الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٤٤ من سورة يوسف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 93 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٤ من سورة يوسف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
واعتذروا إليه بأن هذه ) أضغاث أحلام ) أي : أخلاط اقتضت رؤياك هذه ( وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ) أي : ولو كانت رؤيا صحيحة من أخلاط ، لما كان لنا معرفة بتأويلها ، وهو تعبيرها .
القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ (44) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: قال الملأ الذين سألهم ملك مصر عن تعبير رؤياه: رؤياك هذه " أضغاث أحلام " ، يعنون أنها أخلاطٌ، رؤيا كاذبةٌ لا حقيقة لها .
* * * ، وهي جمع " ضغث " ، و " الضغث " أصله الحزمة من الحشيش ، يشبه بها الأحلام المختلطة التي لا تأويل لها ، و " الأحلام "، جمع حلم ، وهو ما لم &; 16-118 &; يصدق من الرؤيا ، ومن " الأضْغَاث " قول ابن مقبل: خَـوْدٌ كَـأَنَّ فِرَاشَـهَا وُضِعَـتْ بِـهِ أضْغَــاثُ رَيْحَــانٍ غَـدَاةَ شَـمَالٍ (1) ومنه قول الآخر: (2) يَحْــمِي ذِمَـارَ جَـنِينٍ قَـلَّ مَانِعُـهُ طَـاوٍ كَـضِغْثِ الخَلا فِي البَطْنِ مُكْتَمِن (3) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
*ذكر من قال ذلك: 19332 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله: (أضغاث أحلام) يقول: مشتبهة.
19333 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله: (أضغاث أحلام)، كاذبة.
19334 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال ،لما قصّ الملك رؤياه التي رأى على أصحابه ، قالوا: ( أضغاث أحلام)، أي فعل الأحلام.
19335 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة: (أضغاث أحلام)، قال: أخلاط أحلام ، (وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين).
19336 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عمرو بن محمد ، عن أبي مرزوق ، عن جويبر ، عن الضحاك قال ،" أضغاث أحلام "، كاذبة.
19337 - ...
قال، حدثني المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك: " قالوا أضغاث " قال : كذب.
19338- حدثت عن الحسين بن الفرج قال ،سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (أضغاث أحلام)، هي الأحلام الكاذبة.
* * * وقوله: (وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين)، يقول: وما نحن بما تئول إليه الأحلام الكاذبة بعالمين .
(4) * * * والباء الأولى التي في" التأويل " من صلة " العالمين " ، والتي في" العالمين "" الباء " التي تدخل في الخبر مع " ما " التي بمعنى الجحد ، ورفع " أضغاث أحلام " ، لأن معنى الكلام: ليس هذه الرؤيا بشيء، إنما هي أضغاث أحلام .
* * * ---------------------- الهوامش: (1) لم أجده في غير هذا المكان .
و" الخود" ، الفتاة الناعمة الشابة .
و" الشمال" هي الريح المعروفة ، وهي الباردة .
وما أطيب ما وصف ابن مقبل وما أبصره !
(2) لم أعرف قائله .
(3) هذا بيت لم أجده ، ولا أحسن تفسيره مفردًا .
(4) انظر تفسير" التأويل" فيما سلف ص : 98 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
قوله تعالى : قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : أضغاث أحلام قال الفراء : ويجوز أضغاث أحلام قال النحاس : النصب بعيد ، لأن المعنى : لم تر شيئا له تأويل ، إنما هي أضغاث أحلام ، أي أخلاط .
وواحد الأضغاث ضغث ، يقال لكل مختلط من بقل أو حشيش أو غيرهما ضغث ; قال الشاعر :كضغث حلم غر منه حالمهوما نحن بتأويل الأحلام بعالمين قال الزجاج : المعنى بتأويل الأحلام المختلطة ، نفوا عن أنفسهم علم ما لا تأويل له ، لا أنهم نفوا عن أنفسهم علم التأويل .
وقيل : نفوا عن أنفسهم علم التعبير .
والأضغاث على هذا الجماعات من الرؤيا التي منها صحيحة ومنها باطلة ، ولهذا قال الساقي : أنا أنبئكم بتأويله فعلم أن القوم عجزوا عن التأويل ، لا أنهم ادعوا ألا تأويل لها .
وقيل : إنهم لم يقصدوا تفسيرا ، وإنما أرادوا محوها من صدر الملك حتى لا تشغل باله ، وعلى هذا أيضا فعندهم علم .
والأحلام جمع حلم ، والحلم بالضم ما يراه النائم ، تقول منه حلم بالفتح واحتلم ، وتقول : حلمت ، بكذا وحلمته ، قال :فحلمتها وبنو رفيدة دونها لا يبعدن خيالها المحلومأصله الأناة ، ومنه الحلم ضد الطيش ; فقيل لما يرى في النوم حلم لأن النوم حالة أناة وسكون ودعة .الثانية : وفي الآية دليل على بطلان قول من يقول : إن الرؤيا على أول ما تعبر ، لأن القوم قالوا : أضغاث أحلام ولم تقع كذلك ; فإن يوسف فسرها على سني الجدب والخصب ، فكان كما عبر ; وفيها دليل على فساد أن الرؤيا على رجل طائر ، فإذا عبرت وقعت .
{ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ } أي أحلام لا حاصل لها، ولا لها تأويل.
وهذا جزم منهم بما لا يعلمون، وتعذر منهم، [بما ليس بعذر] ثم قالوا: { وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ } أي: لا نعبر إلا الرؤيا، وأما الأحلام التي هي من الشيطان، أو من حديث النفس، فإنا لا نعبرها.
فجمعوا بين الجهل والجزم، بأنها أضغات أحلام، والإعجاب بالنفس، بحيث إنهم لم يقولوا: لا نعلم تأويلها، وهذا من الأمور التي لا تنبغي لأهل الدين والحجا، وهذا أيضا من لطف الله بيوسف عليه السلام.
فإنه لو عبرها ابتداء - قبل أن يعرضها على الملأ من قومه وعلمائهم، فيعجزوا عنها -لم يكن لها ذلك الموقع، ولكن لما عرضها عليهم فعجزوا عن الجواب، وكان الملك مهتما لها غاية، فعبرها يوسف- وقعت عندهم موقعا عظيما، وهذا نظير إظهار الله فضل آدم على الملائكة بالعلم، بعد أن سألهم فلم يعلموا.
ثم سأل آدم، فعلمهم أسماء كل شيء، فحصل بذلك زيادة فضله، وكما يظهر فضل أفضل خلقه محمد صلى الله عليه وسلم في القيامة، أن يلهم الله الخلق أن يتشفعوا بآدم، ثم بنوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى عليهم السلام، فيعتذرون عنها، ثم يأتون محمدا صلى الله عليه وسلم فيقول: "أنا لها أنا لها" فيشفع في جميع الخلق، وينال ذلك المقام المحمود، الذي يغبطه به الأولون والآخرون.
فسبحان من خفيت ألطافه، ودقَّت في إيصاله البر والإحسان، إلى خواص أصفيائه وأوليائه.
( قالوا أضغاث أحلام ) أخلاط أحلام مشتبهة ، أهاويل ، واحدها ضغث ، وأصله الحزمة من أنواع الحشيش ، والأحلام جمع الحلم ، وهو الرؤيا ، والفعل منه حلمت أحلم ، بفتح اللام في الماضي وضمها في الغابر ، حلما وحلما ، مثقلا ومخففا .
( وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ) .
«قالوا» هذه «أضغاث أحلام» أخلاط «وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين».
قالوا: رؤياك هذه أخلاط أحلام لا تأويل لها، وما نحن بتفسير الأحلام بعالمين.
وقوله - سبحانه - ( قالوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحلام بِعَالِمِينَ ) حكاية لما ردبه الكهان والأشراف على ما طلبه الملك منهم .والأَضغاث : جمع ضغث - بكسر الضاد - وهو ما جمع فى حزمة واحدة من مختلف النيات وأعواد الشجر ، فصار خليطا غير متجانس .والأحلام : جمع حلْم وحلُم - بإسكان اللام وضمها تبعا للحاء - وهو ما يراه النائم فى منامه ، وتطلق كثيرا على ما ليس بحسن ، ففى الحديث الصحيح : " الرؤيا من الله والحلم الشيطان " .أى : قال الملأ للملك : ما رأيته أيها الملك فى نومك ما هو إلا تخاليط أحلام ومنامات باطلة ، فلا تهتم بها .فهم قد شبهوا ما رآه بالأضغاث فى اختلاطه ، وعدم التجانس بين أطرافها .ثم أضافوا إلى ذلك قولهم : ( وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحلام بِعَالِمِينَ ) .أى : إننا لسنا من أهل العلم بتفسير تخاليط الأحلام ، وإنما نحن من أهل العلم بتفسير المنامات المعقولة المفهومة .وقولهم هذا إنما هو اعتذار عن جهلهم ، بمعرفة تفسير رؤيا الملك ، ويبدو أن الملك كان يتوقع منهم هذا الجهل ، كما يشعر به قوله - تعالى - ( إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ) فقد أتى بإن المفيدة للشك .قال صاحب الكشاف : " فإن قلت : ما هو إلا حلم واحد فلماذا قالوا أضغاث أحلام فجمعوا!؟قلت : هو كما تقول فلان يركب الخيل ، ويلبس عمائم الخز ، لمن لا يركب إلا فرسا واحدا وماله إلا عمامه فردة ، تزيدا فى الوصف ، فهؤلاء أيضا تزيدوا فى وصف الحلم بالبطلان فجعلوه أضغاث أحلام - ويجوز أن يكون قد قص عليهم مع هذه الرؤيا سواها .
اعلم أنه تعالى إذا أراد شيئاً هيأ له أسباباً، ولما دنا فرج يوسف عليه السلام رأى ملك مصر في النوم سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات عجاف فابتلعت العجاف السمان، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها، وسبعاً أخر يابسات، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها فجمع الكمنة وذكرها لهم وهو المراد من قوله: ﴿ يابسات يأَيُّهَا الملا أَفْتُونِى فِي رؤياى ﴾ فقال القوم هذه الرؤيا مختلطة فلا تقدر على تأويلها وتعبيرها، فهذا ظاهر الكلام وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الليث: العجف ذهاب السمن والفعل عجف يعجف والذكر أعجف والأنثى عجفاء والجمع عجاف في الذكران والإناث.
وليس في كلام العرب أفعل وفعلاء جمعاً على فعال غير أعجف وعجاف وهي شاذة حملوها على لفظ سمان فقالوا: سمان وعجاف لأنهما نقيضان ومن دأبهم حمل النظير على النظير، والنقيض على النقيض، واللام في قوله: ﴿ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ على قول البعض زائدة لتقدم المفعول على الفعل، وقال صاحب الكشاف: يجوز أن تكون الرؤيا خبر كان كما تقول: كان فلان لهذا الأمر إذا كان مستقلاً به متمكناً منه وتعبرون خبراً آخر أو حالاً، ويقال عبرت الرؤيا أعبرها وعبرتها تعبيراً إذا فسرتها، وحكى الأزهري أن هذا مأخوذ من العبر، وهو جانب النهر ومعنى عبرت النهر، والطريق قطعته إلى الجانب الآخر فقيل لعابر الرؤيا عابر، لأنه يتأمل جانبي الرؤيا فيتفكر في أطرافها وينتقل من أحد الطرفين إلى الآخر، والأضغاث جمع الضغث وهو الحزمة من أنواع النبت والحشيش بشرط أن يكون مما قام على ساق واستطال قال تعالى: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ﴾ .
إذا عرفت هذا فنقول: الرؤيا إن كانت مخلوطة من أشياء غير متناسبة كانت شبيهة بالضغث.
المسألة الثانية: أنه تعالى جعل تلك الرؤيا سبباً لخلاص يوسف عليه السلام من السجن، وذلك لأن الملك لما قلق واضطرب بسببه، لأنه شاهد أن الناقص الضعيف استولى على الكامل القوي فشهدت فطرته بأن هذا ليس بجيد وأنه منذر بنوع من أنواع الشر، إلا أنه ما عرف كيفية الحال فيه والشيء إذا صار معلوماً من وجه وبقي مجهولاً من وجه آخر عظم تشوف الناس إلى تكميل تلك المعرفة وقويت الرغبة في إتمام الناقص لا سيما إذا كان الإنسان عظيم الشأن واسع المملكة، وكان ذلك الشيء دالاً على الشر من بعض الوجوه فبهذا الطريق قوى الله داعية ذلك الملك في تحصيل العلم بتعبير هذه الرؤيا، ثم إنه تعالى أعجز المعبرين اللذين حضروا عند ذلك الملك عن جواب هذه المسألة وعماه عليهم ليصير ذلك سبباً لخلاص يوسف من تلك المحنة.
واعلم أن القوم ما نفوا عن أنفسهم كونهم عالمين بعلم التعبير، بل قالوا: إن علم التعبير على قسمين منه ما تكون الرؤيا فيه منتسقة منتظمة فيسهل الانتقال من الأمور المتخيلة إلى الحقائق العقلية الروحانية ومنه ما تكون فيه مختلطة مضطربة ولا يكون فيها ترتيب معلوم وهو المسمى بالأضغاث والقوم قالوا إن رؤيا الملك من قسم الأضغاث ثم أخبروا أنهم غير عالمين بتعبير هذا القسم وكأنهم قالوا هذه الرؤيا مختلطة من أشياء كثيرة وما كان كذلك فنحن لا نهتدي إليها ولا يحيط عقلنا بها وفيها إيهام أن الكامل في هذا العلم والمتبحر فيه قد يهتدي إليها، فعند هذه المقالة تذكر ذلك الشرابي واقعة يوسف فإنه كان يعتقد فيه كونه متبحراً في هذا العلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أضغاث أَحْلاَمٍ ﴾ تخاليطها وأباطيلها، وما يكون منها من حديث نفس أو وسوسة شيطان.
وأصل الأضغاث: ما جمع من أخلاط النبات وحزم، الواحد: ضغث، فاستعيرت لذلك، والإضافة بمعنى (من) أي أضغاث من أحلام والمعنى: هي أضغاث أحلام.
فإن قلت: ما هو إلا حلم واحد، فلم قالوا: أضغاث أحلام فجمعوا؟
قلت: هو كما تقول: فلان يركب الخيل ويلبس عمائم الخز، لمن لا يركب إلا فرساً واحداً وما له إلا عمامة فردة، تزيدا في الوصف، فهؤلاء أيضاً تزيدوا في وصف الحلم بالبطلان، فجعلوه أضغاث أحلام.
ويجوز أن يكون قد قص عليهم مع هذه الرؤيا رؤيا غيرها ﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحلام بعالمين ﴾ إما أن يريدوا بالأحلام المنامات الباطلة خاصة، فيقولوا: ليس لها عندنا تأويل، فإن التأويل إنما هو للمنامات الصحيحة الصالحة، وإما أن يعترفوا بقصور علمهم وأنهم ليسوا في تأويل الأحلام بنحارير.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقالَ المَلِكُ إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ ﴾ لَمّا دَنا فَرَجُهُ رَأى المَلِكُ سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ خَرَجْنَ مِن نَهْرٍ يابِسٍ وسَبْعَ بَقَراتٍ مَهازِيلَ فابْتَلَعَتِ المَهازِيلُ السِّمانَ.
﴿ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ ﴾ قَدِ انْعَقَدَ حَبُّها.
﴿ وَأُخَرَ يابِساتٍ ﴾ وسَبْعًا أُخَرَ يابِساتٍ قَدْ أُدْرِكَتْ فالتَوَتِ اليابِساتُ عَلى الخُضَرِ حَتّى غَلَبَتْ عَلَيْها، وإنَّما اسْتَغْنى عَنْ بَيانِ حالِها بِما قَصَّ مِن حالِ البَقَراتِ، وأجْرى السِّمانَ عَلى المُمَيَّزِ دُونَ المُمَيِّزِ لِأنَّ التَّمْيِيزَ بِها ووَصِفَ السَّبْعُ الثّانِي بِالعِجافِ لِتَعَذُّرِ التَّمْيِيزِ بِها مُجَرَّدًا عَنِ المَوْصُوفِ فَإنَّهُ لِبَيانِ الجِنْسِ، وقِياسُهُ عُجُفٌ لِأنَّهُ جَمْعُ عَجْفاءَ لَكِنَّهُ حُمِلَ عَلى سِمانٍ لِأنَّهُ نَقِيضُهُ.
﴿ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ ﴾ عَبِّرُوها.
﴿ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ ﴾ إنْ كُنْتُمْ عالِمِينَ بِعِبارَةِ الرُّؤْيا وهي الِانْتِقالُ مِنَ الصُّوَرِ الخَيالِيَّةِ إلى المَعانِي النَّفْسانِيَّةِ الَّتِي هي مِثالُها مِنَ العُبُورِ وهي المُجاوَزَةُ، وعَبَّرْتُ الرُّؤْيا عِبارَةً أثْبَتُّ مِن عَبَّرْتُها تَعْبِيرًا واللّامُ لِلْبَيانِ أوْ لِتَقْوِيَةِ العامِلِ فَإنَّ الفِعْلَ لَمّا أُخِّرَ عَنْ مَفْعُولِهِ ضَعُفَ فَقُوِّيَ بِاللّامِ كاسْمِ الفاعِلِ، أوْ لِتَضَمُّنِ ﴿ تَعْبُرُونَ ﴾ مَعْنى فِعْلٍ يُعَدّى بِاللّامِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ تُنْتَدَبُونَ لِعِبارَةِ الرُّؤْيا.
﴿ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ ﴾ أيْ هَذِهِ أضْغاثُ أحْلامٍ وهي تَخالِيطُها جَمْعُ ضِغْثٍ وأصْلُهُ ما جُمِعَ مِن أخْلاطِ النَّباتِ وحِزَمٍ فاسْتُعِيرَ لِلرُّؤْيا الكاذِبَةِ، وإنَّما جَمَعُوا لِلْمُبالَغَةِ في وصْفِ الحِلْمِ بِالبُطْلانِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ، أوْ لِتَضَمُّنِهِ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً.
﴿ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ ﴾ يُرِيدُونَ بِالأحْلامِ المَناماتِ الباطِلَةَ خاصَّةً أيْ لَيْسَ لَها تَأْوِيلٌ عِنْدِنا، وإنَّما التَّأْوِيلُ لِلْمَناماتِ الصّادِقَةِ فَهو كَأنَّهُ مُقَدِّمَةٌ ثانِيَةٌ لِلْعُذْرِ في جَهْلِهِمْ بِتَأْوِيلِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{قَالُواْ أضغاث أَحْلاَمٍ} أي هي أضغاث أحلام أى تخاليطها وأباطيها وما يكون منها من حديث نفس أو وسوسة شيطان وأصل الأضغاث ما جمع من أخلاط النبات وحزم من أنواع الحشيش الواحد ضغث فاستعيرت لذلك والإضافة بمعنى من أي أضغاث من أحلام وإنما جمع وهو حلم واحد تزايداً في وصف الحلم بالبطلان وجاز أن يكون قد قص عليهم مع هذه الرؤيا رؤيا غيرها {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحلام بعالمين} أرادوا بالأحلام المنامات الباطلة فقالوا ليس لها عندنا تأويل إنما التأويل للمنامات الصحيحة أو اعترفوا بقصور علمهم وأنهم ليسوا في تأويل الأحلام بخابرين
﴿ قالُوا ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ المَلَأُ لِلْمَلِكِ إذْ قالَ لَهم ذَلِكَ؟
فَقِيلَ: قالُوا: هي ﴿ أضْغاثُ أحْلامٍ ﴾ أيْ هي ( أضْغاثُ) إلَخْ، وهي جَمْعُ ضِغْثٍ وهو أقَلُّ مِنَ الحُزْمَةِ وأكْثَرُ مِنَ القَبْضَةِ مِن أخْلاطَ النَّباتِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى ما كانَ مِن جِنْسٍ واحِدٍ كَما في قَوْلِهِ: خُودٌ كَأنَّ فِراشَها وضَعَتْ بِهِ أضْغاثَ رَيْحانٍ غَداةَ شَمالٍ وجَعَلَ مِن ذَلِكَ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ﴾ فَقَدْ رُوِيَ أنَّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ عِثْكالًا مِنَ النَّخْلِ فَضَرَبَ بِهِ، وفي الكَشّافِ أنَّ (أضْغاثُ الأحْلامٍ) تَخالِيطُها وأباطِيلُها وما يَكُونُ مِنها مِن حَدِيثِ نَفْسٍ أوْ وسْوَسَةِ شَيْطانٍ، وقَدِ اسْتُعِيرَتْ لِذَلِكَ، وأصْلُها ما جُمِعَ مِن أخْلاطِ النَّباتِ وحُزَمِهِ وإضافَتُها عَلى مَعْنى مِن أيِّ أضْغاثٍ مِن أحْلامٍ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ الأضْغاثَ إذا اسْتُعِيرَتْ لِلْأحْلامِ الباطِلَةِ، والأحْلامُ مَذْكُورَةٌ، ولَفْظُ هي المُقَدَّرُ عِبارَةٌ عَنْ رُؤْيا مَخْصُوصَةٍ فَقَدْ ذُكِرَ المُسْتَعارُ والمُسْتَعارُ لَهُ، وذَلِكَ مانِعٌ مِن الِاسْتِعارَةِ عَلى الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ، وقَدْ أجابَ الكَثِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِما لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في تَقْرِيرِ ذاكَ وجْهَيْنِ.
الأوَّلُ أنَّهُ يُرِيدُ أنَّ حَقِيقَةَ الأضْغاثِ أخْلاطُ النَّباتِ فَشَبَّهَ بِهِ التَّخالِيطَ والأباطِيلَ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَتْ أحْلامًا أمْ غَيْرَها، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الصِّحاحِ، والأساسُ: ضِغْثُ الحَدِيثِ خَلْطُهُ، ثُمَّ أُرِيدَ هُنا بِواسِطَةِ الإضافَةِ أباطِيلُ مَخْصُوصَةٌ فَطَرَفا الِاسْتِعارَةِ أخْلاطُ النَّباتِ والأباطِيلُ المُلْفَقاتُ، فالأحْلامُ ورُؤْيا المَلِكِ خارِجانِ عَنْهُما فَلا يَضُرُّ ذِكْرُهُما كَما إذا قُلْتَ: رَأيْتُ أسَدَ قُرَيْشٍ فَهو قَرِينَةٌ أوْ تَجْرِيدٌ، وقَوْلُهُ: تَخالِيطُها تَفْسِيرٌ لَهُ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، وقَوْلُهُ: وقَدِ اسْتُعِيرَتْ لِذَلِكَ إشارَةً إلى التَّخالِيطِ.
الثّانِي أنَّ الأضْغاثَ اسْتُعِيرَتْ لِلتَّخالِيطِ الواقِعَةِ في الرُّؤْيا الواحِدَةِ فَهي أجْزاؤُها لا عَيْنُها فالمُسْتَعارُ مِنهُ حُزَمُ النَّباتِ والمُسْتَعارُ لَهُ أجْزاءُ الرُّؤْيا، وهَذا كَما إذا اسْتَعَرْتَ الوَرْدَ لِلْخَدِّ، ثُمَّ قُلْتَ: شَمَمْتُ ورْدَ هِنْدٍ مَثَلًا فَإنَّهُ لا يُقالُ: إنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ الطَّرَفانِ اهـ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وارْتِكابِ غَيْرِ الظّاهِرِ.
واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم كَوْنَ ( أضْغاثُ أحْلامٍ ) مِن قَبِيلِ لُجَيْنِ الماءِ، ولا يَخْفى أنَّهُ سالِمٌ عَمّا أوْرَدَ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ إلّا أنَّ صاحِبَ الأساسِ قَدْ صَرَّحَ بِأنَّ ذَلِكَ مِنَ المَجازِ، والمُتَبادِرُ مِنهُ المَجازُ المُتَعارَفُ الَّذِي لا يُطْلَقُ عَلى ما ذُكِرَ، ولَعَلَّ الأمْرَ في ذَلِكَ سَهْلٌ، والأحْلامُ جَمْعُ حُلُمٍ بِضَمَّةٍ وبِضَمَّتَيْنِ المَناماتُ الباطِلَةُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ جَمْعٌ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الرُّؤْيا والحُلْمُ عِبارَةٌ عَمّا يَراهُ النّائِمُ مُطْلَقًا لَكِنْ غَلَبَتِ الرُّؤْيا عَلى ما يَراهُ مِنَ الخَيْرِ والشَّيْءِ الحَسَنِ، وغَلَبَ الحُلْمُ عَلى خِلافِهِ، وفي الحَدِيثِ: «”الرُّؤْيا مِنَ اللَّهِ تَعالى والحُلْمُ مِنَ الشَّيْطانِ“،» وقالَ التُّورَبَشْتِيُّ: الحُلْمُ عِنْدَ العَرَبِ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الرُّؤْيا، والتَّفْرِيقُ مِن الِاصْطِلاحاتِ الَّتِي سَنَّها الشّارِعُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ كَأنَّهُ كَرِهَ أنْ يُسَمِّيَ ما كانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى وما كانَ مِنَ الشَّيْطانِ بِاسْمٍ واحِدٍ فَجَعَلَ الرُّؤْيا عِبارَةً عَنِ القِسْمِ الصّالِحِ لِما فِيها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى مُشاهَدَةِ الشَّيْءِ بِالبَصَرِ والبَصِيرَةِ، وجَعَلَ الحُلْمَ عِبارَةً عَمّا كانَ مِنَ الشَّيْطانِ لِأنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ لَمْ تُسْتَعْمَلْ إلّا فِيما يُخَيَّلُ لِلْحالِمِ في مَنامِهِ مِن قَضاءِ الشَّهْوَةِ بِما لا حَقِيقَةَ لَهُ اهـ، وهو كَلامٌ حَسَنٌ، ومِمّا يَشْهَدُ لَهُ في دَعْوى كَوْنِ الحُلُمِ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ العَرَبِ اسْتِعْمالَ الرُّؤْيا البَيْتُ السّابِقُ الَّذِي أنْشَدَهُ المُبَرِّدُ كَما لا يَخْفى، وإنَّما قالُوا ( أضْغاثُ أحْلامٍ ) بِالجَمْعِ مَعَ أنَّ الرُّؤْيا ما كانَتْ إلّا واحِدَةً لِلْمُبالَغَةِ في وصْفِ ذَلِكَ بِالبُطْلانِ، وهَذا كَما يُقالُ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ ويَلْبَسُ عَمائِمَ الخَزِّ لِمَن لا يَرْكَبُ إلّا فَرَسًا واحِدًا وما لَهُ إلّا عِمامَةٌ فَرْدَةٌ.
وفِي الفَرائِدِ لِما كانَتْ ( أضْغاثُ أحْلامٍ ) مُسْتَعارَةً لِما ذُكِرَ وهي تَخالِيطُها وأباطِيلُها وهي مُتَحَقِّقَةٌ في رُؤْيا واحِدَةٍ بِحَسَبِ أنَّها مُتَرَكِّبَةٌ مِن أشْياءَ كُلٌّ مِنها حُلُمٌ فَكانَتْ أحْلامًا، قالَ الشِّهابُ: وهو واهٍ وإنِ اسْتَحْسَنَهُ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ، نَعَمْ لَيْسَ هَذا مِن إطْلاقِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ لِوُجُودِ ذَلِكَ في هَذا الجِنْسِ إذِ الإضافَةُ عَلى مَعْنى فِي، ثُمَّ نُقِلَ عَنِ الرَّضِيِّ أنَّهُ قالَ في شَرْحِ الشّافِيَةِ إنَّ جَمْعَ القِلَّةِ لَيْسَ بِأصْلٍ في الجَمْعِ لِأنَّهُ لا يُذْكَرُ إلّا حَيْثُ يُرادُ بَيانُ القِلَّةِ فَلا يُسْتَعْمَلُ لِمُجَرَّدِ الجَمْعِيَّةِ والجِنْسِيَّةِ كَما يُسْتَعْمَلُ لَهُ جَمْعُ الكَثْرَةِ، يُقالُ: فُلانٌ حَسَنُ الثِّيابِ في مَعْنى حَسَنِ الثَّوْبِ ولا يَحْسُنُ حَسَنُ الثَّوْبِ، وكَمْ عِنْدَكَ مِنَ الثَّوْبِ، أوْ مِنَ الثِّيابِ، ولا يَحْسُنُ مِنَ الأثْوابِ اهـ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ ذَكَرَهُالشَّرِيفُ في شَرْحِ المِفْتاحِ وهو مُخالِفٌ لِما ذَكَرُوهُ هُنا فَتَأمَّلْهُ، ولَعَلَّ ما ذُكِرَ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ إنَّما هو في جَمْعِ القِلَّةِ الَّذِي مَعَهُ جَمْعُ كَثْرَةٍ كَما ذَكَرَهُ في المِثالِ لا في ذَلِكَ وجَمْعُ القِلَّةِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ جَمْعُ كَثْرَةٍ كَما هُنا، فَإنّا لَمْ نَجِدْ في كُتُبِ اللُّغَةِ جَمْعًا لِمُفْرَدِ هَذا الجَمْعِ غَيْرَ هَذا الجَمْعِ، وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ جَمْعَ القِلَّةِ إذا لَمْ يُوجَدْ مَعَهُ جَمْعُ كَثْرَةٍ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ جَمْعِ الكَثْرَةِ، ثُمَّ لا يَخْفى حُسْنُ مَوْقِعِ الأضْغاثِ مَعَ السَّنابِلِ، فَيا لِلَّهِ دَرُّ شَأْنِ التَّنْزِيلِ ما أبْدَعَ رِياضِ بَلاغَتِهِ.
﴿ وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ ﴾ أيِ المَناماتِ الباطِلَةِ ﴿ بِعالِمِينَ ﴾ لِأنَّها لا تَأْوِيلَ لَها وإنَّما التَّأْوِيلُ لِلْمَناماتِ الصّادِقَةِ، وهَذا إمّا لِشُيُوعِ الأحْلامِ في أباطِيلِها، وإمّا لِكَوْنِ اللّامِ لِلْعَهْدِ والمَعْهُودُ الأضْغاثُ مِنها، والكَلامُ وارِدٌ عَلى أُسْلُوبِ: عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ.
وهو إشارَةٌ إلى كُبْرى قِياسٌ ساقُوهُ لِلْعُذْرِ عَنْ جَهْلِهِمْ كَأنَّهم قالُوا هَذِهِ رُؤْيا باطِلَةٌ وكُلُّ رُؤْيا كَذَلِكَ لا نَعْلَمُ تَأْوِيلَها أيْ لا تَأْوِيلَ لَها حَتّى نَعْلَمَهُ يَنْتُجُ هَذِهِ رُؤْيا لا تَأْوِيلَ لَها.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأحْلامِ الرُّؤى مُطْلَقًا، وألْ فِيهِ لِلْجِنْسِ، والكَلامُ اعْتِرافٌ مِنهم بِقُصُورِ عِلْمِهِمْ وأنَّهم لَيْسُوا بِنَحارِيرَ في تَأْوِيلِ الرُّؤى مَعَ أنَّ لَها تَأْوِيلًا، واخْتارَهُ ابْنُ المُنِيرِ وادَّعى أنَّهُ الظّاهِرُ، وأنَّ قَوْلَ المَلِكِ لَهم أوَّلًا ﴿ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا في عِلْمِهِ عالِمِينَ بِها لِأنَّهُ أتى بِكَلِمَةِ الشَّكِّ فَجاءَ اعْتِرافُهم بِالقُصُورِ مُطابِقًا لِشَكِّ المَلِكِ الَّذِي أخْرَجَهُ مَخْرَجَ اسْتِفْهامِهِمْ عَنْ كَوْنِهِمْ عالِمِينَ، وأنَّ قَوْلَ الفَتى: ﴿ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ ﴾ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ أيْضًا.
وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ يُشْعِرُ بِهِ عُدُولُهم عَمّا وقَعَ في كَلامِ المَلِكِ مِنَ العِبارَةِ المُعَبِّرَةِ عَنْ مُجَرَّدِ الِانْتِقالِ مِنَ الدّالِّ إلى المَدْلُولِ حَيْثُ لَمْ يَقُولُوا بِتَعْبِيرِ الأحْلامِ أوْ عِبارَتُها إلى التَّأْوِيلِ المُنْبِئِ عَنِ التَّصَرُّفِ، والتَّكَلُّفُ في ذَلِكَ لِما بَيْنَ الآيِلِ والمَآلِ مِنَ البُعْدِ، واعْتَرَضَ بِأنَّهُ عَلى هَذا يَبْقى قَوْلُهُمْ: ﴿ أضْغاثُ أحْلامٍ ﴾ ضائِعًا إذْ لا دَخْلَ لَهُ في العُذْرِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ إزالَةَ خَوْفِ المَلِكِ مِن تِلْكَ الرُّؤْيا فَلا يَبْقى ضائِعًا.
وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّ وجْهَ ذَلِكَ أنْ يُجْعَلَ الأوَّلُ جَوابًا مُسْتَقِلًّا، والثّانِي كَذَلِكَ أيْ هَهُنا أمْرانِ: أحَدُهُما مِن جانِبِ الرّائِي، والثّانِي مِن جانِبِ المُعَبِّرِ، ووَجْهُ تَقْدِيرِ الظَّرْفِ عَلى عامِلِهِ إنّا أصْحابُ الآراءِ والتَّدابِيرِ وعِلْمُنا بِذَلِكَ رَصِينٌ لا بِتَأْوِيلِ الرُّؤى، ووَجْهُهُ عَلى الأوَّلِ ظاهِرٌ، وادَّعى أنَّ المَقامَ يُطابِقُهُ، ووُرُودُهُ عَلى ذَلِكَ الأُسْلُوبِ مَقُولُهُ لا مُوهِنَ خِلافًا لِما في الِانْتِصافِ، ويَقْوى عِنْدَ اخْتِيارِ الوَجْهِ الثّانِي إذا كانَ الخِطابُ لِجُلَسائِهِ وأهْلِ مَشُورَتِهِ مِن أهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ لِأنَّ الأغْلَبَ عَلى أمْثالِهِمُ الجَهْلُ بِمِثْلِ هَذا العِلْمِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ إلّا أفْرادٌ مِنَ النّاسِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا يعني: قال يوسف للذي علم أنه ينجو من السجن والقتل وهو الساقي: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ قال يوسف للساقي: إذا دعاك الملك وسقيته، فاذكرني عنده فإني مظلوم قد عدا عليّ إخوتي فباعوني.
فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ يعني: أنسى الشيطان يوسف أن يستغيث بالله تعالى، فاستغاث بالملك.
وقال الفراء: أنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف عند الملك.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ قال: هو يوسف، أنساه الشيطان ذكر ربه، وأمره بذكر الملك، وابتغى الفرج من عنده (١) وروى معمر عن قتادة أنه قال: بلغني أن النبيّ قال: «لَوْ لَمْ يَسْتَعِنْ يُوسُفُ عَلَى رَبِّهِ، لَمَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ» (٢) بضع سنين أي سبع سنين، سوى الخمس الذي مكث فيه، وذلك اثنتا عشرة سنة.
وقال بعضهم: جميع ما أقام فيه سبع سنين.
وقال بعضهم: ثماني عشرة سنة.
ثمّ إن الملك رأى في المنام، واسم الملك ريان بن الوليد، فذلك قوله تعالى: وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى يعني: رأيت في المنام سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ خرجن من نهر مصر ثمّ خرج من بعدهنّ سَبْعٌ عِجافٌ هزلى، فابتلع العجاف السمان، فدخلن في بطونهن، فلم يرَ منهنّ شيء، ورأيت وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يعني: سنبلات أخر يابسات يا أَيُّهَا الْمَلَأُ يعني: العرافين والسحرة والكهنة أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ يعني: عبروا رؤياي، وبيّنوا تفسيرها إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ أي: تفسرون قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ يعني: أباطيل أحلام مختلطة وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ يعني: ليس للرؤيا المختلطة عندنا تفسير.
وقال أهل اللغة: كل رؤيا لا تأويل لها، فهي أَضْغاثُ أَحْلامٍ أي: أباطيل أحلام مختلطة، واحدها: ضغث.
(١) عزاه السيوطي 4/ 542 إلى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن أبي شيبة.
(٢) عزاه السيوطي: 4/ 541 إلى ابن جرير وأبي الشيخ.
<div class="verse-tafsir"
قيل: هو عائد إلى يوسف، أي: نسي في ذلك الوقت أن يشتكي إلى الله، فروي أنّ جبريل جاءه، فعاتبه عن الله عزّ وجلّ في ذلك، قيل: أوحي إليه: يا يوسف، اتّخذت من دوني وكيلا، لأطيلنّ سجنك، والله أعلم بصحّته، وقيل: الضمير في فَأَنْساهُ عائد على السّاقي، قاله ابن إسحاق، أي: نسي ذكر يوسف عند ربّه، وهو الملك «١» ، والبضع:
اختلف فيه، والأكثر أنّه من الثلاثة إلى العشرة قاله ابن عباس «٢» : وعلى هذا فقه مذهب مالك في الدعاوي والأيمان، وقال قتادة: البضع: من الثلاثة إلى التسعة «٣» ، ويقوي هذا قوله صلّى الله عليه وسلّم لأبي بكر الصّديق في قصة خطره مع قريش في غلبة الرّوم لفارس: «أما علمت أنّ البضع من الثّلاث إلى التّسع «٤» .
وقوله سبحانه: وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ:
روي أنه قال: رَأَيْتُهَا خَارجةً من نَهْرٍ، وخرجَتْ وراءَها سَبْعٌ عِجاف، فأكلَتْ تلك السِّمان، وحَصَلَتْ في بطونها، ورأى السنابلَ أيضاً كما ذكر، و «ال عِجافٌ: التي بَلَغَتْ غايةَ الهُزَال، ثم قال لحاضريه: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ، وعبارة الرؤية: مأخوذة منْ عَبْرِ النَّهْرِ، وهو تجاوزه مِنْ شَطٍّ إِلى شَطِّ، فكأنَّ عابر الرؤيا يَنْتَهِي إِلى آخر تأويلها.
قال ص: وإِنما لم يضفْ «سبع» إِلى عِجَافٍ لأنَّ اسم العدد لا يضاف إِلى الصفة إِلا في الشِّعْرِ، انتهى.
وقولهُ سبحانه: قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ ...
الآية: «الضِّغْثِ» في كلام العرب:
أقَلُّ من الحُزْمة، وأكثَرُ من القَبْضة من النباتِ والعُشْبِ ونحوه، وربَّما كان ذلك مِنْ جنس
واحدٍ، وربما كان من أخْلاَط النباتِ، والمعنى: أنَّ هذا الذي رأَيْتَ أيها الملكُ اختلاط من الأحلامِ بسَبَبِ النوم، ولسنا من أهْلِ العلم بما هو مختلط ورديء، والْأَحْلامِ: جمع حُلْم، وهو ما يخيَّل إِلى الإِنسان في منامه، والأحلام والرؤيا ممَّا أثبتَتْه الشريعةُ، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ، وَهِيَ مِنَ المُبَشِّرَةِ وَالحُلْمُ المُحْزِنُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ/ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ مَا رَأَيْتُ، فَإِنَّهَا لاَ تَضُرُّهُ» «١» .
وما كان عن حديث النفْسِ في اليقظة، فإِنه لا يلتفت إِليه، ولما سمع الساقي الذي نجا هذه المقالَةَ من المَلِكِ، ومُرَاجَعَةَ أصحابه، تذكَّر يوسُف، وعلْمَهُ بالتأويل، فقال مقالَتَه في هذه الآية، وَادَّكَرَ: أصله: «اذتكر» من الذِّكْرِ، فقلبتِ التاء دالاً، وأدغم الأول في الثاني، وقرأ جمهور الناس «٢» : «بَعْدَ أُمَّةٍ» ، وهي المدَّة من الدهر، وقرأ ابن عباس «٣» وجماعة: «بَعْدَ أَمَةٍ» ، وهو النسيانُ، وقرأ مجاهد «٤» وشبل: «بَعْدَ أَمْةٍ» - بسكون الميم-، وهو مصْدَرٌ من «أَمِهَ» إِذا نَسِيَ، وبقوله: ادَّكَرَ يقوِّي قول من قال: إِن الضمير في «أنساه» عائدٌ على الساقي، والأمر محتمل، وقرأ الجمهور «٥» : «أنا أنبّئكم» ، وقرأ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: واحِدُها ضِغْثٌ مَكْسُورَةً، وهي ما لا تَأْوِيلَ لَهُ مِنَ الرُّؤْيا تَراهُ جَماعاتٍ، تُجْمَعُ مِنَ الرُّؤْيا كَما يُجْمَعُ الحَشِيشُ، فَيُقالُ: ضِغْثٌ، أيْ: مَلْءُ كَفٍّ مِنهُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: الأضْغاثُ: الرُّؤْيا المُخْتَلِطَةُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " أضْغاثُ أحْلامٍ " أيْ: أخْلاطٌ مِثْلُ أضْغاثِ النَّباتِ يَجْمَعُها الرَّجُلُ، فَيَكُونُ فِيها ضُرُوبٌ مُخْتَلِفَةٌ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الضِّغْثُ في اللُّغَةِ: الحِزْمَةُ والباقَةُ مِنَ الشَّيْءِ، كالبَقْلِ وما أشْبَهَهُ، فَقالُوا لَهُ: رُؤْياكَ أخْلاطٌ أضْغاثٌ، أيْ: حِزَمٌ أخْلاطٌ، لَيْسَتْ بِرُؤْيا بَيِّنَةٍ، " وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ " أيْ: لَيْسَ لِلرُّؤْيا المُخْتَلِطَةِ عِنْدَنا تَأْوِيلٌ.
وقالَ غَيْرُهُ: وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ الَّذِي هَذا وصَفُها بِعالِمِينَ.
والأحْلامُ: جَمَعَ حُلُمٍ، وهو ما يَراهُ الإنْسانُ في نَوْمِهِ مِمّا يَصِحُّ ومِمّا يَبْطُلُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ المَلِكُ إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعَ عِجافٌ وسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ ﴾ ﴿ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ ﴾ المَعْنى: وقالَ المَلِكُ الأعْظَمُ: ﴿ إنِّي أرى ﴾ يُرِيدُ: في مَنامِهِ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ ﴾ ، وحُكِيَتْ حالٌ ماضِيَةٌ بِـ "أرى" وهو مُسْتَقْبِلٌ مِن حَيْثُ يَسْتَقْبِلُ النَظَرَ في الرُؤْيا.
﴿ سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ ﴾ ، يُرْوى أنَّهُ قالَ: رَأيْتُها خارِجَةً مَن نَهْرٍ، وخَرَجَتْ وراءَها سَبْعٌ عِجافٌ، فَرَأيْتُها أكَلَتْ تِلْكَ السِمانَ حَتّى حَصَلَتْ في بُطُونِها، ورَأى السَنابِلَ أيْضًا كَما ذَكَرَ، والعِجافُ: الَّتِي بَلَغَتْ غايَةَ الهُزالِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ...................
ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ ثُمَّ قالَ لِجَماعَتِهِ وحاضِرِيهِ: ﴿ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي ﴾ .
قَرَأتْ فِرْقَةٌ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِأنْ لَفَظَتْ بِألِفِ "أفْتُونِي" واوًا.
وقَوْلُهُ: ﴿ لِلرُّؤْيا ﴾ دَخَلَتِ اللامُ لِمَعْنى التَأْكِيدِ والرَبْطِ، وذَلِكَ أنَّ المَفْعُولَ إذا تَقَدَّمَ حَسُنَ في بَعْضِ الأفْعالِ أنْ تَدْخُلَ عَلَيْهِ لامُ الجَرِّ، وإذا تَأخَّرَ لَمْ يَحْتَجِ الفِعْلُ إلى ذَلِكَ، و(عِبارَةُ الرُؤْيا): مَأْخُوذَةٌ مِن: عَبَرَ النَهْرَ، وهو تَجاوُزُهُ مِن شَطٍّ إلى شَطٍّ، فَكَأنَّ عابِرَ الرُؤْيا يَنْتَهِي إلى آخِرِ تَأْوِيلِها.
وقَوْلُهُ: ﴿ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ ﴾ الآيَةُ.
الضِغْثُ -فِي كَلامِ العَرَبِ - أقَلُّ مِنَ الحُزْمَةِ وأكْثَرُ مِنَ القَبْضَةِ مِنَ النَباتِ والعُشْبِ ونَحْوِهِ، ورُبَّما كانَ ذَلِكَ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، ورُبَّما كانَ مِن أخْلاطِ النَباتِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا ﴾ ، ورُوِيَ أنَّهُ أخَذَ (عِثْكالًا) مِنَ النَخْلِ، ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ فَعَلَ نَحْوَ هَذا في حَدٍّ أقامَهُ عَلى رَجُلِ زَمِنٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ: خَوْدٌ كَأنَّ فِراشَها وُضِعَتْ بِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ أضْغاثُ رَيْحانٍ غَداةَ شَمالٍ وَمِنَ الأخْلاطِ قَوْلُ العَرَبِ في أمْثالِها: (ضِغْثٌ عَلى إبّالَةٍ)، فَيُشَبِّهُ اخْتِلاطَ الأحْلامِ بِاخْتِلاطِ الجُمْلَةِ مِنَ النَباتِ، والمَعْنى: أنَّ هَذا الَّذِي رَأيْتَ، أيُّها المَلِكُ، اخْتِلاطٌ مِنَ الأحْلامِ بِسَبَبِ النَوْمِ، ولَسْنا مِن أهْلِ العِلْمِ بِذَلِكَ، أيْ: بِما هو مُخْتَلِطٌ ورَدِيءٌ، فَإنَّما نَفَوْا عن أنْفُسِهِمْ عَبْرَ الأحْلامِ لا عَبْرَ الرُؤْيا عَلى الإطْلاقِ، وقَدْ قالَ النَبِيُّ : « "الرُؤْيا مِنَ اللهِ، والحُلْمُ مِنَ الشَيْطانِ".»«وَقالَ لِلَّذِي كانَ يَرى رَأْسَهُ يُقْطَعُ ثُمَّ يَرُدُّهُ فَيَرْجِعُ: "إذا لَعِبَ الشَيْطانُ بِأحَدِكم في النَوْمِ فَلا يُحَدِّثُ بِذَلِكَ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالأحْلامُ وحَدَثانِ النَفْسِ مُلْغاةٌ، الرُؤْيا هي الَّتِي تُعَبَّرُ ويُلْتَمَسُ عِلْمُها.
والباءُ في قَوْلِهِ: "بِعالِمِينَ" لِلتَّأْكِيدِ، وفي قَوْلِهِ: "بِتَأْوِيلِ" لِلتَّعْدِيَةِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: "بِعالِمِينَ".
و(الأحْلامِ): جَمْعُ حُلْمٍ، يُقالُ: حَلَمَ الرَجُلُ -بِفَتْحِ اللامِ- يَحْلُمُ إذا خُيِّلَ إلَيْهِ في مَنامِهِ، والأحْلامُ مِمّا أثْبَتَتْهُ الشَرِيعَةُ، وقالَ رَسُولُ اللهِ : « "الرُؤْيا مِنَ اللهِ، وهي المُبَشِّرَةُ، والحُلْمُ المُحْزِنُ مِنَ الشَيْطانِ، فَإذا رَأى أحَدُكم ما يَكْرَهُ فَلْيَتْفُلْ عَلى يَسارِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، ولِيَقُلْ: أعُوذُ بِاللهِ مِن شَرِّ ما رَأيْتُ، فَإنَّها لا تَضُرُّهُ".» وما كانَ عن حَدِيثِ النَفْسِ في اليَقَظَةِ فَإنَّهُ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ.
ولَمّا سَمِعَ الساقِي الَّذِي نَجا هَذِهِ المَقالَةَ مِنَ المَلِكِ ومُراجِعَةِ أصْحابِهِ تَذَكَّرَ يُوسُفَ وَعِلْمَهُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ والرُؤى، فَقالَ مَقالَتَهُ في هَذِهِ الآيَةِ.
و”ادَّكَرَ" أصْلُهُ: اذْتَكَرَ، افْتَعَلَ مِنَ الذِكْرِ، قُلِبَتُ التاءُ دالًا وأُدْغِمَ الأوَّلُ في الثانِي، ثُمَّ بُدِّلَتْ دالًا غَيْرَ مَنقُوطَةٍ لِقُوَّةِ الدالِّ وجَلَدِها، وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: "اذَّكَّرَ"، وقُرِئَ: "فَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ" بِالنُقَطِ، و"مِن مُدَّكِرٍ" عَلى اللُغَتَيْنِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "بَعْدَ أُمَّةٍ" وهي المُدَّةُ مِنَ الدَهْرِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ: "بَعْدَ أمَةٍ" وهو النِسْيانُ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وشُبَيْلُ بْنُ عَزْرَةَ: "بَعْدَ أمْهٍ" بِسُكُونِ المِيمِ، وهو مَصْدَرٌ مِن "أمِهَ" إذا نَسِيَ، وقَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ: "بَعْدَ إمَّةٍ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والإمَّةُ: النِعْمَةُ، والمَعْنى: بَعْدَ نِعْمَةٍ أنْعَمَها اللهُ عَلى يُوسُفَ في تَقْرِيبِ إطْلاقِهِ وعِزَّتِهِ.
وبِقَوْلِهِ: "وادَّكَرَ" يُقَوِّي قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّ الضَمِيرَ في "فَأنْساهُ" عائِدٌ عَلى الساقِي، والأمْرُ مُحْتَمَلٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنا أُنَبِّئُكُمْ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "أنا آتِيكُمْ"، وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَأرْسِلُونِ ﴾ اسْتِئْذانٌ في المُضِيِّ، فَقِيلَ: كانَ السِجْنُ في غَيْرِ مَدِينَةِ المَلِكِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقِيلَ: كانَ فِيها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَرْسُمُ الناسُ اليَوْمَ سِجْنَ يُوسُفَ في مَوْضِعٍ عَلى النِيلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفُسْطاطِ ثَمانِيَةُ أمْيالٍ.
<div class="verse-tafsir"
هذا عطف جزء من قصة على جزء منها تكملة لوصف خلاص يوسف عليه السّلام من السجن.
والتعريف في ﴿ الملك ﴾ للعهد، أي ملك مصر.
وسماه القرآن هنا ملكاً ولم يسمه فرعونَ لأن هذا الملك لم يكن من الفراعنة ملوك مصر القبط، وإنما كان ملكاً لمصر أيامَ حَكَمَها (الهِكسوس)، وهم العمالقة، وهم من الكنعانيين، أو من العرب، ويعبر عنهم مؤرخو الإغريق بملوك الرعاة، أي البَدو.
وقد ملكوا بمصر من عام 1900 إلى عام 1525 قبل ميلاد المسيح عليه السّلام.
وكان عصرهم فيما بين مدة العائلة الثالثة عشرة والعائلة الثامنة عشرة من ملوك القبط، إذ كانت عائلات ملوك القبط قد بقي لها حكم في مصر العليا في مدينة (طِيبة) كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وقال الذي اشتراه ﴾ [سورة يوسف: 21].
وكان ملكهم في تلك المدة ضعيفاً لأن السيادة كانت لملوك مصر السفلى.
ويقدّر المؤرخون أن ملك مصر السفلى في زمن يوسف عليه السّلام كان في مدة العائلة السابعة عشرة.
فالتعبير عنه بالملك في القرآن دون التعبير بفرعون مع أنه عبّر عن ملك مصر في زمن موسى عليه السّلام بلقب فرعون هو من دقائق إعجاز القرآن العلمي.
وقد وقع في التوراة إذ عبر فيها عن ملك مصر في زمن يوسف عليه السّلام فرعون وما هو بفرعون لأن أمته ما كانت تتكلم بالقبطية وإنما كانت لغتهم كنعانية قريبَة من الآرامية والعربية، فيكون زمن يوسف عليه السّلام في آخر أزمان حكم ملوك الرعاة على اختلاف شديد في ذلك.
وقوله: سِمانٍ } جمع سمينة وسَمين، مثل كرام، وهو وصف ل ﴿ بقرات ﴾ .
و ﴿ عجاف ﴾ جمع عجفاء.
والقياس في جمع عجفاء عُجف لكنه صيغ هنا بوزن فِعال لأجل المزاوجة لمقارنه وهو ﴿ سمان ﴾ .
كما قال الشاعر: هتّاك أخبية ولاّج أبوية *** والقياس أبواب لكنه حمله على أخبية.
والعجفاء: ذات العَجَف بفتحتين وهو الهزال الشديد.
و ﴿ وسبع سنبلات ﴾ معطوف على ﴿ سبع بقرات ﴾ .
والسنبلة تقدمت في قوله تعالى: ﴿ كمثل حبةٍ أنبتت سبع سنابل ﴾ في سورة البقرة (261).
والملأ: أعيان الناس.
وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ قال الملأ من قومه ﴾ في سورة الأعراف (60).
والإفتاء: الإخبار بالفتوى.
وتقدمت آنفاً عند قوله: ﴿ قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ﴾ [سورة يوسف: 41].
وفي} للظرفية المجازية التي هي بمعنى الملابسة، أي أفتوني إفتاء ملابساً لرؤياي ملابسة البيان للمجمل.
وتقديم ﴿ للرؤيا ﴾ على عامله وهو ﴿ تعبرون ﴾ للرعاية على الفاصلة مع الاهتمام بالرؤيا في التعبير.
والتعريف في ﴿ للرؤيا ﴾ تعريف الجنس.
واللام في ﴿ للرؤيا ﴾ لام التقوية لضعف العامل عن العمل بالتأخير عن معموله.
يقال: عَبَر الرؤيا من باب نَصر.
قال في «الكشاف»: وعبَرت الرؤيا بالتخفيف هو الذي اعتمده الأثبات.
ورأيتهم ينكرون عبّرت بالتشديد والتعبير، وقد عثرت على بيت أنشده المبرد في كتاب «الكامل» لبعض الأعراب: رأيت رؤْيَاي ثم عبّرتُها *** وكنتُ للأحلام عَبّارا والمعنى: فسر ما تدل عليه وأوّل إشاراتها ورموزها.
وكان تعبير الرؤيا مما يشتغلون به.
وكان الكهنة منهم يعدونه من علومهم ولهم قواعد في حل رموز ما يراه النائم.
وقد وجدت في آثار القبط أوراق من البردي فيها ضوابط وقواعد لتعبير الرُّؤى، فإن استفتاء صاحبي السجن يوسف عليه السّلام في رؤييهما ينبئ بأن ذلك شائع فيهم، وسؤال المَلك أهل ملأه تعبير رؤياه ينبئ عن احتواء ذلك الملأ على من يُظنّ بهم علم تعبير الرؤيا، ولا يخلو ملأ الملك من حضور كهان من شأنهم تعبير الرؤيا.
وفي التوراة «فأرسل ودعا جميع سَحرة مصر وجميع حكمائها وقص عليهم حلمه فلم يكن من يعبره له».
وإنما كان مما يقصد فيه إلى الكهنة لأنه من المغيبات.
وقد ورد في أخبار السيرة النبوية أن كسرى أرسل إلى سطيح الكاهن ليعبر له رؤيا أيام ولادة النبي صلى الله عليه وسلم وهي معدودة من الإرهاصات النبوية.
وحصل لكسرى فزع فأوفد إليه عبد المسيح.
فالتعريف في قوله ﴿ للرؤيا ﴾ تعريف العهد، والمعهود الرؤيا التي كان يقصها عليهم على طريقة إعادة النكرة معرفة باللام أن تكون الثانية عين الأولى.
والمعنى: إن كنتم تعبرون هذه الرؤيا.
والأضغاث: جمع ضغث بكسر الضاد المعجمة وهو: ما جمع في حُزمة واحدة من أخلاط النبات وأعواد الشجر، وإضافته إلى الأحلام على تقدير اللام، أي أضغاث للأحلام.
والأحلام: جمع حُلُم بضمتين وهو ما يراه النائم في نومه.
والتقدير: هذه الرؤيا أضغاث أحلام.
شبهت تلك الرؤيا بالأضغاث في اختلاطها وعدم تميز ما تحتويه لمّا أشكل عليهم تأويلها.
والتعريف فيه أيضاً تعريف العهد، أي ما نحن بتأويل أحلامك هذه بعالمين.
وجمعت ﴿ أحلام ﴾ باعتبار تعدد الأشياء المرئية في ذلك الحُلم، فهي عدة رُؤَى.
والباء في ﴿ بتأويل الأحلام ﴾ لتأكيد اتصال العامل بالمفعول، وهي من قبيل باء الإلصاق مثل باء ﴿ وامسحوا برؤوسكم ﴾ [سورة المائدة: 6]، لأنهم نفوا التمكن من تأويل هذا الحلم.
وتقديم هذا المعمول على الوصف العامل فيه كتقديم المجرور في قوله: إن كنتم للرؤيا تعبرون } .
فلما ظهر عَوْصُ تعبير هذا الحُلم تذكر سَاقي الملك ما جرى له مع يوسف عليه السّلام فقال: ﴿ أنا أنبئكم بتأويله ﴾ .
وابتداء كلامه بضميره وجعله مسنداً إليه وخبره فعلي لقصد استجلاب تعجب الملك من أن يكون الساقي ينبئ بتأويل رؤيا عَوِصَتْ على علماء بلاط الملك، مع إفادة تقوّي الحكم، وهو إنباؤه إياهم بتأويلها، لأن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في سياق الإثبات يفيد التقوّي، وإسناد الإنباء إليه مجاز عقلي لأنه سبب الإنباء، ولذلك قال: ﴿ فأرْسِلُون ﴾ .
وفي ذلك ما يستفز الملك إلى أن يأذن له بالذهاب إلى حيث يريد ليأتي بنبأ التأويل إذ لا يجوز لمثله أن يغادر مجلس الملك دون إذن.
وقد كان موقناً بأنه يجد يوسف عليه السّلام في السجن لأنه قال: ﴿ أنا أنبئكم بتأويله ﴾ دون تردد.
ولعل سبب يقينه ببقاء يوسف عليه السّلام في السجن أنه كان سجنَ الخاصة فكان ما يحدث فيه من إطلاق أو موت يبلغ مسامع الملك وشيعته.
و ﴿ ادّكر ﴾ بالدال المهملة أصله: اذتكر، وهو افتعال من الذكر، قلبت تاء الافتعال دالاً لثقلها ولتقارب مخرجيهما ثم قلبت الذال ليتأتّى ادغامها في الدال لأن الدال أخف من الذال.
وهذا أفصح الإبدال في ادّكر.
وهو قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿ فهل من مدّكر ﴾ [سورة القمر: 15] كما في الصحيح.
ومعنى بعد أمة } بعد زمن مضى على نسيانه وصاية يوسف عليه السّلام.
والأمة: أطلقت هنا على المدة الطويلة، وأصل إطلاق الأمة على المدة الطويلة هو أنها زمن ينقرض في مثله جيل، والجيل يسمى أمة، كما في قوله تعالى: ﴿ كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس ﴾ [سورة آل عمران: 110] على قول من حمله على الصحابة.
وإطلاقه في هذه الآية مبالغة في زمن نسيان الساقي.
وفي التوراة كانت مدة نسيانه سنتين.
وضمائر جمع المخاطب في أنبئكم } ﴿ فأرسلون ﴾ مخاطب بها الملك على وجه التعظيم كقوله تعالى: ﴿ قال رب ارجعون ﴾ [سورة المؤمنون: 99].
ولم يسمّ لهم المرسل إليه لأنه أراد أن يفاجئهم بخبر يوسف عليه السّلام بعد حصول تعبيره ليكون أوقع، إذ ليس مثله مظنة أن يكون بين المساجين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ المَلِكُ إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ ﴾ الآيَةِ.
وَهَذِهِ الرُّؤْيا رَآها المَلِكُ الأكْبَرُ الوَلِيدُ بْنُ الرَّيّانِ وفِيها لُطْفٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ سَبَبًا لِخَلاصِ يُوسُفَ مِن سِجْنِهِ.
الثّانِي: أنَّها كانَتْ نَذِيرًا بِجَدْبٍ أخَذُوا أُهْبَتَهُ وأعَدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ.
﴿ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ ﴾ وذَلِكَ أنَّ المَلِكَ لَمّا لَمْ يَعْلَمْ تَأْوِيلَ رُؤْياهُ نادى بِها في قَوْمِهِ لِيَسْمَعَ بِها مَن يَكُونُ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِتَأْوِيلِها فَيَعْبُرُها لَهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي أخْلاطُ أحْلامٍ، قالَهُ مَعْمَرٌ وقَتادَةُ.
الثّانِي: ألْوانُ أحْلامٍ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أهاوِيلُ أحْلامٍ قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: أكاذِيبُ أحْلامٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَفِيهِ خامِسٌ: شُبْهَةُ أحْلامٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الأضْغاثُ ما لا تَأْوِيلَ لَهُ مِنَ الرُّؤْيا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: كَضِغْثِ حُلْمٍ عَزَّ مِنهُ حالِمُهُ.
وَرَوى هِشامٌ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (إذا تَقارَبَ الزَّمانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيا المُؤْمِنِ تَكْذِبُ)» .
وفي تَقارُبِ الزَّمانِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِواءُ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِأنَّهُ وقْتُ اعْتِدالٍ تَنْفَتِقُ فِيهِ الأنْوارُ وتَطْلَعُ فِيهِ الثِّمارُ فَكانَ أصْدَقَ الزَّمانِ في تَعْبِيرِ الرُّؤْيا.
الثّانِي: أنَّهُ آخِرُ الزَّمانِ وعِنْدَ انْتِهاءِ أمَدِهِ.
والأضْغاثُ جَمْعٌ واحِدُهُ ضِغْثٌ والضِّغْثُ الحُزْمَةُ مِنَ الحَشِيشِ المَجْمُوعِ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ، وقِيلَ هو مَلْءُ الكَفِّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا ﴾ وقالَ ابْنُ مُقْبِلٍ: خَوْذٌ كَأنَّ فِراشَها وُضِعَتْ بِهِ ∗∗∗ أضْغاثُ رَيْحانٍ غَداةَ شَمالِ والأحْلامُ جَمْعُ حُلْمِ، والحُلْمُ الرُّؤْيا في النَّوْمِ، وأصْلُهُ الأناةُ، ومِنهُ الحِلْمُ ضِدُّ الطَّيْشِ فَقِيلَ لِما يُرى في النَّوْمِ حُلْمٌ لِأنَّها حالُ أناةٍ وسُكُونٍ.
﴿ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ التَّأْوِيلُ الأوَّلُ مِمّا تُئَوَّلُ بِهِ الرُّؤْيا هو الحَقُّ المَحْكُومُ بِهِ لِأنَّ يُوسُفَ عَرَّفَهم تَأْوِيلَها بِالحَقِّ، وإنَّما قالَ يُوسُفُ لِلْغُلامَيْنِ ﴿ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ﴾ لِأنَّهُ مِنهُ نَذِيرُ نُبُوَّةٍ.
وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى صَرَفَ هَؤُلاءِ عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الرُّؤْيا لُطْفًا بِيُوسُفَ لِيَتَذَكَّرَ الَّذِي نَجا مِنهُما حالَهُ فَتَدْعُوهُمُ الحاجَةُ إلَيْهِ فَتَكُونَ سَبَبًا لِخَلاصِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي بَعْدَ حِينٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: بَعْدَ نِسْيانٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: بَعْدَ أُمَّةٍ مِنَ النّاسِ، قالَهُ الحَسَنُ.
قالَ الحَسَنُ: أُلْقِيَ يُوسُفُ في الجُبِّ وهو ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وكانَ في العُبُودِيَّةِ والسِّجْنِ والمُلْكِ ثَمانِينَ سَنَةً وجُمِعَ لَهُ شَمْلُهُ فَعاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلاثًا وعِشْرِينَ سَنَةً.
وَقُرِئَ وادَّكَرَ بَعْدَ أمَةٍ بِفَتْحِ الألِفِ وتَخْفِيفِ المِيمِ، والأمَةُ: بِالتَّخْفِيفِ النِّسْيانُ.
﴿ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ ﴾ أيْ أُخْبِرُكم بِمَن عِنْدَهُ عِلْمٌ بِتَأْوِيلِهِ ثُمَّ لَمْ يَذْكُرْهُ لَهم.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَكُنِ السِّجْنُ بِالمَدِينَةِ فانْطَلَقَ إلى يُوسُفَ حِينَ أُذِنَ لَهُ وذَلِكَ بَعْدَ أرْبَعِ سِنِينَ بَعْدَ فِراقِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ أفْتِنا ﴾ احْتَمَلَ تَسْمِيَتُهُ بِالصِّدِّيقِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِصِدْقِهِ في تَأْوِيلِ رُؤْياهُما.
الثّانِي: لِعِلْمِهِ بِنُبُوَّتِهِ.
والفَرْقُ بَيْنَ الصّادِقِ والصِّدِّيقِ أنَّ الصّادِقَ في قَوْلِهِ بِلِسانِهِ، والصَّدِّيقَ مَن تَجاوَزَ صِدْقُهُ لِسانَهُ إلى صِدْقِ أفْعالِهِ في مُوافَقَةِ حالِهِ، لا يَخْتَلِفُ سِرُّهُ وجَهْرُهُ، فَصارَ كُلُّ صِدِّيقٍ صادِقًا ولَيْسَ كُلُّ صادِقٍ صِدِّيقًا.
﴿ أفْتِنا في سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ ﴾ قالَ قَتادَةُ: هي السُّنُونَ المُخَصَّباتُ.
﴿ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ ﴾ قالَ قَتادَةُ: هي السُّنُونَ المُجْدَباتُ.
﴿ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ ﴾ والخُضْرُ الخِصْبُ لِأنَّ الأرْضَ بِنَباتِها خَضْراءُ، واليابِساتُ هي الجَدْبُ لِأنَّ الأرْضَ فِيهِ يابِسَةٌ، كَما أنَّ ماشِيَةَ الخِصْبِ سِمانٌ، وماشِيَةَ الجَدْبِ عِجافٌ.
﴿ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ ﴾ أيْ لِكَيْ أرْجِعَ إلى النّاسِ وهو المَلِكُ وقَوْمُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المَلِكَ وحْدَهُ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالنّاسِ تَعْظِيمًا لَهُ.
وَ ﴿ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ ﴾ لِأنَّهُ طَمِعَ أنْ يَعْلَمُوا وأشْفَقَ أنْ لا يَعْلَمُوا، فَلِذَلِكَ قالَ ﴿ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ ﴾ يَعْنِي تَأْوِيلَها.
وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنهُ شَكًّا في عِلْمِ يُوسُفَ.
لِأنَّهُ قَدْ وقَرَ في نَفْسِهِ عِلْمُهُ وصَدَّقَهُ، ولَكِنْ تَخَوَّفَ أحَدَ أمْرَيْنِ إمّا أنْ تَكُونَ الرُّؤْيا كاذِبَةً، وإمّا ألّا يُصَدِّقُوا تَأْوِيلَها لِكَراهَتِهِمْ لَهُ فَيَتَأخَّرُ الأمْرُ إلى وقْتِ العِيانِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي تِباعًا مُتَوالِيَةً.
الثّانِي: يَعْنِي العادَةَ المَأْلُوفَةَ في الزِّراعَةِ.
﴿ فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ إلا قَلِيلا مِمّا تَأْكُلُونَ ﴾ يَعْنِي فَيَخْرُجُ مِن سُنْبُلِهِ لِأنَّ ما في السُّنْبُلِ مُدَّخَرٌ لا يُؤْكَلُ، وهَذا القَوْلُ مِنهُ أمْرٌ، والأوَّلُ خَبَرٌ، ويَجُوزُ لِكَوْنِهِ نَبِيًّا أنْ يَأْمُرَ بِالمَصالِحِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ الأوَّلُ أيْضًا أمْرًا وإنْ كانَ الأظْهَرُ مِنهُ أنَّهُ خَبَرٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ ﴾ يَعْنِي المُجْدَباتِ لِشِدَّتِها عَلى أهْلِها.
وَحَكى زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ أنَّ يُوسُفَ كانَ يَصْنَعُ طَعامَ اثْنَيْنِ فَيُقَرِّبُهُ إلى رَجُلٍ فَيَأْكُلُ نِصْفَهُ ويَدَعُ نِصْفَهُ، حَتّى إذا كانَ يَوْمًا قَرَّبَهُ لَهُ فَأكَلَهُ كُلَّهُ، فَقالَ يُوسُفُ: هَذا أوَّلُ يَوْمِ السَّبْعِ الشِّدادِ.
﴿ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ ﴾ يَعْنِي تَأْكُلُونَ فِيهِنَّ ما ادَّخَرْتُمُوهُ لَهُنَّ.
﴿ إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِمّا تَدَّخِرُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مِمّا تُخَزِّنُونَ في الحُصُونِ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: إلّا قَلِيلًا مِمّا تَبْذُرُونَ لِأنَّ في اسْتِبْقاءِ البِذْرِ تَحْصِينَ الأقْواتِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُغاثُونَ بِنُزُولِ الغَيْثِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: يُغاثُونَ بِالخِصْبِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْصِرُونَ العِنَبَ والزَّيْتُونَ مِن خِصْبِ الثِّمارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
الثّانِي: أيْ فِيهِ يَجْلِبُونَ المَواشِيَ مِن خِصْبِ المَراعِيَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: يَعْصِرُونَ السَّحابَ بِنُزُولِ الغَيْثِ وكَثْرَةِ المَطَرِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا ﴾ .
قالَهُ عِيسى بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ.
الرّابِعُ: تَنْجُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ العُصْرَةِ وهي المَنجاةُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: صادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغاثِ ∗∗∗ ولَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنجُودِ الخامِسُ: تُحْسِنُونَ وتُفَضِّلُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: لَوْ كانَ في أمْلاكِنا مَلِكٌ ∗∗∗ يَعْصِرُ فِينا مِثْلَ ما تَعْصِرْ أيْ يُحْسِنُ: وهَذا القَوْلُ مِن يُوسُفَ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا وإنَّما هو اسْتِئْنافُ خَبَرٍ أطْلَقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مِن آياتِ نُبُوَّتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه قال: قال يوسف عليه الصلاة والسلام للساقي ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ أي الملك الأعظم، ومظلمتي وحبسي في غير شيء.
قال: أفعل.
فلما خرج الساقي، رد على ما كان عليه رضي عنه صاحبه، وانساه الشيطان ذكر الملك الذي أمره يوسف عليه السلام أن يذكره له، فلبث يوسف عليه السلام بعد ذلك في السجن بضع سنين، ثم إن الملك ريان بن الوليد، رأى رؤياه التي أري فيها فهالته وعرف أنها رؤيا واقعة، ولم يدر ما تأويلها فقال للملأ حوله من أهل مملكته ﴿ إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات ﴾ فلما سمع نبوا من الملك ما سمع منه ومسألته عن تأويلها، ذكر يوسف عليه السلام وما كان عبر له ولصاحبه، وما جاء من ذلك على ما قال من قوله، فقال: ﴿ أنا أنبئكم بتأويله ﴾ .
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أضغاث أحلام ﴾ قال: من الأحلام الكاذبة.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه مثله.
وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أضغاث أحلام ﴾ قال: أخلاط أحلام.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وادّكر بعد أمة ﴾ قال: بعد حين.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد والحسن وعكرمة وعبد الله بن كثير والسدي ﴿ رضي الله تعالى عنهم ﴾ مثله.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وادّكر بعد أمة ﴾ يقول: بعد سنين.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ وادّكر بعد أمة ﴾ يقول: بعد سنين.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ وادّكر بعد أمة ﴾ قال: بعد أمة من الناس.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه قرأ ﴿ وادكر بعد أمة ﴾ بالفتح والتخفيف، يقول بعد نسيان.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة والحسن وقتادة ومجاهد والضحاك- رضي الله عنهم- أنهم قرأوا ﴿ بعد أمة ﴾ أي بعد نسيان.
وأخرج ابن جرير عن حميد رضي الله عنه قال: قرأ مجاهد رضي الله عنه ﴿ وادّكر بعد أمة ﴾ مجزومة مخففة.
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هرون رضي الله عنه قال في قراءة أبي بن كعب ﴿ أنا آتيكم بتأويله ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ رضي الله عنه أنه كان يقرأ ﴿ أنا آتيكم بتأويله ﴾ فقيل له: أنا انبئكم.
قال: أهو كان ينبئهم؟
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أفتنا في سبع بقرات...
﴾ الآية.
قال: أما السمان، فسنون فيها خصب.
وأما السبع العجاف، فسنون مجدبة.
وسبع سنبلات خضر، هي السنون المخاصيب، تخرج الأرض نباتها وزرعها وثمارها.
وأخر يابسات، المحول الجدوب لا تنبت شيئاً.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ﴾ ، قال الفراء (١) (٢) ﴿ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ .
وأما الأضغاث، فقال النضر (٣) وقال الأخفش (٤) وقال الفراء (٥) (٦) (٧) (٨) خَوْدٌ كأنّ فراشَهَا وضِعَتْ به ...
أضْغَاث رَيْحَان غَدَاةَ شَمَال فأما أضغاث الأحلام، فالأكثرون على أنها الأحلام المختلطة، قال أبو عبيدة (٩) (١٠) (١١) كضِغْثِ حِلْمٍ غُرِّمنه حَالِمَة وقال الكسائي (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) قال ابن الأنباري: ومعنى الآية: أنهم نفوا عن أنفسهم علم ما لا تأويل له من الرؤيا، ولم ينفوا عن أنفسهم علم تأويل ما يصح منها، فعنوا بقولهم ﴿ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ﴾ هذه منامات كاذبة لا يصح تأويلها، وما نحن بتأويل الأحلام التي هذا وصفها بعالمين، إذ كنا نعلم تأويل ما يصح، هذا معنى قول أكثر المفسرين (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) وقالوا معنى قوله ﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ ﴾ لها تأويل يعلمه غيرنا، فالأضغاث على هذا المذهب [الجماعات من الرؤيا التي يجوز أن تصح وأن تبطل، واحتجوا على هذا المذهب] (٢١) ﴿ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ﴾ قالوا: ففي هذا دليل على أن الملأ اعترفوا بالعجز عن الجواب، لأنهم لو كانوا بغير هذا الوصف لم يقل الساقي ما قاله، وعلى هذا؛ الملأ قالوا للملك: ما رأيته جماعات أحلام كثيرة لا علم لنا بتأويلها، واعترفوا بالعجز عنها (٢٢) (١) "معاني القرآن" 2/ 46.
(٢) في (أ)، (ب)، (ج): (ليس هذا شيء) والعبارة غير مستقيمة، فإما أن تكون كما ذكرته كما هو في (ي) وفي معاني القراء أو تكون (ليس هذا شيئًا)، والله أعلم.
(٣) "تهذيب اللغة" (ضغث) 3/ 2121.
(٤) "اللسان" (ضغث) 5/ 2590 - 2591 عن أبي حنيفة.
(٥) "تهذيب اللغة" (ضغث) 3/ 2120، و"اللسان" (ضغث) 5/ 2591.
(٦) "تهذيب اللغة" (ضعث) 3/ 2120، و"اللسان" (ضعث) 5/ 2591.
(٧) انظر: "تهذيب اللغة" (ضغث) 3/ 2120 - 2121، و"اللسان" (ضعث) 5/ 2590 - 2591.
(٨) الخود: الفتاة الناعمة الشابة، الشمال: الريح المعروفة وهي باردة.
انظر: الطبري 12/ 226، و"البحر" 5/ 300، و"المحرر" 9/ 309، و"الدر المصون" 6/ 506.
(٩) "مجاز القرآن" 1/ 312.
(١٠) في (ج): (الخلا).
(١١) البيت من الرجز، وهو بلا نسبة في "مجاز القرآن" 2/ 35، والقرطبي 9/ 200، 11/ 270.
(١٢) "اللسان" (ضغث) 5/ 2590، و"تهذيب اللغة" (ضغث) 3/ 2120.
(١٣) في (ج): (نبوة).
(١٤) القرطبي 9/ 199، و"تهذيب اللغة" (ضغث) 3/ 2121، و"اللسان" (ضغث) 5/ 2590.
(١٥) "تنوير المقباس" ص 150.
(١٦) الطبري 12/ 226، عبد الرزاق 2/ 324.
وأخرجه أبو عبيد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد كما في "الدر" 4/ 39.
(١٧) الطبري 12/ 227، الثعلبي 7/ 58 ب، ابن عطية 7/ 521، "زاد المسير" 4/ 230.
(١٨) "تنوير المقباس" ص 150.
وقد روى عن ابن عباس: الأحلام الكاذبة، قال الهيثمي 7/ 39 رواه أبو يعلى وفيه محمد بن السائب وهو متروك.
(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 113.
(٢٠) "تصير مقاتل" 154أ.
(٢١) ما بين المعقوفين في (ب) وهو ساقط من (أ) و (ج).
(٢٢) قلت: القول الأول أرجح لعدة اعتبارات، الأول: أنه قول عامة المفسرين من السلف ومن بعدهم، الثاني: أنهم وصفوا رؤيا الملك بكونها أضغاث أحلام أي لا تأويل لها، الثالث: أنه لا يتصور في هؤلاء الملأ الذين هم أهل مشورته أنهم لا يعرفونها، وأيضًا أنهم سيعترفون بعجزهم عن تأويلها، والذي يظهر أنهم علموا من تأويلها ما يسوء الملك فأرادوا أن يصرفوه عن تطلب تأويلها فقالوا "أضغاث أحلام ..
".
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَالَ الذي نَجَا مِنْهُمَا ﴾ هو ساقي الملك ﴿ وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ أي بعد حين ﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق ﴾ يقدر قبله محذوف لابد منه وهو فأرسلوه فقال: يا يوسف، وسماه صديقاً لأنه كان قد جرب صدقه في تعبير الرؤيا وغيرها، والصديق مبالغة من الصدق ﴿ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بقرات ﴾ أي فيمن رأى سبع بقرات وكان الملك قد رأى سبع بقرات سمان أكلتهن سبع عجاف فعجب كيف علتهن وكيف وسعت في بطونهنّ، ورأى سبع سنبلات خضر، وقد التفت بها سبع يابسات حتى غطت خضرته ﴿ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ ﴾ هذا تعبير للرؤيا، وذلك أنه عبر البقرات السمان بسبع سنين مخصبة وعبر البقرات العجاف بسبع سنين مجدبة فكذلك السنبلات الخضر واليابسة ﴿ دَأَباً ﴾ بسكون الهمزة وفتحها مصدر دأب على العمل إذا داوم عليه، وهو مصدر في موضع الحال ﴿ فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ ﴾ هذا بأيٌ أرشدهم يوسف إليه، وذلك أن أرض مصر لا يبقى فيها الطعام عامين، فعلمهم حيلة يبقى بها من السنين المخصبة إلى السنين المجدبة، وهي أن يتركوه في سنبله غير مدروس، فإن الحبة إذا بقيت في غشائها انحفظت ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ ﴾ أي لا تدرسوا منه إلا ما يحتاج إلى الأكل خاصة ﴿ سَبْعٌ شِدَادٌ ﴾ يعني سبع سنين ذات شدّة وجوع ﴿ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ ﴾ أي تأكلون فيهنّ ما اخترتم من الطعام في سنبله، وأسند الأكل إلى السنين مجازاً ﴿ مِّمَّا تُحْصِنُونَ ﴾ أي تخزنون وتخبئون ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلك عَامٌ ﴾ هذا زيادة على ما تقتضيه الرؤيا، وهو الإخبار بالعام الثامن ﴿ يُغَاثُ الناس ﴾ يحتمل أن يكون من الغيث يمطرون، أو من الغوث: أي يفرج الله عنهم ﴿ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ أي يعصرون الزيتون والعنب والسمسم وغير ذلك مما يعصر ﴿ وَقَالَ الملك ائتوني بِهِ ﴾ قيل: هنا محذوف، وهو فرجع الرسول إلى الملك فقص عليه مقالة يوسف، فرأى علمه وعقله، فقال: ائتوني به ﴿ قَالَ ارجع إلى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ ﴾ لما أمر الملك بإخراج يوسف من السجن، وإتيانه إليه أراد يوسف أن يبرئ نفسه مما نسب إليه، من مراودة امرأة العزيز عن نفسها، وأن يعلم الملك وغيره أنه سجن ظلماً، فذكر طرفاً من قصته لينظر الملك فيها فيتبين له الأمر، وكان هذا الفعل من يوسف صبراً وحلماً، إذا لم يُجِبْ إلى الخروج من السجن ساعةَ دُعِيَ إلى ذلك بعد طول المدّة، ومع ذلك فإنه لم يذكر امرأة العزيز رعياً لذمام زوجها وستراً لها، بل ذكر النسوة التي قطعن أيديهنّ ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ ﴾ الآية جمع الملك النسوة وامرأة العزيز معهن، فسألهنّ عن قصة يوسف، وأسند المراودة إلى جميعهن، لأنه لم يكن عنده علم بأنّ امرأة العزيز هي التي راودته وحدها ﴿ قُلْنَ حاش للَّهِ ﴾ تبرئة ليوسف أو تبرئة لأنفسهن من مراودته وتكون تبرئة ليوسف بقولهن: ما علمنا عليه من سوء ﴿ الآن حَصْحَصَ الحق ﴾ اي تبين وظهر، ثم اعترفت على نفسها بالحق.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ إني أراني أعصر ﴾ بالفتح في الحرفين: أبو جعفر ونافع، وأبو عمرو وافق ابن كثير في ﴿ أراني ﴾ كليهما.
الباقون: بسكون ياء المتكلم في الكل: ﴿ نبينا ﴾ بغير همزة: أوقية والأعشى وحمزة في الوقف.
﴿ ترزقانه ﴾ مختلسة: الحلواني عن قالون ﴿ نبأتكما ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ ربي إني ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ آبائي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ﴿ إني أرى ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ رؤياي ﴾ بالإمالة: عليّ غير قتيبة.
أبو عمرو بالإمالة اللطيفة.
والقول في ترك الهمزة مثل ما تقدم ﴿ للرؤيا ﴾ ممالة: عليّ، وأبو عمرو بالإمالة اللطيفة.
﴿ لعلي أرجع ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير غير ابن مجاهد عن ابن ذكوان وأبو عمرو ﴿ دأبا ﴾ بفتح الهمزة: حفص.
الآخرون بالسكون ﴿ تعصرون ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعليّ وخلف والمفضل.
الباقون على الغيبة.
﴿ ما بال النسوة ﴾ بضم النون: الشموني والبرجمي ﴿ نفسي ﴾ ﴿ رحم ربي ﴾ بالفتح فيهما: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.
الوقوف: ﴿ فتيان ﴾ ط ﴿ خمراً ﴾ ج فصلاً بين القضيتين مع اتفاق الجملتين ﴿ الطير منه ﴾ ط للعدول عن قول آخر منهما إلى قولهما المضمر أي فقالا.
﴿ نبئنا بتأويله ﴾ ج لاحتمال التعليل.
﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ أن يأتيكما ﴾ ط ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ويعقوب ﴾ ط ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ القهار ﴾ ه ط ﴿ من سلطان ﴾ ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ إلا إياه ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ خمراً ﴾ ج فصلا بين الجوابين مع اتفاق الجملتين ﴿ من رأسه ﴾ ط لأن قوله: ﴿ قضى ﴾ جواب قولهما كذبنا وما رأينا رؤيا ﴿ تستفتيان ﴾ ط لاستئناف حكاية أخرى ﴿ عند ربك ﴾ ز ﴿ سنين ﴾ ه ط ﴿ يابسات ﴾ ط ﴿ تعبرون ﴾ ه ﴿ أحلام ﴾ ج للنفي مع العطف ﴿ بعالمين ﴾ ه ﴿ فأرسلون ﴾ ه ﴿ ياباسات ﴾ لا لتعلق "لعلى" ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ دأباً ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ تأكلون ﴾ ه ﴿ تحصنون ﴾ ه ﴿ يعصرون ﴾ ه ﴿ ائتوني به ﴾ ج ﴿ أيديهن ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ عن نفسه ﴾ ط ﴿ من سوء ﴾ ط ﴿ الحق ﴾ ز لانقطاع النظم واتصال المعنى واتحاد القائل.
﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ الخائنين ﴾ ه ﴿ نفسي ﴾ ج للحذف أي عن السوء ﴿ ربي ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه.
التفسير: تقدير الكلام فحبسوه ﴿ ودخل معه ﴾ أي مصاحباً له في الدخول ﴿ السجن فتيان ﴾ غلامان للملك الأكبر خبازه وشرابيه نقلاً عن أئمة التفسير أو استدلالاً برؤياهما المناسبة لحرفتهما.
رفع إلى الملك أنهما أرادا سمه في الطعام والشراب فأمر بإدخالهما السجن ساعة إذ دخل يوسف ﴿ قال أحدهما إني أراني ﴾ أي في المنام لقولهما: ﴿ نبئنا بتأويله ﴾ وهو حكاية حال ماضية ﴿ أعصر خمراً ﴾ أي عنباً تسمية للشيء باسم ما يؤول إليه.
وقيل: الخمر بلغة عمان اسم العنب.
والضمير في قوله: ﴿ بتأويله ﴾ يعود إلى ما قصا عليه وقد يوضع الضمير موضع اسم الإشارة كأنه قيل: نبئنا بتأويل ذلك ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾ عبارة الرؤيا.
وكان أهل السجن يقصون عليه رؤياهم فيؤوّلها لهم، أو نراك من العلماء عرفا ذلك بالقرائن أو من المحسنين إلى أهل السجن كان يعود مرضاهم ويوسع عليهم ويراعي دقائق مكارم الأخلاق معهم، أو من المحسنين في طاعة الله وطلب مرضاته ففرج عنا الغمة بتأويل ما رأينا وإن كانت لك يد في تأويل الرؤيا.
وعن قتادة: كان في السجن ناس قد انقطع رجاؤهم وطال حزنهم فجعل يقول: أبشروا اصبرا تؤجروا.
فقالوا: ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك فمن أنت يا فتى؟
فقال: أنا يوسف بن صفي الله يعقوب بن ذبيح الله إسحق بن خليل إبراهيم.
فقال له عامل السجن: لو استطعت خليت سبيلك ولكني أحسن جوارك فكن في أي بيوت السجن شئت.
وعن الشعبي ومجاهد أنهما تحالما له ليمتحناه فقال الشرابي: أراني في بستان فإذا بأصل كرم عليه ثلاثة عناقيد من عنب فقطعتها وعصرتها في كأس الملك وسقيته.
وقال الخباز: إني أراني وفوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة، وإذا سباع الطير تنهش منها ﴿ قال لا يأتيكما طعام ﴾ إلى آخره هذا ليس بجواب لهما ظاهراً وإنما قدم هذا الكلام لوجوه منها: أن أحد التعبيرين لما كان هو الصلب وكان في إسماعه كراهة ونفرة أراد أن يقدم قبل ذلك ما يؤثق بقوله ويخرجه عن معرض التهمة والعداوة.
أو أراد أن يبين علوّ مرتبته في العلم وأنه ليس من المعبرين الذين يعبرون عن ظن وتخمين، ولهذا قال السدي: أراد لا يأتيكما طعام ترزقانه في النوم.
بين بذلك أن علمه بتأويل الرؤيا ليس مقصوراً على شيء دون غيره وقيل: إنه محمول على اليقظة وإنه ادعى معرفة الغيب كقول عيسى ﴿ وأنبئكم بما تأكلون ﴾ أي أخبركما ﴿ قبل أن يأتيكما ﴾ أنه أي طعام هو وأيّ لون هو وكيف تكون عاقبته أهو ضار أم نافع وأن فيه سماً أم لا.
فقد روي أن الملك كان إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاماً مسموماً فأرسله إليه.
ثم قال: ﴿ ذلكما ﴾ أي هذا التأويل والإخبار بالمغيبات من قبيل الوحي والإلهام لا من التكهن والتنجيم الذي يكثر فيهما وقوع الخطأ.
ثم بيّن سيرته وملته مشيراً فيه إلى أنه رسول من عند الله ومنبهاً على أن الاشتغال بمصالح الدين أهم من الاشتغال بمصالح الدنيا حتى إن الرجل الذي سيصلب لعله يسلم فلا يموت على الكفر فقال: ﴿ إني تركت ﴾ أي رفضت بل ما كنت قط، ويجوز أن يكون قبل ذلك غير مظهر للتوحيد خوفاً منهم لأنه كان تحت أيديهم.
وإنما كررت لفظة "هم" تنبيهاً على أنهم مختصون في ذلك الزمان بإنكار المعاد وتعريضاً بأن إيداعه السجن بعد معاينة الآيات الشاهدة على براءته لا يصدر إلا عمن ينكر الجزاء أشد الإنكار.
والمراد باتباع ملة آبائه الاتباع في الأصول التي لا تتبدل بتبدل الشرائع، ومعنى التنكير في قوله: ﴿ من شيء ﴾ الرد على كل طائفة خالفت الملة الحنيفية من عبدة الأصنام والكواكب وغيرهم ﴿ ذلك ﴾ التوحيد ﴿ من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ﴾ نعمة الإيمان أو نعمة إعطاء القدرة والاختيار على الإيمان فلا ينظرون في الدلائل، وهذا يناسب أصول المعتزلة.
وعن بعضهم إنا لا نشكر الله على الإيمان بل الله يشكرنا عليه كما قال: ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً ﴾ ﴿ يا صاحبي السجن ﴾ أراد يا صاحبي السجن كقوله "يا سارق الليلة" خصهما بهذا النداء لأنهما دخلا السجن معه أو أراد يا ساكني السجن كقوله: ﴿ أصحاب النار ﴾ فسبب التعييين أنهما استفتياه في بين الساكنين.
ثم أنكر عليهم عبارة الأصنام فقال: ﴿ أأرباب متفرقون ﴾ في العدد وفي الحجمية وفيما يتبعها من اختلاف الأعراض والأبعاض ﴿ خير ﴾ إن فرض فيهم خير ﴿ أم الله الواحد القهار ﴾ لأن وحدة المعبود تستدعي توحيد المطلب وتفريد المقصد، وكونه قهاراً غالباً غير مغلوب من وجه يوجب حصول كل ما يرجى منه من ثواب وصلاح إذا تعلقت إرادته بذلك فلا يصلح للمعبودية إلا هو ولا تصلح حقيقة الإلهية في غيره فلذلك قال: ﴿ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ﴾ أي سميتم الآلهة بتلك الأسماء ﴿ أنتم وآباؤكم ﴾ والخطاب لهما ولمن على دينهما من أهل مصر فكأنهم لا يعبدون إلا أسماء فارغة عن المسميات ﴿ ما أنزل الله بها ﴾ بتسميتها ﴿ من سلطان ﴾ أي حجة.
ثم لما نفى معبودية الغير بين أن لا حكم في أمر الدين والعبادة إلا له فقال: ﴿ إن الحكم إلا لله ﴾ ثم ذكر ما حكم به فقال: ﴿ أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ﴾ الثابت بالبراهين ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنه مبدأ المبادىء والمعاد الحقيقي فيتخذون غيره معبوداً ويجعلون لغيره من الأصنام والأجرام بالاستقلال فعلاً وتأثيراً.
ثم شرع في إجابة مقترحهما وهو تأويل رؤياهما فقال: ﴿ أما أحدكما ﴾ يعني الشرابي ﴿ فيسقي ربه ﴾ سيده ﴿ خمرا ﴾ يروى أنه قال له: ما رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده، وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه.
وقال للثاني: ما رأيت من السلال ثلاثة أيام ثم تخرج فتصلب فتأكل الطير من رأسك.
قوله: ﴿ قضي الأمر ﴾ قال في الكشاف: إنما وحد الأمر وهما أمران مختلفان استفتيا فيهما، لأن المراد بالأمر ما اتهما به من سم الملك وما سجنا لأجله فكأنهما استفتياه في الأمر الذي نزل بهما أعاقبته نجاة أم هلاك استدلالاً برؤياهما فقال: إن ذلك الذي ذكرت من أمر التأويل كائن لا محالة صدقتما أو كذبتما.
وقيل: جحدا رؤياهما.
وقيل: عكسا رؤياهما، فلما علم الخباز أن تأويل رؤياه شر أنكر كونه صاحب تلك الرؤيا فقال يوسف: إن الذي حكمت به لكل منكما واقع لا بد منه ومن هنا قالت الحكماء: ينبغي أن لا يتصرف في الرؤيا ولا تغير عن وجهها فإن الفأل على ما جرى.
﴿ وقال ﴾ يوسف ﴿ للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك ﴾ أي اذكر عند الملك أني مظلوم من جهة إخوتي أخرجوني وباعوني، ثم إني مظلوم من جهة النسوة اللاتي حسبتني.
والضمير في ﴿ ظن ﴾ إن كان للرجل الناجي فلا إشكال لأنهما ما كانا مؤمنين بنبوة يوسف بل كانا حسني الاعتقاد فيه وكأن قوله لم يفد في حقهما إلا مجرد الظن، وإن عاد إلى يوسف فيرد عليه أنه كان قاطعاً بنجاته فما المعنى للظن؟
وأجيب بأنه إنما ذكر ذلك التعبير بناء على الأصول المقررة في ذلك العلم فكان كالمسائل الاجتهادية.
والأصح أنه قضي بذلك على سبيل ألبت والقطع لقوله: ﴿ لا يأتيكما طعام ﴾ إلى قوله: ﴿ ذلكما مما علمني ربي ﴾ فالظن على هذا بمعنى اليقين كقوله: ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم ﴾ أما الضمير في قوله: ﴿ فأنساه الشيطان ﴾ فمن الناس من قال: إنه يعود إلى الرجل الناجي أي أنساه الشيطان ذكر يوسف لسيده أو عند سيده فإضافة الذكر إلى الرب للملابسة لا لأجل أنه فاعل أو مفعول، أو المضاف محذوف تقديره فأنساه ذكر إخبار ربه وإسناد الإنساء إلى الشيطان مجاز لأن الإنساء عبارة عن إزالة العلم عن القلب والشيطان قدرة له على ذلك وإلا لأزال معرفة الله من قلوب بني آدم، وإنما فعله إلقاء الوسوسة وأخطار الهواجس التي هي من أسباب النسيان.
ومنهم من قال: الضمير راجع إلى يوسف، والمراد بالرب هو الله أي الشيطان أنسى يوسف أن يذكر الله ، وعلى القولين عوتب باللبث في السجن بضع سنين.
والبضع ما بين الثلاثة إلى العشرة لأنه القطعة من العدد والبضع القطع ومثله العضب.
والأكثرون على أن المراد في الآية سبع سنين.
وعن ابن عباس: كان قد لبث خمس سنين وقد اقترب خروجه، فلما تضرع إلى ذلك الرجل لبث بعد ذلك سبع سنين.
وعن النبي : " رحم الله يوسف لو لم يقل اذكرني عند ربك ما لبث في السجن" وعن مالك أنه لما قال له اذكرني عند ربك قيل له: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلاً، لأطيلن حبسك.
فبكى يوسف وقال: طول البلاء أنساني ذكر المولى فويل لإخوتي.
قال المحققون: الاستعانة بغير الله في دفع الظلم جائزة.
فقد روي أن النبي لم يأخذه النوم ليلة من الليالي وكان يطلب من يحرسه حتى جاء سعد بن أبي وقاص فنام.
وقال حكاية عن عيسى : ﴿ من أنصاري إلى الله ﴾ ولا خلاف في جواز الاستعانة بالكفار في دفع الظلم والغرق والحرق إلا أن يوسف عوتب على قوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ لوجوه منها: أنه لم يقتد بالخليل جده حين وضع في المنجنيق فلقيه جبرائيل في الهواء وقال: هل من حاجة؟
فقال: أما إليك فلا مع أنه زعم أنه اتبع ملة آبائه.
ومنها أنه قال: ﴿ ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ﴾ وهذا يقتضي نفي الشرك على الإطلاق وتفويض الأمر بالكلية إلى الله .
فقوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ كالمناقض لهذا الكلام.
ومنها أنه قال: ﴿ عند ربك ﴾ ومعاذ الله أنه زعم أنه الرب بمعنى الإله إلا أن إطلاق هذا اللفظ على الله لا يليق بمثله وإن كان رب الدار ورب الغلام متسعملاً في كلامهم.
ومنها أنه لم يقرن بكلامه إن شاء الله، ولما دنا فرج يوسف أرى الله الملك في المنام سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات عجاف فابتلعت العجاف السمان، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها وسبعاً أخر يابسات قد استحصدت وأدركت فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها، فاضطرب الملك بسببه لأن فطرته قد شهدت بأن استيلاء الضعيف على القوي ينذر بنوع من أنواع الشر إلا أنه لم يعرف تفصيله، والشيء إذا علم من بعض الوجوه عظم الشوق إلى تكميل تلك المعرفة ولا سيما إذا كان صاحبه ذا قدرة وتمكين، فبهذا الطريق أمر الملك بجمع الكهنة والمعبرين وقال: ﴿ يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي ﴾ ثم إنه إذا أراد أمراً هيأ أسبابه فأعجز الله أولئك الملأ عن جواب المسألة وعماه عليهم حتى ﴿ قالوا ﴾ إنها ﴿ أضغاث أحلام ﴾ ونفوا عن أنفسهم كونهم عالمين بتأويلها.
واعلم أن الله خلق جوهر النفس الناطقة بحيث يمكنها الصعود إلى عالم الأفلاك ومطالعة اللوح المحفوظ إلا أن المانع لها عن ذلك في اليقظة هو اشتغالها بتدبير البدن وبما يرد عليها من طريق الحواس،وفي وقت النوم تقل تلك الشواغل فتقوى النفس على تلك المطالعة،فإذا وقفت الروح على حالة من تلك الأحوال فإن بقيت في الخيال كما شوهدت لم يحتج إلى التأويل، وإن نزلت آثار مخصوصة مناسبة لذلك الإدراك الروحاني إل عالم الخيال فهناك يفتقر إلى المعبر.
ثم منها ما هي منتسقة منتظمة يسهل على المعبر الانتقال من تلك المتخيلات إلى الحقائق الروحانيات، ومنها ما تكون مختلطة مضطربة لا يضبط تحليلها وتركيبها لتشويش وقع في ترتيبها وتأليفها فهي المسماة بالأضغاث.
وبالحقيقة، الأضغاث ما يكون مبدؤها تشويش القوة المتخيلة لفساد وقع في القوى البدنية، أو لورود أمر غريب عليه من خارج، لكن القسم المذكور قد يعد من الأضغاث من حيث إنها أعيت المعبرين عن تأويلها.
ولنشتغل بتفسير الألفاظ، أما الملك فريان بن الوليد ملك مصر، وقوله: ﴿ إني أرى ﴾ حكاية حال ماضية.
وسمان جمع سمينة وسمين وسمينة يجمع على سمان كما يقال: رجال كرام ونسوة كرام قال النحويون: إذا وصف المميز فالأولى أن يوقع الوصف وصفاً للمميز كما في الآية دون العدد، لأنه ليس بمقصود بالذات فلهذا قيل سمان بالجر ليكون وصفاً لبقرات، ويحصل التمييز لسبع بنوع من البقرات وهي السمان منهن، ولو نصب جعل تمييز السبع بجنس البقرات أولاً ثم يعلم من الوصف أن المميز بالجنس موصوف بالسمن.
والعجف هو الهزال الذل الذي ليس بعده هزال، والنعت أعجف وعجفاء وهما لا يجمعان على فعال ولكنه حمل على سمان لأنه نقيضه.
وقوله سبع عجاف تقديره بقرات سبع عجاف فحذف للعلم به كما في قوله: ﴿ وأخر يابسات ﴾ التقدير وسبعاً أخر لانصباب المعنى إلى هذا العدد.
وإنما لم يقال سبع عجاف على الإضافة لأن البيان لا يقع بالوصف وحده.
وقولهم "ثلاثة فرسان" و "خمسة أصحاب" لأنه وصف جرى مجرى الاسم، ولا يجوز أن يكون قوله ﴿ وأخر ﴾ مجروراً عطفاً على ﴿ سنبلات ﴾ لأن لفظ الأخر يأباه ويبطل مقابلة السبع بالسبع، وأراد بالملأ الأعيان من العلماء والحكماء، واللام في ﴿ للرؤيا ﴾ للبيان كما قلنا في ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ أو لأن عمل العامل فيما تقدم عليه يضعف فيعضد باللام كما يعضد اسم الفاعل بها وإن تأخر معموله، أو لأن قوله: ﴿ للرؤيا ﴾ خبر "كان" كقوله هو لهذا الأمر أي متمكن مهن مستقل به و ﴿ تعبرون ﴾ خبر آخر أو حال أو لتضمن ﴿ تعبرون ﴾ معنى تنتدبون لعبارة الرؤيا والفصيح عبرت الرؤيا بالتخفيف، وقد يشدد واشتقاقه من العبر بالكسر فالسكون وهو جانب النهر فيقال: عبرت النهر إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه، وعبرت الرؤيا إذا تأملت ناحيتها فانتقلت من أحد الطرفين إلى الآخر.
والأضغاث جمع ضغث وهو الحزمة من أنواع النبت والحشيش مما طال ولم يقم على ساق، والإضافة بمعنى من أي أضغاث من أحلام والصيغة للجمع ولكن الواحد قد يوصف به كما قال: رمح أقصاد وبرمة أعشار.
فالمراد هي حلم أضغاث أحلام.
وقد يطلق الجمع ويراد به الواحد كقولهم "فلان يركب الخيل ويلبس العمائم" وإن لم يركب إلا فرساً واحداً ولم يلبس إلا عمامة واحدة.
ويجوز أن يكون قد قص عليهم أحلاماً أخر.
واللام في ﴿ الأحلام ﴾ اما للعهد كأنهم أرادوا المنامات الباطلة، أو للجنس وأرادوا أنهم غير متبحرين في علم تأويل الرؤيا.
ولما أعضل على الملأ تأويل رؤيا الملك تذكر الناجي يوسف وتأويله رؤياه ورؤيا صاحبه المصلوب، وتذكر قوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ وذلك قوله : ﴿ واذكر ﴾ وأصله "اذتكر" قلبت التاء والذال كلاهما دالاً مهملة وأدغمت.
﴿ بعد أمة ﴾ أي بعد حين كأنها حصلت من اجتماع أيام كثيرة.
وقرىء بكسر الهمزة وهي النعمة أي بعد ما أنعم عليه بالنجاة.
وقرىء ﴿ بعد أمه ﴾ بوزن عمه.
ومعنى ﴿ أنا أنبئكم بتأويله ﴾ أخبركم به عمن عنده علمه ﴿ فأرسلون ﴾ إليه لأسلأله والخطاب للملك والجمع للتعظيم أو له وللملأ حوله.
والمعنى مروني باستعباره.
وعن ابن عباس: لم يكن السجن في المدينة.
وههنا إضمار والمراد فأرسلوه إلى يوسف فأتاه فقال ﴿ يوسف ﴾ أي يا يوسف ﴿ أيها الصديق ﴾ البليغ الكامل في الصدق وصفه بهذه الصفة لأنه تعرف أحواله من قبل.
وفيه أنه يجب على المتعلم تقديم ما يفيد المدح لمعلمه.
وإنما أعاد عبارة الملك بعينها لأن التعبير يختلف باختلاف العبارات.
وقوله: ﴿ لعلي أرجع ﴾ فيه نوع من حسن الأدب لأنه لم يقطع بأنه يعيش إلى أن يعود إليهم، وعلى تقدير أن يعيش فربما عرض له ما يمنعه عن الوصول إليهم من الموانع التي لا تحصى كثرة.
وكذا في قوله: ﴿ لعلهم يعلمون ﴾ فضلك ومكانك من العلم فيخلصوك أو يعلمون فتواك فيكون فيه نوع شك لأنه رأى عجز سائر المعبرين وقيل: كرر لعل مراعاة لفواصل الآي وإلا كان مقتضى النسق لعلي أرجع إلى الناس فيعلموا، و مثله في هذه السورة ﴿ لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون ﴾ .
﴿ قال ﴾ يوسف في جواب الفتوى ﴿ تزرعون سبع سنين ﴾ وهو خبر في معنى الأمر يفيد المبالغة في إيجاب أيجاد المأمور به.
قال في الكشاف: والدليل على كونه في معنى الأمر قوله: ﴿ فذروه في سنبله ﴾ وأقول: يمكن أن يكون قوله: ﴿ تزرعون ﴾ إخباراً عما سيوجد منهم في زمن الغيث والمطر، لأن الزرع يلزم بنزول الأمطار عادة، وقوله: ﴿ فما حصدتم ﴾ إرشاد لهم إلى الأصلح لهم في ذلك الوقت.
و ﴿ دأباً ﴾ بتسكين الهمزة وتحريكها مصدر دأب في العمل إذا استمر عليه.
وانتصابه على الحال أي تزرعون ذوي دأب، أو على المصدر والعامل فعله أي تدأبون دأباً.
وإنما أمرهم بأن يتركوه في السنابل إلا القدر الذي يأكلونه في الحال لئلا يقع فيه السوس ﴿ ثم يأتي من بعد ذلك ﴾ فيه دليل على أن ﴿ تزرعون ﴾ إخبار لا أمر ﴿ سبع ﴾ سنين ﴿ شداد ﴾ على الناس ﴿ يأكلن ما قدمتم لهن ﴾ من الإسناد المجازي لأن الآكلين أهل تلك السنين لا السنون ﴿ إلا قليلاً مما تحصنون ﴾ تحرزون وتخبؤن.
والإحصان جعل الشيء في الحصن كالإحراز جعل الشيء في الحرز أخبر أنه يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس من الغوث، أو من الغيث يقال: غيثت البلاد إذا مطرت ﴿ وفيه يعصرون ﴾ العنب والزيتون والسمسم.
وقيل: يحلبون الضروع، تأويل البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخاصيب والعجاف واليابسات بالسنين.
ثم بشرهم بالبركة في العام الثامن.
فقال المفسرون: إنه قد عرف ذلك بالوحي.
عن قتادة: زاده الله علم سنة.
وقيل: عرف استدلالاً فليس بعد انتهاء الجدب، إلا الخصب.
والجواب أنه لا يلزم من انتهاء الجدب الخصب والخير الكثير فقد يكون توسط الحال.
وأيضاً في قوله: ﴿ وفيه يعصرون ﴾ نوع تفصيل لا يعرف إلا بالوحي.
ولما رجع الشرابي إلى الملك وعرض عليه التعبير استحسنه وقال: ﴿ ائتوني به ﴾ فجعل الله علمه مبدأ لخلاصه من المحنة الدنيوية فيعلم منه أن العلم سبب للخلاص في المحن الأخروية أيضاً.
﴿ فلما جاءه الرسول ﴾ وهو الشرابي فقال: أجب الملك ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ﴾ ما شأنهن وما حالهن ﴿ إن ربي ﴾ أي الله العالم بخفيات الأمور أو العزيز الذي رباه ﴿ بكيدهن عليم ﴾ وعلى الأول أراد إنه كيد عظيم لا يعلمه إلا الله لعبد غوره، أو استشهد بعلم الله على أنهن كذبة، أو أراد الوعيد أي هو عليم بكيدهن فيجازيهن عليه.
وكيدهن ترغيبهن إياه في مواقعة سيدته أو تقبيح صورته عند العزيز حتى يرضى بسجنه.
ومن لطائف الآية أنه أراد فسأل الملك أن يسأل ما بالهن إلا أنه راعى الأدب فاقتصر على سؤال الملك عن كيفية الواقعة فإن ذلك مما يهيجه على البحث والتفتيش.
ومنها أنه لم يذكر سيدته بسوء بل ذكر النسوة على التعميم ومع ذلك راعى جانبهن أيضاً فوصفهن بتقطيع الأيدي فقط لا بالترغيب في الخيانة.
عن النبي : "لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني.
ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول فقال ارجع إلى ربك ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإجابة وبادرتهم الباب ولما ابتغيت العذر إن كان لحليماً ذا أناة" قال العلماء: الذي عمله يوسف هو اللائق بالحزم والعقل، لأنه لو خرج في الحال فربما بقي في قلب الملك من تلك التهمة أثر، ولعل الحساد يتسلقون بذلك إلى تقبيح أمره عنده، وفي هذا التأني والتثبت تلاف لما صدر منه في قوله للشرابي: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ .
﴿ قال ﴾ الملك بعد إحضار النسوة ﴿ ما خطبكن ﴾ ما شأنكن العظيم ﴿ إذ راودتن يوسف ﴾ هل وجدتن منه ميلاً إليكن أو إلى زليخا؟
قيل: الخطاب لزليخا والجمع للتعظيم.
وقيل: خاطبهن جميعاً لأن كل واحدة منهن راودت يوسف لنفسها أو لأجل امرأة العزيز.
﴿ قلن حاش لله ﴾ تعجباً من عفته ونزاهته ﴿ قالت امرأت العزيز ﴾ حين عرفت أن لا بد من الاعتراف ﴿ الآن حصحص الحق ﴾ وضح وانكشف وتمكن في القلوب من قولهم حصحص البعير إذا ألقى ثفناته للإناخة والاستقرار على الأرض.
وقال الزجاج: اشتقاقه من الحصة أي بانت حصة الحق من حصة الباطل.
أما قوله : ﴿ ذلك ليعلم ﴾ إلى تمام الآيتين ففيه قولان: الأول - وعليه الأكثرون - أنه حكاية قول يوسف.
قال الفراء: ولا يبعد وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر إذا دلت القرينة الصارفة لكل منهما إلى ما يليق به.
والإشارة إلى الحداثة الحاضرة بقوله: ﴿ ذلك ﴾ لأجل التعظيم والمراد ما ذكر من رد الرسول والتثبت وإظهار البراءة.
وعن ابن عباس: أنه لما دخل على الملك قال ذلك، والأظهر أنه قال ذلك في السجن عند عود الرسول إليه.
ومحل ﴿ بالغيب ﴾ نصب على الحال من الفاعل أي وأنا غائب عنه، أو من المفعول أي وهو غائب عني، أو على الظرف أي بمكان الغيب وهو الاستتار وراء الأبواب المغلقة.
وقيل: هذه الخيانة قد وقعت في حق العزيز فكيف قال ذلك ليعلم الملك؟
وأجيب بأنه إذا خان وزيره فقد خان الملك من بعض الوجوه، أو أراد ليعلم الله لأن المعصية خيانة، أو المراد ليعلم الملك أني لم أخن العزيز، أو ليعلم العزيز أني لم أخنه وليعلم أن الله لا يهدي كيد الخائنين لا ينفذه ولا يسدده، وفي تعريض بامرأته الخائنة وبالعزيز حين ساعدها بعد ظهور الآيات على حبسه فكأنه خان حكم لله، وفيه تأكيد لأمانته وأنه لو كان خائناً لم يهد الله كيده.
ولا يخفى أن هذه الكلمات من يوسف مع الشهادة الجازمة والاعتراف الصريح من المرأة دليل على نزاهة يوسف من كل سوء.
قال أهل التحقيق: إنه لما راعى حرمة سيدته في قوله: ﴿ ما بال النسوة اللاتي ﴾ دون أن يقول "ما بال زليخا" أرادت أن تكافئه على هذا الفعل الحسن فلا جرم أزالت الغطاء واعترفت بأن الذنب كله منها، فنظيره ما يحكى أن امرأة جاءت بزوجها إلى القاضي وادعت عليه المهر فأمر القاضي بأن يكشف عن وجهها حتى يتمكن الشهود من أداء الشهادة.
فقال الزوج: لا حاجة إلى ذلك فإني مقر بصدقها في دعواها.
فقالت المرأة: لما أكرمني إلى هذا الحد فاشهدوا أني أبرأت ذمته من كل حق لي عليه.
ولما كان قول يوسف ذلك ليعلم جارياً مجرى تزكية النفس على الإطلاق أو في هذه الواقعة وقد قال : ﴿ فلا تزكوا أنفسكم ﴾ أتبع ذلك قوله: ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس ﴾ أي هذا الجنس ﴿ لأمارة بالسوء ﴾ ميالة إلى القبائح راغبة في المعاصي.
وفيه أن ترك تلك الخيانة ما كان حظ النفس وشربها ولكن كان بتوفيق الله وتسهيله وصرفه ﴿ إلا ما رحم ربي ﴾ إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة كالملائكة، أو المراد أنها أمارة بالسوء في كل وقت وأوان إلا وقت رحمة ربي، أو الاستثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة: القول الثاني أنه حكاية قول المرأة لأن يوسف ما كان حاضراً في ذلك المجلس والمعنى، وإن كنت أحلت عليه الذنب عند حضوره ولكني ما أحلته عليه في غيبته حين كان في السجن ﴿ وأن الله لا يهدي ﴾ فيه تعريض فأنها لما أقدمت على المكر فلا جرم افتضحت، وأنه لما كان بريئاً من الذنب لا جرم طهره الله منه ﴿ وما أبرىء نفسي ﴾ من الخيانة مطلقاً فإني قد خنته حين قلت ﴿ ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً ﴾ أو حين أودعته السجن.
ثم إنها اعتذرت عما كان منها فقالت: ﴿ إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ﴾ كنفس يوسف ﴿ إن ربي غفور رحيم ﴾ أو استغفرت ربها واسترحمته مما ارتكبت.
قال المحققون.
النفس الإنسانية شيء واحد فإذا مالت إلى العالم العلوي كانت مطمئنة، وإذا مالت إلى العالم السفلي وإلى الشهوة والغضب سميت أمارة وهذا في أغلب أحوالها لإلفها إلى العالم الحسي وقرارها فيه فلا جرم إذا خليت وطباعها انجذبت إلى هذه الحالة فلهذا قيل: إنها من حيث هي أمارة بالسوء.
وإذا كانت منجذبة مرة إلى العالم العلوي ومرة إلى العالم السفلي سميت لوامة.
ومنهم من زعم أن النفس المطمئنة هي الناطقة العلوية، والنفس الأمارة منطبعة في البدن تحمله على الشهوة والغضب وسائر الأخلاق الرذيلة.
وتمسكت الأشاعرة بقوله: ﴿ إلا ما رحم ﴾ ظاهراً لأنه دل على أن صرف النفس عن السوء بخلق الله وتكوينه.
وحملته المعتزلة على منح الألطاف والله أعلم بالحقائق.
التأويل: لما أدخل يوسف القلب سجن الشريعة دخل معه غلامان لملك الروح هما النفس والبدن، فإن الروح العلوي لا يعمل عملاً في السفل الدنيوي إلا من مشرب النفس فهي صاحب شرابه.
والبدن يهيء من الأعمال الصالحة ما يصلح لغذاء الروح، فإن الروح لا يبقى إلا بغذاء روحاني كما أن الجسم لا يبقى إلا بغذاء جسماني.
وإنما حبسا في سجن الشريعة لأنهما متهمان بجعل سم الهوى والمعصية في شراب ملك الروح وطعامه، وفي رؤياهما دلالة على أنهما من الدنيا، وأهل الدنيا نيام فإذا ماتوا انتبهوا ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾ الذين يعبدون الله عياناً وشهوداً ﴿ إني تركت ملة قوم ﴾ فيه إشارة إلى أن القلب مهما ترك ملة النفس والهوى والطبيعة علمه الله علم الحقيقة ﴿ أما أحدكما فيسقي ربه ﴾ أي سيده بأقداح المعاملات والمجاهدات شراب الكشوف والمشاهدات وهي باقية في خدمة ملك الروح أبداً ﴿ وأما الآخر ﴾ وهو البدن ﴿ فيصلب ﴾ بنخيل الموت ﴿ فيأكل ﴾ طير أعوان ملك الموت من رأسه الخيالات الفاسدة ﴿ قضي ﴾ في الأزل هذا ﴿ الأمر ﴾ ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ يعني أن القلب المسجون في بدء أمره يلهم النفس بأن تذكره المعاملات المستحسنة الشرعية عند الروح ليتقوى بها الروح وينتبه عن نوم الغفلة الناشئة من الحواس الخمس ويسعى في استخلاص القلب عن أثر الصفات البشرية بالمعاملات الروحانية مستمداً من الألطاف الربانية.
ثم إن الشيطان بوساوسه محا عن النفس أثر إلهامات القلب، أو الشيطان أنسى القلب ذكر الله حين استغاث النفس لتذكره عند الروح، ولو استغاث بالله لخلصه في الحال ﴿ فلبث في السجن بضع سنين ﴾ إشارة إلى الصفات البشرية السبع التي بها القلب محبوس وهي: الحرص والبخل والشهوة والحسد والعداوة والغضب والكبر ﴿ إني أرى سبع بقرات سمان ﴾ هن الصفات المذكورة ﴿ يأكلهن سبع عجاف ﴾ هن أضدادها وهي: القناعة والسخاوة والعفة والغبطة والشفقة والحلم والتواضع ﴿ يا أيها الملأ ﴾ يعني الأعضاء والجوارح والحواس والقوى ﴿ أفتوني ﴾ فيما رأيت في غيب الملكوت ﴿ وما نحن بتأويل الأحلام ﴾ أي ليس التصرف في الملكوت وشواهدها من شأننا ﴿ فأرسلون ﴾ فيه أن النفس إذا أرادت أن تعلم شيئاً مما يجري في الملكوت ترجع بقوة التفكر إلى القلب فتستخبر عنه، فالقلب ترجمان بين الروحانيات ولانفس فيما يفهم من لسان الغيب ﴿ أيها الصديق ﴾ لأنه مصدق فيما يرى من شواهد الحق، ويصدق فيما يروي للخلق ﴿ ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾ "حدثني قلبي عن ربي" قال في الكشاف: أرجع إلى الناس أي إلى الأجزاء الإنسانية ﴿ تزرعون سبع سنين ﴾ إشارة إلى تربية الصفات البشرية السبع بالعادة والطبيعة في أوان الطفولية ﴿ فذروه في سنبله ﴾ أي ما حصلتم من هذه الصفات فذروه في أماكنه ولا تستعملوه ﴿ إلا قليلاً ﴾ مما تعيشون به إلى أوان البلوغ وظهور نور العقل في مصباح السر في زجاجة القلب كأنه كوكب دري.
ثم إذا أيد نور العقل بأنوار تكاليف الشرع وشرف بإلهام الحق في إظهار فجور النفس وتقواها فيزكيها عن هذه الصفات ويجليها بالصفات الروحانية السبع، فكأن السبع العجاف أكلن السبع السمان.
وإنما سمى ما هو من عالم الأرواح عجافاً للطافتها، وما هو من عالم الأجسام سماناً لكثافتها كثيراً إلا قليلاً مما يحسن به الإنسان حياة قالبه ﴿ ثم يأتي من بعد ذلك عام ﴾ أي بعد غلبات الصفات الروحانية واضمحلال الصفات البشرية يظهر مقام فيه يتدارك السالك جذبات العناية، وفي يبرأ العبد من معاملاته وينجو من حبس وجوده وحجب أنانيته.
ولما أخبر القلب بنور الله رآه الروح في عالم الملكوت وتأوله استحق قرب الروح وصحبته فاستدعى حضوره على لسان رسول النفس فرده إليه وقال سله ﴿ ما بال النسوة ﴾ لأن الأوصاف الإنسانية لما رأين جمال القلب المنور بنور الله ﴿ قطعن أيديهن ﴾ من ملاذ الدنيا وشهواتها وآثرن السعادة الأخروية على الشهوات الفانية ﴿ ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ أي القلب المنظور بنظر العناية لما غاب عن حضرة الروح لاشتغاله بتربية النفس والقالب ما خانه بالالتفات إلى الدنيا ونعيمها ﴿ وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ﴾ الذين يبيعون الدين بالدنيا.
ثم قال إظهاراً للعجز عن نفسه وللفضل من ربه ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس ﴾ جبلت على الأمارية، ولكن إذا رحمها ربها يقلبها ويغيرها فإذا تنفس صبح الهداية صارت لوامة نادمة على فعلها، والندم توبة وإذا طلعت شمس العناية وصارت ملهمة ﴿ فألهمها فجورها وتقواها ﴾ وإذا بلغت شمس العناية وسط سماء الهداية أشرقت الأرض بنور ربها وصارت النفس مطمئنة مستعدة لجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك راضية مرضية ﴾ ﴿ إن ربي غفور ﴾ لنفس تابت ورجعت إليه ﴿ رحيم ﴾ لمن أحسن طاعته وعبادته والله حسبنا ونعم الوكيل.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ ﴾ .
ذكر أنه رأى، وليس فيه ذكر أنه رأى في المنام، ولكن ذكر في آخر الرؤيا؛ دل أنه رأى في المنام بقوله: ﴿ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ .
وفيه: أن من الرؤيا ما هو حق ولها حقيقة، ومنها باطل لا حقيقة لها؛ لأنه قال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ فكأن، الرؤيا هي حق، ولها حقيقة؛ بتأويل عواقبها، وأضغاث أحلام: لا حقيقة لها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ ﴾ .
أما البقرات: هي السنون، والسمان: هي المخصبات الواسعات.
﴿ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ ﴾ .
العجاف: هي المجدبات.
﴿ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ ﴾ .
السنبلات: سنبلات: وخضر: عبارة عما يحصد.
﴿ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ﴾ .
عبارة عما لا يحصد أي: لا يكون فيه ما يحصد.
فيه دلالة أن في الرؤيا ما يكون مصرحاً مشاراً إليه يعلم بالبديهة، ومنها ما يكون كناية مبهماً غير مفسر؛ لا يعلم إلا بالنظر فيها والتفكر والتأمل؛ لأنه قال: ﴿ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ ﴾ ، وسبع: هو سبع لا غير، وبقرات: هن كناية عن السنين، وسمان: كناية عن الخصب والسعة، يأكلهن على حقيقة الأكل لا غير.
وكذلك ﴿ سَبْعٌ عِجَافٌ ﴾ السبع: هو سبع، والعجاف: كناية عن الشدة والجدب، وسبع سنبلات: هنّ عَيْن السنبلات، وخضر: هي كناية عما يحصد، ويابسات: كناية عما لا يكون فيه ما يحصد.
ففيه: أن من الخطاب ما لا يكون مصرحاً مبيناً مشاراً إليه؛ يفهم المراد منه بالبديهة وقت قرع الخطاب السمع، ومنه ما يكون مبهماً غير مفسر؛ فهو على وجهين: منه ما يفهم بالنظر فيه والتفكر.
والثاني: لا يفهم بالبديهة ولا بالنظر فيه والتفكر، إلا ببيان يقرن به سوى ذلك، على هذا تخرج المخاطبات فيما بين الله وبين الخلق والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ .
خاطب الأشراف من قومه والعلماء بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ ﴾ على ما ذكرنا فيما تقدم أن الملأ: هو اسم للأشراف منهم والرؤساء، وهكذا العادة في الملوك؛ أنهم إذا خاطبوا إنما يخاطبون أعقلهم وأعظمهم منزلة عندهم وأكرم مثواهم.
دلّ قوله: ﴿ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ أنه إنما رأى ذلك في المنام والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ...
﴾ الآية.
كأنه نهاهم أن يتكلفوا التعبير للرؤيا التي رآها؛ إذا لم يكن لهم بها علم، وكذلك الواجب على كل من سئل عن شيء لا يُعلم ألا يشتغل به، ولا يتكلف علمه؛ إذا لم يكن له به علم؛ حيث قال: ﴿ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ ﴾ .
قال بعضهم: أباطيل أحلام كاذبة وقال بعضهم: أخلاط أحلام؛ مثل أضغاث النبات تجمع فيكون فيها ضروب مختلفة، وهو كما قيل في قوله: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ ﴾ أي: جماعة من أغصان الشجر.
وقال بعضهم: ﴿ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ ﴾ : الضغث، والأضغاث: ما لا يكون له تأويل، ويقال لنوع من الكلأ: ضغث وهو الحلفا؛ يشبه البردي وغيره.
وقيل: إن الضغث والأحلام: هما اسمان لشيء لا معنى له، ولا تأويل، وهما واحد، وأصل الأحلام: كأن مخرجه من وجهين: أحدهما: العقول؛ دليله: قوله: ﴿ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ ﴾ أي: عقولهم ﴿ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴾ .
والثاني: من الاحتلام، وهو [ما ذكرنا] من الحلم؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ...
﴾ : الآية فيشبه أن يكون يخرج على هذا؛ لأن الصبي ما لم يعقل لا يلعب به الشيطان، ولا يحتلم؛ لأن الاحتلام هو من لعب الشيطان به، فسمى الرؤيا الباطلة الكاذبة أحلاماً؛ لأنها من لعب الشيطان به، كما سمى احتلام الصبي حلماً؛ لأنه إذا بلغ العقل لعب به الشيطان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ ﴾ .
يحتمل قوله : ﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ ﴾ لما لا تأويل لها؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ ﴾ أي: لا شفيع لهم.
ويحتمل قوله: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ ﴾ لها تأويل، ولكن نحن لا نعلمها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا ﴾ .
من الهلاك، وهو الساقي الذي ذكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ .
أي: تذكر بعد أُمّة، قال الأُمّة - هاهنا -: الحين، أي: ذكر بعد حين ووقت؛ كقوله : ﴿ وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ ﴾ قيل: حين ووقت معدود، وقال الحسن: ﴿ وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ أي: بعد أمّة من الناس.
ويقرأ (بعد أمه) قال أبو عَوْسجة: الأمه: النسيان والسهو؛ أي: تذكر بعد نسيان وسهو؛ كقوله: ﴿ فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ﴾ يقال منه في الكلام: أمه يأمه أمها؛ فهو آمه، وأمه؛ أي: نسي.
والأمة: من الأمم والقرون التي مضت.
والأمة: النعمة، والأمم جمع.
والأمة أيضاً: الدِّين والسُّنة؛ كقوله : ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴾ أي: على دين.
ويقال: الأمة: القامة أيضاً؛ يقال: فلان حسن الأمة؛ أي: حسن القامة، ويقال: الأمم: القريب.
فهو يحتمل هاهنا الوجهين اللذين ذكرناهما؛ أي: ذكر بعد حين ووقت، أو بعد نسيان؛ من قرأه بالنصب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ ﴾ .
معناه: أي أنا أنبئكم ببيان تأويلها لا أنه كان ينبئهم هو بنفسه؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَأَرْسِلُونِ ﴾ .
﴿ يُوسُفُ ﴾ فيه إضمار؛ كأنه قال: فأرسلوني إلى يوسف، وليس في تلاوة الآية أنه أرسل إليه، ولا إتيانه إليه، ولكن فيه دليل أنه أرسل إليه فأتاه؛ فلما أتاه قال له: ﴿ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ ﴾ .
قيل: الصدّيق: هو كثير الصدق؛ كما يقال: شِرِّيب وفِسِّيق وسِكّير؛ إذا كثر ذلك منه، والصديق: هو الذي لم يؤخذ عليه كذب قط، أو سماه صديقاً لما عرف أنه رسول الله، وهو ما قال في إبراهيم: ﴿ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً ﴾ .
أو يقول: ﴿ أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ ﴾ أي: أنا أتعلم منه؛ فأنبئكم بتأويله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ﴾ .
فأفتاها له وعبرها عليه؛ وهو ما قال: ﴿ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً ﴾ إلى آخر ما ذكر.
وقوله: ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ ﴾ .
هذا تفسير رؤيا الملك للذي سأله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّعَلِّيۤ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ .
هذا يحتمل وجوهاً: يحتمل: يعلمون أن هذه الرؤيا حق ولها حقيقة؛ ليس كما قال أولئك: أضغاث أحلام.
والثاني: يعلمون فضلك على غيرك من الناس، أو يعلمون أنك تصلح لحاجاتهم التي في حال يقظتهم؛ فيرفعونها إليك؛ كما أصلحت ما كان لهم في حال نومهم، ثم علمهم الزراعة، وجمع الطعام والادخار أن كيف يدّخر حتى يبقى إلى ذلك الوقت، فقال: ﴿ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً ﴾ قال بعضهم: أي: دائماً؛ أي: تداومون الزراعة فيها.
وقال أبو عوسجة: دأبا: من الدوب؛ من الجدّ والتعب.
وقال القتبي: دأبا: أي: جدّاً في الزراعة ومتابعة.
وكله واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ ﴾ .
لا تنقوه؛ لأن ذلك أبقى له من إذا نقي وميز، إلا قليلا مما تأكلون؛ فتنقونه إن شئتم؛ أي: قدر ما تأكلون.
وقوله: ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ ﴾ .
قيل: مجدبات من الشدة.
﴿ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ ﴾ .
أي: ما ادخرتم لهن.
﴿ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ ﴾ .
قال بعضهم: تدخرون.
وقال بعضهم: تحرزون.
قال أبو عوسجة: أحصنته، أي: ادخرته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ ﴾ .
قال بعضهم: هو من الغيث؛ وهو المطر؛ أي: يمطرون.
وقيل: يغاثون بالمطر؛ من الإغاثة والغوث.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ .
قال بعضهم: هو من عصر الأعناب والدهن والزيت وغيره؛ إنما هو إخبار عن الخصب والسعة.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ يَعْصِرُونَ ﴾ أي: ينجون؛ يقول: من العصر يعني الملجأ: أي يلجئون إلى الغيث، والعصرة المنجاة؛ وهو قول أبي عبيدة.
وأمّا قول غيره من أهل الأدب والتأويل: فهو من العصر؛ يعني: عصر العنب وغيره والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قالوا: رؤياك أخلاط أحلام، وما كان كذلك فلا تأويل له، ولسنا عالمين بتأويل الأحلام المختلطة.
<div class="verse-tafsir" id="91.k3jPe"