الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٢٦ من سورة يوسف
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 131 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢٦ من سورة يوسف من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقال بارا صادقا ( هي راودتني عن نفسي ) وذكر أنها اتبعته تجذبه إليها حتى قدت قميصه ، ( وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل ) أي : من قدامه ، ( فصدقت ) أي : في قولها إنه أرادها على نفسها ، لأنه يكون لما دعاها وأبت عليه دفعته في صدره ، فقدت قميصه ، فيصح ما قالت :
القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال يوسف لما قذفته امرأة العزيز بما قذفته من إرادته الفاحشة منها، مكذِّبًا لها فيما قذفته به ودفعًا لما نسب إليه: ما أنا راودتها عن نفسها , بل هي راودتني عن نفسي.
(44) * * * وقد قيل: إن يوسف لم يرد ذكر ذلك، لو لم تقذفه عند سيدها بما قذفته به.
* ذكر من قال ذلك: 19098 - حدثني محمد بن عمارة , قال: حدثنا عبيد الله بن موسى , قال: أخبرنا شيبان , عن أبي إسحاق , عن نوف الشامي , قال: ما كان يوسف يريد أن يذكره، حتى قالت: مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا ، الآية , قال: فغضب فقال: ( هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي) .
(45) * * * وأما قوله: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) فإن أهل العلم اختلفوا في صفة الشاهد.
فقال بعضهم: كان صبيًّا في المهد .
* ذكر من قال ذلك: 19099 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا العلاء بن عبد الجبار , عن حماد بن سلمة , عن عطاء بن السائب , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , قال: تكلم أربعة في المهد وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون , وشاهد يوسف , وصاحب جريج , وعيسى ابن مريم عليه السلام.
(46) 19100 - حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع , عن أبي بكر الهذلي , عن شهر بن حوشب , عن أبي هريرة , قال: عيسى , وصاحب يوسف , وصاحب جريج ، يعني: تكلموا في المهد.
(47) 19101 - حدثنا ابن بشار , قال: حدثنا عبد الرحمن , قال: حدثنا زائدة , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) ، قال: صبي.
19102 - حدثنا ابن بشار , قال: حدثنا عبد الرحمن , قال: حدثنا إسرائيل , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) قال: كان في المهد صبيًّا.
19103 - حدثني محمد بن عبيد المحاربي , قال: حدثنا أيوب بن جابر , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير , في قوله: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) قال: صبي.
(48) 19104 - حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي , قال: حدثنا أبو بكر بن عياش , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير , بمثله .
19105 - حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع ; وحدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي , عن شريك , عن سالم , عن سعيد بن جبير , قال: كان صبيًّا في مهده.
19106 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا ابن إدريس , عن حصين , عن هلال بن يساف: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) قال: صبي في المهد.
19107 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , عن أبي مرزوق , عن جويبر , عن الضحاك: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) ، قال: صبي أنطقه الله .
ويقال: ذو رأي برأيه.
(49) 19108 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: أخبرنا عفان , قال: حدثنا حماد , قال: أخبرني عطاء بن السائب , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس , عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تكلم أربعة وهم صغار "، فذكر فيهم شاهد يوسف (50) .
19109 - حدثت عن الحسين بن الفرج .
قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد بن سليمان , قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) يزعمون أنه كان صبيًّا في الدار.
19110 - حدثني محمد بن سعد , قال: حدثني أبي , قال: حدثنا عمي .
قال: حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قوله: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) ، قال: كان صبيًّا في المهد.
* * * وقال آخرون: كان رجلا ذا لحية .
* ذكر من قال ذلك: 19111 - حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع ; وحدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي ، ، عن إسرائيل , عن سماك , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال: كان ذا لحية.
19112 - حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع ، وحدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي ، ، عن سفيان , عن جابر , عن ابن أبي مليكة , عن ابن عباس: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) ، قال: كان من خاصّة الملك.
19113 - ....
وبه قال، حدثنا أبي , عن عمران بن حدير , سمع عكرمة يقول: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) قال: ما كان بصبيّ , ولكن كان رجلا حكيمًا.
19114 - حدثنا سوّار بن عبد الله , قال، حدثنا عبد الملك بن الصباح , قال: حدثنا عمران بن حدير , عن عكرمة , وذكره عنده: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) فقالوا: كان صبيًّا.
فقال: إنه ليس بصبي، ولكنه رجل حكيم (51) .
19115 - حدثنا أبو كريب , قال: حدثنا وكيع ; وحدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبي , عن سفيان , عن منصور , عن مجاهد: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) قال: كان رجلا.
19116 - حدثنا ابن بشار , قال، حدثنا عبد الرحمن , قال: حدثنا سفيان, &; 16-57 &; عن منصور , عن مجاهد: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) قال: رجل.
19117 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا جرير , عن منصور , عن مجاهد , في قوله: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) قال: رجل.
19118 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا أبو بكر بن عياش , عن أبي حصين , عن سعيد بن جبير: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) قال: رجل.
19119 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا عمرو بن محمد , قال: أخبرنا إسرائيل , عن سماك , عن عكرمة , عن ابن عباس: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) قال: ذو لحية.
19120 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا عمرو بن محمد , قال: حدثنا أسباط , عن السدي , قال: ابن عمها كان الشاهدَ من أهلها.
19121 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال: أخبرنا عبد الرزاق , قال: أخبرنا إسرائيل , عن سماك , عن عكرمة , عن ابن عباس: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) قال: ذو لحية.
19122 - حدثني المثنى , قال: حدثنا أبو غسان , قال: حدثنا إسرائيل , عن سماك , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال: ذو لحية.
19123 - حدثني الحارث , قال: حدثنا عبد العزيز , قال: حدثنا قيس , عن جابر , عن ابن أبي مليكة: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) قال: كان من خاصة الملك.
19124 - حدثنا بشر , قال: حدثنا يزيد , قال: حدثنا سعيد , عن قتادة , قوله: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) قال: رجل حكيم كان من أهلها.
19125 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال: حدثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة , قوله: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) قال: رجل حكيم من أهلها.
19126 - حدثنا المثنى , قال: حدثنا أبو نعيم , قال: حدثنا سفيان , عن منصور , عن مجاهد: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) قال: كان رجلا.
19127 - حدثني المثنى , قال: حدثنا عمرو بن عون , قال: أخبرنا هشيم , عن بعض أصحابه , عن الحسن , في قوله: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) قال: رجل له رأي أشارَ برأيه.
19128 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) قال: يقال: إنما كان الشاهد مشيرًا، رجلا من أهل إطفير، وكان يستعين برأيه ، إلا أنه قال: أشهد إن كان قميصه قدّ من قبل لقد صدقت وهو من الكاذبين.
* * * وقيل: معنى قوله: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ): حكم حاكم.
19129 - حدثت بذلك عن الفراء , عن معلي بن هلال , عن أبي يحيى , عن مجاهد.
* * * وقال آخرون: إنما عنى بالشاهد، القميصَ المقدودَ .
* ذكر من قال ذلك: 19130 - حدثني محمد بن عمرو , قال: حدثنا أبو عاصم , قال: حدثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , في قول الله: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) قال: قميصُه مشقوق من دبر , فتلك الشهادة.
19131 - حدثنا الحسن بن محمد , قال: حدثنا شبابة , قال: حدثنا ورقاء , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قوله: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) ، قميصُه مشقوق من دبر , فتلك الشهادة.
19132 - حدثنا ابن وكيع , قال: حدثنا المحاربي , عن ليث , عن مجاهد: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) لم يكن من الإنس.
19133 - ....
قال: حدثنا حفص , عن ليث , عن مجاهد: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) ، قال: كان من أمر الله , ولم يكن إنسيًا.
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك , قول من قال: كان صبيًّا في المهد ، للخبر الذي ذكرناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أنه ذكر من تكلم في المهد.
فذكر أنَّ أحدهم صاحب يوسف.
* * * فأمّا ما قاله مجاهد من أنه القميص المقدود، فما لا معنى له ; لأن الله تعالى ذكره أخبر عن الشاهد الذي شهد بذلك أنه من أهل المرأة فقال: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا) ، ولا يقال للقميص هو من أهل الرجل ولا المرأة.
* * * وقوله: (إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) ، لأن المطلوب إذا كان هاربًا فإنما يؤتى من قِبل دبره , فكان معلومًا أن الشق لو كان من قُبُل لم يكن هاربًا مطلوبًا.
ولكن كان يكون طالبًا مدفوعًا , وكان يكون ذلك شهادة على كذبه .
19134 - حدثنا ابن حميد , قال: حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق , قال: قال: أشهد إن كان قميصه قُدّ من قُبُل لقد صدقت وهو من الكاذبين.
---------------------- الهوامش: (44) انظر تفسير" المراودة" فيما سلف ص : 24 ، 25 .
(45) الأثر : 19098 - في المطبوعة :" نوف الشيباني" ، وهو خطأ محض ، مأتاه من سوء كتابة المخطوطة ، وإن كانت واضحة بعض الوضوح ، والصواب" نوف الشامي" ، وهو :" نوف ابن فضالة البكالي الحميري، الشامي" ، انظر ما سلف رقم : 18923 ، والتعليق عليه .
(46) الأثر : 19099 -" العلاء بن عبد الجبار" ،" أبو الحسن العطار" ، روى عن حماد بن سلمة ، وروى عنه الحميدي ، وابنه عبد الجبار بن العلاء .
صالح الحديث .
مترجم في ابن أبي حاتم 3 / 1 / 358 .
(47) الأثر : 19100 -" أبو بكر الهذلي" ، كلن يكذب ، متروك الحديث .
مضى مرارًا ، آخرها رقم : 17616 ، 18439 ، ولكن حديث أبي هريرة مطولا رواه البخاري في صحيحه ( الفتح 6 : 344 - 348 ) ، ومسلم في صحيحه 16 : 106 ، ورواه أحمد في المسند : 8057 ، 8058 بإسناد صحيح ، وانظر شرح أخي رحمه الله .
(48) الأثر : 19103 -" أيوب بن جابر بن سيار اليمامي" ، ضعيف .
مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 1 / 410 ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 242 ، وميزان الاعتدال 1 : 132 .
(49) قوله :" ذو رأي برأيه" ، أي كان الشاهد رجلا ذا رأي ، قال ذلك برأيه .
وانظر الأثر التالي رقم : 19127 .
(50) الأثر : 19108 - حديث حماد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، حديث طويل ، رواه أحمد في مسنده رقم : 2822 ، 2823، 2824 ، 2825 ، وفي آخره : قال" قال ابن عباس : تكلم أربعة صغار ، عيسى بن مريم ، وصاحب جريج ، وشاهد يوسف ، وابن ماشطة فرعون" ، ولم يرفع هذا القول الأخير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وإسناده إسناد صحيح .
(51) الأثر : 19114 -" عبد الملك بن الصباح المسمعي" ، ثقة / مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 354 .
قوله تعالى : قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها فيه ثلاث مسائل :الأولى : قال العلماء : لما برأت نفسها ; ولم تكن صادقة في حبه - لأن من شأن المحب إيثار المحبوب - قال : هي راودتني عن نفسي نطق يوسف بالحق في مقابلة بهتها وكذبها عليه .
قال نوف الشامي وغيره : كأن يوسف - عليه السلام - لم يبن عن كشف القضية ، فلما بغت به غضب فقال الحق .الثانية : قوله تعالى : وشهد شاهد من أهلها لأنهما لما تعارضا في القول احتاج الملك إلى شاهد ليعلم الصادق من الكاذب ، فشهد شاهد من أهلها .
أي حكم حاكم من أهلها ; لأنه حكم منه وليس بشهادة .
وقد اختلف في هذا الشاهد على أقوال أربعة : الأول - أنه طفل في المهد تكلم ; قال السهيلي : وهو الصحيح ; للحديث الوارد فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو قوله : لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة .
.
.
وذكر فيهم شاهد يوسف .
وقال القشيري أبو نصر : قيل فيه : كان صبيا في المهد في الدار وهو ابن خالتها ; وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه [ ص: 152 ] قال : تكلم أربعة وهم صغار .
.
.
فذكر منهم شاهد يوسف ; فهذا قول .
الثاني - أن الشاهد قد القميص ; رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد ، وهو مجاز صحيح من جهة اللغة ; فإن لسان الحال أبلغ من لسان المقال ; وقد تضيف العرب الكلام إلى الجمادات وتخبر عنها بما هي عليه من الصفات ، وذلك كثير في أشعارها وكلامها ; ومن أحلاه قول بعضهم : قال الحائط للوتد لم تشقني ؟
قال له : سل من يدقني .
إلا أن قول الله تعالى بعد " من أهلها " يبطل أن يكون القميص .
الثالث - أنه خلق من خلق الله تعالى ليس بإنسي ولا بجني ; قاله مجاهد أيضا ، وهذا يرده قوله تعالى : " من أهلها " .
الرابع - أنه رجل حكيم ذو عقل كان الوزير يستشيره في أموره ، وكان من جملة أهل المرأة وكان مع زوجها فقال : قد سمعت الاستبدار والجلبة من وراء الباب ، وشق القميص ، فلا يدرى أيكما كان قدام صاحبه ; فإن كان شق القميص من قدامه فأنت صادقة ، وإن كان من خلفه فهو صادق ، فنظروا إلى القميص فإذا هو مشقوق من خلف ; هذا قول الحسن وعكرمة وقتادة والضحاك ومجاهد أيضا والسدي .
قال السدي : كان ابن عمها ; وروي عن ابن عباس ، وهو الصحيح في الباب ، والله أعلم .
وروي عن ابن عباس - رواه عنه إسرائيل عن سماك عن عكرمة - قال : كان رجلا ذا لحية .
وقال سفيان عن جابر عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه قال : كان من خاصة الملك .
وقال عكرمة : لم يكن بصبي ، ولكن كان رجلا حكيما .
وروى سفيان عن منصور عن مجاهد قال : كان رجلا .
قال أبو جعفر النحاس : والأشبه بالمعنى - والله أعلم - أن يكون رجلا عاقلا حكيما شاوره الملك فجاء بهذه الدلالة ; ولو كان طفلا لكانت شهادته ليوسف - صلى الله عليه وسلم - تغني عن أن يأتي بدليل من العادة ; لأن كلام الطفل آية معجزة ، فكانت أوضح من الاستدلال بالعادة ; وليس هذا بمخالف للحديث تكلم أربعة وهم صغار منهم صاحب يوسف ، يكون المعنى : صغيرا ليس بشيخ ; وفي هذا دليل آخر وهو : أن ابن عباس - رضي الله عنهما - روى الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد تواترت الرواية عنه أن صاحب يوسف ليس بصبي .قلت : قد روي عن ابن عباس وأبي هريرة وابن جبير وهلال بن يساف والضحاك أنه كان صبيا في المهد ; إلا أنه لو كان صبيا تكلم لكان الدليل نفس كلامه ، دون أن يحتاج إلى استدلال بالقميص ، وكان يكون ذلك خرق عادة ، ونوع معجزة ; والله أعلم .
وسيأتي من تكلم في المهد من الصبيان في سورة [ البروج ] إن شاء الله .[ ص: 153 ] الثالثة : إذا تنزلنا على أن يكون الشاهد طفلا صغيرا فلا يكون فيه دلالة على العمل بالأمارات كما ذكرنا ; وإذا كان رجلا فيصح أن يكون حجة بالحكم بالعلامة في اللقطة وكثير من المواضع ; حتى قال مالك في اللصوص : إذا وجدت معهم أمتعة فجاء قوم فادعوها ، وليست لهم بينة فإن السلطان يتلوم لهم في ذلك ; فإن لم يأت غيرهم دفعها إليهم .
وقال محمد في متاع البيت إذا اختلفت فيه المرأة والرجل : إن ما كان للرجال فهو للرجل ، وما كان للنساء فهو للمرأة ، وما كان للرجل والمرأة فهو للرجل .
وكان شريح وإياس بن معاوية يعملان على العلامات في الحكومات ; وأصل ذلك هذه الآية ، والله أعلم .قوله تعالى : إن كان قميصه قد من قبل كان في موضع جزم بالشرط ، وفيه من النحو ما يشكل ، لأن حروف الشرط ترد الماضي إلى المستقبل ، وليس هذا في كان ; فقال المبرد محمد بن يزيد : هذا لقوة كان ، وأنه يعبر بها عن جميع الأفعال .
وقال الزجاج : المعنى إن يكن ; أي إن يعلم ، والعلم لم يقع ، وكذا الكون لأنه يؤدي عن العلم .
" قد من قبل " فخبر عن كان بالفعل الماضي ; كما قال زهير :وكان طوى كشحا على مستكنة فلا هو أبداها ولم يتقدموقرأ يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق من " قبل " بضم القاف والباء واللام ،
فبرأ نفسه مما رمته به، وقال: { هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي } فحينئذ احتملت الحال صدق كل واحد منهما ولم يعلم أيهما.
ولكن الله تعالى جعل للحق والصدق علامات وأمارات تدل عليه، قد يعلمها العباد وقد لا يعلمونها، فمنَّ الله في هذه القضية بمعرفة الصادق منهما، تبرئة لنبيه وصفيه يوسف عليه السلام، فانبعث شاهد من أهل بيتها، يشهد بقرينة من وجدت معه، فهو الصادق، فقال: { إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ } لأن ذلك يدل على أنه هو المقبل عليها، المراود لها المعالج، وأنها أرادت أن تدفعه عنها، فشقت قميصه من هذا الجانب.
( قال هي راودتني عن نفسي ) يعني : طلبت مني الفاحشة فأبيت وفررت .
وقيل : ما كان يريد يوسف أن يذكره ، فلما قالت المرأة : ما جزاء من أراد بأهلك سوءا ؟
ذكره ، فقال : هي راودتني عن نفسي .
( وشهد شاهد ) وحكم حاكم ( من أهلها ) اختلفوا في ذلك الشاهد : فقال سعيد بن جبير ، والضحاك : كان صبيا في المهد ، أنطقه الله عز وجل ، وهو رواية العوفي ، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " تكلم أربعة وهم صغار : ابن ماشطة ابنة فرعون ، وشاهد يوسف ، وصاحب جريج ، وعيسى ابن مريم عليه السلام " .
وقيل : كان ذلك الصبي ابن خال المرأة .
وقال الحسن ، وعكرمة ، وقتادة ، ومجاهد : لم يكن صبيا ، ولكنه كان رجلا حكيما ذا رأي .
قال السدي : هو ابن عم راعيل ، فحكم فقال : ( إن كان قميصه قد من قبل ) أي : من قدام ( فصدقت وهو من الكاذبين ) .
«قال» يوسف متبرئا «هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها» ابن عمها، روي أنه كان في المهد فقال «إن كان قميصه قُدَّ من قُبل» قدام «فصدقت وهو من الكاذبين»
قال يوسف: هي التي طلبت مني ذلك، فشهد صبي في المهد مِن أهلها فقال: إن كان قميصه شُقَّ من الأمام فصدقت في اتِّهامها له، وهو من الكاذبين.
وهنا نجد يوسف - عليه السلام - لا يجد مفرا من الرد على هذا الاتهام الباطل ، فيقول - كما حكى القرآن عنه - : ( قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي .
.
.
) .أى : قال يوسف مدافعا عن نفسه : إنى ما أردت بها سوءا كما تزعم وإنما هى التى بالغت فى ترغيبى وإغرائى بارتكاب ما لا يليق معها .
.ثم قال - تعالى - : ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ .
وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ ) .وهذا الشاهد ذهب بعضهم إلى أنه كان ابن خال لها ، وقيل ابن عم لها .
.قال صاحب المنار : " ولكن الرواية عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك ، أنه كان صبيا فى المهد ، ويؤيدها ما رواه أحمد وابن جرير والبيهقى فى الدلائل عن ابن عباس عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال : " تكلم فى المهد أربعة وهم : صفار ابن ماشطة ابنة فرعون .
وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى بن مريم " .وروى ابن جرير عن أبى هريرة قال : " عيسى ابن مريم وصاحب يوسف وصاحب جريج تكلموا فى المهد " وهذا موقوف ، والمرفوع ضعيف ، وقد اختاره ابن جرير ، وحكاه ابن كثير بدون تأييد ولا تضعيف .
.
"وعلى أية حال فالذى يهمنا أن الله - تعالى - قد سخر فى تلك اللحظة الحرجة ، من يدلى بشهادته لتثبت براءة يوسف أمام العزيز .وألقى الله - تعالى - هذه الشهادة على لسان من هو من أهلها ، لتكون أوجب للحجة عليها ، وأوثق لبراءة يوسف ، وأنفى للتهمة عنه .وقد قال هذا الشاهد فى شهادته - كما حكى القرآن عنه - ( إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ ) أى : من أمام " فَصَدَقَتْ " فى أنه أراد بها سوءا ، لأن ذلك يدل على أنها دافعته من الأمام وهو يريد الاعتداء عليها .( وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ ) فى قوله ( هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ) .
اعلم أن هذه الآية من المهمات التي يجب الاعتناء بالبحث عنها وفي هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: في أنه عليه السلام هل صدر عنه ذنب أم لا؟
وفي هذه المسألة قولان: الأول: أن يوسف عليه السلام هم بالفاحشة.
قال الواحدي في كتاب البسيط قال المفسرون: الموثوق بعلمهم المرجوع إلى روايتهم هم يوسف أيضاً بهذه المرأة هما صحيحاً وجلس منها مجلس الرجل من المرأة، فلما رأى البرهان من ربه زالت كل شهوة عنه.
قال جعفر الصادق رضي الله عنه بإسناده عن علي عليه السلام أنه قال: طمعت فيه وطمع فيها فكان طمعه فيها أنه هم أن يحل التكة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حل الهميان وجلس منها مجلس الخائن وعنه أيضاً أنها استلقت له وجلس بين رجليها ينزع ثيابه، ثم إن الواحدي طول في كلمات عديمة الفائدة في هذا الباب، وما ذكر آية يحتج بها ولا حديثاً صحيحاً يعول عليه في تصحيح هذه المقالة، وما أمعن النظر في تلك الكلمات العارية عن الفائدة روي أن يوسف عليه السلام لما قال: ﴿ ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب ﴾ قال له جبريل عليه السلام ولا حين هممت يا يوسف فقال يوسف عند ذلك: ﴿ وَمَا أُبَرّئ نَفْسِى ﴾ ثم قال والذين أثبتوا هذا العمل ليوسف كانوا أعرف بحقوق الأنبياء عليهم السلام وارتفاع منازلهم عند الله تعالى من الذين نفوا لهم عنه، فهذا خلاصة كلامه في هذا الباب.
والقول الثاني: أن يوسف عليه السلام كان بريئاً عن العمل الباطل، والهم المحرم، وهذا قول المحققين من المفسرين والمتكلمين، وبه نقول وعنه نذب.
واعلم أن الدلائل الدالة على وجوب عصمة الأنبياء عليهم السلام كثيرة، ولقد استقصيناها في سورة البقرة في قصة آدم عليه السلام فلا نعيدها إلا أنا نزيد هاهنا وجوهاً: فالحجة الأولى: أن الزنا من منكرات الكبائر والخيانة في معرض الأمانة أيضاً من منكرات الذنوب، وأيضاً مقابلة الإحسان العظيم بالإساءة الموجبة للفضيحة التامة والعار الشديد أيضاً من منكرات الذنوب، وأيضاً الصبي إذا تربى في حجر إنسان وبقي مكفي المؤنة مصون العرض من أول صباه إلى زمان شبابه وكما قوته فإقدام هذا الصبي على إيصال أقبح أنواع الإساءة إلى ذلك المنعم المعظم من منكرات الأعمال.
إذا ثبت هذا فنقول: إن هذه المعصية التي نسبوها إلى يوسف عليه السلام كانت موصوفة بجميع هذه الجهات الأربع ومثل هذه المعصية لو نسبت إلى أفسق خلق الله تعالى وأبعدهم عن كل خير لاستنكف منه، فكيف يجوز إسنادها إلى الرسول عليه الصلاة والسلاما المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة.
ثم إنه تعالى قال في غير هذه الواقعة: ﴿ كذلك لِنَصْرِفَ عَنْهُ السوء والفحشاء ﴾ وذلك يدل على أن ماهية السوء والفحشاء مصروفة عنه، ولا شك أن المعصية التي نسبوها إليه أعظم أنواع وأفحش أقسام الفحشاء فكيف يليق برب العالمين أن يشهد في عين هذه الواقعة بكونه بريئاً من السوء مع أنه كان قد أتى بأعظم أنواع السوء والفحشاء.
وأيضاً فالآية تدل على قولنا من وجه آخر، وذلك لأنا نقول هب أن هذه الآية لا تدل على نفي هذه المعصية عنه، إلا أنه لا شك أنها تفيد المدح العظيم والثناء البالغ، فلا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكى عن إنسان إقدامه على معصية عظيمة ثم إنه يمدحه ويثني عليه بأعظم الدمائح والأثنية عقيب أن حكى عنه ذلك الذنب العظيم، فإن مثاله ما إذا حكى السلطان عن بعض عبيده أقبح الذنوب وأفحش الأعمال ثم إنه يذكره بالمدح العظيم والثناء البالغ عقيبه، فإن ذلك يستنكر جداً فكذا هاهنا والله أعلم.
الثالث: أن الأنبياء عليهم السلام متى صدرت منهم زلة، أو هفوة استعظموا ذلك وأتبعوها بإظهار الندامة والتوبة والتواضع، ولو كان يوسف عليه السلام أقدم هاهنا على هذه الكبيرة المنكرة لكان من المحال أن لا يتبعها بالتوبة والاستغفار ولو أتى بالتوبة لحكى الله تعالى عنه إتيانه بها كما في سائر المواضع وحيث لم يوجد شيء من ذلك علمنا أنه ما صدر عنه في هذه الواقعة ذنب ولا معصية.
الرابع: أن كل من كان له تعلق بتلك الواقعة فقد شهد ببراءة يوسف عليه السلام من المعصية.
واعلم أن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة يوسف عليه السلام، وتلك المرأة وزوجها، والنسوة والشهود ورب العالمين شهد ببراءته عن الذنب، وإبليس أقر ببراءته أيضاً عن المعصية، وإذا كان الأمر كذلك، فحينئذ لم يبق للمسلم توقف في هذا الباب.
أما بيان أن يوسف عليه السلام ادعى البراءة عن الذنب فهو قوله عليه السلام: ﴿ هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى ﴾ وقوله عليه السلام: ﴿ رَبّ السجن أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ ﴾ وأما بيان أن المرأة اعترفت بذلك فلأنها قالت للنسوة: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فاستعصم ﴾ وأيضاً قالت: ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ ﴾ وأما بيان أن زوج المرأة أقر بذلك، فهو قوله: ﴿ فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا وَٱسْتَغْفِرِى لِذَنۢبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلْخَاطِـِٔينَ ﴾ وأما الشهود فقوله تعالى: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكاذبين ﴾ وأما شهادة الله تعالى بذلك فقوله: ﴿ كذلك لِنَصْرِفَ عَنْهُ السوء والفحشاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين ﴾ فقد شهد الله تعالى في هذه الآية على طهارته أربع مرات: أولها: قوله: ﴿ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السوء ﴾ واللام للتأكيد والمبالغة.
والثاني: قوله: ﴿ والفحشاء ﴾ أي كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء.
والثالث: قوله: ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ﴾ مع أنه تعالى قال: ﴿ وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الارض هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَماً ﴾ والرابع: قوله: ﴿ المخلصين ﴾ وفيه قراءتان: تارة باسم الفاعل وأخرى باسم المفعول فوروده باسم الفاعل يدل على كونه آتياً بالطاعات والقربات مع صفة الأخلاص.
ووروده باسم المفعول يدل على أن الله تعالى استخلصه لنفسه واصطفاه لحضرته، وعلى كلا الوجهين فإنه من أدل الألفاظ على كونه منزهاً عما أضافوه إليه، وأما بيان أن إبليس أقر بطهارته، فلأنه قال: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ ﴾ فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين ويوسف من المخلصين لقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين ﴾ فكان هذا إقراراً من إبليس بأنه ما أغواه وما أضله عن طريقة الهدى، وعند هذا نقول هؤلاء الجهال الذين نسبوا إلى يوسف عليه السلام هذه الفضيحة إن كانوا من أتباع دين الله تعالى فليقبلوا شهادة الله تعالى على طهارته وإن كانوا من أتباع إبليس وجنوده فليقبلوا شهادة إبليس على طهارته ولعلهم يقولون كنا في أول الأمر تلامذة إبليس إلى أن تخرجنا عليه فزدنا عليه في السفاهة كما قال الخوارزمي: وكنت امرأ من جند إبليس فارتقى *** بي الدهر حتى صار إبليس من جندي فلو مات قبلي كنت أحسن بعده *** طرائق فسق ليس يحسنها بعدي فثبت بهذه الدلائل أن يوسف عليه السلام برئ عما يقوله هؤلاء الجهال.
وإذا عرفت هذا فنقول: الكلام على ظاهر هذه الآية يقع في مقامين: المقام الأول: أن نقول لا نسلم أن يوسف عليه السلام هم بها.
والدليل عليه: أنه تعالى قال: ﴿ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ ﴾ وجواب ﴿ لَوْلاَ ﴾ هاهنا مقدم، وهو كما يقال: قد كنت من الهالكين لولا أن فلاناً خلصك، وطعن الزجاج في هذا الجواب من وجهين: الأول: أن تقديم جواب ﴿ لَوْلاَ ﴾ شاذ وغير موجود في الكلام الفصيح.
الثاني: أن ﴿ لَوْلاَ ﴾ يجاب جوابها باللام، فلو كان الأمر على ما ذكرتم لقال: ولقد همت ولهم بها لولا.
وذكر غير الزجاج سؤالاً ثالثاً وهو أنه لو لم يوجد الهم لما كان لقوله: ﴿ لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ ﴾ فائدة.
واعلم أن ما ذكره الزجاج بعيد، لأنا نسلم أن تأخير جواب ﴿ لَوْلاَ ﴾ حسن جائز، إلا أن جوازه لا يمنع من جواز تقديم هذا الجواب، وكيف ونقل عن سيبويه أنه قال: إنهم يقدمون الأهم فالأهم، والذي هم بشأنه أعنى فكان الأمر في جواز التقديم والتأخير مربوطاً بشدة الاهتمام.
وأما تعيين بعض الألفاظ بالمنع فذلك مما لا يليق بالحكمة، وأيضاً ذكر جواب ﴿ لَوْلاَ ﴾ باللام جائز.
أما هذا لا يدل على أن ذكره بغير اللام لا يجوز، ثم إنا نذكر آية أخرى تدل على فساد قول الزجاج في هذين السؤالين، وهو قوله تعالى: ﴿ إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا ﴾ .
وأما السؤال الثالث: وهو أنه لو لم يوجد الهم لم يبق لقوله: ﴿ لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ ﴾ فائدة.
فنقول: بل فيه أعظم الفوائد، وهو بيان أن ترك الهم بها ما كان لعدم رغبته في النساء، وعدم قدرته عليهن بل لأجل أن دلائل دين الله منعته عن ذلك العمل، ثم نقول: إن الذي يدل على أن جواب ﴿ لَوْلاَ ﴾ ما ذكرناه أن ﴿ لَوْلاَ ﴾ تستدعي جواباً، وهذا المذكور يصلح جواباً له، فوجب الحكم بكونه جواباً له لا يقال إنا نضمر له جواباً، وترك الجواب كثير في القرآن، لأنا نقول: لا نزاع أنه كثير في القرآن، إلا أن الأصل أن لا يكون محذوفاً.
وأيضاً فالجواب إنما يحسن تركه وحذفه إذا حصل في اللفظ ما يدل على تعينه، وهاهنا بتقدير أن يكون الجواب محذوفاً فليس في اللفظ ما يدل على تعين ذلك الجواب، فإن هاهنا أنواعاً من الإضمارات يحسن إضمار كل واحد منها، وليس إضمار بعضها أولى من إضمار الباقي فظهر الفرق.
والله أعلم.
المقام الثاني: في الكلام على هذه الآية أن نقول: سلمنا أن الهم قد حصل إلا أنا نقول: إن قوله: ﴿ وَهَمَّ بِهَا ﴾ لا يمكن حمله على ظاهره لأن تعليق الهم بذات المرأة محال لأن الهم من جنس القصد والقصد لا يتعلق بالذوات الباقية، فثبت أنه لابد من إضمار فعل مخصوص يجعل متعلق ذلك الهم وذلك الفعل غير مذكور فهم زعموا أن ذلك المضمر هو إيقاع الفاحشة بها ونحن نضمر شيئاً آخر يغاير ما ذكروه وبيانه من وجوه: الأول: المراد أنه عليه السلام هم بدفعها عن نفسه ومنعها عن ذلك القبيح لأن الهم هو القصد، فوجب أن يحمل في حق كل أحد على القصد الذي يليق به، فاللائق بالمرأة القصد إلى تحصيل اللذة والتنعيم والتمتع واللائق بالرسول المبعوث إلى الخلق القصد إلى زجر العاصي عن معصيته وإلى الأمر بالمعروف النهي عن المنكر، يقال: هممت بفلان أي بضربه ودفعه.
فإن قالوا: فعلى هذا التقدير لا يبقى لقوله: ﴿ لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ ﴾ فائدة.
قلنا: بل فيه أعظم الفوائد وبيانه من وجهين: الأول: أنه تعالى أعلم يوسف عليه السلام أنه لو هم بدفعها لقتلته أو لكانت تأمر الحاضرين بقتله، فأعلمه الله تعالى أن الامتناع من ضربها أولى صوناً للنفس عن الهلاك، والثاني: أنه عليه السلام لو اشتغل بدفعها عن نفسه فربما تعلقت به، فكان يتمزق ثوبه من قدام، وكان في علم الله تعالى أن الشاهد يشهد بأن ثوبه لو تمزق من قدام لكان يوسف هو الخائن، ولو كان ثوبه ممزقاً من خلف لكانت المرأة هي الخائنة، فالله تعالى أعلمه بهذا المعنى، فلا جرم لم يشتغل بدفعها عن نفسه بل ولى هارباً عنها، حتى صارت شهادة الشاهد حجة له على براءته عن المعصية.
الوجه الثاني: في الجواب أن يفسر الهم بالشهوة، وهذا مستعمل في اللغة الشائعة.
يقول القائل: فيما لا يشتهيه مايهمني هذا، وفيما يشتهيه هذا أهم الأشياء إلي، فسمى الله تعالى شهوة يوسف عليه السلام هماً، فمعنى الآية: ولقد اشتهته واشتهاها لولا أن رأى برهان ربه لدخل ذلك العمل في الوجود.
الثالث: أن يفسر الهم بحديث النفس، وذلك لأن المرأة الفائقة في الحسن والجمال إذا تزينت وتهيأت للرجل الشاب القوي فلابد وأن يقع هناك بين الحكمة والشهوة الطبيعية وبين النفس والعقل مجاذبات ومنازعات، فتارة تقوى داعية الطبيعة والشهوة وتارة تقوى داعية العقل والحكمة.
فالهم عبارة عن جواذب الطبيعة، ورؤية البرهان عبارة عن جواذب العبودية، ومثال ذلك أن الرجل الصالح الصائم في الصيف الصائف، إذا رأى الجلاب المبرد بالثلج فإن طبيعته تحمله على شربه، إلا أن دينه وهداه يمنعه منه، فهذا لا يدل على حصول الذنب، بل كلما كانت هذه الحالة أشد كانت القوة في القيام بلوازم العبودية أكمل، فقد ظهر بحمد الله تعالى صحة هذا القول الذي ذهبنا إليه ولم يبق في يد الواحدي إلا مجرد التصلف وتعديد أسماء المفسرين، ولو كان قد ذكر في تقرير ذلك القول شبهة لأجبنا عنها إلا أنه ما زاد على الرواية عن بعض المفسرين.
واعلم أن بعض الحشوية روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما كذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات» فقلت الأولى أن لا نقبل مثل هذه الأخبار فقار على طريق الاستنكار فإن لم نقبله لزمنا تكذيب الرواة فقلت له: يا مسكين إن قبلناه لزمنا الحكم بتكذيب إبراهيم عليه السلام وإن رددناه لزمنا الحكم بتكذيب الرواة ولا شك أن صون إبراهيم عليه السلام عن الكذب أولى من صون طائفة من المجاهيل عن الكذب.
إذا عرفت هذا الأصل فنقول للواحدي: ومن الذي يضمن لنا أن الذين نقلوا هذا القول عن هؤلاء المفسرين كانوا صادقين أم كاذبين، والله أعلم.
المسألة الثانية: في أن المراد بذلك البرهان ما هو أما المحققون المثبون للعصمة فقد فسروا رؤية البرهان بوجوه: الأول: أنه حجة الله تعالى في تحريم الزنا والعلم بما على الزاني من العقاب والثاني: أن الله تعالى طهر نفوس الأنبياء عليهم السلام عن الأخلاق الذميمة.
بل نقول: إنه تعالى طهر نفوس المتصلين به عنها كما قال: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ﴾ فالمراد برؤية البرهان هو حصول تلك الأخلاق وتذكير الأحوال الرادعة لهم عن الإقدام على المنكرات.
والثالث: أنه رأى مكتوباً في سقف البيت ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً ﴾ والرابع: أنه النبوة المانعة من ارتكاب الفواحش، والدليل عليه أن الأنبياء عليهم السلام بعثوا لمنع الخلق عن القبائح والفضائح فلو أنهم منعوا الناس عنها، ثم أقدموا على أقبح أنواعها وأفحش أقسامها لدخلوا تحت قوله تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ وأيضاً أن الله تعالى عير اليهود بقوله: ﴿ أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ ﴾ وما يكون عيباً في حق اليهود كيف ينسب إلى الرسول المؤيد بالمعجزات.
وأما الذين نسبوا المعصية إلى يوسف عليه السلام فقد ذكروا في تفسير ذلك البرهان أموراً: الأول: قالوا إن المرأة قامت إلى صنم مكلل بالدر والياقوت في زاوية البيت فسترته بثوب فقال يوسف: لم فعلت ذلك؟
قالت: أستحي من إلهي هذا أن يراني على معصية، فقال يوسف: أتستحين من صنم لا يعقل ولا يسمع ولا أستحي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت فوالله لا أفعل ذلك أبداً قالوا: فهذا هو البرهان.
الثاني: نقلوا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه تمثل له يعقوب فرآه عاضاً على أصابعه ويقول له: أتعمل عمل الفجار وأنت مكتوب في زمرة الأنبياء فاستحى منه.
قال وهو قول عكرمة ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك ومقاتل وابن سيرين قال سعيد بن جبير: تمثل له يعقوب فضرب في صدره فخرجت شهوته من أنامله.
والثالث: قالوا إنه سمع في الهواء قائلاً يقول يا ابن يعقوب لا تكن كالطير يكون له ريش فإذا زنا ذهب ريشه.
والرابع: نقلوا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن يوسف عليه السلام لم ينزجر برؤية صورة يعقوب حتى ركضه جبريل عليه السلام فلم يبق فيه شيء من الشهوة إلا خرج، ولما نقل الواحدي هذه الروايات تصلف وقال: هذا الذي ذكرناه قول أئمة التفسير الذين أخذوا التأويل عمن شاهد التنزيل فيقال له: إنك لا تأتينا ألبتة إلا بهذه التصلفات التي لا فائدة فيها فأين هذا من الحجة والدليل، وأيضاً فإن ترادف الدلائل على الشيء الواحد جائز، وأنه عليه الصلاة والسلام كان ممتنعاً عن الزنا بحسب الدلائل الأصلية، فلما انضاف إليها هذه الزواجر قوي الانزجار وكمل الاحتراز والعجب أنهم نقلوا أن جرواً دخل حجرة النبي صلى الله عليه وسلم وبقي هناك بغير عمله قالوا: فامتنع جبريل عليه السلام من الدخول عليه أربعين يوماً، وهاهنا زعموا أن يوسف عليه السلام حال اشتغاله بالفاحشة ذهب إليه جبريل عليه السلام، والعجب أنهم زعموا أنه لم يمتنع عن ذلك العمل بسبب حضور جبريل عليه السلام، ولو أن أفسق الخلق وأكفرهم كان مشتغلاً بفاحشة فإذا دخل عليه رجل على زي الصالحين استحيا منه وفر وترك ذلك العمل، وهاهنا أنه رأى يعقوب عليه السلام عض على أنامله فلم يلتفت إليه، ثم إن جبريل عليه السلام على جلالة قدره دخل عليه فلم يمتنع أيضاً عن ذلك القبيح بسبب حضوره حتى احتاج جبريل عليه السلام إلى أن يركضه على ظهره فنسأل الله أن يصوننا عن الغي في الدين، والخذلان في طلب اليقين فهذا هو الكلام المخلص في هذه المسألة والله أعلم.
المسألة الثالثة: في الفرق بين السوء والفحشاء وفيه وجوه: الأول: أن السوء جناية اليد والفحشاء هو الزنا.
الثاني: السوء مقدمات الفاحشة من القبلة والنظر بالشهوة والفحشاء هو الزنا.
أما قوله: ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين ﴾ أي الذين أخلصوا دينهم لله تعالى ومن فتح اللام أراد الذين خلصهم الله من الأسواء، ويحتمل أن يكون المراد أنه من ذرية إبراهيم عليه السلام الذي قال الله فيهم: ﴿ إِنَّا أخلصناهم بِخَالِصَةٍ ﴾ .
المسألة الرابعة: قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ﴿ المخلصين ﴾ بكسر اللام في جميع القرآن والباقون بفتح اللام.
<div class="verse-tafsir"
همّ بالأمر إذا قصده وعزم عليه، قال: همَمْتُ وَلَمْ أفعل وَكِدْتُ وَلَيْتَنِي ** تَرَكْتُ عَلَى عُثْمانَ تَبْكي حَلاَئِلُهْ ومنه قولك: لا أفعل ذلك ولا كيداً ولا هماً.
أي ولا أكاد أن أفعله كيداً، ولا أهم بفعله هماً، حكاه سيبويه، ومنه: الهمام وهو الذي إذا همّ بأمر أمضاه ولم ينكل عنه.
وقوله: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾ معناه.
ولقد همت بمخالطته ﴿ وَهَمَّ بِهَا ﴾ وهمّ بمخالطتها ﴿ لَوْلا أَن رأى بُرْهَانَ رَبّهِ ﴾ جوابه محذوف، تقديره: لولا أن رأى برهان ربه لخالطها، فحذف؛ لأنّ قوله: ﴿ وَهَمَّ بِهَا ﴾ يدل عليه، كقولك: هممت بقتله لولا أني خفت الله، معناه لولا أني خفت الله لقتلته.
فإن قلت: كيف جاز على نبيّ الله أن يكون منه هم بالمعصية وقصدٌ إليها؟
قلت المراد أنّ نفسه مالت إلى المخالطة ونازعت إليها عن شهوة الشباب وقرمه ميلاً يشبه الهم به والقصد إليه، وكما تقتضيه صورة تلك الحال التي تكاد تذهب بالعقول والعزائم.
وهو يكسر ما به ويردّه بالنظر في برهان الله المأخوذ على المكلفين من وجوب اجتناب المحارم، ولو لم يكن ذلك الميل الشديد المسمى هماً لشدّته لما كان صاحبه ممدوحاً عند الله بالامتناع؛ لأن استعظام الصبر على الابتلاء، على حسب عظم الابتلاء وشدته.
ولو كان همه كهمها عن عزيمة، لما مدحه الله بأنه من عباده المخلصين.
ويجوز أن يريد بقوله: ﴿ وَهَمَّ بِهَا ﴾ وشارف أن يهم بها، كما يقول الرجل: قتلته لو لم أخف الله، يريد مشارفة القتل ومشافهته.
كأنه شرع فيه فإن قلت: قوله ﴿ وَهَمَّ بِهَا ﴾ داخل تحت حكم القسم في قوله: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾ أم هو خارج منه؟
قلت: الأمران جائزان.
ومن حق القارئ إذا قدّر خروجه من حكم القسم وجعله كلاماً برأسه أن يقف على قوله: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾ ويبتدئ قوله: ﴿ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّءَا بُرْهَانَ رَبّهِ ﴾ وفيه أيضاً إشعار بالفرق بين الهمين.
فإن قلت: لم جعلت جواب لولا محذوفاً يدل عليه هم بها وهلا جعلته هو الجواب مقدماً فإن قلت: لأن لولا لا يتقدم عليها جوابها، من قبل أنه في حكم الشرط، وللشرط صدر الكلام وهو مع ما في حيزه من الجملتين مثل كلمة واحدة، ولا يجوز تقديم بعض الكلمة على بعض.
وأما حذف بعضها إذا دلّ الدليل عليه فجائز، فإن قلت: فلم جعلت ﴿ لولا ﴾ متعلقة بهمّ بها وحده ولم تجعلها متعلقة بجملة قوله: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ﴾ لأن الهمّ لا يتعلق بالجواهر ولكن بالمعاني.
فلا بدّ من تقدير المخالطة والمخالطة لا تكون إلا من اثنين معاً، فكأنه قيل: ولقد هما بالمخالطة لولا أن منع مانع أحدهما؟
قلت: نعم ما قلت، ولكنّ الله سبحانه وتعالى قد جاء بالهمين على سبيل التفصيل حيث قال ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ﴾ فكان إغفاله إلغاء له، فوجب أن يكون التقدير، ولقد همت بمخالطته وهم بمخالطتها، على أنّ المراد بالمخالطتين توصلها إلى ما هو حظها من قضاء شهوتها منه، وتوصله إلى ما هو حظه من قضاء شهوته منها ﴿ لَوْلا أَن رَّءَا بُرْهَانَ رَبّهِ ﴾ فترك التوصل إلى حظه من الشهوة؛ فلذلك كانت ﴿ لولا ﴾ حقيقة بأن تعلق بهمّ بها وحده، وقد فسرهمّ يوسف بأنه حل الهميان وجلس منها مجلس المجامع، وبأنه حل تكة سراويله وقعد بين شعبها الأربع وهي مستلقية على قفاها، وفسر البرهان بأنه سمع صوتاً: إياك وإياها، فلم يكترث له، فسمعه ثانياً فلم يعمل به، فسمع ثالثاً: أعرض عنها فلم ينجع فيه حتى مثل له يعقوب عاضاً على أنملته.
وقيل: ضرب بيده في صدره فخرجت شهوته من أنامله.
وقيل: كل ولد يعقوب له اثنا عشر ولداً إلا يوسف، فإنه ولد له أحد عشر ولداً من أجل ما نقص من شهوته حين همّ، وقيل: صيح به: يا يوسف، لا تكن كالطائر: كان له ريش، فلما زنى قعد لا ريش له.
وقيل: بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد ولا معصم، مكتوب فيها ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لحافظين كِرَاماً كاتبين ﴾ [الانفطار: 11] فلم ينصرف، ثم رأى فيها ﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً ﴾ [الإسراء: 32] فلم ينته، ثم رأى فيها ﴿ واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ﴾ [البقرة: 281] فلم ينجع فيه، فقال الله لجبريل عليه السلام: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة، فانحط جبريل وهو يقول: يا يوسف، أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في ديوان الأنبياء؟
وقيل: رأى تمثال العزيز.
وقيل: قامت المرأة إلى صنم كان هناك فسترته وقالت: أستحي منه أن يرانا.
فقال يوسف استحييت ممن لا يسمع ولا يبصر، ولا أستحي من السميع البصير، العليم بذوات الصدور.
وهذا ونحوه.
مما يورده أهل الحشو والجبر الذين دينهم بهت الله تعالى وأنبيائه، وأهل العدل والتوحيد ليسوا من مقالاتهم ورواياتهم بحمد الله بسبيل، ولو وُجِدَت من يوسف عليه السلام أدنى زلة لنُعِيت عليه وذُكِرَت توبته واستغفاره، كما نُعِيَت على آدم زلته، وعلى داود، وعلى نوح، وعلى أيوب، وعلى ذي النون، وذُكِرت توبتهم واستغفارهم، كيف وقد أثنى عليه وسمي مخلصاً، فعلم بالقطع أنه ثبت في ذلك المقام الدحض، وأنه جاهد نفسه مجاهدة أُولي القوّة والعزم، ناظراً في دليل التحريم ووجه القبح، حتى استحق من الله الثناء فيما أَنزل من كتب الأولين، ثم في القرآن الذي هو حجة على سائر كتبه ومصداق لها، ولم يقتصر إلا على استيفاء قصته وضرب صورة كاملة عليها، ليجعل له لسان صدق في الآخرين، كما جعله لجدّه الخليل إبراهيم عليه السلام، وليقتدي به الصالحون إلى آخر الدهر في العفة وطيب الإزار والتثبت في مواقف العثار، فأخزى الله أولئك في إيرادهم ما يؤدّي إلى أن يكون إنزال الله السورة التي هي أحسن القصص في القرآن العربي المبين ليقتدي بنبي من أنبياء الله، في القعود بين شعب الزانية وفي حل تكته للوقوع عليها، وفي أن ينهاه ربه ثلاث كرّات ويصاح به من عنده ثلاث صيحات بقوارع القرآن، وبالتوبيخ العظيم، وبالوعيد الشديد، وبالتشبيه بالطائر الذي سقط ريشه حين سفد غير أنثاه، وهو جاثم في مربضه لا يتحلحل ولا ينتهي ولا ينتبه، حتى يتداركه الله بجبريل وبإجباره، ولو أن أوقح الزناة وأشطرهم وأحدهم حدقة وأصلحهم وجهاً لقي بأدنى ما لقي به نبي الله مما ذكروا، لما بقي له عرق ينبض ولا عضو يتحرّك.
فيا له من مذهب ما أفحشه، ومن ضلال ما أبينه ﴿ كذلك ﴾ الكاف منصوب المحل، أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه.
أو مرفوعه، أي الأمر مثل ذلك ﴿ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السوء ﴾ من خيانة السيد ﴿ والفحشاء ﴾ من الزنا ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين ﴾ الذين أخلصوا دينهم لله، وبالفتح الذين أخلصهم الله لطاعته بأن عصمهم.
ويجوز أن يريد بالسوء.
مقدّمات الفاحشة، من القبلة والنظر بشهوة، ونحو ذلك.
وقوله: ﴿ مّنْ عِبَادِنَا ﴾ معناه بعض عبادنا، أي: هو مخلص من جملة المخلصين.
أو هو ناشئ منهم، لأنه من ذرية إبراهيم الذين قال فيهم ﴿ إِنَّا أخلصناهم بِخَالِصَةٍ ﴾ [ص: 46] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ واسْتَبَقا البابَ ﴾ أيْ تَسابَقا إلى البابِ، فَحُذِفَ الجارُّ أوْ ضُمِّنَ الفِعْلُ مَعْنى الِابْتِدارِ.
وذَلِكَ أنَّ يُوسُفَ فَرَّ مِنها لِيَخْرُجَ وأسْرَعَتْ وراءَهُ لِتَمْنَعَهُ الخُرُوجَ.
﴿ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ ﴾ اجْتَذَبَتْهُ مِن ورائِهِ فانْقَدَّ قَمِيصُهُ والقَدُّ الشَّقُّ طُولًا والقَطُّ الشَّقُّ عَرْضًا.
﴿ وَألْفَيا سَيِّدَها ﴾ وصادَفا زَوْجَها.
﴿ لَدى البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ إيهامًا بِأنَّها فَرَّتْ مِنهُ تَبْرِئَةً لِساحَتِها عِنْدَ زَوْجِها وتَغْيِيرَهُ عَلى يُوسُفَ وإغْراءَهُ بِهِ انْتِقامًا مِنهُ، وما نافِيَةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ بِمَعْنى أيِّ شَيْءٍ جَزاءَهُ إلّا السِّجْنُ.
<div class="verse-tafsir"
{قال هي راودتني عن نفسي} ولولا ذلك لكتم عليها ولم يفضحها {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا} هو ابن عم لها وإنما ألقى الله الشهادة على لسان من هو من أهلها لتكون أوجب للحجة عليها وأوثق لبرءاة يوسف وقيل كان ابن خال لها وكان صبياً في المهد وسمي قوله شهادة لأنه أدى مؤدى الشهادة في أن ثبت به قول يوسف وبطل قولها {إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكاذبين}
﴿ قالَ ﴾ اسْتِئْنافٌ وجَوابٌ عَمّا يُقالُ: فَماذا قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَئِذٍ؟
فَقِيلَ: قالَ: ﴿ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ﴾ أيْ طالَبَتْنِي لِلْمُواتاةِ لا أنِّي أرَدْتُ بِها سُوءًا كَما زَعَمَتْ وإنَّما قالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَنْزِيهِ نَفْسِهِ عَنِ التُّهْمَةِ ودَفْعِ الضَّرَرِ عَنْها لا لِتَفْضِيحِها.
وفِي التَّعْبِيرِ عَنْها بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ دُونَ الخِطابِ أوِ اسْمِ الإشارَةِ مُراعاةٌ لِحُسْنِ الأدَبِ مَعَ الإيماءِ إلى الإعْراضِ عَنْها كَذا قالُوا، وفي هَذا الضَّمِيرِ ونَحْوِهِ كَلامٌ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ هِشامٍ في بَعْضِ حَواشِيهِ عَلى قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ في ألْفِيَّتِهِ: فَما لِذِي غَيْبَةٍ أوْ حُضُورٍ إلَخْ لِيُنْظُرْ إلى نَحْوِ ﴿ هِيَ راوَدَتْنِي ﴾ فَإنَّ هي ضَمِيرٌ بِاتِّفاقٍ، ولَيْسَ هو لِلْغائِبِ بَلْ لِمَن بِالحَضْرَةِ، وكَذا ﴿ يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ﴾ وهَذا في المُتَّصِلِ وذاكَ في المُنْفَصِلِ، وقَوْلُ مَن يُخاطِبُ شَخْصًا في شَأْنٍ آخَرَ حاضِرٍ مَعَهُ قُلْتُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ تَعالى وأمَرْتُهُ بِفِعْلِ الخَيْرِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ نَزَلَ الضَّمِيرُ فِيهِنَّ مَنزِلَةَ الغائِبِ وكَذا في عَكْسِ ذَلِكَ يَبْلُغُكَ عَنْ شَخْصٍ غائِبٍ شَيْءٌ فَنَقُولُ: ويْحَكَ يا فُلانُ أتَفْعَلُ كَذا؟
تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ مَن بِالحَضْرَةِ، وحِينَئِذٍ يُقالُ: الحَدُّ المُسْتَفادُ مِمّا ذُكِرَ إنَّما هو لِلضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ وضْعِهِ اهـ.
وقالَ السِّراجُ البَلْقِينِيُّ في رِسالَتِهِ المُسَمّاةِ نَشْرَ العَبِيرِ لِطَيِّ الضَّمِيرِ المُفَسِّرِ لِضَمِيرِ الغائِبِ إمّا مُصَرَّحٌ بِهِ أوْ مُسْتَثْنًى بِحُضُورِ مَدْلُولِهِ حِسًّا أوْ عِلْمًا، فالحِسُّ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هِيَ راوَدَتْنِي ﴾ و ﴿ يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ﴾ كَما ذَكَرَهُ ابْنُ مالِكٍ، وتَعَقَّبَهُ شَيْخُنا أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَيْسَ كَما مَثَّلَ بِهِ لِأنَّ هَذَيْنِ الضَّمِيرَيْنِ عائِدانِ عَلى ما قَبْلَهُما فَضَمِيرُ ﴿ هِيَ راوَدَتْنِي ﴾ عائِدٌ عَلى الأهْلِ في قَوْلِها: ﴿ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا ﴾ ولِما كَنَّتْ عَنْ نَفْسِها بِذَلِكَ ولَمْ تَقُلْ بِي بَدَلُ (بِأهْلِكَ) كَنّى هو عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْها بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ فَقالَ: ﴿ هِيَ راوَدَتْنِي ﴾ ولَمْ يُخاطِبْها بِأنْتِ راوَدْتِينِي، ولا أشارَ إلَيْها بِهَذِهِ راوَدَتْنِي وكُلُّ هَذا عَلى سَبِيلِ الأدَبِ في الألْفاظِ والِاسْتِحْياءِ في الخِطابِ الَّذِي لا يَلِيقُ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَأبْرَزُ الِاسْمِ في صُورَةِ ضَمِيرِ الغائِبِ تَأدُّبًا مَعَ العَزِيزِ وحَياءً مِنهُ، وضَمِيرُ ﴿ اسْتَأْجِرْهُ ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى فَمُفَسِّرُهُ مُصَرَّحٌ بِلَفْظِهِ، وكَأنَّ ابْنَ مالِكٍ تَخَيَّلَ أنَّ هَذا مَوْضِعُ إشارَةٍ لِكَوْنِ صاحِبِ الضَّمِيرِ حاضِرًا عِنْدَ المُخاطَبِ فاعْتَقَدَ أنَّ المُفَسِّرَ يُسْتَغْنى عَنْهُ بِحُضُورِ مَدْلُولِهِ حِسًّا فَجَرى الضَّمِيرُ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ، والتَّحْقِيقُ ما ذَكَرْناهُ هَذا كَلامُهُ.
وعِنْدِي أنَّ الَّذِي قالَهُ ابْنُ مالِكٍ أرْجَحُ مِمّا قالَهُ الشَّيْخُ، وذَلِكَ أنَّ الِاثْنَيْنِ إذا وقَعَتْ بَيْنَهُما خُصُومَةٌ عِنْدَ حاكِمٍ فَيَقُولُ المُدَّعِي لِلْحاكِمِ: لِي عَلى هَذا كَذا: فَيَقُولُ المُدَّعى عَلَيْهِ: هو يَعْلَمُ أنَّهُ لا حَقَّ لَهُ عَلَيَّ، فالضَّمِيرُ في هو إنَّما هُوَ لِحُضُورِ مَدْلُولِهِ حِسًّا لا لِقَوْلِهِ: لِي كَما هو المُتَبادَرُ إلى الأفْهامِ، وأيْضًا يَرِدُ عَلى ما ذَكَرَهُ في ضَمِيرِ ﴿ اسْتَأْجِرْهُ ﴾ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ذِكْرٌ عِنْدَ حُضُورِهِ مَعَ بِنْتِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ قالَتْ: ﴿ يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ﴾ وقَصَدَها بِالضَّمِيرِ الرَّجُلُ الحاضِرُ الَّذِي بانَ لَها مِن قُوَّتِهِ وأمانَتِهِ الأمْرُ العَظِيمُ، ثُمَّ إنَّ مَن خاصَمَ زَوْجَتَهُ فَقالَ لِلْحاضِرِينَ مِن أهْلِها أوْ مِن غَيْرِهِمْ: هي طالِقٌ تُطَلَّقُ زَوْجَتُهُ لِوُجُودِ ما قَرَّرَهُ ابْنُ مالِكٍ، ولا يَتَمَشّى عَلى ما قَرَّرَهُ الشَّيْخُ كَما لا يَخْفى، وبِالجُمْلَةِ إنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ في الآيَتَيْنِ وإنْ سَلِمَ فِيهِما لَكِنْ لا يَكادُ يَتَمَشّى مَعَهُ في غَيْرِهِما هَذا فَلْيُفْهَمْ ﴿ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها ﴾ ذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّهُ كانَ ابْنُ خالِها، وكانَ طِفْلًا في المَهْدِ أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى بِبَراءَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَدْ ورَدَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «تَكَلَّمَ أرْبَعَةٌ في المَهْدِ وهم صِغارٌ: ابْنُ ماشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، وشاهِدُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ، وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ”،» وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الطِّيبِيُّ بِقَوْلِهِ: يَرُدُّهُ دَلالَةُ الحَصْرِ في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ“أنَّ النَّبِيَّ قالَ: «لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلّا ثَلاثَةٌ: عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ وصَبِيٌّ كانَ يَرْضَعُ مِن أُمِّهِ فَمَرَّ راكِبٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ فَقالَتْ أُمُّهُ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذا فَتَرَكَ الصَّبِيُّ الثَّدْيَ وقالَ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ”».
اهـ، ورَدَّهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ فَقالَ: هَذا مِنهُ عَلى جارِي عادَتِهِ مِن عَدَمِ الِاطِّلاعِ عَلى طُرُقِ الأحادِيثِ، والحَدِيثُ المُتَقَدِّمُ صَحِيحٌ أخْرَجَهُ أحْمَدُ في مَسْنَدِهِ، وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ، والحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَواهُ الحاكِمُ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، وقالَ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وفي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ المُشارِ إلَيْهِ آنِفًا زِيادَةٌ عَلى الأرْبَعَةِ: «“الصَّبِيُّ الَّذِي كانَ يَرْضَعُ مِن أُمِّهِ فَمَرَّ راكِبٌ» إلَخْ فَصارُوا خَمْسَةً وهم أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ تَكَلَّمَ الطِّفْلُ في قِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ، وقَدْ جَمَعْتُ مَن تَكَلَّمَ في المَهْدِ فَبَلَغُوا أحَدَ عَشَرَ، ونَظَمْتُها فَقُلْتُ: تَكَلَّمَ في المَهْدِ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ ∗∗∗ ويَحْيى وعِيسى والخَلِيلُ ومَرْيَمُ ومَبْرِيُّ جُرَيْجٍ ثُمَّ شاهِدُ يُوسُفَ ∗∗∗ وطِفْلٌ لِذِي الأُخْدُودِ يَرْوِيهِ مُسْلِمُ وطِفْلٌ عَلَيْهِ مَرَّ بِالأُمَّةِ الَّتِي ∗∗∗ يُقالُ لَها تَزْنِي ولا تَتَكَلَّمُ وماشِطَةٌ في عَهْدِ فِرْعَوْنَ طِفْلُها ∗∗∗ وفي زَمَنِ الهادِي المُبارَكِ يُخْتَمُ اهـ، وفِيهِ أنَّهُ لَمْ يَرُدَّ الطِّيبِيُّ الطَّعْنَ عَلى الحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَ كَما تَوَهَّمَ، وإنَّما أرادَ أنَّ بَيْنَ الحَدِيثِ الدّالِّ عَلى الخَصْرِ وغَيْرِهِ تَعارُضًا يَحْتاجُ إلى التَّوْفِيقِ؛ وفي الكَشْفِ بَعْدَ ذِكْرِهِ حَدِيثُ الأرْبَعَةِ، وما تَعَقَّبَ بِهِ مِمّا تَقَدَّمَ عَنِ الطِّيبِيِّ أنَّهُ نَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ في سُورَةِ البُرُوجِ خامِسًا فَإنْ ثَبَتَتْ هَذِهِ أيْضًا فالوَجْهُ أنْ يُجْعَلَ في المَهْدِ قَيْدًا وتَأْكِيدًا لِكَوْنِهِ في مَبادِي الصِّبا، وفي هَذِهِ الرِّوايَةِ يُحْمَلُ عَلى الإطْلاقِ أيْ سَواءٌ كانَ في المَبادِي أوْ بِعِيدَها بِحَيْثُ يَكُونُ تَكَلُّمُهُ مِنَ الخَوارِقِ، ولا يَخْفى أنَّهُ تَوْفِيقٌ بَعِيدٌ.
وقِيلَ: كانَ ابْنُ عَمِّها الَّذِي كانَ مَعَ زَوْجِها لَدى البابِ وكانَ رَجُلًا ذا لِحْيَةٍ، ولا يُنافِي هَذا قَوْلُ قَتادَةَ: إنَّهُ كانَ رَجُلًا حَكِيمًا مِن أهْلِها ذا رَأْيٍ يَأْخُذُ المَلِكُ بِرَأْيِهِ ويَسْتَشِيرُهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ بَعْضُ أهْلِها وكانَ مَعَهُما في الدّارِ بِحَيْثُ لَمْ يَشْعُرا بِهِ فَبَصَرَ بِما جَرى بَيْنَهُما فَأغْضَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِيُوسُفَ فَقالَ الحَقَّ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الشّاهِدَ هو القَمِيصُ المَقْدُودُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وجَعَلَ اللَّهُ تَعالى الشّاهِدَ مِن أهْلِها قِيلَ: لِيَكُونَ أدَلَّ عَلى نَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنْفى لِلتُّهْمَةِ وألْزَمَ لَها، وخَصَّ هَذا بِما إذا لَمْ يَكُنِ الشّاهِدُ الطِّفْلَ الَّذِي أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وأمّا إذا كانَ ذَلِكَ فَذَكَرَ كَوْنَهُ مِن أهْلِها لِبَيانِ الواقِعِ فَإنَّ شَهادَةَ الصَّبِيِّ حُجَّةٌ قاطِعَةٌ ولا فَرْقَ فِيها بَيْنَ الأقارِبِ وغَيْرِهِمْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ كَوْنَ شَهادَةِ القَرِيبِ مُطْلَقًا أقْوى مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَشُكَّ فِيهِ، وسُمِّيَ شاهِدًا لِأنَّهُ أدّى تَأْدِيَتَهُ في أنْ ثَبَتَ بِكَلامِهِ قَوْلُ يُوسُفَ وبَطَلَ قَوْلُها، وقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ مِن حَيْثُ دَلَّ عَلى الشّاهِدِ وهو تَخْرِيقُ القَمِيصِ، وفَسَّرَ مُجاهِدٌ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ الشَّهادَةَ بِالحُكْمِ أيْ وحَكَمَ حاكِمٌ مِن أهْلِها <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ يعني: راودته عما أرادت عليه، مما تريد النساء من الرجال، فعلم بذلك ذكر الفاحشة الذي راودته عليه.
ومعناه: طلبت إليه أن يمكنها من نفسه، يعني: امرأة العزيز واسمها زليخا وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ عليها وعلى يوسف، وجعلت تغمزه وتمازحه، ويوسف يعظها بالله ويزجرها.
وروي عن ابن عباس، أنه قال: «كان يوسف إذا تبسم، رئيت النور في ضواحكه، وإذا تكلم رأيت شعاع النور في كلامه يذهب من بين يديه، ولا يستطيع آدمي أن ينعت نعته» .
فقالت له: يا يوسف ما أحسن عينيك!
قال: هما أول شيء يسيلان إلى الأرض من جسدي.
ثم قالت: يا يوسف ما أحسن ديباج وجهك!
قال: هو للتراب يأكله.
ثم قالت: يا يوسف ما أحسن شعرك!
قال: هو أول ما ينتثر من جسدي.
وَقالَتْ: يا يوسف، هَيْتَ لَكَ.
قرأ حمزة والكسائي وعاصم، هَيْتَ لَكَ بنصب الهاء والتاء، بمعنى: أقبل، ويقال: هلم إليّ، والعرب تقول: هيت فلان لفلان، إذا دعاه وصاح به، وهكذا قرأ ابن مسعود وابن عباس والحسن.
وقرأ ابن عامر في رواية هشام هِئْتُ بكسر الهاء وبالهمز وضم التاء، بمعنى: تهيأت لك.
وقرأ ابن كثير هَيْتَ لك بنصب الهاء وضم التاء، ومعناه: أنا لك، وأنا فداؤك، وقرأ نافع وابن عامر في إحدى الروايتين هَيْتَ بكسر الهاء ونصب التاء، بغير همز.
قالَ مَعاذَ اللَّهِ قال يوسف: أعوذ بالله أن أعصيه وأخونه.
إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ يعني: إنه سيدي الذي اشتراني أحسن إكرامي، فلم أكن لأفعل بامرأته ذلك.
إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ يعني: لا ينجو الزناة من عذاب الله تعالى، وفي هذه الآية دليل: أن معرفة الإحسان واجب، لأن يوسف امتنع عنها لأجل شيئين: لأجل المعصية والظلم، ولأجل إحسان الزوج إليه.
قوله تعالى: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها روى حماد بن سلمة عن الكلبي أنه قال: كان من همها أنها دعته إلى نفسها واضطجعت، وهَمَّ بها بالموعظة والتخويف من الله تعالى، وقيل: إنه حلَّ سراويله، وجلس بين رجليها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ يقول: مثل له يعقوب في الحائط عاضاً على شفتيه، فاستحيا، فتنحى بنفسه.
وقال وهب بن منبه: لم تزل تخدعه حتى همَّ بها، ودخل معها في فراشها، فنودي من السماء: مهلاً يا يوسفُ، فإنك لو وقعت في خطيئة محي اسمك عن ديوان النبوة.
وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه سئل عن قوله لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها ما بلغ من همه؟
قال: «أطلق هميانه فنودي: يا يوسف لا تكن كالطائر له ريش فزنى، فسقط ريشه» .
ويقال: كان همها هم إرادة وشهوة، وهمه همّ اضطرار وغلبة.
وقال بعضهم: كان همه حديث النفس والفكر وهما مرفوعان.
وقال بعضهم: هَمَّ بِها يعني: يضربها.
وقال بعضهم: يعني: هم بالفرار عنها.
وقال بعضهم: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ تم الكلام، ثم قال: وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ يعني: لما رأى البرهان لم يهم بها، فقد قيل هذه الأقاويل، والله أعلم.
وقد روي في الخبر: «أنه ليس من نبي إلا وقد أخطأ أو همَّ بخطيئة غير يحيى بن زكريا، ولكنهم كانوا معصومين من الفواحش.
وقوله تعالى: لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: «مثل له يعقوب، فضرب بيده على صدره، فخرجت شهوته من أنامله» .
وقال محمد بن كعب لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ قال: لولا أن قرأ القرآن من تحريم الزنى، وذلك أنه استقبل بكتاب لله وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا [الإسراء: 32] .
قال الله تعالى: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ يقول: هكذا صرفت السوء والفحشاء عن يوسف بالبرهان، حين استعاذ إليّ بقوله: معاذ الله.
ثم قال: إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ بالتوحيد والطاعة.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر الْمُخْلَصِينَ بكسر اللام، ومعناه ما ذكرناه.
وقرأ الباقون الْمُخْلَصِينَ بالنصب، يعني: المعصومين من الذنوب والفواحش، ويقال: أخلصه الله بالنبوة والرسالة والإسلام.
<div class="verse-tafsir"
في «أمره» يحتمل أنْ يعودَ على يوسف قاله الطبري «١» ، ويحتملُ أن يعود على اللَّهِ عزَّ وجلَّ قاله ابن جُبَيْر، فيكون إِخباراً منبِّهاً على قدرة اللَّه عزَّ وجلَّ ليس في شأن يوسُفَ خاصَّة، بل عامًّا في كل أمر، و «الأَشُدَّ» : استكمال القوة وتناهِي بِنْيَةِ الإِنسان، وهما أَشُدَّان: أولهما، البلوغ، والثاني: الذي يستعمله العرب.
وقوله سبحانه: وآتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً: يحتمل أن يريد بالحُكْم: الحكمة والنبوَّة، وهذا على الأشُدِّ الأعلَى، ويحتملُ أن يريد بالحُكْمِ: السلطانَ في الدنيا وحكماً بين الناس، وتدخُلُ النبوَّة وتأويلُ الأحاديث وغير ذلك في قوله: وَعِلْماً، وقال ابن «٢» العربيِّ:
آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً: الحُكْم: هو العَمَلُ بالعلْمِ.
انتهى.
وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ: عبارةٌ فيها وعد للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أي: فلا يهولَنَّكَ فعل الكَفَرة وعتوّهم عليك، فالله تعالى يصنع للمحسنين أجمل صنع.
وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)
وقوله سبحانه: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ: المراودة: الملاطفةُ في السُّوق إِلى غرض، والَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها هي زُلَيْخَا امرأةُ العزيز، وقوله: عَنْ نَفْسِهِ:
كنايةٌ عن غرض المواقعة، وظاهرُ هذه النازِلة أنها كانَتْ قبل أنْ ينبَّأ عليه السلام، وقولها:
هَيْتَ لَكَ: معناه: الدُّعاء، أيْ: تعالَ وأقْبِلْ عَلَى هَذا الأمْرِ، قال الحَسن: معناها:
هَلُمَّ، قال البخاريُّ: قال عكرمةُ: هَيْتَ لَكَ بالحُورَانِيَّةِ: هَلُمَّ.
وقال ابن جُبير: تَعَالَهْ، انتهى.
وقرأ هشام عن ابن عامرٍ «٣» : «هِئْتُ لَكَ» - بكسر الهاءِ والهمزِ وضمِّ التاء-، ورويت عن أبي عَمْرو، وهذا يحتملُ أنْ يكون من هَاءَ الرجُلُ يَهِيءُ، إِذا حَسُن هيئته، ويحتمل أنْ يكون بمعنى: تَهَيَّأَتُ، ومَعاذَ: نصب على المصدر، ومعنى الكلام: أعوذ باللَّهِ، ثم
قال: إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ، فيحتمل أن يعود الضمير في «إِنه» على اللَّهِ عزَّ وجلَّ، ويحتمل أنْ يريد العزيزَ سيِّدَهُ، أي: فلا يصلح لي أنْ أخونه، وقد أكْرَمَ مثواي، وائتمنني، قال مجاهد وغيره: «رَبِّي» معناه سَيِّدي «١» وإِذا حفظ الآدميّ لإِحسانه فهو عمل زَاكٍ، وأحرى أن يحفظ ربه، والضمير في قوله: إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ مرادٌ به الأمر والشأن فقطْ، وحكى بعض المفسِّرين أنَّ يوسُفَ عليه السلام لمَّا قال: مَعَاذَ اللَّهِ، ثم دافَعَ الأمْرَ باحتجاج وملاينةٍ، امتحنه اللَّه تعالى بالهَمِّ بما هَمَّ به، ولو قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلا باللَّهِ، ودافَعَ بِعُنْفٍ وتغييرٍ، لم يَهمَّ بشيء من المَكْروه.
وقوله سبحانه: وَهَمَّ بِها: اختلف في هَمِّ يوسُفُ.
قال ع «٢» : والذي أقولُ به في هذه الآية: أَنَّ كَوْنَ يوسُفَ عليه السلام نبيًّا في وقت هذه النازلة لم يصحَّ، ولا تظاهَرَتْ به روايةٌ، فإِذا كان ذلك، فهو مؤمنٌ قد أوتِيَ حكماً وعلماً، ويجوز عَلَيْه الهَمُّ الذي هو إِرادةُ الشيْءِ دون مواقَعَتِهِ، وأنْ يستصحب الخَاطِرَ الرديءَ علَى ما في ذلك من الخطيئة، وإِن فرضْنَاه نبيًّا في ذلك الوقْتِ، فلا يجوز عليه عندي إِلاَّ الهَمُّ الذي هو الخاطرُ، ولا يصحُّ عندي شيْءٌ مما ذكر من حَلِّ تِكَّةٍ، ونحوِ ذلك لأنَّ العِصْمة مع النبوَّة، وللَهمِّ بالشيْءِ مرتبتانِ، فالخاطرُ المجرَّد دون استصحاب يجوزُ عليه، ومع استصحابِ لا يَجُوزُ عليه إِذ الإِجماع منعقدٌ أَنَّ الهمَّ بالمعصية واستصحابَ التلذُّذ بها غير جائزٍ، / ولا داخِلٍ في التجاوُزِ.
ت: قال عياضٌ: والصحيحُ إِن شاء اللَّه تنزيهُهُمْ أيضاً قبل النبوَّة مِنْ كُلِّ عيْبٍ، وعصمتُهُم مِنْ كُلِّ ما يوجبُ الرَّيْب، ثم قال عياضٌ بعد هذا: وأما قولُ اللَّه سبحانه:
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ، فعلى طريق كثيرٍ من الفقَهَاء والمحدِّثين أنَّ همَّ النفْس لا يؤاخذ به، وليس بسيِّئة، لقوله عليه السلام عن ربِّه: «إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ» «٣» فَلاَ مَعْصِيَةَ في همه إِذَنْ، وأما علَى مذهب المحقِّقين من الفقهاء والمتكلِّمين، فإِن الهمَّ إِذا وُطِّنَتْ عليه النفْسُ سيئةٌ، وأَما ما لم توطَّن عليه النفس مِنْ همومها وخواطرها، فهو المعفوُّ عنه، وهذا هو الحقُّ، فيكون إِن شاء اللَّه هَمُّ يوسُفَ من هذا، ويكونُ قوله: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ...
الآية [يوسف: ٥٣] : أي:
مِن هذا الهَمِّ، أو يكون ذلك مِنْهُ على طريق التواضُع.
انتهى.
واختلف في البُرْهَان الذي رآه يوسُفُ، فقيل: ناداه جبريلُ: يا يوسُفُ، تَكُونُ في ديوانِ الأنبياءِ، وتفعلُ فِعْلَ السفهاءِ، وقيل: رأَى يعقوبَ عَاضًّا علَى إِبهامه، وقيل غير هذا، وقيل: بل كان البرهَانُ فِكْرَتَهُ في عذابِ اللَّهِ وَوَعِيدِهِ على المعصية، والبرهانُ في كلام العرب: الشيء الذي يُعْطِي القطْعِ واليَقِينَ، كان مما يَعلَمُ ضرورةً أو بخبرٍ قطعيٍّ أو بقياسٍ نظريٍّ «وأنْ» في قوله: لَوْلا أَنْ رَأى في موضع رفعٍ، تقديره: لولا رؤيته برهانَ رَبِّه، لَفَعَلَ، وذَهَبَ قومٌ إِلى أَنَّ الكلامَ تَمَّ في قوله: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وأن جواب «لولا» في قوله: وَهَمَّ بِها، وأن المعنى: لولا أنْ رأَى البرهان لَهَمَّ، أي: فلم يهمَّ عليه السلام، وهذا قولٌ يردُّه لسانُ العربِ، وأقوالُ السلَفِ ت: وقد ساقَ عيَاضٌ هذا القولَ مساق الاحتجاج به متَّصلاً بما نقَلْناه عنْه آنفاً، ولفظه: فكيف، وقَدْ حكَى أبو حاتمٍ عن أبي عُبَيْدة، أن يوسف لم يَهِمَّ، وأنَّ الكلام فيه تقديمٌ وتأخير، أي: ولقد همَّتْ به، ولولا أنْ رأَى برهانَ ربه لَهَمَّ بها، وقد قال اللَّه تعالى عن المرأة: وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ، [يوسف:
٢٣] وقال تعالى: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ، وقال: مَعاذَ اللَّهِ ...
الآية.
انتهى.
وكذا نقله الداودي ولفظه: وقد قال سعيدُ بْنَ الحَدَّاد: في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، ومعناه: أنه لولا أنْ رأَى برهان ربِّه لَهَمَّ بها، فلمَّا رأى البرهان لم يَهِمَّ، انتهى.
قال ابن العربيِّ في «أَحكامه» «١» : وقد أخبر اللَّه سبحانه عن حالِ يوسُفَ من حين بلوغه بأنه آتاه حكماً وعلماً، والحُكْم: هو العمل بالعلم، وكلامُ اللَّه صادِقٌ، وخبره صحيحٌ، ووصفه حَقٌّ، فقد عَمِلَ يوسُفُ بما عَلَّمه اللَّه من تحريم الزنا، وتحريم خيانةِ السيِّد في أهْله، فما تعرَّض لامرأةِ العزيز، ولا أناب إِلى المُرَاودة، بل أَدْبَرَ عنها، وَفَّر منها حِكْمَةٌ خُصَّ بها، وعملٌ بما علَّمه اللَّه تعالى، وهذا يطمس وُجُوهَ الجَهَلَةِ مِنَ النَّاس والغَفَلَةِ من العلماءِ في نسْبتهم إِلى الصِّدِّيقِ ما لا يليقُ، وأقلُّ ما اقتحموا مِنْ ذلك هَتْكُ السراويلِ، والهَمُّ بالفَتْكِ فيما رَأَوْهُ من تأويلٍ، وحاشاه من ذلك، فما لهؤلاء المفسِّرين لا يكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً يقولون: فَعَلَ فَعَلَ، واللَّه تعالى إِنما قال هَمَّ بها، قال علماء الصوفيَّة: إِن فائدة قوله تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً ...
[يوسف: ٢٢] أن اللَّه عزَّ وجلَّ أعطاه العلْمَ والحكْمة بأن غلب الشهوة ليكون ذلك سبباً للعصْمَة، انتهى.
والكافُ من قوله تعالى: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ: متعلِّقةٌ بمضمرٍ، تقديره:
جَرَتْ أفعالنا وأقدارنا كذلك لنصرفَ، ويصحُّ أن تكون الكافُ في موضع رفع بتقدير
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾ الهَمُّ بِالشَّيْءِ في كَلامِ العَرَبِ: حَدِيثُ المَرْءِ نَفْسَهُ بِمُواقَعَتِهِ ما لَمْ يُواقِعْ.
فَأمّا هَمُّ أزْلِيخا، فَقالَ المُفَسِّرُونَ: دَعَتْهُ إلى نَفْسِها واسْتَلْقَتْ لَهُ.
واخْتَلَفُوا في هَمِّهِ بِها عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ مِن جِنْسِ هَمِّها، فَلَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى عَصَمَهُ لَفَعَلَ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وهو قَوْلُ عامَّةِ المُفَسِّرِينَ المُتَقَدِّمِينَ، واخْتارَهُ مِنَ المُتَأخِّرِينَ جَماعَةٌ مِنهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا يَجُوزُ في اللُّغَةِ: هَمَمْتُ بِفُلانٍ، وهَمَّ بِي، وأنْتَ تُرِيدُ: اخْتِلافَ الهَمَّيْنِ.
واحْتَجَّ مَن نَصَرَ هَذا القَوْلَ بِأنَّهُ مَذْهَبُ الأكْثَرِينَ مِنَ السَّلَفِ والعُلَماءِ الأكابِرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما سَنَذْكُرُهُ مِن أمْرِ البُرْهانِ الَّذِي رَآهُ.
قالُوا: ورُجُوعُهُ عَمّا هَمَّ بِهِ مِن ذَلِكَ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى يَمْحُو عَنْهُ سَيِّئَ الهَمِّ، ويُوجِبُ لَهُ عُلُوَّ المَنازِلِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ : «أنَّ ثَلاثَةً خَرَجُوا فَلَجَؤُوا إلى غارٍ، فانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ، فَقالُوا: لِيَذْكُرْ كُلُّ واحِدٍ مِنكم أفْضَلَ عَمَلِهِ.
فَقالَ أحَدُهم: اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ أنَّهُ كانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ فَراوَدْتُها عَنْ نَفْسِها فَأبَتْ إلّا بِمِائَةِ دِينارٍ، فَلَمّا أتَيْتُها بِها وجَلَسْتُ مِنها مَجْلِسَ الرَّجُلِ مِنَ المَرْأةِ أُرْعِدَتْ وقالَتْ: إنَّ هَذا لَعَمَلٌ ما عَمِلْتُهُ قَطُّ، فَقُمْتُ عَنْها وأعْطَيْتُها المِائَةَ الدِّينارِ، فَإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغاءَ وجْهِكَ فافْرُجْ عَنّا، فَزالَ ثُلُثُ الحَجَرِ» .
والحَدِيثُ مَعْرُوفٌ، وقَدْ ذَكَرْتُهُ في " الحَدائِقِ " فَعَلى هَذا نَقُولُ: إنَّما هَمَّتْ، فَتَرَقَّتْ هِمَّتُها إلى العَزِيمَةِ، فَصارَتْ مُصِرَّةً عَلى الزِّنا.
فَأمّا هو، فَعارَضَهُ ما يُعارِضُ البَشَرَ مِن خَطَراتِ القَلْبِ، وحَدِيثِ النَّفْسِ، مِن غَيْرِ عَزْمٍ، فَلَمْ يُلْزِمْهُ هَذا الهَمُّ ذَنْبًا، فَإنَّ الرَّجُلَ الصّالِحَ قَدْ يَخْطُرُ بِقَلْبِهِ وهو صائِمٌ شُرْبُ الماءِ البارِدِ، فَإذا لَمْ يَشْرَبْ لَمْ يُؤاخَذْ بِما هَجَسَ في نَفْسِهِ، وقَدْ قالَ : " «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَمّا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَتَكَلَّمْ أوْ تَعْمَلْ» " وقالَ " «هَلَكَ المُصِرُّونَ» "، ولَيْسَ الإصْرارُ إلّا عَزْمَ القَلْبِ، فَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَ حَدِيثِ النَّفْسِ وعَزْمِ القَلْبِ، وسُئِلَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: أيُؤاخَذُ العَبْدُ بِالهِمَّةِ ؟
فَقالَ: إذا كانَتْ عَزْمًا، ويُؤَيِّدُهُ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: " «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: إذا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ ولَمْ يَعْمَلْها لَمْ أكْتُبْها عَلَيْهِ، فَإنْ عَمِلَها كَتَبْتُها عَلَيْهِ سَيِّئَةً» " .
واحْتَجَّ القاضِي أبُو يَعْلى عَلى أنَّ هِمَّتَهُ لَمْ تَكُنْ مِن جِهَةِ العَزِيمَةِ، وإنَّما كانَتْ مِن جِهَةِ دَواعِي الشَّهْوَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي ﴾ وقَوْلِهِ ﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ ﴾ وكُلُّ ذَلِكَ إخْبارٌ بِبَراءَةِ ساحَتِهِ مِنَ العَزِيمَةِ عَلى المَعْصِيَةِ.
فَإنْ قِيلَ: فَقَدَ سَوّى القُرْآنُ بَيْنَ الهِمَّتَيْنِ، فَلِمَ فَرَّقْتُمْ ؟
فالجَوابُ: أنَّ الِاسْتِواءَ وقَعَ في بِدايَةِ الهِمَّةِ، ثُمَّ تَرَقَّتْ هِمَّتُها إلى العَزِيمَةِ، بِدَلِيلِ مُراوَدَتِها واسْتِلْقائِها بَيْنَ يَدَيْهِ، ولَمْ تَتَعَدَّ هِمَّتُهُ مَقامَها، بَلْ نَزَلَتْ عَنْ رُتْبَتِها، وانْحَلَّ مَعْقُودُها، بِدَلِيلِ هَرَبِهِ مِنها، وقَوْلِهِ: ﴿ مَعاذَ اللَّهِ ﴾ ، وعَلى هَذا تَكُونُ هِمَّتُهُ مُجَرَّدَ خاطِرٍ لَمْ يَخْرُجْ إلى العَزْمِ.
ولا يَصِحُّ ما يُرْوى عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ حَلَّ السَّراوِيلَ وقَعَدَ مِنها مَقْعَدَ الرَّجُلِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ هَذا، دَلَّ عَلى العَزْمِ، والأنْبِياءُ مَعْصُومُونَ مِنَ العَزْمِ عَلى الزِّنا.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها هَمَّتْ بِهِ أنْ يَفْتَرِشَها، وهَمَّ بِها، أيْ: تَمَنّاها أنْ تَكُونَ لَهُ زَوْجَةً، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، ولَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِها، فَلَمّا رَأى البُرْهانَ، لَمْ يَقَعْ مِنهُ الهَمُّ، فَقُدِّمَ جَوابُ " لَوْلا " عَلَيْها، كَما يُقالُ: قَدْ كُنْتَ مِنَ الهالِكِينَ، لَوْلا أنَّ فُلانًا خَلَّصَكَ، لَكُنْتَ مِنَ الهالِكِينَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَلا يَدْعُنِي قَوْمِي صَرِيحًا لِحُرَّةٍ لَئِنْ كُنْتُ مَقْتُولًا وتَسْلَمُ عامِرُ أرادَ: لَئِنْ كُنْتُ مَقْتُولًا وتَسْلَمُ عامِرُ، فَلا يَدَعُنِي قَوْمِي فَقَدَّمَ الجَوابَ.
وإلى هَذا القَوْلِ ذَهَبَ قُطْرُبٌ، وأنْكَرَهُ قَوْمٌ، مِنهُمُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وقالُوا: تَقْدِيمُ جَوابِ " لَوْلا " عَلَيْها شاذٌّ مُسْتَكْرَهٌ، لا يُوجَدُ في فَصِيحِ كَلامِ العَرَبِ.
فَأمّا البَيْتُ المُسْتَشْهَدُ بِهِ، فَمِنِ اضْطِرارِ الشُّعَراءِ، لِأنَّ الشّاعِرَ يَضِيقُ الكَلامُ بِهِ عِنْدَ اهْتِمامِهِ بِتَصْحِيحِ أجْزاءِ شِعْرِهِ، فَيَضَعُ الكَلِمَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، ويُقَدِّمُ ما حُكْمُهُ التَّأْخِيرُ، ويُؤَخِّرُ ما حُكْمُهُ التَّقْدِيمُ، ويَعْدِلُ عَنِ الِاخْتِيارِ إلى المُسْتَقْبَحِ لِلضَّرُورَةِ، قالَ الشّاعِرُ: جَزى رَبُّهُ عَنِّي عَدِيَّ بْنَ حاتِمِ ؎ بِتَرْكِي وخِذْلانِي جَزاءً مُوَفَّرا تَقْدِيرُهُ: جَزى عَنِّي عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ رَبُّهُ، فاضْطُرَّ إلى تَقْدِيمِ الرَّبِّ، وقالَ الآخَرُ: لَمّا جَفا إخْوانُهُ مُصْعَبا ∗∗∗ أدّى بِذاكَ البَيْعِ صاعًا بِصاعِ أرادَ: لَمّا جَفا مُصْعَبًا إخْوانُهُ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ: طَلَبًا لِعُرْفِكَ يا ابْنَ يَحْيى بَعْدَما ∗∗∗ تَتَقَطَّعَتْ بِي دُونَكَ الأسْبابُ فَزادَ تاءً عَلى " تَقَطَّعَتْ " لا أصْلَ لَها لِيُصْلِحَ وزْنَ شِعْرِهِ، وأنْشَدَ ثَعْلَبُ: إنَّ شَكْلِي وإنَّ شَكْلَكِ شَتّى ∗∗∗ فالزَمِي الخَفْضَ وانْعَمِي تَبْيَضِّضِي فَزادَ ضادًا لا أصْلَ لَها لِتَكْمُلَ أجْزاءُ البَيْتِ، وقالَ الفَرَزْدَقُ: هُما تَفَلا في فِيَّ مِن فَمَوَيْهِما ∗∗∗ عَلى النّابِحِ العاوِي أشُدُّ لِجامِيا فَزادَ واوًا بَعْدَ المِيمِ لِيُصْلِحَ شِعْرَهُ.
ومِثْلُ هَذِهِ الأشْياءِ لا يُحْمَلُ عَلَيْها كِتابُ اللَّهِ النّازِلُ بِالفَصاحَةِ، لِأنَّها مِن ضَرُوراتِ الشُّعَراءِ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّهُ هَمَّ أنْ يَضْرِبَها ويَدْفَعَها عَنْ نَفْسِهِ، فَكانَ البُرْهانُ الَّذِي رَآهُ مِن رَبِّهِ أنَّ اللَّهَ أوْقَعَ في نَفْسِهِ إنْ ضَرَبَها كانَ ضَرْبُهُ إيّاها حُجَّةً عَلَيْهِ، لِأنَّها تَقُولُ: راوَدَنِي فَمَنَعْتُهُ فَضَرَبَنِي، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والقَوْلُ الخامِسُ: أنَّهُ هَمَّ بِالفِرارِ مِنها، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ، وهو قَوْلٌ مَرْذُولٌ، أفَتَراهُ أرادَ الفِرارَ مِنها، فَلَمّا رَأى البُرْهانَ، أقامَ عِنْدَها ؟
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: كانَ هَمُّ يُوسُفَ خَطِيئَةً مِنَ الصَّغائِرِ الجائِزَةِ عَلى الأنْبِياءِ، وإنَّما ابْتَلاهم بِذَلِكَ لِيَكُونُوا عَلى خَوْفٍ مِنهُ، ولِيُعَرِّفَهم مَواقِعَ نِعْمَتِهِ في الصَّفْحِ عَنْهم.
ولِيَجْعَلَهم أئِمَّةً لِأهْلِ الذُّنُوبِ في رَجاءِ الرَّحْمَةِ.
قالَ الحَسَنُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقْصُصْ عَلَيْكم ذُنُوبَ الأنْبِياءِ تَعْيِيرًا لَهم، ولَكِنْ لِئَلّا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَتِهِ.
يَعْنِي الحَسَنُ: أنَّ الحُجَّةَ لِلْأنْبِياءِ ألْزَمُ، فَإذا قَبِلَ التَّوْبَةَ مِنهم، كانَ إلى قَبُولِها مِنكم أسْرَعَ.
ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: " «ما مِن أحَدٍ يَلْقى اللَّهَ تَعالى إلّا وقَدْ هَمَّ بِخَطِيئَةٍ أوْ عَمِلَها، إلّا يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا، فَإنَّهُ لَمْ يَهِمَّ ولَمْ يَعْمَلْها» " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ﴾ جَوابُ " لَوْلا " مَحْذُوفٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَأمْضى ما هَمَّ بِهِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَزَنا، فَلَمّا رَأى البُرْهانَ كانَ سَبَبَ انْصِرافِ الزِّنا عَنْهُ.
وَفِي البُرْهانِ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ مُثِّلَ لَهُ يَعْقُوبُ.
رَوى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نُودِيَ يا يُوسُفُ، أتَزْنِي فَتَكُونَ مِثْلَ الطّائِرِ الَّذِي نُتِفَ رِيشُهُ فَذَهَبَ يَطِيرُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ ؟
فَلَمْ يُعْطِ عَلى النِّداءِ شَيْئًا، فَنُودِيَ الثّانِيَةَ، فَلَمْ يُعْطِ عَلى النِّداءِ شَيْئًا، فَتَمَثَّلَ لَهُ يَعْقُوبُ فَضَرَبَ صَدْرَهُ، فَقامَ، فَخَرَجَتْ شَهْوَتُهُ مِن أنامِلِهِ.
ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: رَأى صُورَةَ أبِيهِ يَعْقُوبَ في وسَطِ البَيْتِ عاضًّا عَلى أنامِلِهِ، فَأدْبَرَ هارِبًا، وقالَ: وحَقِّكَ يا أبَتِ لا أعُودُ أبَدًا.
وقالَ: أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: رَأى مِثالَ يَعْقُوبَ في الحائِطِ عاضًّا عَلى شَفَتَيْهِ.
وقالَ الحَسَنُ: مُثِّلَ لَهُ جِبْرِيلُ في صُورَةِ يَعْقُوبَ في سَقْفِ البَيْتِ عاضًّا عَلى إبْهامِهِ أوْ بَعْضِ أصابِعِهِ.
وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، والضَّحّاكُ في آخَرِينَ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: كُلُّ ولَدِ يَعْقُوبَ قَدْ وُلِدَ لَهُ اثْنا عَشَرَ ولَدًا، إلّا يُوسُفَ فَإنَّهُ وُلِدَ لَهُ أحَدَ عَشَرَ ولَدًا، فَنُقِصَ بِتِلْكَ الشَّهْوَةِ ولَدًا.
والثّانِي: أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
رَوى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مُثِّلَ لَهُ يَعْقُوبُ فَلَمْ يَزْدَجِرْ، فَنُودِيَ: أتَزْنِي فَتَكُونَ مِثْلَ الطّائِرِ نُتِفَ رِيشُهُ ؟!
فَلَمْ يَزْدَجِرْ حَتّى رَكَضَهُ جِبْرِيلُ في ظَهْرِهِ، فَوَثَبَ.
والثّالِثُ: أنَّها قامَتْ إلى صَنَمٍ في زاوِيَةِ البَيْتِ فَسَتَرَتْهُ بِثَوْبٍ، فَقالَ لَها يُوسُفُ: أيَّ شَيْءٍ تَصْنَعِينَ ؟
قالَتْ: أسْتَحِي مِن إلَهِي هَذا أنْ يَرانِي عَلى هَذِهِ السَّوْأةِ، فَقالَ: أتَسْتَحِينَ مِن صَنَمٍ لا يَعْقِلُ ولا يَسْمَعُ، ولا أسْتَحِي مِن إلَهِي القائِمِ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ؟
فَهو البُرْهانُ الَّذِي رَأى، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، والضَّحّاكُ.
والرّابِعُ: أنَّ اللَّهَ بَعَثَ إلَيْهِ مَلَكًا، فَكَتَبَ في وجْهِ المَرْأةِ بِالدَّمِ: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلا ﴾ قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
ورُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: أنَّهُ رَأى هَذِهِ الآيَةَ مَكْتُوبَةً بَيْنَ عَيْنَيْها، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ، أنَّهُ رَآها مَكْتُوبَةً في الحائِطِ.
ورَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَدَتْ فِيما بَيْنَهُما كَفٌّ لَيْسَ فِيها عَضُدٌ ولا مِعْصَمٌ، وفِيها مَكْتُوبٌ ﴿ وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلا ﴾ ، فَقامَ هارِبًا، وقامَتْ، فَلَمّا ذَهَبَ عَنْها الرُّعْبُ عادَتْ وعادَ، فَلَمّا قَعَدَ إذا بِكَفٍّ قَدْ بَدَتْ فِيما بَيْنَهُما فِيها مَكْتُوبٌ ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ﴾ ، فَقامَ هارِبًا، فَلَمّا عادَ، قالَ اللَّهُ تَعالى لِجِبْرَئِيلَ: أدْرِكْ عَبْدِي قَبْلَ أنْ يُصِيبَ الخَطِيئَةَ، فانْحَطَّ جِبْرِيلُ عاضًّا عَلى كَفِّهِ أوْ أُصْبُعِهِ وهو يَقُولُ: يا يُوسُفُ، أتَعْمَلُ عَمَلَ السُّفَهاءِ وأنْتَ مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ في الأنْبِياءِ ؟!
وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: ظَهَرَتْ تِلْكَ الكَفُّ وعَلَيْها مَكْتُوبٌ بِالعِبْرانِيَّةِ ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ﴾ ، فانْصَرَفا، فَلَمّا عادا عادَتْ وعَلَيْها مَكْتُوبٌ ﴿ وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ ﴾ ﴿ كِرامًا كاتِبِينَ ﴾ ، فانْصَرَفا، فَلَمّا عادا عادَتْ وعَلَيْها مَكْتُوبٌ ﴿ وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا ﴾ .
.
.
" الآيَةُ، فَعادَ، فَعادَتِ الرّابِعَةُ وعَلَيْها مَكْتُوبٌ " ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ﴾ ، فَوَلّى يُوسُف هارِبًا.
الخامِسُ: أنَّهُ سَيِّدُهُ العَزِيزُ دَنا مِنَ البابِ، رَواهُ ابْنُ إسْحاقَ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: يُقالُ: إنَّ البُرْهانَ خَيالُ سَيِّدِهِ، رَآهُ عِنْدَ البابِ فَهَرَبَ.
والسّادِسُ: أنَّ البُرْهانَ أنَّهُ عَلِمَ ما أحَلَّ اللَّهُ مِمّا حَرَّمَ اللَّهُ، فَرَأى تَحْرِيمَ الزِّنا، رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: رَأى حُجَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وهي البُرْهانُ، وهَذا هو القَوْلُ الصَّحِيحُ، وما تَقَدَّمَهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وإنَّما هي أحادِيثُ مِن أعْمالِ القُصّاصِ، وقَدْ أشَرْتُ إلى فَسادِها في كِتابِ " المُغْنِي في التَّفْسِيرِ " .
وَكَيْفَ يُظَنُّ بِنَبِيٍّ لِلَّهِ كَرِيمٍ أنَّهُ يُخَوَّفُ ويُرْعَبُ ويُضْطَرُّ إلى تَرْكِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ وهو مُصِرٌّ ؟!
هَذا غايَةُ القُبْحِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ: كَذَلِكَ أرَيْناهُ البُرْهانَ ﴿ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ ﴾ وهو خِيانَةُ صاحِبِهِ ﴿ والفَحْشاءَ ﴾ رُكُوبَ الفاحِشَةِ ﴿ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِكَسْرِ اللّامِ، والمَعْنى: إنَّهُ مِن عِبادِنا الَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ اللّامِ، أرادُوا مِنَ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ مِنَ الأسْواءِ والفَواحِشِ.
وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ يَقُولُ: السُّوءُ: الزِّنى، والفَحْشاءُ: المَعاصِي.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عن نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللهِ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عنهُ السُوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ ﴾ ﴿ واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابَ قالَتْ ما جَزاءُ مِن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلا أنْ يُسْجَنَ أو عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ المُراوَدَةُ: المُلاطَفَةُ في السُوقِ إلى غَرَضٍ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ هَذِهِ اللَفْظَةِ إنَّما هو في هَذا المَعْنى الَّذِي هو بَيْنَ الرِجالِ والنِساءِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مِن "رادَ يَرُودُ" إذا تَقَدَّمَ لِاخْتِبارِ الأرْضِ والمَراعِي، فَكَأنَّ المُراوِدَ يَخْتَبِرُ أبَدًا بِأقْوالِهِ وتَلَطُّفِهِ حالَ المُراوَدِ مِنَ الإجابَةِ أوِ الِامْتِناعِ.
وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَقَرَعَتِ الأبْوابَ"، وكَذَلِكَ رُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، والَّتِي هو في بَيْتِها هي زُلَيْخا امْرَأةُ العَزِيزِ، وقَوْلُهُ: "عن نَفْسِهِ" كِنايَةٌ عن غَرَضِ المُواقَعَةِ، وقَوْلُهُ: "وَغَلَّقَتِ" تَضْعِيفُ مُبالَغَةٍ لا تَعْدِيَةٍ.
وظاهِرُ هَذِهِ النازِلَةِ أنَّها كانَتْ قَبْلَ أنْ يُنَبَّأ عَلَيْهِ السَلامُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ مَكَّةَ: "هَيْتُ" بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ الياءِ وضَمِّ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو الأسْوَدِ، وعِيسى بِفَتْحِ الهاءِ وكَسْرِ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، والبَصْرِيُّونَ: "هَيْتَ" بِفَتْحِ الهاءِ والتاءِ وسُكُونِ الياءِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وأبِي عَمْرٍو، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَعْرِفُ أهْلُ البَصْرَةِ غَيْرَها، وهم أقَلُّ الناسِ غُلُوًّا في القِراءَةِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وقَدْ رُوِيَتْ عن رَسُولِ اللهِ ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "هِيتَ" بِكَسْرِ الهاءِ، وسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ التاءِ وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وهَذِهِ الأرْبَعُ بِمَعْنًى واحِدٍ واخْتَلَفَتْ بِاخْتِلافِ اللُغاتِ فِيها، وَمَعْناهُ: الدُعاءُ، أيْ: تَعالَ وأقْبِلْ عَلى هَذا الأمْرِ، قالَ الحَسَنُ: مَعْناها: هَلُمَّ، ويَحْسُنُ أنْ تَتَّصِلَ بِها "لَكَ" إذْ حَلَّتْ مَحَلَّ قَوْلِها: إقْبالًا أو قُرْبًا، فَجَرَتْ مَجْرى "سَقْيًا لَكَ ورَعْيًا لَكَ"، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ يُخاطِبُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أبْلِغْ أمِيرَ المُؤْمِنِيـ......
ـنَ أخا العِراقِ إذا أتَيْنا إنَّ العِراقَ وأهْلَهَ ∗∗∗ ∗∗∗ عُنُقٌ إلَيْكَ فَهَيْتَ هَيْتًا ومِن ذَلِكَ عَلى اللُغَةِ الأُخْرى قَوْلُ طُرْفَةَ: لَيْسَ قَوْمِي بِالأبْعَدِينَ إذا ما ∗∗∗ ∗∗∗ قالَ داعٍ مِنَ العَشِيرَةِ هَيْتُ ومِن ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُ الشاعِرِ: قَدْ رابَنِي أنَّ الكِرى أسْكَتا ∗∗∗ ∗∗∗ ولَوْ غَدا يُعْنى بِنا لَهَيَّتا أسْكَتَ: دَخَلَ في السُكُوتِ، و "هَيَّتَ" مَعْناهُ: قالَ: هَيْتَ، كَما قالُوا: أفَّفَ إذا قالَ: أُفٍّ أُفٍّ، ومِنهُ: سَبَّحَ وكَبَّرَ ودَعْدَعَ إذا قالَ: داعَ داعَ.
والتاءُ عَلى هَذِهِ اللُغاتِ كُلِّها مَبْنِيَّةٌ، فَهي في حالِ الرَفْعِ مِثْلَ قَبْلُ وبَعْدُ، وفي الكَسْرِ عَلى البابِ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، وفي حالِ النَصْبِ كَكَيْفَ ونَحْوِها قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: و"هَيْتَ" لا تُثَنّى ولا تُجْمَعُ، تَقُولُ العَرَبُ: هَيْتَ لَكَ، وهَيْتَ لَكُما، وهَيْتَ لَكم.
وقَرَأ هِشامُ ابْنُ عامِرٍ: "هِئِتُ" بِكَسْرِ الهاءِ والهَمْزِ وضَمِّ التاءِ.
وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وأبِي وائِلٍ، وأبِي رَجاءَ، ويَحْيى، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن: "هاءَ الرَجُلُ يَهِيءُ" إذا أحْسَنَ هَيْئَتَهُ عَلى مِثالِ: "جاءَ يَجِيءُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: تَهَيَّأْتُ، كَما يُقالُ: "فِئْتُ وتَفَيَّأْتُ" بِمَعْنىً واحِدٍ، قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ ﴾ ، وقالَ: ﴿ حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللهِ ﴾ .
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ أيْضًا هَكَذا إلّا أنَّهُ سَهَّلَ الهَمْزَةَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "هُيِّئْتُ لَكَ"، وقَرَأ الحُلْوانِيُّ عن هِشامٍ: "هِئِتَ" بِكَسْرِ الهاءِ والهَمْزِ وفَتْحِ التاءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ظاهِرٌ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ وهْمٌ، لِأنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ تَقُولَ: "هِئِتَ لِي" وسِياقُ الآياتِ يُخالِفُ هَذا، وحَكى النَحّاسُ أنَّهُ يَقْرَأُ: "هِيتِ" بِكَسْرِ الهاءِ وسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ التاءِ.
و"مَعاذَ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، ومَعْنى الكَلامِ: أعُوذُ بِاللهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ إنَّهُ رَبِّي ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "إنَّهُ" عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ العَزِيزَ سَيِّدَهُ، أيْ: فَلا يَصْلُحُ لِي أنْ أخُونَهُ وقَدْ أكْرَمَ مَثْوايَ وائْتَمَنَنِي.
قالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُ: "رَبِّي" مَعْناهُ: سَيِّدِي، وقالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإذا حَفِظَ الآدَمِيَّ لِإحْسانِهِ فَهو عَمَلٌ زاكٍ وأحْرى أنْ يَحْفَظَ رَبَّهُ.
وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلْأمْرِ والشَأْنِ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ: ﴿ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ ﴾ .
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ إنَّهُ لا يُفْلِحُ ﴾ مُرادٌ بِهِ الأمْرُ والشَأْنُ فَقَطْ.
وحَكى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا قالَ: ﴿ مَعاذَ اللهِ ﴾ ثُمَّ دافَعَ الأمْرَ بِاحْتِجاجٍ ومُلايَنَةٍ امْتَحَنَهُ اللهُ تَعالى بِالهَمِّ بِما هَمَّ بِهِ، ولَوْ قالَ: "لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ" ودافَعَ بِعُنْفٍ، وبِغَيْرِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ما ابْتُلِيَ بِالمَكْرُوهِ.
وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "مَثْوَيَّ"، وكَذا قَرَأها أبُو طُفَيْلٍ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ : ﴿ فَمَن تَبِعَ هُدايَ ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾ الآيَةُ.
لا شَكَّ أنَّ هَمَّ زُلَيْخا كانَ في أنْ يُواقِعَها يُوسُفُ، واخْتُلِفَ في هَمِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ؛ فَقالَ الطَبَرِيُّ: قالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ مِثْلَ هَمِّها، واخْتَلَفُوا كَيْفَ يَقَعُ مِن مِثْلِ يُوسُفَ وهو نَبِيُّ؟
فَقِيلَ: ذَلِكَ لِيُرِيَهُ اللهُ تَعالى مَوْقِعَ العَفْوَ والكِفايَةَ، وقِيلَ: الحِكْمَةُ في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مِثالًا لِلْمُذْنِبِينَ لِيَرَوْا أنَّ تَوْبَتَهم تَرْجِعُ بِهِمْ إلى عَفْوِ اللهِ كَما رَجَعَتْ بِمَن هو خَيْرٌ مِنهم ولَمْ يُوبِقْهُ القُرْبُ مِنَ الذَنْبِ، وذَلِكَ كُلُّهُ عَلى أنَّ هَمَّ يُوسُفَ بَلَغَ -فِيما رَوَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ- إلى أنْ جَلَسَ بَيْنَ رِجْلَيْ زُلَيْخا وأخَذَ في حَلِّ ثِيابِهِ وتِكَّتِهِ ونَحْوِ هَذا، وهي قَدِ اسْتَلْقَتْ لَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ مِنَ السَلَفِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ في هَمِّهِ: إنَّما كانَ بِخَطِراتِ القَلْبِ الَّتِي لا يَقْدِرُ البَشَرُ عَلى التَحَفُّظِ مِنها، ونَزَعَ عِنْدَ ذَلِكَ ولَمْ يَتَجاوَزْهُ، فَلا يَبْعُدُ هَذا عَلى مِثْلِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ مَن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ ولَمْ يَعْمَلْها فَلَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ"،» وفي حَدِيثٍ آخَرَ "حَسَنَةٌ"، فَقَدْ يَدْخُلُ يُوسُفُ في هَذا الصِنْفِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ هَمُّ يُوسُفَ بِضَرْبِها ونَحْوِ ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ البَتَّةَ.
والَّذِي أقُولُ: في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ كَوْنَ يُوسُفَ نَبِيًّا في وقْتِ هَذِهِ النازِلَةِ لَمْ يَصِحْ ولا تَظاهَرَتْ بِهِ رِوايَةٌ، وإذا كانَ ذَلِكَ فَهو مُؤْمِنٌ قَدْ أُوتِيَ حُكْمًا وعِلْمًا ويَجُوزُ عَلَيْهِ الهَمُّ الَّذِي هو إرادَةُ الشَيْءِ دُونَ مُواقَعَتِهِ، وأنْ يَسْتَصْحِبَ الخاطِرَ الرَدِيءَ عَلى ما في ذَلِكَ مِنَ الخَطِيئَةِ، وإنْ فَرَضْناهُ نَبِيًّا في ذَلِكَ الوَقْتِ فَلا يَجُوزُ عَلَيْهِ عِنْدِي إلّا الهَمُّ الَّذِي هو الخاطِرُ، ولا يَصِحُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا ذُكِرَ مِن حَلِّ تِكَّةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ العِصْمَةَ مَعَ النُبُوَّةِ، وما رُوِيَ مِن أنَّهُ قِيلَ لَهُ: "تَكُونُ في دِيوانِ الأنْبِياءِ وتَفْعَلُ فِعْلَ السُفَهاءِ؟!" فَإنَّما مَعْناهُ العِدَةُ بِالنُبُوَّةِ فِيما بَعْدُ، ولِلْهَمِّ بِالشَيْءِ مَرْتَبَتانِ: فالأُولى تَجُوزُ عَلَيْهِ مَعَ النُبُوَّةِ، والثانِيَةُ الكُبْرى لا تَقَعُ إلّا مِن غَيْرِ نَبِيٍّ؛ لِأنَّ اسْتِصْحابَ خاطِرِ المَعْصِيَةِ والتَلَذُّذُ بِهِ مَعْصِيَةٌ في نَفْسِها تُكْتَبُ، وقَوْلُ النَبِيِّ : « "إنَّ اللهَ تَجاوَزَ لِأُمَّتِي ما حَدَّثَتْ بِهِ نُفُوسُهم ما لَمْ تَنْطِقْ بِهِ أو تَعْمَلْ"» مَعْناهُ: مِنَ الخَواطِرِ، وأمّا اسْتِصْحابُ الخاطِرِ فَمُحالٌ أنْ يَكُونَ مُباحًا، فَإنْ وقَعَ فَهو خَطِيئَةٌ مِنَ الخَطايا، لَكِنَّهُ لَيْسَ كَمُواقَعَةِ المَعْصِيَةِ الَّتِي فِيها الخاطِرُ، ومِمّا يُؤَيِّدُ أنَّ اسْتِصْحابَ الخاطِرِ مَعْصِيَةٌ قَوْلُ النَبِيِّ : « "إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ"،» وقَوْلُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ إنَّ بَعْضَ الظَنِّ إثْمٌ ﴾ ، وهَذا مُنْتَزَعٌ مِن غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الشَرْعِ، والإجْماعُ مُنْعَقِدٌ أنَّ الهَمَّ بِالمَعْصِيَةِ واسْتِصْحابَ التَلَذُّذِ بِها غَيْرُ جائِزٍ ولا داخِلٍ في التَجاوُزِ.
واخْتُلِفَ في البُرْهانِ الَّذِي رَأى يُوسُفُ، وقِيلَ: نُودِيَ.
واخْتُلِفَ فِيما نُودِيَ بِهِ فَقِيلَ: ناداهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ: يا يُوسُفُ، تَكُونُ في دِيوانِ الأنْبِياءِ وتَفْعَلُ فِعْلَ السُفَهاءِ؟!
وقِيلَ: نُودِيَ: يا يُوسُفُ، لا تُواقِعِ المَعْصِيَةَ فَتَكُونَ كالطائِرِ الَّذِي عَصى فَتَساقَطَ رِيشُهُ فَبَقِيَ مُلْقًى، ناداهُ بِذَلِكَ يَعْقُوبُ، وقِيلَ: غَيْرُ هَذا مِمّا في مَعْناهُ.
وقِيلَ: كانَ البُرْهانُ كِتابًا رَآهُ مَكْتُوبًا، فَقِيلَ: في جِدارِ المَجْلِسِ الَّذِي كانَ فِيهِ، وقِيلَ: بَيْنَ عَيْنَيْ زُلَيْخا، وقِيلَ: في كَفٍّ مِنَ الأرْضِ خَرَجَتْ دُونَ جَسَدٍ، واخْتُلِفَ في المَكْتُوبِ؛ فَقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ﴾ ، وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا الزِنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلا ﴾ ، وقِيلَ: غَيْرُ هَذا.
وقِيلَ: كانَ البُرْهانُ أنْ رَأى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ مُمَثَّلًا مَعَهُ في البَيْتِ عاضًّا عَلى إبْهامِهِ، وقِيلَ: عَلى شَفَتِهِ، وقِيلَ: بَلِ انْفَرَجَ السَقْفُ فَرَآهُ كَذَلِكَ.
وقِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهُ: لَئِنْ واقَعْتَ المَعْصِيَةَ لَأمْحُوَنَّكَ مِن دِيوانِ النُبُوَّةِ.
وقِيلَ: إنْ جِبْرِيلَ رَكَضَهُ بِرِجْلِهِ فَخَرَجَتْ شَهْوَتُهُ عَلى أنامِلِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.
وقِيلَ: بَلْ كانَ البُرْهانُ فِكْرَتَهُ في عَذابِ اللهِ ووَعِيدِهِ عَلى المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: بَلْ كانَ البُرْهانُ الَّذِي اتَّعَظَ بِهِ أنَّ زُلَيْخا قالَتْ لَهُ: مَكانَكَ حَتّى أسْتُرَ هَذا الصَنَمَ -لِصَنَمٍ كانَ مَعَها في البَيْتِ- فَإنِّي أسْتَحْيِي مِنهُ أنْ يَرانِي عَلى هَذِهِ الحالِ، وقامَتْ إلَيْهِ فَسَتَرَتْهُ بِثَوْبٍ، فاتَّعَظَ يُوسُفُ وقالَ: مَن يَسْتُرُنِي أنا مِنَ اللهِ القائِمِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ؟!
وإذا كُنْتِ أنْتِ تَفْعَلِينَ هَذا لِما لا يَعْقِلُ فَإنِّي أولى أنْ أسْتَحْيِيَ مِنَ اللهِ.
والبُرْهانُ في كَلامِ العَرَبِ: الشَيْءُ الَّذِي يُعْطِي القَطْعَ واليَقِينَ لِأنَّهُ مِمّا يُعْلَمُ ضَرُورَةً أو بِخَبَرٍ قَطْعِيٍّ أو بِقِياسٍ نَظَرِيٍّ، فَهَذِهِ الَّتِي رُوِيَتْ فِيما رَآهُ يُوسُفُ بَراهِينُ.
و"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْلا أنْ رَأى ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، التَقْدِيرُ: لَوْلا رُؤْيَتُهُ بُرْهانَ رَبِّهِ، وهَذِهِ "لَوْلا" الَّتِي يُحْذَفُ مَعَها الخَبَرُ، تَقْدِيرُهُ: لَفَعَلَ أو لارْتَكَبَ المَعْصِيَةَ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ﴾ ، وأنَّ جَوابَ "لَوْلا" في قَوْلِهِ: ﴿ وَهَمَّ بِها ﴾ ، وأنَّ المَعْنى: لَوْلا أنْ رَأى البُرْهانَ لَهَمَّ، أيْ: فَلَمْ يَهُمَّ عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذا قَوْلٌ يَرُدُّهُ لِسانُ العَرَبِ وأقْوالُ السَلَفِ، قالَ الزَجّاجُ: ولَوْ كانَ الكَلامُ: "وَلَهَمَّ بِها لَوْلا" لَكانَ بَعِيدًا، فَكَيْفَ مَعَ سُقُوطِ اللامِ؟
والكافُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: جَرَتْ أفْعالُنا وأقْدارُنا كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِتَقْدِيرِ: عِصْمَتُنا لَهُ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِنَصْرِفَ" بِالنُونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "لِيَصْرِفَ" بِالياءِ عَلى الحِكايَةِ عَنِ الغائِبِ.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو رَجاءٍ: "المُخْلِصِينَ" بِكَسْرِ اللامِ في كُلِّ القُرْآنِ، وكَذَلِكَ "مُخْلِصًا" في سُورَةِ مَرْيَمَ، وقَرَأ نافِعٌ "مُخْلِصًا" كَذَلِكَ بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ سائِرَ القُرْآنِ "المُخَلَصِينَ" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وجُمْهُورٌ مِنَ القُرّاءِ "المُخْلَصِينَ" بِفَتْحِ اللامِ، و”مُخْلَصًا" كَذَلِكَ في كُلِّ القُرْآنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْتَبَقا البابَ ﴾ الآيَةُ.
"واسْتَبَقا" مَعْناهُ: سابَقَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ إلى البابِ؛ هي لِتَرُدَّهُ إلى نَفْسِها، وهو لِيَهْرُبَ عنها، فَقَبَضَتْ في أعْلى قَمِيصِهِ مِن خَلْفِهِ، فَتَخَرَّقَ القَمِيصُ عِنْدَ طَوْقِهِ، ونَزَلَ التَخْرِيقُ إلى أسْفَلِ القَمِيصِ و”القَدُّ": القَطْعُ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ فِيما كانَ طُولًا، والقَطُّ يُسْتَعْمَلُ فِيما كانَ عَرْضًا، وكَذَلِكَ هي اللَفْظَةُ في قَوْلِ النابِغَةِ: تَقُدُّ السَلُوقِيَّ ∗∗∗..........
[...................
فَإنَّ قَوْلَهُ: "تُوقِدُ بِالصُفّاحِ" يَقْتَضِي أنَّ القَطْعَ بِالطُولِ.
و”ألْفَيا": وجَدا، والسَيِّدُ: الزَوْجُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، ومُجاهِدٌ.
فَيُرْوى أنَّهُما وجَدا العَزِيزَ ورَجُلًا مِن قَرابَةِ زُلَيْخا عِنْدَ البابِ الَّذِي اسْتَبَقا إلَيْهِ، قالَهُ السُدِّيُّ، فَلَمّا رَأتِ الفَضِيحَةَ فَزِعَتْ إلى مُطالَبَةِ يُوسُفَ والبَغْيِ عَلَيْهِ، فَأرَتِ العَزِيزَ أنْ يُوسُفَ أرادَها، وقالَتْ: ﴿ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلا أنْ يُسْجَنَ أو عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ وتَكَلَّمَتْ في الجَزاءِ، أيْ أنَّ الذَنْبَ ثابِتٌ مُتَقَرِّرٌ.
وَهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي تَعْظِيمَ مَوْقِعِ السِجْنِ مِنَ النُفُوسِ لا سِيَّما بِذَوِي الأقْدارِ؛ إذْ قَدْ قُرِنَ بِألِيمِ العَذابِ.
<div class="verse-tafsir"
هذا إخبار عن اصطفاء يوسف عليه السّلام للنبوءة.
ذكر هنا في ذكر مبدأ حلوله بمصر لمناسبة ذكر منّة الله عليه بتمكينه في الأرض وتعليمه تأويل الأحاديث.
والأشدُّ: القوة.
وفسر ببلوغه ما بين خمس وثلاثين سنة إلى أربعين.
والحكم والحكمة مترادفان، وهو: علم حقائق الأشياء والعمل بالصالح واجتناب ضده.
وأريد به هنا النبوءة كما في قوله تعالى في ذكر داود وسليمان عليهما السّلام ﴿ وكلاً آتينا حكماً وعلماً ﴾ [سورة الأنبياء: 79].
والمراد بالعلم علم زائد على النبوءة.
وتنكير علماً } للنوعية، أو للتعظيم.
والمراد: علم تعبير الرؤيا، كما سيأتي في قوله تعالى عنه: ﴿ ذلكما ممّا علّمني ربي ﴾ [سورة يوسف: 37].
وقال فخر الدين: الحكم: الحكمةُ العملية لأنها حكمٌ على هدى النفس.
والعلمُ: الحكمةُ النظرية.
والقول في وكذلك نجزي المحسنين } كالقول في نظيره، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً ﴾ في سورة البقرة (143).
وفي ذكر المحسنين} إيماء إلى أنّ إحسانه هو سبب جزائه بتلك النعمة.
وفي هذا الذي دبّره الله تعالى تصريح بآية من الآيات التي كانت في يوسف عليه السّلام وإخوته.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ﴾ أمّا هَمُّها بِهِ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ هَمَّ شَهْوَةٍ.
الثّانِي: أنَّها اسْتَلْقَتْ لَهُ وتَهَيَّأتْ لِمُواقَعَتِهِ.
وَأمّا هَمُّهُ بِها فَفِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ هَمَّ بِها أنْ يَضْرِبَها حِينَ راوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ ولَمْ يَهُمَّ بِمُواقَعَتِها قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ كَلامٌ تامٌّ قَدِ انْتَهى، ثُمَّ ابْتَدَأ الخَبَرُ عَنْ يُوسُفَ فَقالَ ﴿ وَهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ﴾ ومَعْنى الكَلامِ: لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِها، قالَهُ قُطْرُبٌ.
الثّالِثُ: أنَّ هَمَّها كانَ شَهْوَةً، وهَمَّهُ كانَ عِفَّةً.
الرّابِعُ: أنَّ هَمَّهُ بِها لَمْ يَكُنْ عَزْمًا وإرادَةً وإنَّما كانَ تَمْثِيلًا بَيْنَ الفِعْلِ والتَّرْكِ، ولا حَرَجَ في حَدِيثِ النَّفْسِ إذا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ عَزْمٌ ولا فِعْلٌ، وأصْلُ الهَمِّ حَدِيثُ النَّفْسِ حَتّى يَظْهَرَ فَيَصِيرُ فِعْلًا، ومِنهُ قَوْلُ جَمِيلٍ: هَمَمْتُ بِهَمٍّ مِن بُثَيْنَةَ لَوْ بَدا شَفَيْتُ غَلِيلاتِ الهَوى مِن فُؤادِيا الخامِسُ: أنَّ هَمَّهُ كانَ حَرَكَةَ الطِّباعِ الَّتِي في قُلُوبِ الرِّجالِ مِن شَهْوَةِ النِّساءِ وإنْ كانَ قاهِرًا لَهُ، وهو مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.
السّادِسُ: أنَّهُ هَمَّ بِمُواقَعَتِها وعَزَمَ عَلَيْهِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وحَلَّ الهِمْيانَ يَعْنِي السَّراوِيلَ وجَلَسَ بَيْنَ رِجْلَيْها مَجْلِسَ الرَّجُلِ مِنَ المَرْأةِ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.
فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُوصَفَ يُوسُفُ بِمِثْلِ هَذا الفِعْلِ وهو نَبِيُّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؟
قِيلَ: هي مِنهُ مَعْصِيَةٌ، وفي مَعاصِي الأنْبِياءِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ ابْتَلاهُ اللَّهُ بِخَطِيئَةٍ إنَّما ابْتَلاهُ لِيَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى وجَلٍ إذا ذَكَرَها فَيَجِدُّ في طاعَتِهِ إشْفاقًا مِنها ولا يَتَّكِلُ عَلى سَعَةِ عَفْوِهِ ورَحْمَتِهِ.
الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى ابْتَلاهم بِذَلِكَ لِيُعَرِّفَهم مَوْقِعَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِصَفْحِهِ عَنْهم وتَرْكِ عُقُوبَتِهِمْ في الآخِرَةِ عَلى مَعْصِيَتِهِمْ.
الثّالِثُ: أنَّهُ ابْتَلاهم بِذَلِكَ لِيَجْعَلَهم أئِمَّةً لِأهْلِ الذُّنُوبِ في رَجاءِ رَحْمَةِ اللَّهِ وتَرْكِ الإياسِ في عَفْوِهِ عَنْهم إذا تابُوا.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ﴾ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ بُرْهانَ رَبِّهِ الَّذِي رَآهُ أنْ نُودِيَ بِالنَّهْيِ عَنْ مُواقَعَةِ الخَطِيئَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نُودِيَ أيِ ابْنَ يَعْقُوبَ تَزْنِي فَيَكُونَ مِثْلُكَ مِثْلَ طائِرٍ سَقَطَ رِيشُهُ فَذَهَبَ يَطِيرُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ.
الثّانِي: أنَّهُ رَأى صُورَةَ يَعْقُوبَ وهو يَقُولُ: يا يُوسُفُ أتَهُمُّ بِفِعْلِ السُّفَهاءِ وأنْتَ مَكْتُوبٌ في الأنْبِياءِ؟
فَخَرَجَتْ شَهْوَتُهُ مِن أنامِلِهِ، قالَهُ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قالَ مُجاهِدٌ: فَوُلِدَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن أوْلادِ يَعْقُوبَ اثْنا عَشَرَ ذَكَرًا إلّا يُوسُفَ فَلَمْ يُولَدْ لَهُ إلّا غُلامانِ ونَقَصَ بِتِلْكَ الشَّهْوَةِ ولَدُهُ.
الثّالِثُ: أنَّ البُرْهانَ الَّذِي رَآهُ ما أوْعَدَ اللَّهُ تَعالى عَلى الزِّنا، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: رَأى كِتابًا عَلى الحائِطِ: ﴿ وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلا ﴾ .
الرّابِعُ: أنَّ البُرْهانَ الَّذِي رَآهُ المَلِكُ إظْفِيرُ سَيِّدُهُ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
الخامِسُ: أنَّ البُرْهانَ الَّذِي رَآهُ هو ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِن آدابِ آبائِهِ في العَفافِ والصِّيانَةِ وتَجَنُّبِ الفَسادِ والخِيانَةِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
السّادِسُ: أنَّ البُرْهانَ الَّذِي رَآهُ أنَّهُ لَمّا هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها رَأى سِتْرًا فَقالَ لَها: ما وراءَ هَذِهِ السِّتْرِ؟
فَقالَتْ: صَنَمِيَ الَّذِي أعْبُدُهُ أسْتُرُهُ اسْتِحْياءً مِنهُ.
فَقالَ: إذا اسْتَحْيَتْ مِمّا لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ فَأنا أحَقُّ أنْ أسْتَحِيَ مِن إلَهِي وأتَوَقّاهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ السُّوءَ الشَّهْوَةُ، والفَحْشاءَ المُباشَرَةُ.
الثّانِي: أنَّ السُّوءَ عُقُوبَةُ المَلِكِ العَزِيزِ، والفَحْشاءَ مُواقَعَةُ الزِّنا.
﴿ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ المُخْلِصِينَ بِكَسْرِ اللّامِ، وتَأْوِيلُها الَّذِينَ أخْلَصُوا طاعَةَ اللَّهِ تَعالى.
وَقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ اللّامِ، وتَأْوِيلُها الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ بِرِسالَتِهِ، وقَدْ كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لِأنَّهُ كانَ مُخْلِصًا في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، مُسْتَخْلَصًا لِرِسالَةِ اللَّهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ واستبقا الباب ﴾ قال: استبق هو والمرأة الباب.
وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة رضي الله عنه قال: في قراءة عبد الله ﴿ ووجدا سيدها ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: السيد، الزوج.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وألفيا سيدها ﴾ قال: زوجها.
﴿ لدى الباب ﴾ قال: عند الباب.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن نوف الشامي رضي الله عنه قال: ما كان يوسف عليه السلام يريد أن يذكره، حتى ﴿ قالت: ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً...
﴾ فغضب يوسف عليه السلام وقال: ﴿ هي راودتني عن نفسي...
﴾ .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إلا أن يسجن أو عذاب أليم ﴾ قال: القيد.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: عثر يوسف عليه السلام ثلاث عثرات: حين هم بها فسجن، وحين قال: اذكرني عند ربك، فلبث في السجن بضع سنين فأنساه الشيطان ذكر ربه، وحين قال: إنكم لسارقون.
قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ﴾ قال نوف: أحْسَبُها الشيباني هكذا في الطبري (١) ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ﴾ اختلفوا في هذا الشاهد، فقال ابن عباس (٢) وهو قول الحسن (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ ﴾ أي أعلم معلم، وبين مبين، وقال قائل، غير أن هذا القول والإعلام لما كان كالبينة استعمل فيه لفظ الشهادة، [قال مجاهد (٩) (١٠) ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾ أي (١١) ﴿ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ﴾ يريد بينوا؛ ذلك لعنادهم، الحق وإن لم يكن منهم اعتراف بالكفر.
وقال ابن الأنباري (١٢) ويجوز أن يقال: إن الشهادة لم تقع إلا على معلوم عند الشاهد بكلام سمعه من المرأة من وراء الباب، أو لفظة وقعت في أذنه من ألفاظ يوسف في حال هربه، فأوقع في الشهادة شرطًا ليؤكد العلم به للمخاطبين من جهة العقل، وتلخيص الآية: هو الصادف عندي وهي الكاذبة، فإن تدبرتم ما أشرطه (١٣) قال الكلبي (١٤) الشاهد ابن عم المرأة، وكان رجلاً حكيمًا، كان مع زوجها، فقال قد سمعنا الاشتداد والجلبة من رواء الباب، وشق القميص، فلا ندري أيكما كان قدام صاحبه، فإن كان شق القميص من قدامه فأنت صادقة، وإن كان من خلفه، فهو صادق.
ونحو هذا قال السدي (١٥) (١٦) وروى عطية العوفي عن ابن عباس أن الشاهد كان صبيًّا أنطقه الله، وهو رواية سالم (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) قال ابن عباس (٢١) قال ابن الأنباري (٢٢) وروى ابن أبي نجيح وابن جريح عن مجاهد (٢٣) قال أبو بكر (٢٤) ﴿ مِنْ أَهْلِهَا ﴾ (٢٥) (١) الطبري 12/ 193 عن نوف الشيباني، والثعلبي 7/ 76 ب، وابن أبي حاتم 7/ 2127، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 25.
(٢) الثعلبي 7/ 77 أ، و"زاد المسير" 4/ 211.
(٣) الطبري 12/ 195، وابن أبي حاتم 7/ 2129 وانظر: "الدر" 4/ 26، الثعلبي 7/ 77 أ، البغوي 4/ 235، القرطبي 9/ 173، ابن أبي حاتم 7/ 2129.
(٤) الطبري 12/ 194، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 26، الثعلبي 7/ 77 أ، البغوي 4/ 235، القرطبي 9/ 173.
(٥) الطبري 12/ 195، وابن أبي حاتم 7/ 2129 وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 26، الثعلبي 7/ 77 أ، البغوي 4/ 235، عبد الرزاق 2/ 322، القرطبي 9/ 173.
(٦) الثعلبي 7/ 77 أ، القرطبي 9/ 173، الطبري 12/ 194 بلفظ: ذو رأي برأيه.
(٧) الطبري 12/ 194 - 195، الثعلبي 7/ 77 أ، البغوي 12/ 194، القرطبي 9/ 173.
(٨) الطبرى 12/ 194 - 195.
(٩) الطبري 12/ 195.
(١٠) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).
(١١) في (ب) بياض.
(١٢) "زاد المسير" 4/ 212.
(١٣) في (ب): (ما اشترطته).
(١٤) القرطبي 9/ 173 ولم ينسبه.
وابن أبي حاتم 7/ 2129 عن زيد بن أسلم.
(١٥) البغوي 4/ 235، القرطبي 9/ 173، والثعلبي 7/ 77 أ.
(١٦) "تفسير مقاتل" 152 ب.
(١٧) هو: سالم بن عجلان الأفطس الأموي، مولاهم، أبو محمد الحراني، ثقة رمي بالإرجاء، قتل صبرًا سنة 132 هـ.
"التقريب" (2183)، و"الميزان" 2/ 302.
(١٨) الطبري 12/ 193، وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 26، البغوي 4/ 234.
(١٩) الطبري 12/ 194، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 26، البغوي 4/ 234.
(٢٠) الطبري 12/ 194، و"زاد المسير" 4/ 211، والثعلبي 7/ 76 ب، وهو: الأشجعي مولاهم الكوفي، ثقة، روى له الجماعة إلا البخاري، روى له في التاريخ.
انظر: ا"لتقريب" ص 576 (7352).
(٢١) أخرجه البخاري في "صحيحه": (3436) كتاب: الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا ﴾ ، ومسلم (2550/ 8) كتاب: البر، باب: تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها، وأحمد 2/ 307، 308، بلفظ (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة).
(٢٢) "زاد المسير" 4/ 212.
(٢٣) الطبري 12/ 195، الثعلبي 7/ 77 أ، "زاد المسير" 4/ 212.
(٢٤) قال به الطبري 12/ 196.
(٢٥) في (ج): (من أجلها).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ﴾ أكثرَ الناسُ الكلام في هذه الآية حتى ألفوا فيها التآليف، فمنهم مُفْرِط ومفرّط، وذلك أن منهم من جعل همّ المرأة وهمّ يوسف من حيث الفعل الذي أرادته، وذكروا في ذلك روايات من جلوسه بين رجليها، وحلت التكة وغير ذلك، مما لا ينبغي أن يقال به لضعف نقله، ولنزاهة الأنبياء عن مثله، ومنهم من جعل أنها همت به لتضربه على امتناعه وهمّ بها ليقتلها أو يضربها ليدفعها وهو بعيد، يرده قوله: لولا أن رأى برهان ربه، ومنهم من جعل همها به من حيث مرادها وهمه بها ليدفعها، وهذا أيضاً بعيد، لاختلاف سياق الكلام، والصواب إن شاء الله: إنها همت به من حيث مرادها وهمّ بها كذلك، لكنه لم يعزم على ذلك، ولم يبلغ إلى ما ذكر من حل التكة وغيرها؛ بل كان همه خطرة خطرت على قلبه لم يطعها ولم يتابعها، ولكنه بادر بالتوبة والإقلاع عن تلك الخطرة حتى محاها من قلبه لما رأى برهان ربه، ولا يقدح هذا في عصمة الأنبياء لأن الهمّ بالذنب ليس بذنب ولا نقص عليه في ذلك، فإنه من همَّ بذنب ثم تركه كتبت له حسنة ﴿ لولا أَن رَّأَى برهان رَبِّهِ ﴾ جوابه محذوف تقديره: لولا أن رأى برهان ربه لخالطها، وإنما حذف لأن قوله همّ بها يدل عليه، وقد قيل: إن ﴿ هم بها ﴾ هو الجواب، وهذا ضعيف لأن جواب لولا لا يتقدم عليها، واختلف في البرهان الذي رآه، فقيل ناداه جبريل يا يوسف أتكون في ديوان الأنبياء وتفعل فعل السفهاء، وقيل: رأى يعقوب ينهاه، وقيل: تفكر فاستبصر، وقيل: رأى زليخا غطت وجه صنم لها حياء منه، فقال: أنا أولى أن أستحي من الله ﴿ كذلك لِنَصْرِفَ عَنْهُ ﴾ الكاف في موضع نصب متعلقة بفعل مضمر، التقدير: ثبتناه مثل ذلك التثبيت، أو في موضع رفع تقديره: الأمر مثل ذلك ﴿ السواء والفحشآء ﴾ خيانة سيده والوقوع في الزنا ﴿ المخلصين ﴾ قرئ بفتح اللام حيث وقع أي الذين أخلصهم الله لطاعته، وبالكسر أي الذي أخلصوا دينهم لله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يا أبت ﴾ بفتح التاء والوقف بالهاء: يزيد وابن عامر.
وقرأ ابن كثير ويعقوب بكسر التاء والوقف بالهاء.
الباقون بالكسر في الحالين ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين: يزيد وابن عباس والخزاز ﴿ لي ساجدين ﴾ بفتح الياء: الأعشى والبرجمي ﴿ يا بني ﴾ بفتح الياء أياً كان: حفص والمفضل.
الباقون بكسرها ﴿ رؤياك ﴾ بالإمالة: عليّ غير قتيبة وليث.
وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وقرأ يزيد وأبو عمر غير شجاع، وورش من طريق الأصبهاني والأعشى وحمزة في الوقف بغير همزة ﴿ آية للسائلين ﴾ على التوحيد: ابن كثير: الآخرون ﴿ آيات ﴾ على الجمع.
﴿ يخل لكم ﴾ بالإدغام: شجاع من طريق أبي غالب وأبو شعيب ﴿ غيابات ﴾ وما بعده على الجمع: أبو جعفر ونافع.
الباقون ﴿ غيابة ﴾ على التوحيد ﴿ لا تأمنا ﴾ بغير إشمام ضمة النون: يزيد والحلواني عن قالون.
الآخرون بإشمام ﴿ الذئب ﴾ وما بعده بغير همزة: أبو عمرو غير شجاع وأوقية ويزيد والأعشى وورش وخلف وعلي وحمزة في الوقف ﴿ يرتع ويلعب ﴾ بالياء فيهما وبالجزم: عاصم وحمزة وعليّ وخلف.
بكسر العين في الأول: أبو جعفر ونافع.
بالنون فيهما بالجزم: ابن عامر وأبو عمرو.
وبكسر العين: ابن كثير سوى الهاشمي وأبي ربيعة عن قنبل فإنهما ﴿ نرتعي ﴾ بالكسر مع الياء بعده ﴿ نرتع ويلعب ﴾ بالجزم فيهما مع النون في الأول والياء في الثاني: يعقوب عن رويس ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أبو جعفر ونافع وابن كثير.
وقرأ نافع ﴿ ليحزنني أن ﴾ بفتح الياء أيضاً ولكن من باب الأفعال ﴿ بل سولت ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وهشام.
﴿ يا بشرى ﴾ بالإمالة غير مضافة: حمزة وعليّ وخلف وحماد والخزاز عن هبيرة.
﴿ يا بشرى ﴾ بغير إمالة وإضافة: عاصم غير حماد والخزاز.
الباقون ﴿ يا بشراي ﴾ بالإضافة إلى ياء المتكلم.
الوقوف: ﴿ آلر ﴾ قف كوفي ﴿ المبين ﴾ ه ط كوفي أيضاً وغيرهم لا يقفون عليها لأنهم يجعلون إنا جواب معنى القسم في ﴿ آلر ﴾ ﴿ القرآن ﴾ ق والوصل أصح لأن الواو للحال ﴿ الغافلين ﴾ ه ﴿ ساجدين ﴾ ه ﴿ كيداً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ وإسحق ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ للسائلين ﴾ ه ﴿ عصبة ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ج والعربية توجب الوقف وإن قيل إن الابتداء به لا يحسن ﴿ صالحين ﴾ ه ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ لناصحون ﴾ ه ﴿ لحافظون ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ لخاسرون ﴾ ه ﴿ في غيابة الجب ﴾ ج لاحتمال أن يكون جواب "لما" محذوفاً والواو في ﴿ وأوحينا ﴾ للاستئناف تقديره فعلوا وأمضوا عليه، وأن تكون الواو مقحمة والجواب ﴿ أوحينا ﴾ ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ يبكون ﴾ ه ط ﴿ فأكله الذئب ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ كذب ﴾ ط ﴿ أمراً ﴾ ط ﴿ جميل ﴾ ط ﴿ تصفون ﴾ ه ﴿ دلوه ﴾ ط ﴿ غلام ﴾ ط ﴿ بضاعة ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ معدودة ﴾ ج لاحتمال الواو والحال ﴿ الزاهدين ﴾ ه.
التفسير: قال في الكشاف: ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى ﴿ آيات ﴾ السورة و ﴿ الكتاب المبين ﴾ السورة أي تلك الآيات التي أنزلت إليك في هذه السورة آيات السورة الظاهر أمرها في إعجاز العرب وتبكيتهم، أو التي بين لمن تدبرها أنها من عند الله لا من عند البشر، أو الواضحة التي لا يشتبه على العرب معانيها لنزولها بلسانهم، أو قد أبين فيها ما سألت اليهود عنه من قصة يوسف، فقد روي أن علماء اليهود قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمداً لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر وعن قصة يوسف.
أقول: مدار هذه التفاسير على أن أبان لازم ومتعد يقال: أبان الشيء وأبان هو بنفسه ﴿ إنا أنزلناه ﴾ أي هذا الكتاب الذي فيه قصة يوسف يعني هذه السورة في حال كونه ﴿ قرآناً عربياً ﴾ والقرآن اسم جنس يقع على كله وعلى بعضه.
وقوله: ﴿ قرآناً عربياً ﴾ يسمى حالاً موطئة لأن المراد وصفه بالعربية.
احتج الجبائي بإنزال القرآن وبكونه عربياً وآيات على أن أنه محدث لأن هذه من أوصاف المحدثات.
وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الألفاظ وإنما النزاع في الكلام النفس ومعنى ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ إرادة أن تفهموه وتحيطوا بمعانيه ولا يلتبس عليكم لأنه بلغتكم.
قال الجبائي: فيه دليل على أنه أراد من المكلفين كلهم أن يعقلوا توحيده وأمر دينه.
وأجيب بأن الآية لا تدل إلا على أنه أنزل هذه السورة وأراد منهم معرفة كيفية هذه القصة، ولا دلالة فيه على أنه أراد من الكل الإيمان العمل الصالح.
قال أهل اللغة: القصص اشتقاقه من قص أثره إذا اتبعه لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئاً فشيئاً، ومثله التلاوة لأنه يتلو أي يتبع ما حفظ منه آية بعد آية، ثم إن كان القصص مصدراً بمعنى الاقتصاص فيكون ﴿ أحسن ﴾ مثله لإضافته إلى المصدر، ويكون المفعول أي المقصوص محذوفاً وهو الوحي لدلالة ﴿ أوحينا ﴾ عليه، أو يكون هذا القرآن مفعوله ومفعول ﴿ أوحينا ﴾ محذوفاً كأنه قيل: نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص هذا القرآن بإيحائنا إياه إليك.
وعلى هذا فالحسن يرجع إلى المنطق لا إلى القصة.
وحسن المنطق كونه على أبدع طريق وأعجب أسلوب لأن هذه الحكاية مقتصة في كتب الأولين وفي كتب التواريخ ولم يبلغ شيء منه إلى حد الإعجاز، وإن أريد بالقصص المقصوص كما يراد بالنبأ والخبر المنبأ والمخبر، فالحسن يرجع إلى القصة ولا سيما فيما يرجع إلى صلاح حال المكلف في الدارين، ووجه حسنها اشتمالها على الغرائب والعجائب والنكت والعبر وأن الصبر مفتاح الفرج، وأن ما قضى الله كائن لا محالة لا يردّه كيد كائد ولا حسد حاسد.
ويروى أن أصحاب رسول الله ملوا فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا.
فأنزل الله عز وجل ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً ﴾ ثم إنهم ملوا فقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا فأنزل الله ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص ﴾ كل ذلك يؤمرون بالقرآن ﴿ وإن كنت ﴾ هي المخففة من الثقيلة بدليل اللام الفارقة.
والمعنى وإن الشأن كنت أنت من قبل إيحائنا إليك ﴿ لمن الغافلين ﴾ عن هذ القصة أو عن الدين والشريعة ﴿ إذ قال ﴾ بدل اشتمال من أحسن القصص لأن الوقت مشتمل على القصص فإذاً قص وقته فقد قص المقصوص أو منصوب بإضمار "اذكر".
و ﴿ يوسف ﴾ ليس عربياً على الأصح إذ لا سبب فيه بعد التعريف إلا العجمة فهو اسم عبراني، ومن ظن أنه من آسف يؤسف بناء على أنه قرىء بكسر السين وبفتحها فيوجد فيه وزن الفعل أيضاً فقد أخطأ، لأن القراءة المشهورة تأباه ولن يكون الاسم عربياً تارة وأعجمياً أخرى.
وهذا الخلاف روي في "يونس" أيضاً.
عن النبي "الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم" قال النحويون: التاء في ﴿ يا أبت ﴾ عوض من ياء الإضافة وهي للتأنيث لأنها قد تقلب هاء في الوقف.
ويجوز إلحاق التاء بالمذكر نحو "حمامة" ذكر والكسرة فيه لمناسبة الياء التي هي بدل منها.
والفتحة إما فتحة الياء فيمن يفتحها أو الفتحة الباقية بعد حذف الألف من ياء يا أبتا ﴿ إني رأيت ﴾ هو من الرؤيا التي تختص بالمنام لا من الرؤية التي تشمل اليقظة بدليل قول يعقوب له ﴿ ولا تقصص رؤياك ﴾ ولأن ذلك لو كان في اليقظة لكانت آية عظيمة ولم تخف على أحد.
من قرأ ﴿ أحد عشر ﴾ بسكون العين فلكراهة توالي المتحركات فيما هو في حكم كلمة، وكذا الى تسعة عشر إلا اثني عشر لئلا يلتقي ساكنان.
قال في الكشاف: روى جابر أن يهودياً جاء إلى النبي فقال: يا محمد أخبرني عن النجوم التي رآهن يوسف.
فسكت رسول الله فنزل جبريل فأخبره بذلك فقال النبي لليهودي:إن أخبرتك هل تسلم؟
قال: نعم.
قال: جربان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين.
رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له.
فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها.
وأقول: إن أكثر هذه الأسماء ليست مما اشتهر عند أهل الهيئة، فإن صح الخبر فهي من العلوم التي تفرد بها الأنبياء.
وإفراد الشمس والقمر من الكواكب بعد ذكرها دليل على شرفهما كقوله ﴿ وملائكته وجبريل وميكائيل ﴾ وإنما كرر الفعل لطول الكلام أو على تقدير سؤال كأنه قيل له: كيف رأيتها؟
فقال: رأيتهم لي ساجدين.
والظاهر أن هذه السجدة كانت بمعنى وضع الجبهة إذ لا مانع من حملها على الحقيقة لكنها كانت على وجه التواضع.
وإنما أجريت الكواكب مجرى العقلاء في عود الضمير إليها لأن السجود من شأن العقلاء كقوله للأصنام: ﴿ وتراهم ينظرون إليك ﴾ وعند الفلاسفة هم أحياء ناطقة فلا حاجة إلى العذر.
عبر أبوه رؤياه بأن إخوته سيسجدون له وهم أحد عشر، وكذا أبواه وهما الشمس والقمر.
وقيل: هما أبوه وخالته لأن أمه لم تدخل مصر وتوفيت قبل ذلك.
وعن وهب أن يوسف رأى - وهو ابن سبع سنين - أن إحدى عشرة عصاً طوالاً كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدارة التي حول القمر وهي الهالة، وإذا عصا صغيرة وثبت عليها حتى اقتلعها وغلبتها فوصف ذلك لأبيه فقال: إياك أن تذكر هذا لإخوتك.
ثم رأى - وهو ابن اثنتي عشرة سنة - الشمس والقمر والكواكب تسجد له فقصها على أبيه فقال له: لا تقصها عليهم فيبغوا لك الغوائل.
وقيل: كان بين رؤيا يوسف ومسير إخوته إليه أربعون سنة.
وقيل ثمانون.
قال علماء التعبير: إن الرؤيا الردية يظهر أثرها عن قريب كيلا يبقى المؤمن في الغم والحزن، والرؤيا الجيدة يبطىء أثرها لتكون بهجة المؤمن أدوم.
قوله ﴿ فيكيدوا ﴾ منصوب بإضمار "أن" جواباً للنهي.
واللام في ﴿ لك ﴾ لتأكيد الصلة مثل "نصحتك" و "نصحت لك".
وقال في الكشاف: ضمن الكيد معنى الاحتيال ليفيد معى الفعلين فيكون أبلغ في التخويف.
وقيل: متعلق بالمصدر الذي بعده.
ثم إنه وصل بهذه النصيحة شيئاً من تعبير رؤياه فقال: ﴿ وكذلك ﴾ أي ومثل اجتبائك لهذه الرؤيا الشريفة ﴿ يجتبيك ربك ﴾ لأمور عظام.
والاجتباء افتعال من جبيت الشيء إذا حصلته لنفسك، وجبيت الماء في الحوض جمعته، وخصص الحسن الاجتباء بالنبوة.
قال في الكشاف ﴿ ويعلمك ﴾ كلام مبتدأ غير داخل في حكم التشبيه كأنه قيل: وهو يعلمك ويتم نعمته عليك.
أقول: ولعل إدخاله في حكم التشبيه ليس بضائر.
وفي ﴿ تأويل الأحاديث ﴾ وجوه منها: أنه تأويل أحاديث الناس فيما يرونه في منامهم، سمى التعبير تأويلاً لأنه يؤول أمره إلى ما رآه في المنام أو يؤول أمر ما رآه في المنام إلى ذلك.
والأحاديث اسم جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة لأنها التي يتحدث بها الناس.
ومنها أنه تبيين معاني كتب الله وسنن الأنبياء لأن المفسر والمحدّث يحدّثان عن الله ورسوله فيقولان: قال الله كذا وقال الرسول كذا.
ومنها أن الحديث بمعنى الحادث والمراد كيفية الاستدلال بالحادث على القديم .
وأما إتمام النعمة فيمن فسر الاجتباء بالنبوة فسر الإتمام بالسعادات الدنيوية والأخروية من المال والجاه والعلوم والأخلاق الفاضلة، ومن فسر ذلك بالدرجات العالية فسر هذا بالنبوة لأن التمام المطلق في حق البشر ليس إلا بالنبوة، ولأن إتمام النعمة عليه مشبه بإتمامها على إبراهيم وإسحق، ومن المعلوم أن الامتياز بينهما وبين أقرانهما لم يكن إلا بالنبوة وقد يفسر إتمام النعمة على إبراهيم بالخلة والإنجاء من النار ومن ذبح الولد، وعلى إسحق بإنجائه من الذبح وفدائه بذبح عظيم وبإخراج يعقوب والأسباط من صلبه، ويكون وجه التشبيه إنجاءه من السجن والمحن كإنجائهما من النار والذبح.
والمراد بآل يعقوب نسله قيل: علم يعقوب أن يوسف وإخوته أنبياء استدلالاً بضوء الكواكب.
واعترض بما فرط منهم في حق يوسف.
وأجيب بأن ذلك قبل النبوة.
وقيل: إتمام النعمة وصل نعمة الدنيا بنعم الآخرة وذلك أنه جعلهم ملوكاً وأنبياء و ﴿ إبراهيم وإسحاق ﴾ عطف بيان لأبويك لأن أبا الجد في حكم الأب ﴿ إن ربك عليم ﴾ بمن يستحق الاجتباء ﴿ حكيم ﴾ لا يضع الشي إلا في موضعه فلا يجعل الرسالة إلا في نفس قدسية وجوهر مشرق.
قيل: حكم يعقوب بوقوع هذه الأمور دليل على جزمه بها فكيف خاف بعدها على يوسف حتى قال: ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ ؟
والجواب لعل جزمه بذلك كان مشروطاً بعدم كيد إخوته، ولعل قوله: ﴿ أخاف أن يأكله الذئب ﴾ كيلا يتهاونوا في حفظه فإن للوسائط والأسباب مدخلاً عظيماً في وجود الأشياء وحصولها ﴿ لقد كان في يوسف وإخوته ﴾ أي في قصتهم وحديثهم ﴿ آيات للسائلين ﴾ لمن سأل عن تلك القصة وعرفها، أو آيات على نبوة محمد للذين سألوه من اليهود عنها فأخبرهم بها من غير سماع العلم.
وفيه أنه يجب أن يصبر على بغي قومه إلى أن يظهر أمره كما فعل يوسف.
يروى أن أسامي إخوته: يهوذا وروبيل وشمعون ولاوي وربالون ويشجر ودينة - وهؤلاء من ليا بنت خالة يعقوب - ودان ونفتالي وجاد وآشر - وهم من سريتين زلفة وبلهة - فلما توفيت ليا تزوج أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف.
﴿ إذ قالوا ﴾ ظرف لكان أو منصوب بإضمار "اذكر" ﴿ ليوسف ﴾ في لام الابتداء تحقيق لمضمون الجملة.
﴿ وأخوه ﴾ أي لأبيه وأمه عنوا بنيامين ﴿ أحب ﴾ إذا كان أفعل التفضيل مستعملاً بمن لم يتصرف فيه ﴿ ونحن عصبة ﴾ الواو للحال والعصبة العشرة فصاعداً لأن الأمور تعصب بكفايتهم أي إنه يفضلهما في المحبة علينا وهما ابنان صغيران.
لا كفاية فيهما ولا منفعة ونحن جماعة نكفي مهماته ونقوم بمصالحه ﴿ إن إبانا لفي ضلال مبين ﴾ أرادوا ضلالاً خاصاً وهو البعد عن طريق الصلاح وحسن المعاشرة مع الأولاد، ولم يعلموا أن المحبة أمر يتعلق بالقلب وليس لله فيه تكليف، ولعل يعقوب تفرس في يوسف ما أوجب اختصاصه بمزيد البر.
ومن جملة أقوالهم أنهم قالوا لما تشاوروا في أمره ﴿ اقتلوا يوسف ﴾ قيل: الآمر بالقتل شمعون أو دان ورضي به الباقون فجعلوا جميعاً آمرين.
والظاهر أنه قال بعضه بذلك بدليل أنه لم يقع القتل ولقولهم ﴿ أو اطرحوه ﴾ فكان بعضهم أشار إلى القتل وبعضهم إلى الطرح ومهما صدر أمر من بعض القوم صح إسناده إليه كقوله ﴿ وإذ قتلتم نفسا ﴾ وانتصب ﴿ أرضاً ﴾ على الظرف كالظروف المبهمة أي أرضاً مجهولة بعيدة عن العمارة ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ تخلص محبته لكم سليمة عن التنازل فيها وكان ذرك الوجه تصويراً لإقباله عليهم بالكلية، ويجوز أن يراد بالوجه ذاته أو المراد يفرغ لكم من الشغل بيوسف ﴿ وتكونوا ﴾ مجزوم لأنه معطوف على جواب الأمر ﴿ من بعده ﴾ من بعد قتله أو إطراحه أو من بعد يوسف إذا قتل أو غرب ﴿ قوماً صالحين ﴾ تائبين إلى الله أو إلى أبيه لعذر تمهدونه مما جنيتم عليه، أو المراد صلاح دنياهم وانتظام أمورهم وتفرغهم لمهماتهم بعد يوسف بفراغ البال ﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا وكان أحسنهم فيه رأياً وأدباً وهو الذي قال: ﴿ فلن أبرح الأرض ﴾ ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ لأن القتل عظيم ولا سيما قتل الأخ وخاصة إذا كان القاتل والمقتول من أولاد الأنبياء ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ سمى البئر جباً لأنها قطعت قطعاً ولم يحصل فيها شيء سوى القطع للأرض، والغيابة غور البئر وما غاب منها عن عين الناظر وأظلم من أسفلها.
ومن قرأ على الجمع فلأن للجب أقطاراً ونواحي ﴿ يلتقطه بعض السيارة ﴾ أي الرفقة السائرة قال ابن عباس: أي المارة، والالتقاط تناول الشيء من الطريق ونحوه يستعمل في الإنسان وغيره ومنه اللقيط للمنبوذ ﴿ إن كنتم فاعلين ﴾ إن لم يكن من فعل هذا الأمر بد فهذا هو الرأي.
ثم إن يعقوب كان خائفاً على يوسف من كيدهم وكان يظهر أمارات ذلك على صحائف أعماله وأقواله فلذلك قالوا: ﴿ ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون ﴾ ما وجد منا في بابه سوى النصح والإشفاق على الإطلاق ﴿ أرسله معنا غداً يرتع ويلعب ﴾ من قرأ بالجزم فمن الرتعة كالأمنة وهي الخصب والسعة، ومن قرأ بالكسر فعلى حذف الياء من يرتعي مستعاراً من ارتعاء الإبل والماشية.
واللعب ترك ما ينفع إلى ما لا ينفع.
فمن قرأ بالياء فلا إشكال لأن الصبي لا تكليف عليه، ومن قرأ بالنون قال كان لعبهم الاستباق والانتضال بدليل قوله ﴿ إنا ذهبنا نستبق ﴾ سمي لعباً لأنه في صورته، أو اللعب قد يطلق على استعمال المباحات لأجل انشراح الصدر قال لجابر: " فهلا تزوجت بكراً تلاعبها وتلاعبك." ﴿ قال إني ليحزنني ﴾ لام الابتداء للتأكيد أو لتخصيص المضارع بالحال ﴿ وأخاف أن يأكله الذئب ﴾ أصله الهمز ولهذا قال بعضهم: إنه مشتق من تذأبت الريح إذا أتت من كل جهة.
قيل: كان أرضهم مذأبة فلذلك قال: ﴿ أخاف ﴾ .
وقيل: رأى في النوم أن الذئب قد شد على يوسف وكان يحذره فلقنهم العذر كما جاء في أمثالهم البلاء موكل بالمنطق.
قوله: ﴿ إنا إذاً ﴾ جواب للقسم ساد مسد جواب الشرط، حلفوا له أن كان ما خافه وحالهم أنهم رجال كفاة وحماة فهم إذ ذاك خاسرون عاجزون أو مستحقون للدعاء عليهم بالخسار، أو المراد إن لم نقدر على حفظ بعضنا فقد هلكت مواشينا وخسرناها.
كان يعقوب قد اعتذر إليهم بأمرين: أحدهما أن ذهابهم به مما يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة، والثاني خوفه عليه من الذئب فلم يجيبوا عن الأول لأنه هو الذي كان يغيظهم فلم يعبئوا بذلك الكلام فخصوا الجواب بالثاني، وههنا إضمار والتقدير فأذن لهم وأرسله معهم ﴿ فلما ذهبوا به وأجمعوا ﴾ عزموا على ﴿ أن يجعلوه في غيابت الجب ﴾ قيل: هو بئر ببيت المقدس.
وقيل: بأرض الأردن.
وقيل: بين مصر ومدين: وقيل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوبٍ.
ثم إن كان جواب "لما" محذوفاً ففي الآية إضمار آخر كما تقدم في الوقوف.
قال السدي: إن يوسف لما برز مع إخوته أظهروا له العداوة وأخذوا يهينونه ويضربونه وكلما استغاث بواحد منهم لم يغثه إلا بالإهانة حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح يا أبتاه لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء.
فقال يهوذا أما أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه، فلما أرادوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يده فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخواه بالدم ويحتالوا به على أبيهم.
فقال: يا إخوتاه ردّوا عليّ قميصي أتوارى به فقالوا له: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكباً حتى ينقذوك ودلوه في البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه ليقتلوه فمنعهم يهوذا وكان يهوذا يأتيه بالطعام.
وروي أنه لما ألقي في الجب قال: يا شاهداً غير غائب، ويا قريباً غير بعيد، ويا غالباً غير مغلوب، اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً.
وحكي أن إبراهيم حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبرائيل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فدفعه إبراهيم إلى إسحاق وإسحق إلى يعقوب فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف فجاء جبرائيل فأخرجه وألبسه إياه ﴿ وأوحينا إليه ﴾ في صغر السن كما أوحي إلى يحيى وعيسى.
وقيل: كان إذ ذاك بالغاً وعن الحسن كان له سبع عشر سنة ﴿ لتنبئنهم ﴾ لتحدثن إخوتك بما فعلوا بك ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ أنك يوسف لعلو شأنك وبعد حالك عن أوهامهم ولطول العهد المنسي المغير للهئيات والأشكال..
يروى أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون دعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطن فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم ويقال له يوسف وكان يدنيه دونكم وإنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيه أكله الذئب وبعتموه بثمن بخس.
ويجوز أن يراد وهم لا يشعرون أنا آنسناه بالوحي وأزلنا الوحشة عن قلبه فتتعلق الجملة بقوله ﴿ وأوحينا ﴾ روي أن امرأة حاكمت إلى شريح فبكت فقال له الشعبي: يا أبا أمية أما تراها تبكي؟
قال: قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة وما ينبغي لأحد أن يقضي إلا بما أمر أن يقضي به من السنة المرضية.
عن مقاتل: إنما جاءوا عشاء لئلا تظهر أمارة الخجل والكذب على وجوههم.
ولما سمع صوتهم يعقوب فزع وقال: ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شيء؟
قالوا لا.
قال: فما لكم وأين يوسف ﴿ قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق ﴾ أي نتسابق في العدو أو في الرمي وقيل ننتضل ﴿ وما أنت بمؤمن لنا ﴾ أي بمصدق لشدة محبتك ليوسف، وفيه دليل لمن يزعم أن الإيمان هو التصديق ﴿ ولو كنا صادقين ﴾ ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة فكيف وأنت سيء الظن بنا غير واثق بقولنا ﴿ وجاؤوا على قميصه ﴾ نصب على الظرف أي فوق قميصه لا على الحال المتقدمة لأن حال المجرور لا تتقدم عليه ﴿ بدم كذب ﴾ ذي كذب أو دم هو الكذب بعينة مبالغة.
يروى أنهم ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها، ويروى أن يعقوب لما سمع بخبر يوسف صاح بأعلى صوته وقال: أين القميص؟
فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص.
وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه.
وقيل: كان في قميص يوسف ثلاث آيات آية ليعقوب على كذبهم، وآية حين ألقاه البشير على وجهه فارتد بصيراً، وآية على براءة يوسف حين قدّ من دبر.
ولما تبين يعقوب بالآيات المذكورة أو بالوحي أنهم كاذبون قال على سبيل الإضراب.
﴿ بل سوّلت ﴾ قال ابن عباس بل زينت ﴿ لكم أنفسهم أمراً ﴾ في شأنه وهو تفعيل من السول الأمنية.
قال الأزهري: وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمزة.
وقال في الكشاف: سوّلت سهلت من السول بفتحتين وهو الاسترخاء والتنكير دليل التعظيم ﴿ فصبر جميل ﴾ لا بد من تقدير مبتدأ أو خبر أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أمثل.
وفي الحديث أنه الذي لا شكوى فيه أي إلى الخلق لقوله: ﴿ إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ﴾ وقيل: أي لا أعايشكم على كآبة الوجه بل أكون لكم كما كنت.
يحكى أنه سقط حاجبا يعقوب على عينيه فكان يرفعهما بعصابة فقيل له: ما هذا؟
فقال: طول الزمان وكثرة الأحزان.
فأوحى الله إليه يا يعقوب أتشكوني؟
قال: يا رب خطيئة فاغفرها لي.
ثم بين أن الصبر على ما وصفوه من هلاك يوسف لا يمكن إلا بمعونة الله فقال: ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ فالقرينتان كقوله: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾ {الفاتحة: 5] ويعلم من الآية أن الصبر إن كان لأجل الرضا بقضاء الله أو لاستغراقه في شهود نور الحق بحيث يمنعه من الاشتغال بالشكاية عن البلاء فذلك صبر جميل وإلا فلا.
واعترض بأن هذا الصبر كان فيه إعانة الظالمين وإهمال لتخليص المظلوم من المحن والشدائد والترقية فكيف جاز صبر يعقوب حتى لم يبالغ في التفتيش والتنقير، ولو بالغ لظهر عليه الأمر لشهرته وعظم قدره؟
وأجيب بأن الله لعله منعه عن الطلب تشديداً للمحنة عليه، أو لعله إن بالغ في البحث أقدموا على قتله، أو علم أن الله يصون يوسف وسيعظم أمره بالآخرة فلم يرد هتك ستر أولاده وإلقاءهم في ألسنة الناس كقول القائل: فإذا رميت يصيبني سهمي *** فكان الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر بالكلية إلى الله .
ثم شرع في حكاية خلاص يوسف فقال: ﴿ وجاءت سيارة ﴾ عن ابن عباس: قوم يسيرون من مدين إلى مصر وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب فأخطئوا الطريق فنزلوا قريباً منه، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران لم يكن إلا للرعاة.
وقيل: كان ماؤه ملحاً فعذب حين ألقي فيه يوسف.
﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ رجلاً يقال له مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء.
ومعنى الوارد الذي يرد الماء ليستقي للقوم ﴿ فأدلى دلوه ﴾ أرسلها في البئر.
قال الواحدي: فإذا نزعها وأخرجها قيل دلا يدلو.
﴿ قال يا بشرى ﴾ التقدير فظهر يوسف فقال الوارد: يا بشرى كأنه ينادي البشرى ويقول تعالي فهذا أوانك.
ومتى قال الوارد هذا الكلام؟
قال جمع من المفسرين: حين رأى يوسف متعلقاً بالحبل.
وقال آخرون: لما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به.
قال السدي: كان للوارد صاحب يقال له بشرى فنادى يا بشرى كما يقال يا زيد.
والأكثرون على أنها بمعنى البشارة.
فقال أبو علي: يحتمل أن يكون منادى مضموماً مثل يا رجل وأن يكون منصوباً مثل يا رجلاً كأنه جعل ذلك النداء شائعاً في جنس البشرى.
ومن قرأ بالإضافة فنصبه ظاهر.
والضمير في ﴿ وأسروه ﴾ إما عائد إلى الوارد وأصحابه أي أخفوه من الرفقة لئلا يدعوا المشاركة في الالتقاط، أو في الشراء إن قالوا اشتريناه.
وطريق الإخفاء أنهم كتموه من الرفقة أو قالوا إن أهل الماء جعلوه بضاعة عندنا على أن نبيعه لهم بمصر، وإما عائد الى إخوة يوسف بناء على ما روي عن ابن عباس أنهم قالوا للرفقة: هذا غلام لنا قد آبق فاشتروه منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه، ولعل الوجه الأول أولى بدليل قوله ﴿ بضاعة ﴾ وهي نصب على الحال أي أخفوه متاعاً للتجارة.
وأصل البضع القطع والبضاعة قطعة من المال للتجارة والله أعلم.
﴿ والله عليم بما يعملون ﴾ فيه وعيد إما للوارد وأصحابه حيث استبضعوا ما ليس لهم أو لإخوة يوسف وذلك ظاهر، وفيه أن كيد الأعداء لا يدفع شيئاً مما علم الله من حال المرء.
والضمير في قوله: ﴿ وشروه ﴾ إما أن يعود إلى الوارد وأصحابه أي باعوه ﴿ بثمن ﴾ قليل لأن الملتقط للشيء متهاون به ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ ممن يرغب عما في يده.
قال أهل اللغة: زهد فيه معناه رغب عنه وزهد عنه معناه رغب فيه، وإما أن يعود إلى الإخوة والمعنى باعوه، أو إلى الرفقة والمعنى اشتروه، وهكذا الضمير في ﴿ وكانوا ﴾ إن عاد إلى الإخوة فقلة رغبتهم في يوسف ظاهرة وإلا لم يفعلوا به ما فعلوا، وإن عاد إلى الرفقة فذلك أنهم اعتقدوا أنه أبق فخافوا إعطاء الثمن الكثير.
عن ابن عباس أن إخوته عادوا إلى الجب بعد ثلاثة أيام يتعرفون خبره، فلما لم يروه في الجب ورأوا آثار السيارة طلبوهم فلما رأوا يوسف قالوا: هذا عبد أبق منا فقالوا لهم: فبيعوه منا فباعوه منهم، ولعلهم عرفوا أنه ولد يعقوب فكرهوا اشتراءه خوفاً من الله ومن ظهور تلك الواقعة إلا إنهم مع ذلك اشتروه بالآخرة بثمن بخس أي مبخوس ناقص عن القيمة أو ناقص العيار.
وقال ابن عباس: البخس هنا الحرام لأن ثمن الحر حرام دراهم لا دنانير معدودة قليلة تعد عدّاً.
ولا توزن لأنهم كانوا لا يزنون إلا ما بلغ الأوقية وهي الأربعون.
عن ابن عباس كانت عشرين درهماً.
وعن السدي اثنين وعشرين أخذ كل واحد من الإخوة درهمين إلا يهوذا فإنه لم يأخذ شيئاً.
ويروى أن إخوته اتبعوهم يقولون استوثقوا منه لا يأبق.
والظاهر أن الضمير في ﴿ فيه ﴾ عائد إلى يوسف.
ويحتمل أن يعود إلى الثمن البخس أي أخذوا في ثمنه ما ليس يرغب فيه.
قال النحويون: قوله: ﴿ فيه ﴾ ليس من متعلقات الزاهدين لأن الألف واللام فيه موصول وزاهدين صلة، وكما لا تتقدم نفس الصلة فكذا ما هو متعلق به فلا يقال مثلاً: وكانوا زيداً من الضاربين فهو بيان كأنه قيل في أي شيء زهدوا؟
فقيل: زهدوا فيه والله أعلم.
التأويل: ﴿ تلك آيات الكتاب ﴾ دلالات كتاب المحبوب إلى المحب للهداية إلى طريق الوصال ولهذا كانت أحسن القصص لأنها أتم قصص القرآن مناسبة ومشابهة بأحوال الإنسان ﴿ إذ قال يوسف ﴾ القلب ﴿ لأبيه ﴾ يعقوب الروح ﴿ إني رأيت أحد عشر كوكباً ﴾ هن الحواس الخمس الظاهرة والخمس الباطنة أي المذكرة والحافظة والمتخيلة والمتوهمة والحسن المشترك مع المفكرة، وبكل من هذه إضاءة أي أدراك للمعنى المناسب له وهم إخوة يوسف القلب لأنهم تولدو بازدواج يعقوب الروح وزوج النفس والشمس والقمر الروح والنفس ﴿ رأيتهم لي ساجدين ﴾ وهذا مقام كمالية الإنسان أن يصير القلب سلطاناً يسجد له الروح والنفس والحواس والقوى ﴿ وكذلك يجتبيك ربك ﴾ على سائر المخلوقات وهذا كمال حسن يوسف ﴿ ويعلمك من تأويل الأحاديث ﴾ العلم اللدني المختص بالقلب ﴿ ويتم نعمته عليك ﴾ بأن يتجلى لك ويستوي لك إذ القلب عرش حقيقي للرب ﴿ وعلى آل يعقوب ﴾ أي متولدات الروح من القوى والحواس ﴿ كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم ﴾ السر ﴿ وإسحاق ﴾ الخفي وبهما يستحق القلب لقبول فيض التجلي، وهناك لله ألطاف خفية لا يتبع الإنسان فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل.
﴿ آيات للسائلين ﴾ عن طريق الوصول إلى الله ﴿ ليوسف ﴾ القلب ﴿ وأخوه ﴾ بنيامين الحس المشترك فإن له اختصاصاً بالقلب ﴿ أحب إلى أبينا منا ﴾ لأن القلب عرض الروح ومحل استوائه عليه، والحس المشترك بمثابة الكرسي للعرش.
﴿ اقتلوا يوسف ﴾ القلب بسكين الهوى وبسم الميل إلى الدنيا ﴿ أو اطرحوه ﴾ في أرض البشرية ﴿ يخل لكم وجه أبيكم ﴾ يقبل الروح بوجهه إلى الحواس والقوى لتحصيل شهواتها ﴿ وتكونوا ﴾ بعد موت القلب ﴿ قوماً صالحين ﴾ للنعم الحيواني والنفساني.
﴿ قال قائل منهم ﴾ هو يهوذا القوة المفكرة ﴿ لا تقتلوا يوسف ﴾ القلب ﴿ وألقوه في غيابت الجب ﴾ القالب وسفل البشرية ﴿ يلتقطه بعض ﴾ سيارة الجواذب النفسانية.
﴿ يرتع ﴾ في المراتع البهيمية ﴿ ويلعب ﴾ في ملاعب الدنيا ﴿ وإنا له لحافظون ﴾ من فتنة الدنيا وآفاتها ﴿ لئن أكله الذئب ﴾ الشيطان ﴿ إنا إذا لخاسرون ﴾ لأن خسران جميع أجزاء الإنسان في هلاك القلب وربحها في سلامة القلب ﴿ وهم لا يشعرون ﴾ فيه إشارة إلى أن من خصوصية تعلق الروح بالقالب أن يتولد منهما القلب العلوي والنفس السفلية والحواس والقوى فيحصل التجاذب.
فإن كانت الغلبة للروح سعد، وإن كانت للنفس شقي ﴿ وجاؤوا أباهم عشاء ﴾ أي في النصف الآخر من مدّة العمر ﴿ نستبق ﴾ نتشاغل باللهو في أيام الشباب ﴿ وتركنا يوسف ﴾ أي قالب مهملاً معطلاً عن الاستكمال ﴿ فأكله ﴾ ذئب الشيطان.
﴿ وجاؤا على قميصه ﴾ أي قالب القلب ﴿ بدم كذب ﴾ هو آثار الملكات الردية، زعموا أنها قد سرت إلى القلب وأزالت نور الإيمان عنه بالكلية.
﴿ قال ﴾ يعقوب الروح ﴿ بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل ﴾ على ما قضى الله وقدر ﴿ والله المستعان على ما تصفون ﴾ من رين القلب وموته ﴿ وجاءت سيارة ﴾ هي هبوب نفحات ألطاف الحق ﴿ فأرسلوا واردهم ﴾ وارداً من واردات الحق ﴿ فأدلى دلوه ﴾ جذبه من جذبات الرحمن ﴿ قال يا بشرى ﴾ فيه إشارة إلى أن للجذبة بشارة في تعلقها بالقلب كما أن للقلب بشارة في خلاصة من جب الطبيعة كما قال : ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾ ﴿ والله عليم ﴾ بحكمة البشارتين و ﴿ بما يعملون ﴾ من شرائه ﴿ بثمن بخس ﴾ هو الحظوظ الفانية في أيام معدودة ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ لأنهم ما عرفوا قدره وإنما ميلهم إلى استجلاب المنافع الردية العاجلة والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: ﴿ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ ﴾ .
السيارة: هي جماعة السائرين كالمسافرين.
﴿ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ ﴾ .
الوارد: هو طالب الماء ومستقيه.
﴿ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ ﴾ .
أي: أرسل دلوه في البئر.
وقوله: ﴿ قَالَ يٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلاَمٌ ﴾ .
قال بعضهم: بشرى هو اسم ذلك الرجل الذي كان مع المدلي الدلو، فقال له: ﴿ يٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلاَمٌ ﴾ ؛ كما يقال: يا فلان، هذا غلام.
وقال بعضهم: هو من البشارة؛ كأنه قال له: أبشر بهذا الغلام.
وفي بعض القراءات: (يا بشراي) على الإضافة إلى نفسه؛ فكأنه بشر نفسه؛ أي: البشرى لي بهذا الغلام.
ويشبه أن يكون هذا كناية كلام كان هنالك، لكن لم يبين لنا ذلك، والله أعلم بذلك؛ كقوله: ﴿ وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ ﴾ أخبر أنه أقسم؛ لكن لم [يبين لنا] ما ذلك القسم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ﴾ .
قال بعضهم: الإسرار: هو اسم الإخفاء والإظهار جميعاً؛ كقوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ ﴾ ، أي: أظهروا الندامة، فإن كان ما ذكر أنه اسم لهما جميعاً فكأنه قال: أظهروه بضاعة؛ فإن كان على حقيقة الإخفاء والإسرار فهو على الإضمار؛ كأنه قال: وأسرّوا على ما كان وأظهروا بضاعة لئلا يطلب أصحابهم في ذلك شركة.
﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ .
أي: عليم بما عمل إخوة يوسف بيوسف، أو عليم بما عمل السيارة من الإسرار والإظهار، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ﴾ أي: باعوه بثمن بخس ﴿ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ ﴾ .
قال بعضهم: البخس: هو النقصان؛ أي: باعوه بثمن لا يباع مثله بمثله.
وقال بعضهم: البخس [هو] الظلم؛ باعوه ظلماً، وأخذوا ثمنه ظلماً؛ لأنهم باعوا حرّاً، وبيع الحر حرام، وأخذوا ثمنه ظلماً حراماً؛ لأن ثمن الحرّ حرام.
وقال بعضهم: ﴿ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ ﴾ أي: دراهم مبهرجة وزيف.
﴿ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ ﴾ .
أي: كانت السيارة في يوسف من الزاهدين؛ حيث باعوه بثمن الدون والنقصان بما لا يباع مثله بمثل ذلك الثمن؛ خشية أن يجيئهم طالب؛ لما علموا أن مثل هذا لو كان مملوكاً لا يترك هكذا لا يطلب، فباعوه بأدنى ثمن يكون لهم، لا كما يبيع الرجل ملكه على رغبة منه؛ خشية الطلب والاستنقاذ من أيديهم.
وقال عامة أهل التأويل: قوله: ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ ﴾ : إن إخوة يوسف هم الذين باعوه من السيارة ﴿ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ ﴾ ، أي: لم يعرفوا منزلته ومكانه.
والأول أشبه.
وقوله: ﴿ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ ﴾ .
أي: كانوا في شرائه من الزاهدين؛ لما خافوا ذهاب الثمن إن كان مسروقاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ ﴾ .
أي: مقامه ومنزلته.
﴿ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ﴾ .
إن صدق التجار أنه بضاعة عندهم.
﴿ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ﴾ .
إن ظهر أنه مسروق، وأنه حر؛ لما وقع عندهم أن البضاعة لا تباع بمثل ذلك الثمن الذي باعوه.
[وقوله]: ﴿ وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ تأويله - والله أعلم -: كما مكنا ليوسف عند العزيز وامرأته كذلك نمكنك عند أهل الأرض، ولكن ذكر ﴿ مَكَّنَّا ﴾ على الخبر؛ لأنه كان ممكناً في ذلك اليوم عند العزيز والملك.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ مَكَّنَّا ﴾ ، أي: كذلك جعلنا ليوسف مكاناً ومنزلة عند الناس، وفي قلوبهم مكان ما خذله إخوته، ولم يعرفوا مكانه ومنزلته وبعد ما كان شبه المملوك عند أولئك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ ﴾ هذا قد ذكرناه فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ ﴾ .
أي: لا مرد لقضائه إذا قضى أمراً كان كقوله، ﴿ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ وقال أهل التأويل: إنه بيع بعشرين درهماً أو بعشرين [ونيف]؛ فذلك مما لا يعلم إلا بخبر سوى أن فيه أنه بيع بثمن الدون والنقصان بقوله: ﴿ بَخْسٍ ﴾ البخس هو النقصان؛ يقل: بخسته؛ أي نقصته؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ﴾ ؛ أي: لا تنقصوا، وهو ما قال: ﴿ وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ .
وقيل: البخس: الظلم والحرام، وقد ذكرناه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قال يوسف : هي التي طلبت مني الفاحشة، ولم أُرِدْها منها، وجعل الله صبيًّا من أهلها يتكلم في المهد، فشهد بقوله: إن كان قميص يوسف شُقَّ من أمامه فذلك قرينة على صدقها؛ لأنها كانت تمنعه من نفسها، فهو كاذب.
<div class="verse-tafsir" id="91.NdJPr"