تفسير الآية ١٤ من سورة يوسف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ١٤ من سورة يوسف

قَالُوا۟ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذًۭا لَّخَـٰسِرُونَ ١٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 39 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٤ من سورة يوسف من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٤ من سورة يوسف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقالوا مجيبين عنها في الساعة الراهنة : ( لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون ) يقولون : لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا ، ونحن جماعة ، إنا إذا لهالكون عاجزون .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (14) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: قال إخوة يوسف لوالدهم يعقوب: لئن أكل يوسف الذئبُ في الصحراء ، ونحن أحد عشر رجلا معه نحفظه ، وهم العصبة (33) ، (إنا إذًا لخاسرون) ، يقول: إنا إذًا لعجزة هالكون .

(34) ---------------------- الهوامش: (33) انظر تفسير" العصبة" فيما سلف ص : 562 .

(34) انظر تفسير" الخسران" فيما سلف من فهارس اللغة ( خسر )

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة أي جماعة نرى الذئب ثم لا نرده [ ص: 125 ] عنه .إنا إذا لخاسرون أي في حفظنا أغنامنا ; أي إذا كنا لا نقدر على دفع الذئب عن أخينا فنحن أعجز أن ندفعه عن أغنامنا .

وقيل : " لخاسرون " لجاهلون بحقه .

وقيل : لعاجزون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ْ} أي: جماعة، حريصون على حفظه، { إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ ْ} أي: لا خير فينا ولا نفع يرجى منا إن أكله الذئب وغلبنا عليه.

فلما مهدوا لأبيهم الأسباب الداعية لإرساله، وعدم الموانع، سمح حينئذ بإرساله معهم لأجل أنسه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة ) عشرة ( إنا إذا لخاسرون ) عجزة ضعفاء .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قالوا لإن» لام قسم «أكله الذئب ونحن عصبة» جماعة «إنا إذا لخاسرون» عاجزون فأرسله معهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال إخوة يوسف لوالدهم: لئن أكله الذئب، ونحن جماعة قوية إنا إذًا لخاسرون، لا خير فينا، ولا نفع يُرْجَى منا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - ( قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذئب وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ ) رد مؤكد من إخوة يوسف على تخوف أبيهم وتردده فى إرساله معهم .

إذ اللام فى قوله : " لئن " موطئة للقسم ، وجواب القسم قوله : ( إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ ) .أى : قال إخوة يوسف لأبيهم محاولين إدخال الطمأنينة على قلبه ، وإزالة الحزن والخوف عن نفسه : يا أبانا والله لئن أكل الذئب يوسف وهو معنا ، ونحن عصابة من الرجال الأقوياء الحريصين على سلامته ، إنا إذا فى هذه الحالة لخاسرون خسارة عظيمة ، نستحق بسببها عدم الصلاح لأى شئ نافع .وأخيراً استسلم الأب ، لإِلحاح أبنائه الكبار ، ليتحقق قدر الله الذى قدره على يوسف .

ولتسير قصة حياته فى الطريق الذى شاء الله تعالى - له أن تسير فيه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنهم لما طلبوا منه أن يرسل يوسف معهم اعتذر إليهم بشيئين: أحدهما: أن ذهابهم به ومفارقتهم إياه مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة.

والثاني: خوفه عليه من الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم أو لعبهم لقلة اهتمامهم به.

قيل: إنه رأى في النوم أن الذئب شد على يوسف، فكان يحذره فمن هذا ذكر ذلك، وكأنه لقنهم الحجة، وفي أمثالهم البلاء موكل بالمنطق.

وقيل: الذئاب كانت في أراضيهم كثيرة، وقرئ ﴿ الذئب ﴾ بالهمز على الأصل وبالتفخيف.

وقيل: اشتقاقه من تذاءبت الريح إذا أتت من كل جهة، فلما ذكر يعقوب عليه السلام هذا الكلام أجابوا بقولهم: ﴿ لَئِنْ أَكَلَهُ الذئب وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذَا لخاسرون ﴾ وفيه سؤالات: السؤال الأول: ما فائدة اللام في قوله: ﴿ لَئِنْ أَكَلَهُ الذئب ﴾ .

والجواب من وجهين: الأول: أن كلمة إن تفيد كون الشرط مستلزماً للجزاء، أي إن وقعت هذه الواقعة فنحن خاسرون، فهذه اللام دخلت لتأكيد هذا الاستلزام.

الثاني: قال صاحب الكشاف هذه اللام تدل على إضمار القسم تقديره: والله لئن أكله الذئب لكنا خاسرين.

السؤال الثاني: ما فائدة الواو في قوله: ﴿ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ .

الجواب: أنها واو الحال حلفوا لئن حصل ما خافه من خطف الذئب أخاهم من بينهم وحالهم أنهم عشرة رجال بمثلهم تعصب الأمور وتكفي الخطوب إنهم إذاً لقوم خاسرون.

السؤال الثالث: ما المراد من قولهم: ﴿ إِنَّا إِذَا لخاسرون ﴾ .

الجواب فيه وجوه: الأول: خاسرون أي هالكون ضعفاً وعجزاً، ونظيره قوله تعالى: ﴿ لَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لخاسرون  ﴾ أي لعاجزون: الثاني: أنهم يكونون مستحقين لأن يدعى عليهم بالخسارة والدمار وأن يقال خسرهم الله تعالى ودمرهم حين أكل الذئب أخاهم وهم حاضرون.

الثالث: المعنى أنا إن لم نقدر على حفظ أخينا فقد هلكت مواشينا وخسرناها.

الرابع: أنهم كانوا قد أتعبوا أنفسهم في خدمة أبيهم واجتهدوا في القيام بمهماته وإنما تحملوا تلك المتاعب ليفوزوا منه بالدعاء والثناء فقالوا: لو قصرنا في هذه الخدمة فقد أحبطنا كل تلك الأعمال وخسرنا كل ما صدر منا من أنواع الخدمة.

السؤال الرابع: أن يعقوب عليه السلام اعتذر بعذرين فلم أجابوا عن أحدهما دون الآخر؟

والجواب: أن حقدهم وغيظهم كان بسبب العذر الأول، وهو شدة حبه له فلما سمعوا ذكر ذلك المعنى تغافلوا عنه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

القسم محذوف تقديره: والله ﴿ لَئِنْ أَكَلَهُ الذئب ﴾ واللام موطئة للقسم.

وقوله: ﴿ إِنَّا إِذَا لخاسرون ﴾ جواب للقسم مجزئ عن جزاء الشرط، والواو في ﴿ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ واو الحال: حلفوا له لئن كان ما خافه من خطفة الذئب أخاهم من بينهم- وحالهم أنهم عشرة رجال، بمثلهم تعصب الأمور وتكفي الخطوب- إنهم إذاً لقوم خاسرون، أي هالكون ضعفاً وخوراً وعجزاً.

أو مستحقون أن يهلكوا لأنه لا غناء عندهم ولا جدوى في حياتهم.

أو مستحقون لأن يدعي عليهم بالخسارة والدّمار، وأن يقال: خسرهم الله ودمّرهم حين أكل الذئب بعضهم وهم حاضرون.

وقيل: إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشنا إذاً وخسرناها فإن قلت: قد اعتذر إليهم بعذرين، فلم أجابوا عن أحدهما دون الآخر؟

قلت: هو الذي كان يغيظهم ويذيقهم الأمّرين فأعاروه آذاناً صما ولم يعبؤوا به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ ﴾ لِشِدَّةِ مُفارَقَتِهِ عَلَيَّ وقِلَّةِ صَبْرِي عَنْهُ.

﴿ وَأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ﴾ لِأنَّ الأرْضَ كانَتْ مَذْأبَةً.

وقِيلَ رَأى في المَنامِ أنَّ الذِّئْبَ قَدْ شَدَّ عَلى يُوسُفَ وكانَ يَحْذَرُهُ عَلَيْهِ، وقَدْ هَمَزَها عَلى الأصْلِ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ في رِوايَةِ قالُونَ، وفي رِوايَةِ اليَزِيدِيِّ وأبُو عَمْرٍو وقْفًا وعاصِمٍ وابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ دَرْجًا واشْتِقاقُهُ مِن تَذاءَبَتِ الرِّيحُ إذا هَبَّتْ مِن كُلِّ جِهَةٍ.

﴿ وَأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ ﴾ لِاشْتِغالِكم بِالرَّتْعِ واللَّعِبِ أوْ لِقِلَّةِ اهْتِمامِكم بِحِفْظِهِ.

﴿ قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ اللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وجَوابُهُ: ﴿ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ ﴾ ضُعَفاءُ مَغْبُونُونَ، أوْ مُسْتَحِقُّونَ لِأنْ يُدْعى عَلَيْهِمْ بِالخَسارِ والواوُ في و (نَحْنُ عُصْبَةٌ) لِلْحالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذئب} اللام موطئة للقسم والقسم محذوف تقديره والله لئن أكله الذئب والواو في {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} أي فرقة مجتمعة مقتدرة على الدفع للحال {إِنَّا إِذَا لخاسرون} جواب للقسم مجزىء عن

يوسف (١٥ _ ١٨)

جزاء الشرط إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا إذا وخسرناها وأجابوا عن عذره الثاني دون الأول لأن ذلك كان يغيظهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ أيْ والحالُ أنّا جَماعَةٌ جَدِيرَةٌ بِأنْ تَعْصِبَ بِنا الأُمُورُ وتَكْفِيَ بِآرائِنا وتَدْبِيراتِنا الخُطُوبُ، واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى الشَّرْطِ مُوطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ ﴾ جَوابٌ مُجْزِئٌ عَنِ الجَزاءِ، والخَسارُ إمّا بِمَعْنى الهَلاكِ تَجَوُّزًا عَنِ الضَّعْفِ أوِ اسْتِحْقاقِهِ، أوْ عَنِ اسْتِحْقاقِ الدُّعاءِ بِهِ أيْ لَضُعَفاءُ عاجِرُونَ، أوْ مُسْتَحِقُّونَ لِلْهَلاكِ لا غِناءَ عِنْدَنا ولا نَفْعَ في حَياتِنا، أوْ مُسْتَحِقُّونَ لِأنْ يُدْعى عَلَيْنا بِالخَسارِ والدَّمارِ فَيُقالُ: خَسَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى ودَمَّرَهم إذْ أكَلَ الذِّئْبُ أخاهم وهم مَعَهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ أيْ إنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلى حِفْظِهِ وهو أعَزُّ شَيْءٍ عِنْدَنا فَقَدْ هَلَكَتْ مَواشِينا وخَسِرْناها، وإنَّما اقْتَصَرُوا عَلى جَوابِ خَوْفِ أبِيهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أكْلِ الذِّئْبِ مَعَ أنَّهُ ذَكَرَ في وجْهِ عَدَمِ مُفارَقَتِهِ أمْرَيْنِ: حُزْنُهُ لِمُفارَقَتِهِ وخَوْفُهُ عَلَيْهِ مِنَ الذِّئْبِ لِأنَّهُ السَّبَبُ القَوِيُّ في المَنعِ دُونَ الحُزْنِ لِقَصْرِ زَمانِهِ بِناءً عَلى سُرْعَةِ عَوْدِهِمْ بِهِ، أوْ لِأنَّ حُزْنَهُ بِالذَّهابِ إنَّما هو لِلْخَوْفِ عَلَيْهِ، فَنَفْيُ الثّانِي يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الأوَّلِ، أوْ لِكَراهَتِهِمْ لِذَلِكَ لِأنَّهُ سَبَبُ حَسَدِهِمْ لَهُ فَلِذَلِكَ أعارُوهُ أُذُنًا صَمّاءَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ يعني: من إخوة يوسف لا تقتلوه، يعني: لاَ تَقْتُلُوا يُوسُفَ فإن قتله عظيم.

وقال الكلبي: كان صاحب هذا القول: يهوذا، لم يكن أكبرهم في السّن، ولكن كان أعقلهم.

وقال قتادة والضحاك: صاحب هذا القول: روبيل، وكان أكبر القوم سناً.

وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يعني اطرحوه في أسفل الجب.

وقال الزجاج: الغيابة كل ما غاب عنك أو غيّبت شيئاً عنك.

قرأ نافع: غيابات بلفظ الجماعة، وقرأ الباقون غَيابَتِ الْجُبِّ، لأن المعنى فيها على موضع واحد.

وروي عن أبيّ بن كعب، أنه كان يقرأ: غيبة الجب.

وقال الزجاج: الجُبُّ: البئر التي ليست بمطوية سميت جُبًّا، لأنها قطعت قطعاً، ولم يحدث فيها غير القطع.

ثم قال: يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ يعني: يأخذه بعض من يمر عليه من المسافرين إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ يعني: إن كنتم لا بد فاعلين من الشر الذي تريدون.

وروي عن الحسن، ومجاهد، أنهما قرءا: تلتقطه بالتاء، ومعناه: تلتقطه السيارة، وينصرف إلى المعنى.

فلما قال لهم ذلك يهوذا أو روبيل، أطاعوه بذلك، وجاءوا إلى أبيهم وقالُوا يا أَبانا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ بأن ترسله معنا، وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ يعني: لحافظون.

ويقال: محبون مشفقون.

قرأ أبو جعفر القارئ المدني: لاَ تَأْمَنَّا بجزم النون، وقرأ الباقون تَأْمَنَّا بإشمام النون إلى الرفع، لأن أصلها تأمننا، فأدغمت إحداهما في الأخرى، وأقيم التشديد مقامها، وبقي رفعه.

ثم قال: أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يعني: أخوة يوسف قالوا لأبيهم: أرسل يوسف معنا إلى الغنم يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ قال مجاهد: يحفظ بعضنا بعضاً، ونتحارس.

وقال قتادة: ننشط ونسعى ونلهو.

وقال القتبي: من قرأ بتسكين العين، أي نأكل يقال: رتعت الإبل إذا رعت.

ومن قرأ بكسر العين، أراد به: نتحارس ويرعى بعضنا بعضاً، أي: يحفظ.

قرأ ابن كثير: نَرْتَعِ بالنون وكسر العين، وَنَلْعَبُ بالنون.

وقرأ نافع: يَرْتَعْ بالياء وكسر العين، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم: يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ بالياء وجزم العين، وقرأ أبو عمرو، وابن عامر: نرتع وَنَلْعَبُ بالنون وجزم العين.

واتفقوا في جزم الباء.

قال أبو عبيدة، قلت لأبي عمرو: كيف يقولون نلعب وهم أنبياء؟

قال: لم يكونوا يومئذٍ أنبياء.

قال الفقيه أبو الليث: لم يريدوا به اللعب الذي هو منهيّ عنه، وإنما أرادوا به المطايبة في خروجهم، وفيه دليل: أن القوم إذا خرجوا من المصر، فلا بأس بالمطايبة والمزاح في غير مأثم.

ويقال: نرتع ونلعب يعني: نجيء ونذهب، حتى نتشجع ونترحّل.

ويقال: حتى نجمع النفع والسرور.

وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ لا يصيبه أذًى ولا مكروه، وإنا مشفقون عليه قالَ لهم يعقوب: إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ يعني: إنَّ ذهابكم به ليحزنني.

قرأ نافع: لَيَحْزُنُنِي بضم الياء وكسر الزاي، وقرأ الباقون بنصب الياء، وضم الزاي.

ومعناهما واحد.

ثم قال: وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ يعني: أخاف أن تضيعوه فيأكله الذئب، وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ يعني: مشغولين بأمركم.

قرأ أبو عمرو والكسائي ونافع في رواية ورش: الذِّئْبُ بغير همز.

وقرأ الباقون بالهمز، وهما لغتان.

وروي عن بعض الصحابة، أنه قال: لا ينبغي أن يلقن الخصم حجّته، لأن إخوة يوسف كانوا لا يعلمون أن الذئب يأكل الناس، إلى أن قال لهم يعقوب ذلك، وإنما قال ذلك يعقوب لأنه رأى في المنام أن ذئباً كان يعدو على يوسف فأنجاه بنفسه.

قالُوا يعني: إخوة يوسف لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ يعني: جماعة عشرة إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ يعني: لعاجزين.

فلما قالوا ذلك رضي بخروجه معهم، فبعثه معهم، وأوصاهم عند خروجه أن يحسنوا إليه، ويتعاهدوا أمره، ويردوه إذا طلب الرجوع.

فقبلوا ذلك منه.

ويقال: إنه أبى أن يرسله معهم، حتى أتوا يوسف فقالوا له: اطلب من أبيك ليبعثك معنا، وطلب يوسف ذلك من أبيه، فبعثه معهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ: أي: بوحينا إِليك هذا، والْقُرْآنَ: نعت ل «هذا» ويجوز فيه البَدَلُ، والضمير في «قبله» : للقصص العامِّ لما في جميع القرآن منه، ولَمِنَ الْغافِلِينَ، أي: عن معرفة هذا القصص، وعبارةُ المَهْدَوِيِّ: قال قتادة: أي: نقصُّ عليك من الكُتُب الماضيةِ، وأخبارِ الأممِ السالفةِ أحْسَنَ القصص بوحينا إِليك هذا القرآن، وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ عنْ أخبار الأمم، انتهى.

وقوله سبحانه: إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ: قيل: إِنه رأَى كواكِبَ حقيقةً، والشمْسَ والقَمَرَ، فتأوَّلها يعقوبُ إِخْوَتَهُ وأَبَوَيْهِ، وهذا هو قولُ الجمهور، وقيل: الإِخوةُ والأَبُ والخالةُ لأَنَّ أُمَّه كانتْ ميِّتة، وروي أن رُؤْيَا يوسُفَ خَرَجَتْ بَعْدَ أربعينَ سَنَةً، وقيل: بعد ثمانين سنة.

وقوله: يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً مِنْ هنا ومِنْ فعْل إِخوة يوسُفَ بيوسُفَ: يظهر أنَّهم لم يكُونوا أَنبياءَ في ذلك الوقْتِ، وما وَقَعَ في «كتاب الطَّبريِّ» لابْنِ زَيْد أنهم كانُوا أنبياءَ يردُّه القطْعُ بعصمة الأنبياءِ عن الحَسَدِ الدنيوي، وعن عقوقِ الآباءِ، وتعريض مؤمنٍ للهلاكِ، والتآمرِ في قتله.

وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ: أي: يختارُكَ ويصطفيك.

وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ قال مجاهد وغيره: هي عبارةُ الرؤيا «١» وقال الحسن: هي عواقِبُ الأمور «٢» وقيل: هي عامَّة لذلك وغيره من المغيَّبات.

وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ...

الآية: يريد بالنبوَّة وما انضاف إِلَيْها من سائر النِّعَم، ويروَى: أَنَّ يعقُوبَ عَلِمَ هَذا مِنْ دَعْوَة إِسْحَاقَ لَهُ حِينَ تشبَّه ب «عيصو» ، وباقي الآية بيّن.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ قائِلٌ مِنهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَهُوذا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ شَمْعُونُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: رُوبِيلُ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ.

فَأمّا غَيابَةُ الجُبِّ، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ شَيْءٍ غَيَّبَ عَنْكَ شَيْئًا فَهو غَيابَةُ، والجُبُّ: الرَّكْيَةُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الغَيابَةُ: كُلُّ ما غابَ عَنْكَ، أوْ غَيَّبَ شَيْئًا عَنْكَ، قالَ المُنَخِّلُ: فَإنْ أنا يَوْمًا غَيَّبَتْنِي غَيابَتِي فَسِيرُوا بِسَيْرِي في العَشِيرَةِ والأهْلِ والجُبِّ: البِئْرُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ؛ سُمِّيَتْ جُبًّا مِن أجْلٍ أنَّها قُطِعَتْ قَطْعًا، ولَمْ يَحْدُثْ فِيها غَيْرُ القَطْعِ مِن طَيٍّ وما أشْبَهَهُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " في غَيابَةِ الجُبِّ " أيْ: في ظُلُماتِهِ.

وقالَ الحَسَنُ: في قَعْرِهِ.

وقَرَأ نافِعٌ: " غَياباتِ الجُبِّ " فَجُعِلَ كُلٌّ مِنهُ غَيابَةً.

ورَوى خارِجَةُ عَنْ نافِعٍ: " غَيّاباتِ " بِتَشْدِيدِ الياءِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: " غَيْبَةِ الجُبِّ " بِغَيْرِ ألِفٍ مَعَ إسْكانِ الياءِ.

وأيْنَ كانَ هَذا الجُبُّ، فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِأرْضِ الأُرْدُنِ، قالَهُ وهْبٌ.

وقالَ مُقاتِلٌ: هو بِأرْضِ الأُرْدُنِ عَلى ثَلاثِ فَراسِخَ مِن مَنزِلِ يَعْقُوبَ.

والثّانِي: بِبَيْتِ المَقْدِسِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَأْخُذْهُ بَعْضُ مَن يَسِيرُ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ﴾ أيْ: إنْ أضْمَرْتُمْ لَهُ ما تُرِيدُونَ.

وأكْثَرُ القُرّاءِ قَرَؤُوا " يَلْتَقِطْهُ " بِالياءِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالتّاءِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وجَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ يُجِيزُونَ ذَلِكَ، لِأنَّ بَعْضَ السَّيّارَةِ سَيّارَةٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: تَلْتَقِطُهُ سَيّارَةُ بَعْضِ السَّيّارَةِ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن قَرَأ بِالتّاءِ فَقَدْ أنَّثَ فِعْلَ بَعْضٍ، وبَعْضٌ مُذَكَّرٌ، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ حَمْلًا عَلى المَعْنى، إذِ التَّأْوِيلُ: تَلْتَقِطْهُ السَّيّارَةُ، قالَ الشّاعِرُ: رَأتْ مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ أرادَ: رَأتِ السِّنِينَ، وقالَ الآخَرُ: طُولُ اللَّيالِي أسْرَعَتْ في نَقْضِي ∗∗∗ طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي أرادَ: اللَّيالِي أسْرَعَتْ، وقالَ جَرِيرٌ: لَمّا أتى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ أرادَ: تَواضَعَتِ المَدِينَةُ، وقالَ الآخَرُ: وتَشْرَقُ بِالقَوْلِ الَّذِي قَدْ أذَعْتُهُ ∗∗∗ كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ أرادَ: كَما شَرِقَتِ القَناةُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: فَلَمّا عَزَمَ القَوْمُ عَلى كَيْدِ يُوسُفَ، قالُوا لِأبِيهِ: ﴿ ما لَكَ لا تَأْمَنّا ﴾ قَرَأ الجَماعَةُ " تَأْمَنّا " بِفَتْحِ المِيمِ وإدْغامِ النُّونِ الأوْلى في الثّانِيَةِ والإشارَةِ إلى إعْرابِ النُّونِ المُدْغَمَةِ بِالضَّمِّ؛ قالَ مَكِّيٌّ: لِأنَّ الأصْلَ " تَأْمَنُنا " ثُمَّ أُدْغِمَتِ النُّونُ الأُولى، وبَقِيَ الإشْمامُ يَدُلُّ عَلى ضَمَّةِ النُّونِ الأُولى.

والإشْمامُ: هو ضَمُّ شَفَتَيْكَ مِن غَيْرِ صَوْتٍ يُسْمَعُ، فَهو بَعْدَ الإدْغامِ وقَبْلَ فَتْحِهِ النُّونَ الثّانِيَةَ.

وابْنُ كَيْسانَ يُسَمِّي الإشْمامَ الإشارَةَ، ويُسَمِّي الرَّوْمَ إشْمامًا؛ والرَّوْمُ: صَوْتٌ ضَعِيفٌ يُسْمَعُ خَفِيًّا.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " تَأْمَنّا " بِفَتْحِ النُّونِ مِن غَيْرِ إشْمامٍ إلى إعْرابِ المُدْغَمِ.

وقَرَأ الحَسَنُ " مالَكَ لا تَأْمُنّا " بِضَمِّ المِيمِ.

وقَرَأ ابْنُ مِقْسَمٍ " تَأْمَنُنا " بِنُونَيْنِ عَلى الأصْلِ، والمَعْنى: مالَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ فَتُرْسِلَهُ مَعَنا، فَإنَّهُ قَدْ كَبُرَ ولا يَعْلَمُ شَيْئًا مِن أمْرِ المَعاشِ ﴿ وَإنّا لَهُ لَناصِحُونَ ﴾ فِيما أشَرْنا بِهِ عَلَيْكَ؛ ﴿ أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا ﴾ إلى الصَّحْراءِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لَهُ: أرْسَلْهُ مَعَنا، فَقالَ: إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ، فَقالُوا: مالَكَ لا تَأْمَنّا.

قَوْلُهُ تَعالى: " نَرْتَعْ ونَلْعَبْ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو " نَرْتَعْ ونَلْعَبْ " بِالنُّونِ فِيهِما، والعَيْنُ ساكِنَةٌ؛ وافَقَهم زَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ في " نَرْتَعْ " فَحَسْبُ.

وَفِي مَعْنى " نَرْتَعْ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: نَلْهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: نَسْعَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: نَأْكُلْ؛ يُقالُ: رَتَعَتِ الإبِلُ: إذا رَعَتْ، وأرْتَعْتُها: إذا تَرَكْتُها تَرْعى.

قالَ الشّاعِرُ: وحَبِيبٍ لِي إذا لاقَيْتُهُ ∗∗∗ وإذا يَخْلُو لَهُ لَحْمِي رَتَعْ أيْ: أكَلَهُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ الأنْبارِيِّ، وابْنِ قُتَيْبَةَ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ﴿ يَرْتَعْ ويَلْعَبْ ﴾ بِالياءِ فِيهِما وجَزْمِ العَيْنِ والباءِ، يَعْنُونَ " يُوسُفَ " .

وقَرَأ نافِعٌ: " نَرْتَعِ " بِكَسْرِ العَيْنِ مَن " نَرْتَعْ " مِن غَيْرِ بُلُوغٍ إلى الياءِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْناها نَتَحارَسُ، ويَرْعى بَعْضُنا بَعْضًا، أيْ: يَحْفَظُ؛ ومِنهُ يُقالُ: رَعاكَ اللَّهُ، أيْ: حَفِظَكَ.

وقَدْ رُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أيْضًا " نَرْتَعِي " بِإثْباتِ ياءٍ بَعْدَ العَيْنِ في الوَصْلِ والوَقْفِ.

وقَرَأ أنَسٌ، وأبُو رَجاءٍ " نُرْتِعْ " بِنُونٍ مَرْفُوعَةٍ وكَسْرِ التّاءِ وسُكُونِ العَيْنِ، و " نَلْعَبْ " بِالنُّونِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: نُرْتِعْ إبِلَنا.

فَأمّا قَوْلُهُ: " ونَلْعَبْ " فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَلْهُو.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ يَعْقُوبُ ذِكْرَ اللَّعِبِ ؟

فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم لَمْ يَكُونُوا حِينَئِذٍ أنْبِياءَ، قالَهُ أبُو عَمْرِو ابْنِ العَلاءِ.

والثّانِي: أنَّهم عَنَوْا مُباحَ اللَّعِبِ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ ﴾ أيْ: يُحْزِنُنِي ذَهابُكم بِهِ، لِأنَّهُ يُفارِقُنِي فَلا أراهُ.

﴿ وَأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: " الذِّئْبُ " بِالهَمْزِ في الثَّلاثَةِ المَواضِعِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ بِغَيْرِ هَمْزٍ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: " الذِّئْبُ " مَهْمُوزٌ في الأصْلِ.

يُقالُ: تَذاءَبَتِ الرِّيحُ: إذا جاءَتْ مِن كُلِّ جِهَةٍ كَما يَأْتِي الذِّئْبُ.

وَفِي عِلَّةِ تَخْصِيصِ الذِّئْبِ بِالذِّكْرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ رَأى في مَنامِهِ أنَّ الذِّئْبَ شَدَّ عَلى يُوسُفَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ أرْضَهم كانَتْ كَثِيرَةَ الذِّئابِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ خافَهم عَلَيْهِ فَكَنّى بِذِكْرِ الذِّئْبِ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: غافِلُونَ في اللَّعِبِ.

والثّانِي: مُشْتَغِلُونَ بِرَعِيَّتِكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ أيْ: جَماعَةٌ نَرى الذِّئْبَ قَدْ قَصَدَهُ ولا نَرُدُّ عَنْهُ ﴿ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ ﴾ أيْ: عاجِزُونَ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَن قَرَأ " عُصْبَةً " بِالنَّصْبِ، فَتَقْدِيرُهُ: ونَحْنُ نَجْتَمِعُ عُصْبَةً.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ ﴾ ﴿ إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكم وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ ﴾ ﴿ قالَ قائِلٌ مِنهم لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وألْقُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَيّارَةِ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: "آياتٌ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "آيَةٌ" بِالإفْرادِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، وشِبْلٍ، وأهْلِ مَكَّةَ.

فالأُولى عَلى مَعْنى أنَّ كُلَّ حالٍ مِن أحْوالِهِ آيَةٌ آيَةٌ فَجَمَعَها، والثانِيَةُ عَلى أنَّهُ بِجُمْلَتِهِ آيَةٌ، وإنْ تَفْصَّلَ بِالمَعْنى.

ووَزْنُ آيَةٍ فَعَلَةٍ أو فَعْلَةٍ أو فاعِلَةٍ عَلى الخِلافِ فِيهِ، وذَكَرَ الزَجّاجُ أنَّ في غَيْرِ مُصْحَفِ عُثْمانَ "عِبْرَةٌ لِلسّائِلِينَ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: هو في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

وقَوْلُهُ: "لِلسّائِلِينَ" يَقْتَضِي حَضًّا ما عَلى تَعَلُّمِ هَذِهِ الأنْباءِ، لِأنَّهُ إنَّما المُرادُ: "آيَةٌ لِلنّاسِ"، فَوَصَفَهم بِالسُؤالِ إذْ كُلُّ واحِدٍ يَنْبَغِي أنْ يَسْألَ عن مَثَلِ هَذِهِ القَصَصِ، إذْ هي مَقَرُّ العِبَرِ والِاتِّعاظِ، ويَصِحُّ أيْضًا أنْ يَصِفَ الناسَ بِالسُؤالِ مِن حَيْثُ كانَ سَبَبُ نُزُولِ السُورَةِ سُؤالَ سائِلٍ كَما رُوِيَ.

وقَوْلُهُمْ: "وَأخُوهُ" يُرِيدُونَ بِهِ "بِنْيامِينَ"، وهو أصْغَرُ مِن يُوسُفَ، ويُقالُ لَهُ: "يامِينَ"، وقِيلَ: كانَ شَقِيقَ يُوسُفَ وكانَتْ أُمُّهُما ماتَتْ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُما شَقِيقانِ تَخْصِيصُ الأُخُوَّةِ لَهُما بِـ "أخُوهُ" وهي دَلالَةٌ غَيْرُ قاطِعَةٍ، وكانَ حُبُّ يَعْقُوبَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ وبِنْيامِينَ لِصِغَرِهِما ومَوْتِ أُمِّهِما، وهَذا مِن "حُبُّ الصَغِيرِ هي فِطْرَةُ البَشَرِ"، وقَدْ قِيلَ لِابْنَةِ الحَسَنِ: أيُّ بَنِيكِ أحَبُّ إلَيْكِ؟

قالَتِ: الصَغِيرُ حَتّى يَكْبُرَ، والغائِبُ حَتّى يَقْدُمَ، والمَرِيضُ حَتّى يُفِيقَ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ أيْ: نَحْنُ جَماعَةٌ تَضُرُّ وتَنْفَعُ، وتَحْمِي وتُخَذِّلُ، أيْ: لَنا كانَتْ تَنْبَغِي المَحَبَّةُ والمُراعاةُ.

والعُصْبَةُ في اللُغَةِ: الجَماعَةُ، قِيلَ: مِن عَشَرَةٍ إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، وقِيلَ: مِن عَشَرَةٍ إلى أرْبَعِينَ، وقالَ الزَجّاجُ: العَشَرَةُ ونَحْوُهُمْ، وفي الزَهْراوِيِّ: الثَلاثَةُ: نَفَرٌ، فَإذا زادُوا فَهم رَهْطٌ إلى التِسْعَةِ، فَإذا زادُوا فَهم عُصْبَةٌ، ولا يُقالُ لِأقَلِّ مِن عَشَرَةٍ: عُصْبَةٌ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ أيْ: لَفي اخْتِلافٍ وخَطَأٍ في مَحَبَّةِ يُوسُفَ وأخِيهِ، وهَذا هو مَعْنى الضَلالِ، وإنَّما يَصْغُرُ قَدْرُهُ أو يَعْظُمُ بِحَسْبِ الشَيْءِ الَّذِي فِيهِ يَقَعُ الِائْتِلافُ.

و"مُبِينٍ" مَعْناهُ: يَظْهَرُ لِلْمُتَأمِّلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وَحَمْزَةُ " مُبِين اقْتُلُوا " بِكَسْرِ التَنْوِينِ في الوَصْلِ لِالتِقاءِ ساكِنِ التَنْوِينِ والقافِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ: "مُبِينِنُ اقْتُلُوا" بِكَسْرِ النُونِ وضَمِّ التَنْوِينِ إتْباعًا لِضَمَّةِ التاءِ ومُراعاةً لَها.

وقَوْلُهُ: ﴿ اقْتُلُوا يُوسُفَ ﴾ الآيَةُ.

كانَتْ هَذِهِ مَقالَةُ بَعْضِهِمْ: ﴿ أوِ اطْرَحُوهُ ﴾ مَعْناهُ: أبْعِدُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الوَرْدِ: ومَن يَكُ مِثْلِي ذا عِيالٍ ومُقْتِرًا ∗∗∗ يُغَرَّرْ ويَطْرَحْ نَفْسَهُ كُلَّ مَطْرَحِ والنَوى الطَرُوحُ: البَعِيدَةُ، و"أرْضًا" مَفْعُولٌ ثانٍ بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، لِأنَّ "طَرَحَ" لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ إلّا كَذَلِكَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، وذَلِكَ خَطَأٌ لِأنَّ الظَرْفَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُبْهَمًا، وهَذِهِ هُنا لَيْسَتْ كَذَلِكَ، بَلْ هي أرْضٌ مُقَيَّدَةٍ بِأنَّها بَعِيدَةٌ أو قاصِيَةٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، فَزالَ بِذَلِكَ إبْهامُها، ومَعْلُومٌ أنْ يُوسُفَ لَمْ يَخْلُ مِنَ الكَوْنِ في أرْضٍ فَبَيَّنَ أنَّها أرْضٌ بَعِيدَةٌ غَيْرُ الَّتِي هو فِيها قَرِيبٌ مِن أبِيهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكُمْ ﴾ اسْتِعارَةٌ، أيْ: إذا فَقَدَ يُوسُفَ رَجَعَتْ مَحَبَّتُهُ إلَيْكُمْ، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ العَرَبِيِّ حِينَ أحَبَّتْهُ أُمُّهُ لَمّا قُتِلَ إخْوَتُهُ وكانَتْ قَبْلُ لا تُحِبُّهُ: "الثُكْلُ أرْأمَها"، أيْ عَطْفُها عَلَيْهِ، والضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" عائِدٌ عَلى " يُوسُفَ " أو "قَتْلِهِ" أو "طَرْحِهِ"، و"صالِحِينَ"، قالَ السُدِّيُّ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: إنَّهم أرادُوا صَلاحَ الحالِ عِنْدَ أبِيهِمْ، وهَذا يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَصْدُهم في تِلْكَ الحالِ، ولَمْ يَكُونُوا حِينَئِذٍ أنْبِياءَ، وقالَ الجُمْهُورُ: "صالِحِينَ" مَعْناهُ بِالتَوْبَةِ، وهَذا هو الأظْهَرُ مِنَ اللَفْظِ، وحالُهم أيْضًا تُعْطِيهِ، لِأنَّهم مُؤْمِنُونَ بَثُّوا عَلى عَظِيمَةٍ وعَلَّلُوا أنْفُسَهم بِالتَوْبَةِ، والقائِلُ مِنهُمْ، قِيلَ: هو رُوبِيلُ -أسَنُّهُمْ-، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ.

وقِيلَ: يَهُوذا أحْلَمُهُمْ-، وقِيلَ: شَمْعُونُ أُشْجَعُهُمْ- قالَهُ مُجاهِدٌ، وهَذا عَطْفٌ مِنهُ عَلى أخِيهِ لا مَحالَةَ لِما أرادَ اللهُ مِن إنْفاذِ قَضائِهِ، و "الغَيابَةُ": ما غابَ عنكَ مِنَ الأماكِنِ أو غَيَّبَ عنكَ شَيْئًا آخَرَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "غَيابَةِ الجُبِّ"، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "غَياباتِ الجُبِّ"، وقَرَأ الأعْرَجُ: "غَيّاباتِ الجُبِّ" بِشَدِّ الياءِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: "هُوَ اسْمٌ جاءَ عَلى (فَعّالَةِ)، كانَ أبُو عَلِيٍّ يُلْحِقُهُ بِما ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ مِنَ الفَيّادِ ونَحْوِهُ، ووَجَدْتُ أنا مِن ذَلِكَ: التَيّارُ لِلْمَوْجِ، والفَخّارُ لِلْخَزَفِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي شَبَهِ "غَيّابَةٍ" بِهَذِهِ الأمْثِلَةِ نَظَرٌ لِأنَّ "غَيّابَةً" جارِيَةٌ عَلى فِعْلٍ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "فِي غَيْبَةِ الجُبِّ" عَلى وزْنِ (فَعْلَةِ)، وكَذَلِكَ خُطَّتْ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: وهو المُنَخَّلُ: فَإنْ أنا يَوْمًا غَيَّبَتْنِي غَيابَتِي ∗∗∗ ∗∗∗ فَسِيرُوا بِسَيْرِي في العَشِيرَةِ والأهْلِ و"الجُبُّ": البِئْرُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ لِأنَّها جُبَّتْ مِنَ الأرْضِ فَقَطْ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ:"يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ عَلى لَفْظِ "بَعْضُ"، وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ: "تَلْتَقِطْهُ" بِالتاءِ، وهَذا مِن حَيْثُ أُضِيفَ "البَعْضُ" إلى "السَيّارَةِ" فاسْتَفادَ مِنها تَأْنِيثَ العَلاقَةِ، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: أرى مَرَّ السِنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ ∗∗∗ كَما أخَذَ السِرارُ مِنَ الهِلالِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: إذا ماتَ مِنهم سَيِّدٌ قامَ سَيِّدٌ ∗∗∗ ∗∗∗ فَذَلَّتْ لَهُ أهْلُ القُرى والكَنائِسُ وقَوْلُ كَعْبٍ: ...................................

ذَلَّتْ لِوَقْعَتِها جَمِيعُ نِزارِ حِينَ أرادَ بـِ "نِزارِ" القَبِيلَةَ، وأمْثِلَةُ هَذا كَثِيرٌ.

ورُوِيَ أنَّ جَماعَةً مِنَ الأعْرابِ التَقَطَتْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ.

و"السَيّارَةُ" جَمْعُ سَيّارٍ، وهو بِناءٌ لِلْمُبالَغَةِ.

وقِيلَ في هَذا الجُبِّ: إنَّهُ بِئْرُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: غَيْرُهُ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ حَيْثُ طَرَحُوهُ ماءٌ، ولَكِنْ أخْرَجَهُ اللهُ فِيهِ حَتّى قَصَدَهُ الناسُ لِلِاسْتِقاءِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ فِيهِ ماءٌ كَثِيرٌ يُغْرِقُ يُوسُفَ فَنَشَزَ حَجَرٌ مِن أسْفَلِ الجُبِّ حَتّى ثَبَتَ عَلَيْهِ يُوسُفُ، ورُوِيَ أنَّهم رَمَوْهُ بِحَبْلٍ في الجُبِّ فَتَماسَكَ بِيَدَيْهِ حَتّى رَبَطُوا يَدَيْهِ ونَزَعُوا قَمِيصَهُ ورَمَوْهُ حِينَئِذٍ، وهَمُّوا بِرَضْخِهِ بِالحِجارَةِ فَمَنَعَهم أخُوهُمُ المُشِيرُ بِطَرْحِهِ مِن ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

فصل جملة ﴿ قال ﴾ جار على طريقة المحاورة.

أظهر لهم سبب امتناعه من خروج يوسف عليه السّلام معهم إلى الرّيف بأنّه يحزنه لبعده عنه أيّاماً، وبأنّه يخشى عليه الذئاب، إذ كان يوسف عليه السّلام حينئذٍ غلاماً، وكان قد رُبّيَ في دَعَة فلم يكن مَرناً بمقاومة الوحوش، والذئابُ تَجْتَرئ على الذي تحسّ منه ضعفاً في دفاعها.

قال الرّبيع بن ضبع الفزاري يشكو ضعف الشيخوخة: والذّئب أخشاه إن مررت به *** وحدي وأخشى الرياح والمطرا وقال الفرزدق يذكر ذئباً: فقلت له لمّا تكشّر ضاحكاً *** وقائم سيفي من يدي بمكان تعش فإن عاهدتني لا تخونني *** نكن مثل من يا ذئب يصطحبان فذئاب بادية الشّام كانت أشدّ خبثاً من بقية الذئاب، ولعلّها كانت كذئاب بلاد الرُّوس.

والعرب يقولون: إنّ الذئب إذا حورب ودافع عن نفسه حتّى عضّ الإنسان وأسال دمه أنّه يضرى حين يرى الدمّ فيستأسد على الإنسان، قال: فكنت كذئب السّوء حين رأى دماً *** بصاحبه يوماً أحال على الدم وقد يتجمّع سرب من الذئاب فتكون أشدّ خطراً على الواحد من الناس والصغير.

والتعريف في ﴿ الذئب ﴾ تعريف الحقيقة والطبيعة، ويسمّى تعريف الجنس.

وهو هنا مراد به غير معيّن من نوع الذئب أو جماعة منه، وليس الحكم على الجنس بقرينة أن الأكل من أحوال الذّوات لا من أحوال الجنس، لكن المراد أية ذات من هذا الجنس دون تعيين.

ونظيره قوله تعالى: ﴿ كمثل الحمار يحمل أسفاراً ﴾ [سورة الجمعة: 5] أي فرد من الحمير غير معيّن، وقرينة إرادة الفرد دون الجنس إسناد حمل الأسفار إليه لأنّ الجنس لا يحمل.

ومنه قولهم: (ادخل السوق) إذا أردت فرداً من الأسواق غير معين، وقولك: ادخل، قرينة على ما ذكر.

وهذا التّعريف شبيه بالنّكرة في المعنى إلاّ أنّه مراد به فرد من الجنس.

وقريب من هذا التّعريف باللاّم التعريف بعلم الجنس، والفرق بين هذه اللام وبين المنكّر كالفرق بين علم الجنس والنكرة.

فالمعنى: أخاف أن يأكله الذّئب، أي يَقتله فيأكل منه فإنّكم تبعدون عنه، لمَا يعلم من إمعانهم في اللّعب والشّغل باللهو والمسابقة، فتجتري الذئاب على يوسف عليه السّلام.

والذئب: حيوان من الفصيلة الكلبيّة، وهو كلب بَرّي وحشيّ.

من خلقه الاحتيال والنفورُ.

وهو يفترس الغنم.

وإذا قاتل الإنسان فجرحه ورأى عليه الدم ضرى به فربّما مزّقه.

وإنّما ذكر يعقوب عليه السّلام أنّ ذهابهم به غَدا يحدث به حزناً مستقبلاً ليصرفهم عن الإلحاح في طلب الخروج به لأنّ شأن الابن البار أن يتّقي ما يحزن أباه.

وتأكيد الجملة بحرف التّأكيد لقطع إلحاحهم بتحقيق أنّ حزنه لفراقه ثابت، تنزيلاً لهم منزلة من ينكر ذلك، إذْ رأى إلحاحهم.

ويسري التّأكيد إلى جملة وأخاف أن يأكله الذئب}.

فأبوا إلاّ المراجعة قالوا: ﴿ لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنّا إذن لخاسرون ﴾ .

واللاّم في ﴿ لئِن أكله ﴾ موطّئة للقسم، أرادوا تأكيد الجواب باللاّم.

وإنّ ولام الابتداء وإذن الجوابيّة تحقيقاً لحصول خسرانهم على تقدير حصول الشّرط.

والمراد: الكناية عن عدم تفريطهم فيه وعن حفظهم إيّاه لأنّ المرء لا يرضى أن يوصف بالخسران.

والمراد بالخسران: انتفاء النفع المرجوّ من الرّجال، استعاروا له انتفاء نفع التاجر من تجره، وهو خيبة مذمومة، أي إنّا إذن لمسلوبون من صفات الفتوة من قوة ومقدرة ويقظة.

فكونهم عصبة يحول دون تواطيهم على ما يوجب الخسران لِجميعهم.

وتقدم معنى العصبة آنفاً، وفي هذا عبرة مِن مقدار إظهار الصّلاح مع استبطان الضرّ والإهلاك.

وقرأ الجمهور بتحقيق همزة ﴿ الذئب ﴾ على الأصل.

وقرأه ورش عن نافع، والسوسي عن أبي عمرو، والكسائيّ بتخفيف الهمزة ياء.

وفي بعض التفاسير نسب تخفيف الهمزة إلى خلف، وأبي جعفر، وذلك لا يعرف في كتب القراءات.

وفي البيضاوي أنّ أبا عَمرو أظهر الهمزة في التوقّف، وأنّ حمزة أظهرها في الوصل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِخَوْفِهِ مِنهم عَلَيْهِ، وأنَّهُ أرادَهم بِالذِّئْبِ، وخَوْفُهُ إنَّما كانَ مِن قَتْلِهِمْ لَهُ، فَكَنّى عَنْهم بِالذِّئْبِ مُسايَرَةً لَهم، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فَسَمّاهم ذِئابًا.

والقَوْلُ الثّانِي: ما خافَهم عَلَيْهِ، ولَوْ خافَهم ما أرْسَلَهُ مَعَهم، وإنَّما خافَ الذِّئْبَ لِأنَّهُ أغْلَبُ ما يَخافُ مِنهُ مِنَ الصَّحارِي.

وَقالَ الكَلْبِيُّ: بَلْ رَأى في مَنامِهِ أنَّ الذِّئْبَ شَدَّ عَلى يُوسُفَ فَلِذَلِكَ خافَهُ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ وابن مردويه والسلفي في الطيوريات عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تلقنوا الناس فيكذبوا، فإن بني يعقوب لم يعلموا أن الذئب يأكل الناس، فلما لقنهم أبوهم كذبوا فقالوا أكله الذئب» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مجلز رضي الله عنه قال: لا ينبغي لأحد أن يلقن ابنه الشر، فإن بني يعقوب لم يدروا أن الذئب تأكل الناس حتى قال لهم أبوهم إني ﴿ أخاف أن يأكله الذئب ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ ﴾ أي إن أكله الذئب ونحن جماعة نرى الذئب قد قصده فلا نرده عنه، إنا إذًا [لجاهلون في قول الكلبي، أي] (١) (٢) وقال مقاتل (٣) قال: فالخسران هاهنا محمول على معنى العجز، كقوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ  ﴾ معناه لعاجزون، ولابد (٤) (١) ما بين المعقوفين مكرر في (أ)، (ج).

(٢) القرطبي 9/ 141.

(٣) "تفسير مقاتل" 151 أبنحوه.

(٤) في (ج): (لابد) من غير واو.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا على يُوسُفَ ﴾ أي: لم تخاف عليه منا، وقرأ السبع تأمنا، بالإدغام والإشمام لأن أصله بضم النون الأولى ﴿ يَرْتَعْ ﴾ من قرأه بكسر العين فهو من الرعي أي من رعي الإبل، أو من رعي بعضهم لبعض، وحراسته، ومن قرأ بالإسكان، فهو من الرتع وهو الإقامة في الخصب والتنعم، والتاء على هذا أصلية، ووزن الفعل يفعل، ووزنه على الأول نفتعل، ومن قرأ: يرتع ويلعب بالياء فالضمير ليوسف، ومن قرأ بالنون فالضمير للمتكلمين وهم إخوته، وإنما قالوا: نلعب، لأنهم لم يكونوا حينئذ أنبياء، وكان اللعب من المباح للتعلم كالمسابقة بالخيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يَٰأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ ﴾ .

دل قوله: ﴿ مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ ﴾ على أنهم قد طلبوا إخراجه من أبيهم غير مرة؛ لأن مثل هذا الكلام لا يتكلم به مبتدأ على غير مسابقة شيء من أمثاله، فدل أنهم قد استأذنوه في إخراجه غير مرة.

﴿ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ ﴾ .

الناصح: هو الدال على ما به نجاته، أو الدال على كل خير، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ .

كأن يعقوب  خاف على نفسه - أعني: يوسف - الضيعة بتركهم حفظه، فأمنوه على ذلك بقولهم: ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ .

وخاف عليه الضياع من جهة الجوع بتركهم حفظه أوقات الأكل فأمنوه على ذلك بقولهم: ﴿ يَرْتَعْ ﴾ أي: يأكل.

وخاف قلبه أن يكلفوه أمراً يشق عليه ويشتد، فأمنوه [أيضاً على ذلك] بقولهم ﴿ وَيَلْعَبْ ﴾ لأنه ليس في اللعب مشقة ولا شدة، فخاف عليه الضياع بالوجوه التي ذكرنا، فأمنوه على تلك الوجوه كلها حتى استنقذوه من يديه.

وقوله: ﴿ يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ ﴾ .

قال بعضهم: يرتع: يأكل، ويلعب: يلهو كأنه خرج جواباً لقوله: ﴿ قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ ﴾ ، قالوا له: لا تحزن عليه فإنه يرتع ويلعب؛ على التقديم والتأخير.

وقال بعضهم: يرتع: ينشط، ويلعب: يتلهى.

وقرئ بالنون: (نرتع ونلعب).

قال القتبي: نرتع، أي: نأكل؛ يقال: رتعت الإبل: إذا رعت، وارتعتها: إذا تركتها ترعى، ويقرأ نرتع، بكسر العين، والمراد منه أن نتحارس ويرعى بعضنا بعضاً؛ أي: يحفظه، ومنه يقال: رعاك الله؛ أي: حفظك الله.

وقوله: ﴿ يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ ﴾ قالوا: يلعب فيما يحل ويسع من نحو الاستباق وغيره، وهو ما ذكروا: ﴿ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا ﴾ ، واللعب في مثل هذا يحل، وقد روي - أيضاً - في الخبر أنه قال: "لا يحل اللعب إلا في ثلاث" وفيه: "معالجة الرجل فرسه أو قوسه، وملاعبة الرجل امرأته"، أخبر أنه لا يحل إلا ثلاث، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ ﴾ .

قال: إني ليحزنني، عند الواقع به والغائب عنه من النعمة التي أنعمها عليه؛ لأنه كان نعمة عظيمة له فات النظر إليه، فذكر الحزن على ما فات عنه، وذكر الخوف لما خاف وقوعه في وقت يأتي وما سيقع؛ فهذا تفسير قوله: ﴿ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  ﴾ لا يحزنون؛ لأنه موجود للحال، غير فائت ﴿ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، أي: لا يخافون فوته؛ لأن خوف فوت النعمة ينقص على صاحبه النعمة، فآمنهم على ذلك، وهو ما ذكرنا أن الحزن يكون بالواقع للحال، والخوف على ما سيقع، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: كان يعقوب -  - رأى في المنام أن يوسف أخذه الذئب، فمن ثمة قال: ﴿ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ ﴾ ، لكن هذا لا يحتمل؛ لأنّ رؤيا الأنبياء أكثرها [صدق وحق]، فلا يحتمل أن رأى ذلك ثم يقول: ﴿ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ ﴾ أو يدعه يذهب معهم، لكنه خاف عليه أكل الذئب على ما يخاف على الصبيان في المفاوز والبراري؛ إذ الخوف على الصبيان في المفاوز والبراري والضياع عليهم يكون بالذئب أكثر من [أي] وجه آخر؛ لأنه جائز أن يفترسه سبع من السباع عند مغافصته إخوته واشتغالهم بما ذكر من الاستباق، ولا يحتمل الضياع من الناس يأخذه واحد من بين نفر.

وقال بعض أهل التأويل: إن قوله: ﴿ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ ﴾ كناية عن بنيه؛ أي: أخاف أن تهلكوه وتضيعوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ﴾ .

أولو قوة.

﴿ إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ ﴾ .

تأويله - والله أعلم -: لئن أكله الذئب ونحن عصبة؛ أي: جماعة ﴿ إِنَّآ إِذَاً لَّخَاسِرُونَ ﴾ أي: كأنا نحن سلمناه إلى الذئب، وعرضناه للضياع؛ هذا - والله أعلم - معنى الخسران الذي ذكروا، وإلا لم يلحقهم الخسران إذا أكله الذئب؛ لأنه إذا كان بهم قوة المنع فلم يمنعوه فكأنهم ضيعوه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قالوا لأبيهم: لئن أكل الذئب يوسف ونحن جماعة إنا في هذه الحال لا خير فينا، فنحن خاسرون إذ لم نمنعه من الذئب.

من فوائد الآيات ثبوت الرؤيا شرعًا، وجواز تعبيرها.

مشروعية كتمان بعض الحقائق إن ترتب على إظهارها شيءٌ من الأذى.

بيان فضل ذرية آل إبراهيم واصطفائهم على الناس بالنبوة.

الميل إلى أحد الأبناء بالحب يورث العداوة والحسد بين الإِخوة.

<div class="verse-tafsir" id="91.ZlKrO"

مزيد من التفاسير لسورة يوسف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.3 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله