، وابن أبي حاتم 6/ 1988، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 572.

(٦) "تفسير مقاتل" ص 143 أ.

(٧) ذكر قوله مختصرًا ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 67.

(٨) في (ح) و (ز): (ينافسون)، وهو خطأ.

(٩) في (ى) فرطوا، وهو خطأ، ومعنى فرط: سبق وتقدم.

انظر: "لسان العرب" (فرط) 6/ 3389.

(١٠) في (ى): (هذا).

(١١) في (م): (فيقلعه)، وما أثبته موافق لما في "تفسير القرطبي".

(١٢) ذكره القرطبي في "تفسيره" 8/ 384، وبنحوه الزمخشري 2/ 254، والرازي 17/ 165، ورواه بمعناه ابن جرير 11/ 170 - 172، وابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 573.

(١٣) هو النابغة الذبياني وما ذكره المؤلف بعض بيتين نصهما: وقفت فيها أصيلالًا أسائلها ...

عيت جوابًا وما بالربع من أحد إلا الأواريّ لأيًا ما أبينها ...

والنُّؤْيُ كالحوض بالمظلومة الجلد انظر: "ديوانه" ص 9، "إصلاح المنطق" ص 47، "الإنصاف" ص 234، "خزانة الأدب" 4/ 122، "كتاب سيبويه" 2/ 321.

وقوله: اصيلالاً: أي عشاء، وذلك أن الأصيل هو العشي، وجمعه أُصُل (بضمتين) وأُصْلان (بضم فسكون) ثم صغروه فقالوا: أصيلان، ثم أبدلوا من النون لامًا فقالوا: أُصيلالا.

قوله: عيت: أي عجزت عن الكلام.

والأوارى: جمع آريّ: وهو محبس الدابة.

ولأيًا: أي بعد جهد وإبطاء.

والنؤْي: الحاجز من تراب حول البيت.= والمظلومة: الأرض التي حفرت ولم تكن حفرت من قبل، وهو يعني أرضًا مروا بها في برية فتحوضوا حوضًا سقوا فيه إبلهم وليست بموضع تحويض.

والجلد: الأرض الصلبة المستوية المتن الغليظة.

انظر: "لسان العرب" (أصل وعيى وأري ولأي وظلم وجلد).

(١٤) ساقط من (م).

(١٥) ما بين المعقوفين ساقط من (م).

(١٦) وهي قراءة ابن عامر وحده، وكذا هو في مصحف الشام.

انظر كتاب "السبعة" ص 235، "إرشاد المبتدي" ص 285، "النشر" 2/ 250.

(١٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(١٨) السياق يدل على أن القائل هو الجرجاني صاحب "نظم القرآن"، وقد شرح المؤلف وجه النصب عند تفسير الآية، فهي جملة اعتراضية من المؤلف.

(١٩) ما بين المعقوفين ساقط من (م).

(٢٠) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 479، "تفسير ابن جرير" 11/ 170 - 172، والسمرقندي 2/ 111، والثعلبي 7/ 28 ب، والبغوي 4/ 151.

(٢١) يعني الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 34، ولم أقف على قول ابن الأنباري.

(٢٢) في "معاني القرآن وإعرابه" المطبوع: ولا يخاف، والصحيح ما أثبته المؤلف، بل إن توبة المريض صحيحة ولو لم يرج العافية، ما لم يغرغر وتبلغ روحه حلقومه، == وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ  ﴾ ، وقول الرسول  "إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر"، رواه الترمذي (3537) كتاب الدعوات، باب: في فضل التوبة، وقال: حسن غريب.

رواه أيضًا أحمد في "المسند" 2/ 132، والحاكم في "المستدرك" 4/ 257، وصححه، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني كما في "صحيح الجامع الصغير" (1903).

انظر: "تفسير الطبري" 11/ 170 - 172، "شرح صحيح مسلم" 1/ 213، "تفسير القرطبي" 5/ 92، "محاسن التأويل" 5/ 1155.

وكلام الزجاج هذا في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 34.

(٢٣) في (ح) و (ز): (قالوا)، وهو خطأ.

(٢٤) "الوسيط" 2/ 560.

(٢٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٢٦) في (م): (الهون).

(٢٧) لم أقف عليه عند أهل المعاني، وانظر القول بنحوه في: "بحر العلوم" 2/ 112، "زاد المسير" 4/ 65.

(٢٨) "الوسيط" 2/ 560، وبمعناه رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1990.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ أي قضى أنهم لا يؤمنون ﴿ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ ﴾ لولا هنا للتحضيض بمعنى هلا، وقرئ في الشاذ هلا، والمعنى: هلا كانت قرية من القرى المتقدمة آمنت قبل نزول العذاب فنفعها إيمانها: إذ لا ينفع الإيمان بعد معاينة العذاب كما جرى لفرعون ﴿ إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ ﴾ استثناء من القرى، لأن المراد أهلها، وهو استثناء منقطع بمعنى: ولكن قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم العذاب، ويجوز أن يكون متصلاً، والجملة في معنى النفي كأنه قال ما آمنت قرية إلا قوم يونس، وروي في قصصهم أن يونس عليه السلام أنذرهم بالعذاب، فلما رأوه قد خرج من بين أظهرهم علموا أن العذاب ينزل بهم فتابوا وتضرعوا إلى الله تعالى فرفعه عنهم ﴿ ومتعناهم إلى حِينٍ ﴾ يريد إلى آجالهم المكتوبة في الأزل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وشركاؤكم ﴾ بالرفع: يعقوب ﴿ إن أجري ﴾ بفتح الياء حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص ﴿ ويكون لكما ﴾ بياء الغيبة: حماد ويزيد وزيد.

الباقون بتاء التأنيث ﴿ آلسحر ﴾ بالمد: يزيد وأبو عمرو ﴿ أن تبويا ﴾ بالياء: الخراز وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة.

الآخرون بالهمز.

﴿ ليضلوا ﴾ بضم الياء: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل ﴿ ولا تتبعان ﴾ بتخفيف النون: ابن عامر غير الحلواني عن هشام.

﴿ تتبعان ﴾ خفيفة التاء والنون: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان، وفي كلتا القراءتين خففت النون ثم كسرت لالتقاء الساكنين تشبيهاً بنون التثينة.

الباقون والحلواني عن هشام ﴿ تتبعان ﴾ بتشديدها في الحالين ﴿ منت أنه ﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف بدلاً من ﴿ آمنت ﴾ : حمزة وعلي وخلف.

الآخرون بالفتح.

﴿ ننجيك ﴾ من الإنجاء: سهل ويعقوب وقتيبة.

والآخرون بالتشديد.

الوقوف: ﴿ نبأ نوح ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" ظرف لقوله: ﴿ اتل ﴾ بل التقدير: واذكر إذ قال.

﴿ ولا تنظرون ﴾ ه ﴿ من أجر ﴾ ط ﴿ على الله ﴾ ج لأن التقدير وقد أمرت ﴿ من المسلمين ﴾ ه ﴿ بآياتنا ﴾ ج للفاء ولأن أمر النظر للعبرة يقتضي التثبيت للتدبر ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ لما جاءكم ﴾ ط بناء على أن التقدير أتقولون للحق لما جاءكم هو سحر والاستفهام في قوله: ﴿ أسحر ﴾ يستحق الابتداء وسيجيء له مزيد بيان ﴿ هذا ﴾ ط للفصل بين الأخبار والاستخبار ﴿ الساحرون ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ملقون ﴾ ه ﴿ ما جئتم به ﴾ ط لمن قرأ ﴿ آلسحر ﴾ مستفهماً ﴿ السحر ﴾ ط ﴿ سيبطله ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ أن يفتنهم ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ج لاتصال الكلام ﴿ المسرفين ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ توكلنا ﴾ ج للعدول مع اتحاد القائل ﴿ الظالمين ﴾ ه لا للعطف.

﴿ الكافرين ﴾ ه ج ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ ط لأن قوله ﴿ وبشر ﴾ خطاب لمحمد  وإن أريد به موسى فلا بد من العدول ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ لا لتعلق قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ بقوله: ﴿ آتيت ﴾ و ﴿ وربنا ﴾ تكرار للأول لأجل التضرع.

﴿ عن سبيلك ﴾ ج لابتداء النداء مع اتحاد القائل ﴿ الأليم ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعدواً ﴾ ط ﴿ الغرق ﴾ لا لأن قال جواب "إذا" ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ لغافلون ﴾ ه.

التفسير: لما بالغ في تقرير الدلائل والبينات والجواب عن الشبهات شرع في قصص الأنبياء المتقدمين، لأن نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب أقرب إلى انشراح الصدور ودفع الملال مع أن في ذكرها تسلية للرسول وعبرة للمعتبر إلى غير ذلك من الفوائد التي سبق ذكرها في "الأعراف".

ومعنى كبر ثقل وشق كقوله: ﴿ وإنها لكبيرة  ﴾ وفي مقامي وجوه منها: أنه زيادة كقولك: فعلت كذا لمكان فلان أي لأجله، وكقوله تعالى: ﴿ ولمن خاف مقام ربه  ﴾ أي ربه ومثله قولهم: فلان ثقيل الظل.

ومنها أن يراد به المكث أي شق عليكم مكثي بين أظهركم مدداً طوالاً ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولا شك أن من ألف طريقة ويدعى إلى خلافها ولا سيما إذا تكرر الدعاء كان ذلك موجباً للتنفر والثقل، وخاصة إذا كانت تلك الطريقة مقتضاة النفس والطبيعة الداعيتين إلى اللذات العاجلة.

ومنها أن يكون المقام بمعنى القيام لأنهم كانوا يقومون على أرجلهم في الوعظ والتذكير ليكون مكانهم بيناً وكلامهم مسموعاً كما يحكى عن عيسى  أنه كان يعظ الحواريين قائماً وهم قعود.

وجواب الشرط إما قوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ أي إن شدة بغضكم لي تحملكم على الإقدام على إيذائي وأنا لا أقابل ذلك الشر بالتوكل على الله فإن ذلك هجيراي قديماً وحديثاً وإما قوله: ﴿ فأجمعوا ﴾ وقوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ اعتراض كقولك: إن كنت أنكرت عليّ شيئاً فالله حسبي فاعمل ما تريد.

ولا يحسن أن يقال: إن الفاء الثانية عاطفة للاختلاف طلباً وخبراً، ومعنى ﴿ فأجمعوا أمركم ﴾ اعزموا عليه من أجمع الأمر إذا نواه وعزم عليه قاله الفراء.

وقال أبو الهيثم: أجمع أمره أي جعله جميعاً بعدما كان متفرقاً وتفرقه أنه يقول مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا، فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه أي جعله جميعاً.

فهذا هو الأصل في الإجماع ثم صار بمعنى العزم حتى وصل بـ "على" فقيل: أجمعت على الأمر أي عزمت عليه والفصيح أجمعت الأمر، والمراد بالأمر وجوه مكرهم وكيدهم.

وانتصب ﴿ شركاءكم ﴾ على المفعول معه أي مع شركائكم.

ومن قرأ بالرفع جعله عطفاً على الضمير المتصل، وإنما يحسن ذلك من غير تأكيد بالمنفصل للفصل.

والمراد بالشركاء إما من هم على مثل قولهم ودينهم، وإما الأصنام.

وحسن إسناد الإجماع إليهم على وجه التهكم كقوله: ﴿ قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون  ﴾ واعلم أنه  قال في أول الأمر ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ ليدل على أنه واثق بوعد الله جازم بأن تهديدهم إياه بالقتل لا يضره، ثم أورد عليهم ما يدل على صحة دعواه فقال: ﴿ فأجمعوا أمركم ﴾ كأنه قال: حصلوا كل ما تقدرون عليه من الأسباب المؤدية الى مطلوبكم غير مقتصرين على ذلك بل ضامين إلى أنفسكم شركاءكم الذين تزعمون أن حالكم يقوى بمكانهم.

ثم ضم إلى ذلك قيداً آخر فقال: ﴿ ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ﴾ قال أبو الهيثم: أي مبهماً من قولهم غم علينا الهلال فهو مغموم أي التبس.

وقال الليث: لقي غمة من أمره إذا لم يهتد له.

وقال الزجاج: أي ليكن أمركم الذي أجمعتموه ظاهراً منكشفاً أي تجاهرونني بالإهلاك.

ويحتمل أن يراد بهذا الأمر العيش والحال أي أهلكوني لئلا يكون عيشكم بسببي غصة وحالكم عليكم غمة أي غماً وهماً والغم والغمة كالكرب والكربة.

ثم زاد قيداً آخر فقال: ﴿ ثم اقضوا إليّ ﴾ ذلك الأمر الذي تريدون بي أي أدوا إليّ قطعه واحكموا بصحته وإمضائه.

وعن القفال أن فيه تضميناً والمعنى ألقوا إليّ ما استقر عليه رأيكم محكماً مفروغاً منه.

ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ ولا تنظرون ﴾ أي عجلوا ذلك بأشد ما تقدرون عليه من غير إهمال، ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر إلا عمن بلغ في التوكل الغاية القصوى.

ثم بين أن كل ما أتى به فإن ذلك فارغ من الطمع الدنيوي والغرض الخسيس فقال: ﴿ فإن توليتم ﴾ أعرضتم عن نصحي وتذكيري ﴿ فما سألتكم من أجر ﴾ فما كان عندي ما ينفركم عني وتتهمونني لأجله من طمع أو غرض عاجل ﴿ إن أجري ﴾ ليس أجري ﴿ إلا على الله ﴾ أي ما نصحتكم إلا لوجهه ولا يثيبني إلا هو.

وفي الآية نكتة كأنه أراد أنه لا يخاف منهم بوجه من الوجوه لا بإيصال الشر وذلك قوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ إلى آخره.

ولا بانقطاع الخير منهم وذلك قوله: ﴿ فإن توليتم ﴾ الآية.

﴿ وأمرت أن أكون من المسلمين ﴾ أي سواء قبلتم دين الإسلام أو لم تقبلوه فأنا مأمور بأن أكون على دين الإسلام، أو مأمور بالاستسلام لكل ما ألقى من قبل هذه الدعوة.

﴿ فكذبوه ﴾ بقوا على تكذيبهم إلى آخر المدة المتطاولة.

﴿ فنجيناه ومن معه في الفلك ﴾ قد ذكرنا في "الأعراف" الفرق بين هذه العبارة وبين ما هنالك ﴿ وجعلناهم خلائف ﴾ يخلفون الهالكين بالطوفان ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ﴾ تعظيم لشأن إهلاكهم وتحذير لغيرهم وتسلية للنبي  ﴿ ثم بعثنا من بعده ﴾ من بعد نوح ﴿ رسلاً ﴾ كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب ﴿ فجاؤوهم بالبينات ﴾ بالحجج الواضحات والمعجزات الباهرات ﴿ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ﴾ الآية وقد مر تفسيرها في أواسط الأعراف إلا أنه زيد ههنا لفظة "به" فقيل: لتناسب ما قبله وهو ﴿ كذبوا بآياتنا ﴾ وكذلك في "الأعراف" راعى المناسبة لأن ما قبله ﴿ ولكن كذبوا  ﴾ بغير الباء ﴿ ثم بعثنا من بعدهم ﴾ بعد الرسل أو الأمم ﴿ بآياتنا ﴾ يعني الآيات التسع ﴿ فاستكبروا ﴾ عن قبولها ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ كفاراً ذوي آثام ولذلك اجترأوا على رد الآيات.

أما قوله: ﴿ أسحر هذا ﴾ فليس بمقول لقوله: ﴿ أتقولون ﴾ لأنهم قطعوا في قوله: ﴿ إن هذا لسحر مبين ﴾ بأنه سحر، وما استفهموا ولكن الوجه فيه أن يقال: إن القول ههنا بمعنى الطعن والعيب كالذكر في قوله: ﴿ سمعنا فتى يذكرهم  ﴾ ومنه قولهم: فلان يخاف القالة أي مطاعن الناس فكأنه قال: أتعيبون الحق وتطعنون فيه؟

ثم أنكر عليهم قولهم فقال: ﴿ أسحر هذا ﴾ أو يقال: مفعول تقولون محذوف وهو قولهم ﴿ إن هذا لسحر مبين ﴾ أو يقال: جملة قوله ﴿ أسحر هذا ﴾ ﴿ ولا يفلح الساحرون ﴾ حكاية لكلامهم كأنهم قالوا منكرين لما جاءا به أجئتما بالسحر تطلبان به الفلاح ولا يفلح السحرة، لأن حاصل صنيعهم تخييل وتمويه ﴿ قالوا أجئتنا لتلفتنا ﴾ التركيب يدل على الالتواء ومنه الفتل والالتفات "افتعال" من اللفت وهو الصرف واللي ﴿ وتكون لكما الكبرياء في الأرض ﴾ أي الملك والعز في أرض مصر.

قال الزجاج: سمى الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا.

وأيضاً فالنبي  إذا اعترف القوم بصدقه صارت مقاليد أمر أمته إليه وصار أكبر القوم.

وقيل: لأن الملوك موصوفون بالكبر والحاصل أنهم عللوا عدم قبولهم دعوة موسى بأمرين: التمسك بالتقليد وهو عبادة آبائهم الأصنام، والحرص في طلب الدنيا والجد في بقاء الرياسة.

ويجوز أن يقصدوا ذمهما وأنهما إن ملكا أرض مصر تجبرا وتكبرا.

ثم صرحوا بالتكذيب قائلين ﴿ وما نحن لكما بمؤمنين ﴾ ثم حاولوا المعارضة وقد مرت تلك القصة في "الأعراف".

أما قوله: ﴿ ما جئتم به ﴾ فمعناه الذي جئتم به هو السحر لا الذي سماه فرعون وقومه سحراً من آيات الله.

قال الفراء: وإنما قال السحر بالألف واللام لأنه جواب الكلام الذي سبق كأنهم قالوا لموسى ما جئت به سحر.

فقال موسى: بل ما جئتم به السحر.

فوجب دخول الألف واللام لأن النكرة إذا عادت عادت معرفة.

يقول الرجل لغيره: لقيت رجلاً.

فيقول له: من الرجل؟

ولو قال: من رجل؟

لم يقع في وهمه أنه يسأل عن الرجل الذي ذكره.

ومن قرأ ﴿ آلسحر ﴾ بالاستفهام فما استفهامية مبتدأ و ﴿ جئتم به ﴾ خبره كأنه قيل أي شيء جئتم به.

ثم قال على وجه التوبيخ السحر أي أهو لسحر أو آلسحر جئتم به ﴿ إن الله سيبطله ﴾ بإظهار المعجزة عليه ﴿ إن الله لا يصلح عمل المفسدين ﴾ لا يؤيده بجميل الخاتمة ﴿ ويحق الله الحق ﴾ يثبته ﴿ بكلماته ﴾ بمواعيده أو بما سبق من قضائه أو بأوامره ﴿ فما آمن لموسى ﴾ أي في أول أمره ﴿ إلا ذريّة من قومه ﴾ قال ابن عباس: لفظة الذرية يعبر بها عن القوم على وجه التحقير، ولا ريب أن المراد ههنا ليس هو الإهانة، فالمراد التصغير بمعنى قلة العدد.

وقيل: المراد أولاد من أولاد قومه كأنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفاً من فرعون، وأجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف من فرعون أن يصرفهم عن دينهم بتسليط أنواع البلاء عليهم.

وقيل: إن الذرية أقوام كان آباؤهم من قوم فرعون وأمهاتهم من بني إسرائيل.

وقيل: الذرية مؤمن آل فرعون وآسية امرأته وخازنه وامرأة خازنه وماشطته، فالضمير في ﴿ قومه ﴾ على هذا لفرعون وعوده إلى موسى أظهر لأنه أقرب المذكورين، ولما نقل أن الذين آمنوا به كانوا من بني إسرائيل والضمير في ﴿ ملئهم ﴾ إما لفرعون على جهة التعظيم لأنه ذو أصحاب يأتمرون له، أو المراد آل فرعون بحذف المضاف، أو للذرية يعني أشراف بني إسرائيل لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفاً من فرعون عليهم وعلى أنفسهم يدل على ذلك قوله: ﴿ أن يفتنهم ﴾ أي يعذبهم فرعون.

ثم أكد أسباب الخوف بقوله: ﴿ وإن فرعون لعال ﴾ لغالب ﴿ في الأرض ﴾ أرض مصر ﴿ وإنه لمن المسرفين ﴾ في القتل والتعذيب أو لمن المجاوزين الحد لأنه من أخس العبيد فادعى الربوبية العليا ﴿ وقال موسى ﴾ تثبيتاً لقومه ﴿ إن كنتم آمنتم بالله ﴾ صدقتم به وبآياته ﴿ فعليه توكلوا ﴾ خصوه بتفويض أموركم إليه ﴿ إن كنتم مسلمين ﴾ قال لعلماء: المؤخر في مثل هذه السورة مقدم في المعنى نظيره: إن ضربك زيد فاضربه إن كانت بك قوة.

والمراد إن كانت بك قوة فإن ضربك زيد فاضربه فكأنه قيل لهم في حال إسلامهم إن كنتم منقادين لتكاليف ربكم بالإخلاص مصدقين له بالتحقيق عارفين بأنه واجب الوجود لذاته وما سواه محدث مخلوق مقهور تحت حكمه وتدبيره، ففوضوا جميع أموركم إليه وحده.

﴿ فقالوا ﴾ مؤتمرين لموسى ﴿ على الله توكلنا ﴾ ثم اشتغلوا بالدعاء قائلين ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة ﴾ أي موضع فتنة لهم.

والمراد بالفتنة تعذيبهم أو صرفهم عن دينهم، أو المراد لا تفتن بنا فرعون وقومه لأنك لو سلطتهم علينا صار ذلك شبهة لهم في أنا لسنا على الحق.

ويجوز أن تكون الفتنة بمعنى المفتون أي لا تجعلنا مفتونين بأن تمكنهم من صرفنا عن الدين الحق، ولما قدموا التضرع إلى الله في أن يصون دينهم عن الفساد أتبعوه سؤال عصمة أنفسهم فقال: ﴿ ونجنا ﴾ الآية.

وفي ذلك دليل على أن عنايتهم بمصالح الدين فوق اهتمامهم بمصالح النفس، وهكذا يجب أن تكون عقيدة كل مسلم والله الموفق.

﴿ وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً ﴾ تبوّأ بالمكان اتخذه مباءة ومرجعاً مثل توطنه إذا اتخذه وطناً.

واختلف المفسرون في البيوت فمنهم من ذهب إلى أنها المساجد كقوله: ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع  ﴾ فالمراد من قوله: ﴿ واجعلوا بيوتكم قبلة ﴾ أن يجعل تلك البيوت مساجد متوجهة نحو القبلة وهي جهة بيت المقدس أو الكعبة على ما نقل عن ابن عباس: وقال الحسن: الكعبة قبلة كل الأنبياء: وإنما وقع العدول عنه بأمر الله  في أيام نبينا  بعد الهجرة.

ومنهم من قال: إنها مطلق البيوت.

ثم قيل: المراد واجعلوا دوركم قبلة أي صلوا في بيوتكم.

وقيل: المراد اجعلوا بيوتكم متقابلة، أما السبب في اتخاذ هذه البيوت فأن يصلوا في بيوتهم خفية خيفة من الكفرة كما كان المؤمنون على ذلك في أول الإسلامبمكة، أو المقصود الجمعية واعتضاد البعض بالبعض.

وقيل: على التفسير الأول لما أظهر فرعون العداوة الشديدة أمر الله موسى وهارون وقومهما باتخاذ المساجد على رغم الأعداء وتكفل أن يصونهم عن شرهم.

وإنما ثنى الخطاب أوّلاً ثم جمع لأن اختيار المكان للعبادة مما يفوض إلى الأنبياء فخوطب موسى وهارون بذلك، ثم جعل الخطاب عاماً لهما ولقومهما لأن استقبال القبلة وإقامة الصلاة واجب على الجمهور.

ثم خص موسى  بالتبشير في قوله: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ لأن الغرض الأصلي من جميع العبادات هو هذه البشارة فلم تكن لائقة إلا بحال موسى الذي هو الأصل في الرسالة، وفيه تعظيم لشأن البشارة والمبشر (قال الضعيف مؤلف الكتاب) قد سنح في خاطري وقت هذه الكتابة أن الخطاب في قوله: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ لنبينا  على طريقة الالتفات والاعتراض.

ومضمون البشارة أنه جعلت الأرض كلها لهذه الأمة مسجداً وطهوراً دون سائر الأمم فإنهم أمروا باتخاذ موضع يرجعون إليه ألبتة للعبادة والله أعلم بمراده.

ثم إن موسى  لما بالغ في إظهار المعجزات القاهرة، ورأى القوم مصرين على الجحود والإنكار أخذ يدعو عليهم، ومن حق من يدعو على الغير أن يذكر أوّلاً سبب الدعاء عليه فلهذا ﴿ قال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً ﴾ فالزينة عبارة عن الصحة والجمال واللباس والدواب وأثاث البيت والأموال ما يزيد على ذلك من الصامت والناطق.

عن ابن عباس كانت لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة.

قالت الأشاعرة: اللام في قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ لام التعليل كأن موسى  قال: يا رب إنك أعطيتهم هذه الزينة والأموال لأجل أن يضلوا، ففيه دلالة على أنه  تسبب لضلالهم وأراد منهم ذلك وإلا لم يهيىء أسبابه.

ثم شرع في الدعاء عليهم بالطمس على أموالهم.

والطمس المحو أو المسخ كما مر في سورة النساء في قوله  : ﴿ من قبل أن نطمس وجوهاً  ﴾ وبالشد على قلوبهم ومعناه الاستيثاق والختم.

وقالت المعتزلة: قوله ﴿ ليضلوا ﴾ دعاء بلفظ الأمر للغائب، دعا عليهم بثلاثة أمور: بالضلال وبالطمس وبالشد.

كأنه لما علم بالتجربة وطول الصحبة أن إيمانهم كالمحال أو علم ذلك بالوحي اشتد غضبه عليهم فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون غيره قائلاً ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال وليطبع الله على قلوبهم كما يقول الأب المشفق لولده إذا لم يقبل نصحه واستمر على غيه.

سلمنا أن قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ ليس دعاء عليهم لكن اللام فيه للعاقبة كقوله: "لدوا للموت".

سلمنا أن اللام للتعليل لكنهم جعلوا الله سبباً في الضلال فكأنهم أوتوها ليضلوا.

ولم لا يجوز أن يكون "لا" مقدرة أي لئلا يضلوا كقوله: ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا  ﴾ أي أن لا تضلوا، أو يكون حرف الاستفهام مقدراً في آتيت على سبيل التعجب.

أما قوله  : ﴿ فلا يؤمنوا ﴾ فإما أن يكون معطوفاً على قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ على التفاسير كلها وما بينهما اعتراض، وإما أن يكون جواباً لقوله ﴿ واشدد ﴾ ويجوز أن يكون دعاء بلفظ النهي معطوفاً على ﴿ اشدد ﴾ .

﴿ قال قد أجيبت دعوتكما ﴾ أضاف الدعوة إليهما لأن موسى كان يدعو وهارون يؤمن، ويجوز أن يكونا جميعاً يدعوان إلا أنه خص موسى بالذكر في الآية لأصالته في الرسالة، والمعنى أن دعاءكما مستجاب وما طلبتما كائن ولكن في وقته ﴿ فاستقيما ﴾ فاثبتا على ما أنتما عليه من التبليغ والإنذار زيادة في إلزام الحجة، ولا تستعجلا فقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا قليلا.

قال ابن جريج: فمكث موسى بعد الدعاء أربعين سنة يدعوهم إلى الله ﴿ ولا تتبعانّ سبيل الذين لا يعلمون ﴾ أن الاستعجال لا يفيد في إجابة الدعاء فقد يستجاب الدعاء ولكن يظهر الأثر بعد حين.

﴿ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ﴾ قد مرت تلك القصة في أوائل سورة البقرة في قوله: ﴿ وإذ فرقنا بكم البحر  ﴾ الآية، ومعنى قوله: ﴿ فأتبعهم ﴾ لحقهم.

يقال: تبعه حتى أتبعه، والبغي الإفراط في الظلم والعدو ومجاوزة الحد وفي الآية سؤال وهو أن فرعون تاب ثلاثة مرات إحداها قوله: ﴿ آمنت ﴾ وثانيتها ﴿ أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ وثالثتها ﴿ وأنا من المسلمين ﴾ فلم تقبل توبته.

والجواب من وجوه: الأول أنه إيمان اليائس وأنه لا يقبل لأن الإلجاء ينافي التكليف.

الثاني أنها لم تكن مقرونة بالإخلاص وإنما كانت لدفع البلية الحاضرة والمحنة الناجزة.

الثالث أن ذلك التوحيد كان مبنياً على محض التقليد والمخذول كان من الدهرية المنكرين لوجود الصانع، ومثل هذا الاعتقاد الفاحش لا تزول ظلمته إلا بنور الحجة القطعية.

الرابع ما روي أن بعض بني إسرائيل لما جاوز البحر اشتغلوا بعبادة العجل فلعله أراد الإيمان بذلك العجل الذي آمنوا بعبادته في ذلك الوقت، وكانت هذه الكلمة سبباً لزيادة الكفر.

الخامس أن أكثر اليهود يميلون إلى التجسيم والتشبيه ولذلك عبدوا العجل فكأنه ما آمن إلا بالإله الموصوف بالجسمية والحلول والنزول.

السادس لعل الإيمان إنما يتم بالإقرار بوحدانية الله  وبنبوة موسى كما أنه لو قيل ألف مرة لاإله إلا الله لم يصح إيمان إلا إذا قرن به محمد رسول الله إلى الناس كافة.

السابع يروى أن جبريل  أتى فرعون بفتيا ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته فكفر نعمته وجحد حقه وادعى السيادة دونه؟

فكتب فرعون فيه يقول أبو العباس الوليد بن مصعب: جزاء العبد الخارج على سيده الكافر نعمته أن يغرق في البحر، ثم إن فرعون لما غرق دفع جبريل إليه خطه فعرفه.

أما قوله ﴿ آلآن ﴾ فالمشهور من الأخبار أنه قول جبريل.

وقيل: إنه قول الله  والتقدير: أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار حين ألجمك الغرق وأدركك.

وقوله: ﴿ وكنت من المفسدين ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ وأنا من المسلمين ﴾ يروى أن جبريل أخذ يملأ فاه بالطين حين قال: ﴿ آمنت ﴾ لئلا يتوب غضباَ عليه، والأقرب عند العلماء أن هذا الخبر غير صحيح لأنه إن قال ذلك حين بقاء التكليف لم يجز على جبريل أن يمنعه من التوبة بل يجب أن يحثه عليها أو على كل طاعة لقوله  : ﴿ وتعاونوا  ﴾ ولو منعه لكانت التوبة ممكنة لأن الأخرس قد يتوب بأن يعزم بقلبه على ترك المعاودة إلى القبيح، ولو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر والرضا بالكفر كفر.

وكيف يليق به  أن يقول لموسى وهارون ﴿ فقولا له قولاً ليناً  ﴾ ثم يأمر جبريل بمنعه عن الإيمان.

ولو قيل إن جبريل فعل ذلك من تلقاء نفسه كان منافياً لقوله: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك  ﴾ ﴿ لا يسبقونه بالقول  ﴾ وإن كان قال ذلك بعد زوال التكليف فلم يكن لما فعل جبريل فائدة اللهم إلا أن يقال: إنه دس حال البحر في فيه في وقت لا ينفعه إيمانه غضباً لله على الكافر.

قوله: ﴿ فاليوم ننجيك ببدنك ﴾ فيه أقوال منها: أن معناه نخرجك من البحر ونخلصك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ولكن بعد أن تغرق.

وقوله: ﴿ ببدنك ﴾ في موضع الحال أي في الحال التي لا روح فيك وإنما أنت بدن.

قال كعب: رماه الماء إلى الساحل كأنه ثور، أو المراد ببدنك كاملاً سوياً لم ينقص منه شيء ولم يتغير، أو عرياناً لست إلا بدناً وفيه نوع تهكم كأنه قيل: ننجيك لكن هذه النجاة إنما تحصل لبدنك لا لروحك كما يقال: نعتقك أو نخلصك من السجن ولكن بعد أن تموت.

وقيل: ننجيك ببدنك أي نلقيك بنجوة من الأرض وهي المكان المرتفع.

وقيل: ببدنك أي بدرعك.

قال الليث: البدن الدرع القصير الكمين.

عن ابن عباس قال: كان عليه درع من ذهب يعرف بها فأخرجه الله من الماء مع ذلك الدرع ليعرف، فإن صحت هذه الرواية كانت معجزة لموسى  .

وأما قوله: ﴿ لتكون لمن خلفك آية ﴾ فقيل: إن قوماً اعتقدوا في إلهيته وزعموا أن مثله لا يموت فأظهر الله  أمره بأن أخرجه من الماء بصورته حتى يشاهدوه.

وزالت الشبهة عن قلوبهم وكانت مطروحة على ممر من بني إسرائيل فلهذا قيل: ﴿ لمن خلفك ﴾ وقيل: إنه  أراد أن يشاهده الخلق على ذلك الذل والإهانة بعد ما سمعوا منه قوله: ﴿ أنا ربكم الأعلى  ﴾ ليكون ذلك زجراً للعابرين عن مثل طريقته، ويعرفوا أنه كان بالأمس في نهاية الجلالة ثم آل أمره إلى ما آل، فلا يجترأوا على نحو ما اجترأ عليه.

وقيل: المراد ليكون طرحك بالساحل وحدك دون المغرقين آية من آيات الله للأمم الآتية، ثم زجر هذه الأمة عن ترك النظر في الدلائل وحثهم على التأمل والاعتبار فقال ﴿ وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون ﴾ .

التأويل: ﴿ واتل عليهم نبأ نوح ﴾ الروح ﴿ إذ قال لقومه ﴾ وهم القلب والسمع والنفس وصفاتها ﴿ يا قوم إن كان ﴾ عظم ﴿ عليكم مقامي ﴾ في الأخلاق الحميدة الروحانية ودعائي إلى الله ببراهينه الواضحة ﴿ فما سألتكم من أجر ﴾ من حظ من حظوظ مشاربكم الدنيوية ما حظي إلا من مواهب الله وشهود جماله.

و ﴿ جعلناهم خلائف ﴾ خلفاء الله في أرضه وباقي التأويل كما مر في "الأعراف".

وهكذا في قصة موسى ﴿ ولا يفلح الساحرون ﴾ لأن الفلاح هو الخلاص عن قيد الوجود المجازي.

﴿ ويحق الله الحق ﴾ أي الذكر ﴿ بكلماته ﴾ وهي لا إله إلا الله ﴿ ولو كره ﴾ أهل الهوى والنفوس الأمارة ﴿ فما آمن لموسى ﴾ القلب إلا صفاته أو بعض صفات فرعون النفس بتبديل أخلاقها الذميمة بالأخلاق الحميدة القلبية ﴿ على خوف من فرعون ﴾ النفس والهوى والدنيا وشهواتها أن يصرفهم إلى حالها الطبيعية التي جبلت عليها.

﴿ وأوحينا إلى موسى ﴾ القلب وهارون السر أن هيئا لصفاتكما بمصر عالم الروح مقامات ومنازل لا في عالم النفس السفلي.

واجعلوا تلك المقامات متوجهة إلى طلب الحق.

﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ أديموا العروج من المقامات الروحانية إلى المواصلات الربانية ﴿ ليضلوا عن سبيلك ﴾ ليكون عاقبة أمرهم أن ينقطعوا أو يقطعوا بتلك الملاذ عن السير في طلبك ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ بمحقها وتحقيرها في نظرهم ﴿ واشدد ﴾ طريق النظر إلى الدنيا وما فيها ﴿ على قلوبهم ﴾ واجعل همتهم عليه في طلبك والنظر إليك فقط ﴿ حتى يروا العذاب الأليم ﴾ فإن النفس وصفاتها لا يؤمنون بالآخرة وطلب الحق حتى يذيقهم ألم الفطام عن الدنيا ومشتهياتها.

﴿ سبيل الذين لا يعلمون ﴾ طريق الوصول إلى الله ولا يعرفون قدره ﴿ وجاوزنا ببنى إسرائيل ﴾ هم القلب والسر وصفاتها.

والبحر بحر الروحانية الملكوتية ﴿ فأتبعهم فرعون ﴾ النفس وصفاتها بعد الفطام عن شوائب عالم الملك قهراً وقسراً، حتى إذا هبت رياح اللطف وتموجت بحار الفضل واستغرق موسى القلب وصفاته في لجي بحر الوصال، وبلغت أفواج أمواجه إلى ساحل البشرية، أدرك فرعون النفس الغرق فاستمسك بعروة ذلك الفريق: ﴿ آمنت ﴾ ومن أمارات أجنبية فرعون النفس من عالم الروح أنه لم يتمسك بحبل التوحيد والمعرفة بيد الصدق والاستقلال، ولم يقل آمنت بالله الذي لا إله إلا هو وإنما تمسك بين الاضطراب والتقليد فقال: ﴿ لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ ﴿ ننجيك ببدنك ﴾ أي نخلصك مع قالبك من بحر الضلالة لتكون دليلاً على كمال قدرتنا وعنايتنا.

وإن من اتبع خواص عبادنا نجعله من أهل النجاة والدرجات بعد أن كان من أهل الهلاك والدركات والله حسبنا.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ ﴾ : اختلف فيه؛ قال بعضهم: [الخطاب به لرسول الله والمراد منه غيره.

وقال بعضهم: الخطاب به المراد به جميعاً غيره.

وقال بعضهم] الخطاب به والمراد به رسول الله ما كنت في شك مما أخبرتهم وأنبأتهم، فمن قال: الخطاب لرسول الله والمراد به غيره، وهو ما ظهر في الناس أنهم يخاطبون من هو أعظم منزلة عندهم وقدرا ويريدون به غيره، وإلا لا يحتمل أن يكون رسول الله يشك فيما أنزل إليه قط أو يرتاب؛ كقوله: ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا...

﴾ الآية [الإسراء: 23]، ومعلوم أنه في وقت ما خوطب به لم يكن أبواه أحياء دل أنه أراد به غيره؛ فعلى ذلك الأول.

ومن قال: الخطاب والمراد به من غير رسول الله  يقول: إن الوفود من الكفرة كانوا يتقدمون رسول الله فيسألونه شيئاً فشيئاً فيخاطب الذي يتقدم، وكان يحضره الوحدان والجماعة يقول: ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ ﴾ .

وقوله: ﴿ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ﴾ على هذا التأويل هو منزل إليه؛ إذ كل منزل على رسول الله منزل عليه وإليه وإلى كل أحد كقوله: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ  ﴾ أمرهم باتباع ما أنزل إليهم دل أن كل منزل على رسول الله منزل عليهم.

ومن قال: الخطاب والمراد به رسول الله قال لما لا يحتمل أن يكون رسول الله يشك في شيء مما أنزل إليه، ولكنه يريد به التقرير عنده لقول الكفار إن الذي يلقي على محمد شيطان فيريد به التقرير عنده، أو يخاطب به كل شاك؛ كقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ  ٱلَّذِي  ﴾ هو يخاطب إنساناً واحداً، ولكن المراد به كل إنسان مغرور وكل كافر، وذلك جائز في القرآن كثير أن يخاطب به كلا في نفسه.

ومن قال: خاطب به رسوله وأراد هو - أيضاً - وهو كان في الابتداء على غير يقين أنه يوحى إليه أو لا؛ كقوله: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ  ﴾ فقال: ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ ﴾ الأنباء التي أخبرتهم وأنبأتهم وادعيت أنها أوحيت إليك ليخبروك على ما أخبرتهم.

وقوله: ﴿ فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ ﴾ قال بعضهم: فاسأل الذين يقرءون الكتاب يعني من آمن منهم.

وقال بعضهم: سل أهل الكتاب منهم يخبرونك؛ لأنه مكتوب عندهم؛ كقوله: ﴿ يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ...

﴾ الآية [الأعراف: 157].

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ﴾ قيل: الحق القرآن جاء من ربك، وقيل: جاء البيان أنه من عند الله.

وقوله: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ : الشاكين.

﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ : هو ما ذكرنا أنه يريد بالخطاب غيره، وإلا لا يحتمل أن يكون رسول الله  يكون من الشاكين، أو يكون من الذين يكذبون بآيات الله، أو يكون من الخاسرين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لم يحدث أن آمنت قرية من القرى التي أرسلنا إليها رسلنا إيمانا مُعْتَدًّا به قبل معاينة العذاب، فينفعها إيمانها لمجيئه قبل معاينته، إلا قوم يونس حين آمنوا إيمانًا صادقًا رفعنا عنهم عذاب الذل والهوان في الحياة الدنيا، ومتعناهم إلى وقت انقضاء آجالهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.KnEQw"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد