الإسلام > القرآن > سور > سورة 12 يوسف > الآية ٤٤ من سورة يوسف
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 94 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٤٤ من سورة يوسف من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
واعتذروا إليه بأن هذه ) أضغاث أحلام ) أي : أخلاط اقتضت رؤياك هذه ( وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ) أي : ولو كانت رؤيا صحيحة من أخلاط ، لما كان لنا معرفة بتأويلها ، وهو تعبيرها .
القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ (44) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: قال الملأ الذين سألهم ملك مصر عن تعبير رؤياه: رؤياك هذه " أضغاث أحلام " ، يعنون أنها أخلاطٌ، رؤيا كاذبةٌ لا حقيقة لها .
* * * ، وهي جمع " ضغث " ، و " الضغث " أصله الحزمة من الحشيش ، يشبه بها الأحلام المختلطة التي لا تأويل لها ، و " الأحلام "، جمع حلم ، وهو ما لم &; 16-118 &; يصدق من الرؤيا ، ومن " الأضْغَاث " قول ابن مقبل: خَـوْدٌ كَـأَنَّ فِرَاشَـهَا وُضِعَـتْ بِـهِ أضْغَــاثُ رَيْحَــانٍ غَـدَاةَ شَـمَالٍ (1) ومنه قول الآخر: (2) يَحْــمِي ذِمَـارَ جَـنِينٍ قَـلَّ مَانِعُـهُ طَـاوٍ كَـضِغْثِ الخَلا فِي البَطْنِ مُكْتَمِن (3) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
*ذكر من قال ذلك: 19332 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله: (أضغاث أحلام) يقول: مشتبهة.
19333 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله: (أضغاث أحلام)، كاذبة.
19334 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال ،لما قصّ الملك رؤياه التي رأى على أصحابه ، قالوا: ( أضغاث أحلام)، أي فعل الأحلام.
19335 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة: (أضغاث أحلام)، قال: أخلاط أحلام ، (وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين).
19336 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عمرو بن محمد ، عن أبي مرزوق ، عن جويبر ، عن الضحاك قال ،" أضغاث أحلام "، كاذبة.
19337 - ...
قال، حدثني المحاربي ، عن جويبر ، عن الضحاك: " قالوا أضغاث " قال : كذب.
19338- حدثت عن الحسين بن الفرج قال ،سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (أضغاث أحلام)، هي الأحلام الكاذبة.
* * * وقوله: (وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين)، يقول: وما نحن بما تئول إليه الأحلام الكاذبة بعالمين .
(4) * * * والباء الأولى التي في" التأويل " من صلة " العالمين " ، والتي في" العالمين "" الباء " التي تدخل في الخبر مع " ما " التي بمعنى الجحد ، ورفع " أضغاث أحلام " ، لأن معنى الكلام: ليس هذه الرؤيا بشيء، إنما هي أضغاث أحلام .
* * * ---------------------- الهوامش: (1) لم أجده في غير هذا المكان .
و" الخود" ، الفتاة الناعمة الشابة .
و" الشمال" هي الريح المعروفة ، وهي الباردة .
وما أطيب ما وصف ابن مقبل وما أبصره !
(2) لم أعرف قائله .
(3) هذا بيت لم أجده ، ولا أحسن تفسيره مفردًا .
(4) انظر تفسير" التأويل" فيما سلف ص : 98 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
قوله تعالى : قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : أضغاث أحلام قال الفراء : ويجوز أضغاث أحلام قال النحاس : النصب بعيد ، لأن المعنى : لم تر شيئا له تأويل ، إنما هي أضغاث أحلام ، أي أخلاط .
وواحد الأضغاث ضغث ، يقال لكل مختلط من بقل أو حشيش أو غيرهما ضغث ; قال الشاعر :كضغث حلم غر منه حالمهوما نحن بتأويل الأحلام بعالمين قال الزجاج : المعنى بتأويل الأحلام المختلطة ، نفوا عن أنفسهم علم ما لا تأويل له ، لا أنهم نفوا عن أنفسهم علم التأويل .
وقيل : نفوا عن أنفسهم علم التعبير .
والأضغاث على هذا الجماعات من الرؤيا التي منها صحيحة ومنها باطلة ، ولهذا قال الساقي : أنا أنبئكم بتأويله فعلم أن القوم عجزوا عن التأويل ، لا أنهم ادعوا ألا تأويل لها .
وقيل : إنهم لم يقصدوا تفسيرا ، وإنما أرادوا محوها من صدر الملك حتى لا تشغل باله ، وعلى هذا أيضا فعندهم علم .
والأحلام جمع حلم ، والحلم بالضم ما يراه النائم ، تقول منه حلم بالفتح واحتلم ، وتقول : حلمت ، بكذا وحلمته ، قال :فحلمتها وبنو رفيدة دونها لا يبعدن خيالها المحلومأصله الأناة ، ومنه الحلم ضد الطيش ; فقيل لما يرى في النوم حلم لأن النوم حالة أناة وسكون ودعة .الثانية : وفي الآية دليل على بطلان قول من يقول : إن الرؤيا على أول ما تعبر ، لأن القوم قالوا : أضغاث أحلام ولم تقع كذلك ; فإن يوسف فسرها على سني الجدب والخصب ، فكان كما عبر ; وفيها دليل على فساد أن الرؤيا على رجل طائر ، فإذا عبرت وقعت .
{ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ } أي أحلام لا حاصل لها، ولا لها تأويل.
وهذا جزم منهم بما لا يعلمون، وتعذر منهم، [بما ليس بعذر] ثم قالوا: { وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ } أي: لا نعبر إلا الرؤيا، وأما الأحلام التي هي من الشيطان، أو من حديث النفس، فإنا لا نعبرها.
فجمعوا بين الجهل والجزم، بأنها أضغات أحلام، والإعجاب بالنفس، بحيث إنهم لم يقولوا: لا نعلم تأويلها، وهذا من الأمور التي لا تنبغي لأهل الدين والحجا، وهذا أيضا من لطف الله بيوسف عليه السلام.
فإنه لو عبرها ابتداء - قبل أن يعرضها على الملأ من قومه وعلمائهم، فيعجزوا عنها -لم يكن لها ذلك الموقع، ولكن لما عرضها عليهم فعجزوا عن الجواب، وكان الملك مهتما لها غاية، فعبرها يوسف- وقعت عندهم موقعا عظيما، وهذا نظير إظهار الله فضل آدم على الملائكة بالعلم، بعد أن سألهم فلم يعلموا.
ثم سأل آدم، فعلمهم أسماء كل شيء، فحصل بذلك زيادة فضله، وكما يظهر فضل أفضل خلقه محمد صلى الله عليه وسلم في القيامة، أن يلهم الله الخلق أن يتشفعوا بآدم، ثم بنوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى عليهم السلام، فيعتذرون عنها، ثم يأتون محمدا صلى الله عليه وسلم فيقول: "أنا لها أنا لها" فيشفع في جميع الخلق، وينال ذلك المقام المحمود، الذي يغبطه به الأولون والآخرون.
فسبحان من خفيت ألطافه، ودقَّت في إيصاله البر والإحسان، إلى خواص أصفيائه وأوليائه.
( قالوا أضغاث أحلام ) أخلاط أحلام مشتبهة ، أهاويل ، واحدها ضغث ، وأصله الحزمة من أنواع الحشيش ، والأحلام جمع الحلم ، وهو الرؤيا ، والفعل منه حلمت أحلم ، بفتح اللام في الماضي وضمها في الغابر ، حلما وحلما ، مثقلا ومخففا .
( وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ) .
«قالوا» هذه «أضغاث أحلام» أخلاط «وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين».
قالوا: رؤياك هذه أخلاط أحلام لا تأويل لها، وما نحن بتفسير الأحلام بعالمين.
وقوله - سبحانه - ( قالوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحلام بِعَالِمِينَ ) حكاية لما ردبه الكهان والأشراف على ما طلبه الملك منهم .والأَضغاث : جمع ضغث - بكسر الضاد - وهو ما جمع فى حزمة واحدة من مختلف النيات وأعواد الشجر ، فصار خليطا غير متجانس .والأحلام : جمع حلْم وحلُم - بإسكان اللام وضمها تبعا للحاء - وهو ما يراه النائم فى منامه ، وتطلق كثيرا على ما ليس بحسن ، ففى الحديث الصحيح : " الرؤيا من الله والحلم الشيطان " .أى : قال الملأ للملك : ما رأيته أيها الملك فى نومك ما هو إلا تخاليط أحلام ومنامات باطلة ، فلا تهتم بها .فهم قد شبهوا ما رآه بالأضغاث فى اختلاطه ، وعدم التجانس بين أطرافها .ثم أضافوا إلى ذلك قولهم : ( وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحلام بِعَالِمِينَ ) .أى : إننا لسنا من أهل العلم بتفسير تخاليط الأحلام ، وإنما نحن من أهل العلم بتفسير المنامات المعقولة المفهومة .وقولهم هذا إنما هو اعتذار عن جهلهم ، بمعرفة تفسير رؤيا الملك ، ويبدو أن الملك كان يتوقع منهم هذا الجهل ، كما يشعر به قوله - تعالى - ( إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ) فقد أتى بإن المفيدة للشك .قال صاحب الكشاف : " فإن قلت : ما هو إلا حلم واحد فلماذا قالوا أضغاث أحلام فجمعوا!؟قلت : هو كما تقول فلان يركب الخيل ، ويلبس عمائم الخز ، لمن لا يركب إلا فرسا واحدا وماله إلا عمامه فردة ، تزيدا فى الوصف ، فهؤلاء أيضا تزيدوا فى وصف الحلم بالبطلان فجعلوه أضغاث أحلام - ويجوز أن يكون قد قص عليهم مع هذه الرؤيا سواها .
اعلم أنه تعالى إذا أراد شيئاً هيأ له أسباباً، ولما دنا فرج يوسف عليه السلام رأى ملك مصر في النوم سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات عجاف فابتلعت العجاف السمان، ورأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حبها، وسبعاً أخر يابسات، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها فجمع الكمنة وذكرها لهم وهو المراد من قوله: ﴿ يابسات يأَيُّهَا الملا أَفْتُونِى فِي رؤياى ﴾ فقال القوم هذه الرؤيا مختلطة فلا تقدر على تأويلها وتعبيرها، فهذا ظاهر الكلام وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الليث: العجف ذهاب السمن والفعل عجف يعجف والذكر أعجف والأنثى عجفاء والجمع عجاف في الذكران والإناث.
وليس في كلام العرب أفعل وفعلاء جمعاً على فعال غير أعجف وعجاف وهي شاذة حملوها على لفظ سمان فقالوا: سمان وعجاف لأنهما نقيضان ومن دأبهم حمل النظير على النظير، والنقيض على النقيض، واللام في قوله: ﴿ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ على قول البعض زائدة لتقدم المفعول على الفعل، وقال صاحب الكشاف: يجوز أن تكون الرؤيا خبر كان كما تقول: كان فلان لهذا الأمر إذا كان مستقلاً به متمكناً منه وتعبرون خبراً آخر أو حالاً، ويقال عبرت الرؤيا أعبرها وعبرتها تعبيراً إذا فسرتها، وحكى الأزهري أن هذا مأخوذ من العبر، وهو جانب النهر ومعنى عبرت النهر، والطريق قطعته إلى الجانب الآخر فقيل لعابر الرؤيا عابر، لأنه يتأمل جانبي الرؤيا فيتفكر في أطرافها وينتقل من أحد الطرفين إلى الآخر، والأضغاث جمع الضغث وهو الحزمة من أنواع النبت والحشيش بشرط أن يكون مما قام على ساق واستطال قال تعالى: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ﴾ .
إذا عرفت هذا فنقول: الرؤيا إن كانت مخلوطة من أشياء غير متناسبة كانت شبيهة بالضغث.
المسألة الثانية: أنه تعالى جعل تلك الرؤيا سبباً لخلاص يوسف عليه السلام من السجن، وذلك لأن الملك لما قلق واضطرب بسببه، لأنه شاهد أن الناقص الضعيف استولى على الكامل القوي فشهدت فطرته بأن هذا ليس بجيد وأنه منذر بنوع من أنواع الشر، إلا أنه ما عرف كيفية الحال فيه والشيء إذا صار معلوماً من وجه وبقي مجهولاً من وجه آخر عظم تشوف الناس إلى تكميل تلك المعرفة وقويت الرغبة في إتمام الناقص لا سيما إذا كان الإنسان عظيم الشأن واسع المملكة، وكان ذلك الشيء دالاً على الشر من بعض الوجوه فبهذا الطريق قوى الله داعية ذلك الملك في تحصيل العلم بتعبير هذه الرؤيا، ثم إنه تعالى أعجز المعبرين اللذين حضروا عند ذلك الملك عن جواب هذه المسألة وعماه عليهم ليصير ذلك سبباً لخلاص يوسف من تلك المحنة.
واعلم أن القوم ما نفوا عن أنفسهم كونهم عالمين بعلم التعبير، بل قالوا: إن علم التعبير على قسمين منه ما تكون الرؤيا فيه منتسقة منتظمة فيسهل الانتقال من الأمور المتخيلة إلى الحقائق العقلية الروحانية ومنه ما تكون فيه مختلطة مضطربة ولا يكون فيها ترتيب معلوم وهو المسمى بالأضغاث والقوم قالوا إن رؤيا الملك من قسم الأضغاث ثم أخبروا أنهم غير عالمين بتعبير هذا القسم وكأنهم قالوا هذه الرؤيا مختلطة من أشياء كثيرة وما كان كذلك فنحن لا نهتدي إليها ولا يحيط عقلنا بها وفيها إيهام أن الكامل في هذا العلم والمتبحر فيه قد يهتدي إليها، فعند هذه المقالة تذكر ذلك الشرابي واقعة يوسف فإنه كان يعتقد فيه كونه متبحراً في هذا العلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أضغاث أَحْلاَمٍ ﴾ تخاليطها وأباطيلها، وما يكون منها من حديث نفس أو وسوسة شيطان.
وأصل الأضغاث: ما جمع من أخلاط النبات وحزم، الواحد: ضغث، فاستعيرت لذلك، والإضافة بمعنى (من) أي أضغاث من أحلام والمعنى: هي أضغاث أحلام.
فإن قلت: ما هو إلا حلم واحد، فلم قالوا: أضغاث أحلام فجمعوا؟
قلت: هو كما تقول: فلان يركب الخيل ويلبس عمائم الخز، لمن لا يركب إلا فرساً واحداً وما له إلا عمامة فردة، تزيدا في الوصف، فهؤلاء أيضاً تزيدوا في وصف الحلم بالبطلان، فجعلوه أضغاث أحلام.
ويجوز أن يكون قد قص عليهم مع هذه الرؤيا رؤيا غيرها ﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحلام بعالمين ﴾ إما أن يريدوا بالأحلام المنامات الباطلة خاصة، فيقولوا: ليس لها عندنا تأويل، فإن التأويل إنما هو للمنامات الصحيحة الصالحة، وإما أن يعترفوا بقصور علمهم وأنهم ليسوا في تأويل الأحلام بنحارير.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقالَ المَلِكُ إنِّي أرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ ﴾ لَمّا دَنا فَرَجُهُ رَأى المَلِكُ سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ خَرَجْنَ مِن نَهْرٍ يابِسٍ وسَبْعَ بَقَراتٍ مَهازِيلَ فابْتَلَعَتِ المَهازِيلُ السِّمانَ.
﴿ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ ﴾ قَدِ انْعَقَدَ حَبُّها.
﴿ وَأُخَرَ يابِساتٍ ﴾ وسَبْعًا أُخَرَ يابِساتٍ قَدْ أُدْرِكَتْ فالتَوَتِ اليابِساتُ عَلى الخُضَرِ حَتّى غَلَبَتْ عَلَيْها، وإنَّما اسْتَغْنى عَنْ بَيانِ حالِها بِما قَصَّ مِن حالِ البَقَراتِ، وأجْرى السِّمانَ عَلى المُمَيَّزِ دُونَ المُمَيِّزِ لِأنَّ التَّمْيِيزَ بِها ووَصِفَ السَّبْعُ الثّانِي بِالعِجافِ لِتَعَذُّرِ التَّمْيِيزِ بِها مُجَرَّدًا عَنِ المَوْصُوفِ فَإنَّهُ لِبَيانِ الجِنْسِ، وقِياسُهُ عُجُفٌ لِأنَّهُ جَمْعُ عَجْفاءَ لَكِنَّهُ حُمِلَ عَلى سِمانٍ لِأنَّهُ نَقِيضُهُ.
﴿ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ ﴾ عَبِّرُوها.
﴿ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ ﴾ إنْ كُنْتُمْ عالِمِينَ بِعِبارَةِ الرُّؤْيا وهي الِانْتِقالُ مِنَ الصُّوَرِ الخَيالِيَّةِ إلى المَعانِي النَّفْسانِيَّةِ الَّتِي هي مِثالُها مِنَ العُبُورِ وهي المُجاوَزَةُ، وعَبَّرْتُ الرُّؤْيا عِبارَةً أثْبَتُّ مِن عَبَّرْتُها تَعْبِيرًا واللّامُ لِلْبَيانِ أوْ لِتَقْوِيَةِ العامِلِ فَإنَّ الفِعْلَ لَمّا أُخِّرَ عَنْ مَفْعُولِهِ ضَعُفَ فَقُوِّيَ بِاللّامِ كاسْمِ الفاعِلِ، أوْ لِتَضَمُّنِ ﴿ تَعْبُرُونَ ﴾ مَعْنى فِعْلٍ يُعَدّى بِاللّامِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ تُنْتَدَبُونَ لِعِبارَةِ الرُّؤْيا.
﴿ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ ﴾ أيْ هَذِهِ أضْغاثُ أحْلامٍ وهي تَخالِيطُها جَمْعُ ضِغْثٍ وأصْلُهُ ما جُمِعَ مِن أخْلاطِ النَّباتِ وحِزَمٍ فاسْتُعِيرَ لِلرُّؤْيا الكاذِبَةِ، وإنَّما جَمَعُوا لِلْمُبالَغَةِ في وصْفِ الحِلْمِ بِالبُطْلانِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ، أوْ لِتَضَمُّنِهِ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً.
﴿ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ ﴾ يُرِيدُونَ بِالأحْلامِ المَناماتِ الباطِلَةَ خاصَّةً أيْ لَيْسَ لَها تَأْوِيلٌ عِنْدِنا، وإنَّما التَّأْوِيلُ لِلْمَناماتِ الصّادِقَةِ فَهو كَأنَّهُ مُقَدِّمَةٌ ثانِيَةٌ لِلْعُذْرِ في جَهْلِهِمْ بِتَأْوِيلِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{قَالُواْ أضغاث أَحْلاَمٍ} أي هي أضغاث أحلام أى تخاليطها وأباطيها وما يكون منها من حديث نفس أو وسوسة شيطان وأصل الأضغاث ما جمع من أخلاط النبات وحزم من أنواع الحشيش الواحد ضغث فاستعيرت لذلك والإضافة بمعنى من أي أضغاث من أحلام وإنما جمع وهو حلم واحد تزايداً في وصف الحلم بالبطلان وجاز أن يكون قد قص عليهم مع هذه الرؤيا رؤيا غيرها {وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحلام بعالمين} أرادوا بالأحلام المنامات الباطلة فقالوا ليس لها عندنا تأويل إنما التأويل للمنامات الصحيحة أو اعترفوا بقصور علمهم وأنهم ليسوا في تأويل الأحلام بخابرين
﴿ قالُوا ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ المَلَأُ لِلْمَلِكِ إذْ قالَ لَهم ذَلِكَ؟
فَقِيلَ: قالُوا: هي ﴿ أضْغاثُ أحْلامٍ ﴾ أيْ هي ( أضْغاثُ) إلَخْ، وهي جَمْعُ ضِغْثٍ وهو أقَلُّ مِنَ الحُزْمَةِ وأكْثَرُ مِنَ القَبْضَةِ مِن أخْلاطَ النَّباتِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى ما كانَ مِن جِنْسٍ واحِدٍ كَما في قَوْلِهِ: خُودٌ كَأنَّ فِراشَها وضَعَتْ بِهِ أضْغاثَ رَيْحانٍ غَداةَ شَمالٍ وجَعَلَ مِن ذَلِكَ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ﴾ فَقَدْ رُوِيَ أنَّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ عِثْكالًا مِنَ النَّخْلِ فَضَرَبَ بِهِ، وفي الكَشّافِ أنَّ (أضْغاثُ الأحْلامٍ) تَخالِيطُها وأباطِيلُها وما يَكُونُ مِنها مِن حَدِيثِ نَفْسٍ أوْ وسْوَسَةِ شَيْطانٍ، وقَدِ اسْتُعِيرَتْ لِذَلِكَ، وأصْلُها ما جُمِعَ مِن أخْلاطِ النَّباتِ وحُزَمِهِ وإضافَتُها عَلى مَعْنى مِن أيِّ أضْغاثٍ مِن أحْلامٍ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ الأضْغاثَ إذا اسْتُعِيرَتْ لِلْأحْلامِ الباطِلَةِ، والأحْلامُ مَذْكُورَةٌ، ولَفْظُ هي المُقَدَّرُ عِبارَةٌ عَنْ رُؤْيا مَخْصُوصَةٍ فَقَدْ ذُكِرَ المُسْتَعارُ والمُسْتَعارُ لَهُ، وذَلِكَ مانِعٌ مِن الِاسْتِعارَةِ عَلى الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ، وقَدْ أجابَ الكَثِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِما لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في تَقْرِيرِ ذاكَ وجْهَيْنِ.
الأوَّلُ أنَّهُ يُرِيدُ أنَّ حَقِيقَةَ الأضْغاثِ أخْلاطُ النَّباتِ فَشَبَّهَ بِهِ التَّخالِيطَ والأباطِيلَ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَتْ أحْلامًا أمْ غَيْرَها، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الصِّحاحِ، والأساسُ: ضِغْثُ الحَدِيثِ خَلْطُهُ، ثُمَّ أُرِيدَ هُنا بِواسِطَةِ الإضافَةِ أباطِيلُ مَخْصُوصَةٌ فَطَرَفا الِاسْتِعارَةِ أخْلاطُ النَّباتِ والأباطِيلُ المُلْفَقاتُ، فالأحْلامُ ورُؤْيا المَلِكِ خارِجانِ عَنْهُما فَلا يَضُرُّ ذِكْرُهُما كَما إذا قُلْتَ: رَأيْتُ أسَدَ قُرَيْشٍ فَهو قَرِينَةٌ أوْ تَجْرِيدٌ، وقَوْلُهُ: تَخالِيطُها تَفْسِيرٌ لَهُ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، وقَوْلُهُ: وقَدِ اسْتُعِيرَتْ لِذَلِكَ إشارَةً إلى التَّخالِيطِ.
الثّانِي أنَّ الأضْغاثَ اسْتُعِيرَتْ لِلتَّخالِيطِ الواقِعَةِ في الرُّؤْيا الواحِدَةِ فَهي أجْزاؤُها لا عَيْنُها فالمُسْتَعارُ مِنهُ حُزَمُ النَّباتِ والمُسْتَعارُ لَهُ أجْزاءُ الرُّؤْيا، وهَذا كَما إذا اسْتَعَرْتَ الوَرْدَ لِلْخَدِّ، ثُمَّ قُلْتَ: شَمَمْتُ ورْدَ هِنْدٍ مَثَلًا فَإنَّهُ لا يُقالُ: إنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ الطَّرَفانِ اهـ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وارْتِكابِ غَيْرِ الظّاهِرِ.
واسْتَظْهَرَ بَعْضُهم كَوْنَ ( أضْغاثُ أحْلامٍ ) مِن قَبِيلِ لُجَيْنِ الماءِ، ولا يَخْفى أنَّهُ سالِمٌ عَمّا أوْرَدَ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ إلّا أنَّ صاحِبَ الأساسِ قَدْ صَرَّحَ بِأنَّ ذَلِكَ مِنَ المَجازِ، والمُتَبادِرُ مِنهُ المَجازُ المُتَعارَفُ الَّذِي لا يُطْلَقُ عَلى ما ذُكِرَ، ولَعَلَّ الأمْرَ في ذَلِكَ سَهْلٌ، والأحْلامُ جَمْعُ حُلُمٍ بِضَمَّةٍ وبِضَمَّتَيْنِ المَناماتُ الباطِلَةُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ جَمْعٌ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الرُّؤْيا والحُلْمُ عِبارَةٌ عَمّا يَراهُ النّائِمُ مُطْلَقًا لَكِنْ غَلَبَتِ الرُّؤْيا عَلى ما يَراهُ مِنَ الخَيْرِ والشَّيْءِ الحَسَنِ، وغَلَبَ الحُلْمُ عَلى خِلافِهِ، وفي الحَدِيثِ: «”الرُّؤْيا مِنَ اللَّهِ تَعالى والحُلْمُ مِنَ الشَّيْطانِ“،» وقالَ التُّورَبَشْتِيُّ: الحُلْمُ عِنْدَ العَرَبِ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ الرُّؤْيا، والتَّفْرِيقُ مِن الِاصْطِلاحاتِ الَّتِي سَنَّها الشّارِعُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ كَأنَّهُ كَرِهَ أنْ يُسَمِّيَ ما كانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى وما كانَ مِنَ الشَّيْطانِ بِاسْمٍ واحِدٍ فَجَعَلَ الرُّؤْيا عِبارَةً عَنِ القِسْمِ الصّالِحِ لِما فِيها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى مُشاهَدَةِ الشَّيْءِ بِالبَصَرِ والبَصِيرَةِ، وجَعَلَ الحُلْمَ عِبارَةً عَمّا كانَ مِنَ الشَّيْطانِ لِأنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ لَمْ تُسْتَعْمَلْ إلّا فِيما يُخَيَّلُ لِلْحالِمِ في مَنامِهِ مِن قَضاءِ الشَّهْوَةِ بِما لا حَقِيقَةَ لَهُ اهـ، وهو كَلامٌ حَسَنٌ، ومِمّا يَشْهَدُ لَهُ في دَعْوى كَوْنِ الحُلُمِ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ العَرَبِ اسْتِعْمالَ الرُّؤْيا البَيْتُ السّابِقُ الَّذِي أنْشَدَهُ المُبَرِّدُ كَما لا يَخْفى، وإنَّما قالُوا ( أضْغاثُ أحْلامٍ ) بِالجَمْعِ مَعَ أنَّ الرُّؤْيا ما كانَتْ إلّا واحِدَةً لِلْمُبالَغَةِ في وصْفِ ذَلِكَ بِالبُطْلانِ، وهَذا كَما يُقالُ: فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ ويَلْبَسُ عَمائِمَ الخَزِّ لِمَن لا يَرْكَبُ إلّا فَرَسًا واحِدًا وما لَهُ إلّا عِمامَةٌ فَرْدَةٌ.
وفِي الفَرائِدِ لِما كانَتْ ( أضْغاثُ أحْلامٍ ) مُسْتَعارَةً لِما ذُكِرَ وهي تَخالِيطُها وأباطِيلُها وهي مُتَحَقِّقَةٌ في رُؤْيا واحِدَةٍ بِحَسَبِ أنَّها مُتَرَكِّبَةٌ مِن أشْياءَ كُلٌّ مِنها حُلُمٌ فَكانَتْ أحْلامًا، قالَ الشِّهابُ: وهو واهٍ وإنِ اسْتَحْسَنَهُ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ، نَعَمْ لَيْسَ هَذا مِن إطْلاقِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ لِوُجُودِ ذَلِكَ في هَذا الجِنْسِ إذِ الإضافَةُ عَلى مَعْنى فِي، ثُمَّ نُقِلَ عَنِ الرَّضِيِّ أنَّهُ قالَ في شَرْحِ الشّافِيَةِ إنَّ جَمْعَ القِلَّةِ لَيْسَ بِأصْلٍ في الجَمْعِ لِأنَّهُ لا يُذْكَرُ إلّا حَيْثُ يُرادُ بَيانُ القِلَّةِ فَلا يُسْتَعْمَلُ لِمُجَرَّدِ الجَمْعِيَّةِ والجِنْسِيَّةِ كَما يُسْتَعْمَلُ لَهُ جَمْعُ الكَثْرَةِ، يُقالُ: فُلانٌ حَسَنُ الثِّيابِ في مَعْنى حَسَنِ الثَّوْبِ ولا يَحْسُنُ حَسَنُ الثَّوْبِ، وكَمْ عِنْدَكَ مِنَ الثَّوْبِ، أوْ مِنَ الثِّيابِ، ولا يَحْسُنُ مِنَ الأثْوابِ اهـ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ ذَكَرَهُالشَّرِيفُ في شَرْحِ المِفْتاحِ وهو مُخالِفٌ لِما ذَكَرُوهُ هُنا فَتَأمَّلْهُ، ولَعَلَّ ما ذُكِرَ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ إنَّما هو في جَمْعِ القِلَّةِ الَّذِي مَعَهُ جَمْعُ كَثْرَةٍ كَما ذَكَرَهُ في المِثالِ لا في ذَلِكَ وجَمْعُ القِلَّةِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ جَمْعُ كَثْرَةٍ كَما هُنا، فَإنّا لَمْ نَجِدْ في كُتُبِ اللُّغَةِ جَمْعًا لِمُفْرَدِ هَذا الجَمْعِ غَيْرَ هَذا الجَمْعِ، وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ جَمْعَ القِلَّةِ إذا لَمْ يُوجَدْ مَعَهُ جَمْعُ كَثْرَةٍ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ جَمْعِ الكَثْرَةِ، ثُمَّ لا يَخْفى حُسْنُ مَوْقِعِ الأضْغاثِ مَعَ السَّنابِلِ، فَيا لِلَّهِ دَرُّ شَأْنِ التَّنْزِيلِ ما أبْدَعَ رِياضِ بَلاغَتِهِ.
﴿ وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ ﴾ أيِ المَناماتِ الباطِلَةِ ﴿ بِعالِمِينَ ﴾ لِأنَّها لا تَأْوِيلَ لَها وإنَّما التَّأْوِيلُ لِلْمَناماتِ الصّادِقَةِ، وهَذا إمّا لِشُيُوعِ الأحْلامِ في أباطِيلِها، وإمّا لِكَوْنِ اللّامِ لِلْعَهْدِ والمَعْهُودُ الأضْغاثُ مِنها، والكَلامُ وارِدٌ عَلى أُسْلُوبِ: عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ.
وهو إشارَةٌ إلى كُبْرى قِياسٌ ساقُوهُ لِلْعُذْرِ عَنْ جَهْلِهِمْ كَأنَّهم قالُوا هَذِهِ رُؤْيا باطِلَةٌ وكُلُّ رُؤْيا كَذَلِكَ لا نَعْلَمُ تَأْوِيلَها أيْ لا تَأْوِيلَ لَها حَتّى نَعْلَمَهُ يَنْتُجُ هَذِهِ رُؤْيا لا تَأْوِيلَ لَها.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأحْلامِ الرُّؤى مُطْلَقًا، وألْ فِيهِ لِلْجِنْسِ، والكَلامُ اعْتِرافٌ مِنهم بِقُصُورِ عِلْمِهِمْ وأنَّهم لَيْسُوا بِنَحارِيرَ في تَأْوِيلِ الرُّؤى مَعَ أنَّ لَها تَأْوِيلًا، واخْتارَهُ ابْنُ المُنِيرِ وادَّعى أنَّهُ الظّاهِرُ، وأنَّ قَوْلَ المَلِكِ لَهم أوَّلًا ﴿ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا في عِلْمِهِ عالِمِينَ بِها لِأنَّهُ أتى بِكَلِمَةِ الشَّكِّ فَجاءَ اعْتِرافُهم بِالقُصُورِ مُطابِقًا لِشَكِّ المَلِكِ الَّذِي أخْرَجَهُ مَخْرَجَ اسْتِفْهامِهِمْ عَنْ كَوْنِهِمْ عالِمِينَ، وأنَّ قَوْلَ الفَتى: ﴿ أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ ﴾ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ أيْضًا.
وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ يُشْعِرُ بِهِ عُدُولُهم عَمّا وقَعَ في كَلامِ المَلِكِ مِنَ العِبارَةِ المُعَبِّرَةِ عَنْ مُجَرَّدِ الِانْتِقالِ مِنَ الدّالِّ إلى المَدْلُولِ حَيْثُ لَمْ يَقُولُوا بِتَعْبِيرِ الأحْلامِ أوْ عِبارَتُها إلى التَّأْوِيلِ المُنْبِئِ عَنِ التَّصَرُّفِ، والتَّكَلُّفُ في ذَلِكَ لِما بَيْنَ الآيِلِ والمَآلِ مِنَ البُعْدِ، واعْتَرَضَ بِأنَّهُ عَلى هَذا يَبْقى قَوْلُهُمْ: ﴿ أضْغاثُ أحْلامٍ ﴾ ضائِعًا إذْ لا دَخْلَ لَهُ في العُذْرِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ إزالَةَ خَوْفِ المَلِكِ مِن تِلْكَ الرُّؤْيا فَلا يَبْقى ضائِعًا.
وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّ وجْهَ ذَلِكَ أنْ يُجْعَلَ الأوَّلُ جَوابًا مُسْتَقِلًّا، والثّانِي كَذَلِكَ أيْ هَهُنا أمْرانِ: أحَدُهُما مِن جانِبِ الرّائِي، والثّانِي مِن جانِبِ المُعَبِّرِ، ووَجْهُ تَقْدِيرِ الظَّرْفِ عَلى عامِلِهِ إنّا أصْحابُ الآراءِ والتَّدابِيرِ وعِلْمُنا بِذَلِكَ رَصِينٌ لا بِتَأْوِيلِ الرُّؤى، ووَجْهُهُ عَلى الأوَّلِ ظاهِرٌ، وادَّعى أنَّ المَقامَ يُطابِقُهُ، ووُرُودُهُ عَلى ذَلِكَ الأُسْلُوبِ مَقُولُهُ لا مُوهِنَ خِلافًا لِما في الِانْتِصافِ، ويَقْوى عِنْدَ اخْتِيارِ الوَجْهِ الثّانِي إذا كانَ الخِطابُ لِجُلَسائِهِ وأهْلِ مَشُورَتِهِ مِن أهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ لِأنَّ الأغْلَبَ عَلى أمْثالِهِمُ الجَهْلُ بِمِثْلِ هَذا العِلْمِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ إلّا أفْرادٌ مِنَ النّاسِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا يعني: قال يوسف للذي علم أنه ينجو من السجن والقتل وهو الساقي: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ قال يوسف للساقي: إذا دعاك الملك وسقيته، فاذكرني عنده فإني مظلوم قد عدا عليّ إخوتي فباعوني.
فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ يعني: أنسى الشيطان يوسف أن يستغيث بالله تعالى، فاستغاث بالملك.
وقال الفراء: أنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف عند الملك.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ قال: هو يوسف، أنساه الشيطان ذكر ربه، وأمره بذكر الملك، وابتغى الفرج من عنده (١) وروى معمر عن قتادة أنه قال: بلغني أن النبيّ قال: «لَوْ لَمْ يَسْتَعِنْ يُوسُفُ عَلَى رَبِّهِ، لَمَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ» (٢) بضع سنين أي سبع سنين، سوى الخمس الذي مكث فيه، وذلك اثنتا عشرة سنة.
وقال بعضهم: جميع ما أقام فيه سبع سنين.
وقال بعضهم: ثماني عشرة سنة.
ثمّ إن الملك رأى في المنام، واسم الملك ريان بن الوليد، فذلك قوله تعالى: وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى يعني: رأيت في المنام سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ خرجن من نهر مصر ثمّ خرج من بعدهنّ سَبْعٌ عِجافٌ هزلى، فابتلع العجاف السمان، فدخلن في بطونهن، فلم يرَ منهنّ شيء، ورأيت وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يعني: سنبلات أخر يابسات يا أَيُّهَا الْمَلَأُ يعني: العرافين والسحرة والكهنة أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ يعني: عبروا رؤياي، وبيّنوا تفسيرها إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ أي: تفسرون قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ يعني: أباطيل أحلام مختلطة وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ يعني: ليس للرؤيا المختلطة عندنا تفسير.
وقال أهل اللغة: كل رؤيا لا تأويل لها، فهي أَضْغاثُ أَحْلامٍ أي: أباطيل أحلام مختلطة، واحدها: ضغث.
(١) عزاه السيوطي 4/ 542 إلى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن أبي شيبة.
(٢) عزاه السيوطي: 4/ 541 إلى ابن جرير وأبي الشيخ.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : فعلى هذا إِنما أعلمهم بأنه يعلم مغيَّباتٍ لا تعلُّق لها برؤْيَا، وقصد بذلك أحَدَ الوجهَيْنِ المتقدِّمين، وهذا على ما روي أنه نبىء في السجن فإِخباره كإِخبار عيسَى عليه السلام.
وقوله: تَرَكْتُ، مع أنه لم يتشبَّثْ بها جائزٌ صحيحٌ وذلك أنه أخبر عن تجنّبه من أول بالترك، وساق لفظ التَّرْك استجلابا لهما عسَى أن يتركا الترْكَ الحقيقيَّ الذي هو بَعْد الأخْذ في الشيء، والقَوْمُ المتروكُ ملتهم: المَلِكَ وأتباعه.
وقوله: وَاتَّبَعْتُ ...
الآية: تمَادٍ من يوسُفَ عليه السلام في دعائهما إِلى الملَّة الحنيفيَّة.
وقوله: مَا كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ، «مِنْ» : هي الزائدةُ المؤكِّدة التي تكونُ مع الجُحُودِ.
وقوله: لاَ يَشْكُرُونَ: يريد: الشكْرَ التَّامَّ الذي فيه الإيمان بالله عزّ وجلّ.
يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (٤١) وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)
وقوله: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ: وصْفُه لهما ب صاحِبَيِ السِّجْنِ من حيثُ سُكْنَاه كما قال: أَصْحابُ الْجَنَّةِ وأَصْحابُ النَّارِ ونحو ذلك، ويحتمل أن يريد صُحْبَتَهُما له في السِّجْنِ، كأنه قال: يا صَاحِبَايَ في السجْنِ، وعرْضُه عليهما بطلاَن أمْرِ الأوثان بأنْ وصَفَها بالتفرُّق، ووَصْفُ اللَّه تعالى بالوَحْدة والقَهْر تلطُّفٌ حَسَنٌ، وأخْذٌ بيسيرِ الحُجَّة قبل كثيرها الذي ربَّما نَفَرَتْ منه طباعُ الجَاهِلِ وعانَدَتْه، وهكذا الوجْهُ في محاجَّة الجاهِلِ: أَنْ يؤخَذَ بدَرَجَةٍ يسيرةٍ من الاحتجاج يقبلها، فإِذا قبلها، لزمته عَنْها درجةٌ أخرى فوقها، ثم كذلك أبداً حتى يصلَ إِلى الحقِّ، وإِن أُخِذَ الجاهلُ بجميعِ المَذْهَبِ الذي يُسَاقُ إِليه دفعةً أباه للحين وعانَدَهُ، ولقد ابتلي بأربابٍ
متفرِّقين مَنْ يَخْدُم أبناء الدنيا ويؤمِّلهم.
وقوله: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً: أي: مسمَّيات، ويحتملُ- وهو الراجحُ المختار- أن يريد: ما تَعْبُدُون من دونه ألوهيَّة، ولا لكُمْ تعلُّق بإله إِلا بحَسَبِ أنْ سمَّيْتُمْ أصنامكم آلهة، فليست عبادتكم لا للَّه إِلا بالاسم فقطْ لا بالحقيقة، وأما الحقيقة: فَهِيَ وسائرُ الحجارة والخَشَب سواءٌ، وإِنما تعلّقت عبادتكم بحسب الاسم الذي وضعتم، فذلك هو معبودكم، ومفعولُ «سميتم» الثاني محذوفٌ، تقديره: آلهة هذا على أن الأسماء يراد بها ذواتُ الأصنام، وأما على المعنى المُخْتارِ من أنَّ عبادتهم إِنما هي لمعانٍ تعطيها الأسماءُ، وليسَتْ موجودةً في الأصنام، فقوله: سَمَّيْتُمُوها بمنزلةِ وضَعْتُمُوهَا، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ: أي ليس لأصنامكم، والْقَيِّمُ: معناه المستقيم، وأَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ لجهالتهم وكُفْرهم، ثم نادَى: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ ثانيةً لتجتمع أنفسهما، لسماعِ الجواب، فروي أنه قال لنبو: أمَّا أنْتَ، فتعودُ إِلى مرتبتك وسقايةِ ربِّك، وقال لمجلث: أما أنْتَ، فتُصْلَب، وذلك كلَّه بعد ثلاثٍ، فروي أنهما قالا له: ما رَأَيْنَا شيئاً، وإِنما تحالمنا لنجرِّبك، وروي أنه لم يَقُلْ ذلك إِلا الذي حدَّثه بالصَّلْبِ، وقيل: كانا رَأَيَا، ثم أنْكَرا، ثم أخبرهما/ يوسُفُ عَنْ غَيْبِ عِلمَهُ من اللَّه تعالى، أَن الأمر قد قُضِيَ ووافَقَ القدر.
وقوله: وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا ...
الآية: الظَّنُّ هنا: بمعنى اليقين لأن ما تقدَّم من قوله: قُضِيَ الْأَمْرُ يلزم ذلك، وقال قتادة: الظنُّ هنا على بابه لأن عبارة الرؤْيا «١» ظنٌّ.
قال ع «٢» : وقول يوسف عليه السلام: قُضِيَ الْأَمْرُ: دالٌّ على وحْيٍ، ولا يترتَّب قول قتادة إِلا بأَن يكون معنى قوله: قُضِيَ الْأَمْرُ: أيْ: قُضِيَ كلامِي، وقلْتُ ما عِنْدي، وَتَمَّ، واللَّه أعلم بما يكُونُ بَعْدُ، وفي الآية تأويلٌ آخر: وهو أن يكون «ظَنَّ» مسنداً إِلى الذي قيل له: إِنه يسقي ربه خمراً لأنه داخَلَه السرور بما بُشِّر به، وغلَبَ على ظنّه ومعتقده أنه ناج.
وقوله: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ: يحتمل أن يريد أن يذكره بعلمه ومكانته، ويحتمل: أن يذكره بمظلمته، وما امتحن به بغير حقّ، أو يذكره بجملة ذلك، والضمير في فَأَنْساهُ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: واحِدُها ضِغْثٌ مَكْسُورَةً، وهي ما لا تَأْوِيلَ لَهُ مِنَ الرُّؤْيا تَراهُ جَماعاتٍ، تُجْمَعُ مِنَ الرُّؤْيا كَما يُجْمَعُ الحَشِيشُ، فَيُقالُ: ضِغْثٌ، أيْ: مَلْءُ كَفٍّ مِنهُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: الأضْغاثُ: الرُّؤْيا المُخْتَلِطَةُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " أضْغاثُ أحْلامٍ " أيْ: أخْلاطٌ مِثْلُ أضْغاثِ النَّباتِ يَجْمَعُها الرَّجُلُ، فَيَكُونُ فِيها ضُرُوبٌ مُخْتَلِفَةٌ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الضِّغْثُ في اللُّغَةِ: الحِزْمَةُ والباقَةُ مِنَ الشَّيْءِ، كالبَقْلِ وما أشْبَهَهُ، فَقالُوا لَهُ: رُؤْياكَ أخْلاطٌ أضْغاثٌ، أيْ: حِزَمٌ أخْلاطٌ، لَيْسَتْ بِرُؤْيا بَيِّنَةٍ، " وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ " أيْ: لَيْسَ لِلرُّؤْيا المُخْتَلِطَةِ عِنْدَنا تَأْوِيلٌ.
وقالَ غَيْرُهُ: وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ الَّذِي هَذا وصَفُها بِعالِمِينَ.
والأحْلامُ: جَمَعَ حُلُمٍ، وهو ما يَراهُ الإنْسانُ في نَوْمِهِ مِمّا يَصِحُّ ومِمّا يَبْطُلُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا صاحِبَيِ السِجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللهُ الواحِدُ القَهّارُ ﴾ ﴿ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ أمَرَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ ذَلِكَ الدِينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ يا صاحِبَيِ السِجْنِ أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وأمّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَيْرُ مِن رَأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ﴾ ﴿ وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأنْساهُ الشَيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ في السِجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴾ وصْفُهُ لَهُما بِـ ﴿ يا صاحِبَيِ السِجْنِ ﴾ هُوَ: إمّا عَلى أنَّ نَسَبَهُما بِصُحْبَتِهِما لِلسِّجْنِ مِن حَيْثُ سَكَناهُ، كَما قالَ تَعالى: " أصْحابُ الجَنَّةِ "، و " أصْحابِ الجَحِيمِ "، ونَحْوَ هَذا، وإمّا أنْ يُرِيدَ صُحْبَتَهُما لَهُ في السِجْنِ، فَأضافَهُما إلى السَجْنِ بِذَلِكَ، كَأنَّهُ قالَ: يا صاحِبَيَّ في السِجْنِ، وهَذا كَما قِيلَ في الكُفّارِ: إنَّ الأصْنامَ شُرَكاؤُهم.
وعَرَضَهُ عَلَيْهِما بِطُولِ أمْرِ الأوثانِ بِأنْ وصَفَها بِالتَفَرُّقِ، ووَصَفَ اللهَ تَعالى بِالوَحْدَةِ والقَهْرِ تَلَطُّفٌ حَسَنٌ وأخْذٌ بِيَسِيرِ الحُجَّةِ قَبْلَ كَثِيرِها الَّذِي رُبَّما نَفَرَتْ مِنهُ طِباعُ الجاهِلِ وعانَدَتْهُ، وهَكَذا الوَجْهُ في مُحاجَّةِ الجاهِلِ، أنْ يُؤْخَذَ بِدَرَجَةٍ يَسِيرَةٍ مِنَ الِاحْتِجاجِ يَقْبَلُها، فَإذا قَبِلَها لَزِمَتْهُ عنها دَرَجَةٌ أُخْرى فَوْقَها، ثُمَّ كَذَلِكَ أبَدًا حَتّى يَصِلَ إلى الحَقِّ، وإنَّ أخْذَ الجاهِلِ بِجَمِيعِ المَذْهَبِ الَّذِي يُساقُ إلَيْهِ دَفْعَةً أباهُ لِلْحِينِ وعانَدَهُ، وقَدِ ابْتُلِيَ بِأرْبابٍ مُتَفَرِّقِينَ مَن يَخْدِمُ أبْناءَ الدُنْيا ويُؤَمِّلُهم.
وقَوْلُهُ: ﴿ إلا أسْماءً ﴾ ، ذَهَبَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ إلى أنَّهُ أوقَعَ في هَذِهِ الآيَةِ الأسْماءَ عَلى المُسَمَّياتِ وعَبَّرَ عنها بِها إذْ هي ذَواتُ أسْماءٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والِاسْمُ الَّذِي هُوَ: (ألِفٌ وسِينٌ ومِيمٌ) قَدْ يَجْرِي في اللُغَةِ مَجْرى النَفْسِ والذاتِ والعَيْنِ، فَإنْ حَمَلْتَ الآيَةَ عَلى ذَلِكَ صَحَّ المَعْنى، ولَيْسَ الِاسْمُ -عَلى هَذا- بِمَنزِلَةِ التَسْمِيَةِ الَّتِي هِيَ: رَجُلٌ وحَجَرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِهَذِهِ الأسْماءِ الَّتِي في الآيَةِ أسْماءَ الأصْنامِ الَّتِي هي بِمَنزِلَةِ اللاتِ والعُزّى ونَحْوِ ذَلِكَ مِن تَسْمِيَتِها آلِهَةً، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: إلّا ذَواتَ أسْماءٍ، وحَذَفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ.
ويُحْتَمَلُ -وَهُوَ الراجِحُ المُخْتارُ إنْ شاءَ اللهُ- أنْ يُرِيدَ: ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ أُلُوهِيَّةً، ولا لَكم تَعَلُّقٌ بِإلَهٍ إلّا بِحَسْبَ أنْ سَمَّيْتُمْ أصْنامَكم آلِهَةً، فَلَيْسَتْ عِبادَتُكم لِإلَهٍ إلّا بِاسْمٍ فَقَطْ لا بِالحَقِيقَةِ، وأمّا الحَقِيقَةُ فَهي وسائِرُ الحِجارَةِ والخَشَبِ سَواءٌ، فَإنَّما تَعَلَّقَتْ عِبادَتُكم بِحَسْبَ الِاسْمِ الَّذِي وضَعْتُمْ، فَذَلِكَ هو مَعْبُودُكم إذا حَصَلَ أمْرُكُمْ، فَعَبَّرَ عن هَذا المَعْنى بِاللَفْظِ المَسْرُودِ في الآيَةِ.
ومِن هَذِهِ الآيَةِ وهِمَ مَن قالَ: (فِي قَوْلِنا: رَجُلٌ وحَجَرٌ) إنَّ الِاسْمَ هو المُسَمّى في كُلِّ حالٍ، وقَدْ بانَتْ هَذِهِ المَسْألَةُ في صَدْرِ التَعْلِيقِ.
ومَفْعُولُ "سَمَّيْتُمْ" الثانِي مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: آلِهَةً، هَذا عَلى أنَّ الأسْماءَ يُرادُ بِها ذَواتُ الأصْنامِ، وأمّا عَلى المَعْنى المُخْتارِ مِن أنَّ عِبادَتَهم إنَّما هي لِمَعانٍ تُعْطِيها الأسْماءُ ولَيْسَتْ مَوْجُودَةً في الأصْنامِ- فَقَوْلُهُ "سَمَّيْتُمُوها" بِمَنزِلَةِ: وضَعْتُمُوها، فالضَمِيرُ لِلتَّسْمِياتِ، وأكَّدَ الضَمِيرَ لِيَعْطِفَ عَلَيْهِ.
والسُلْطانُ: الحُجَّةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ ﴾ أيْ: لَيْسَ لِأصْنامِكُمُ الَّتِي سَمَّيْتُمُوها آلِهَةً مِنَ الحُكْمِ والأقْدارِ والأرْزاقِ شَيْءٌ، أيْ: فَما بالُها إذَنْ؟
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الرَدَّ عَلى حُكْمِهِمْ في نَصْبِهِمْ آلِهَةً دُونَ اللهِ تَعالى: ولَيْسَ لَهم تَعِدِّي أمْرِ اللهِ في ألّا يُعْبَدَ غَيْرُهُ.
و"القَيِّمُ" مَعْناهُ: المُسْتَقِيمُ، و ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ لِجَهالَتِهِمْ وغَلَبَةِ الكُفْرِ.
ثُمَّ نادى ﴿ يا صاحِبَيِ السِجْنِ ﴾ ثانِيَةً لِتَجْتَمِعَ أنْفُسُهُما لِسَماعِ الجَوابِ، فَرُوِيَ أنَّهُ قالَ لِنَبْوَ: أمّا أنْتَ فَتَعُودُ إلى مَرْتَبَتِكَ وسِقايَةِ رَبِّكَ، وقالَ لِمِجْلَثَ: أمّا أنْتَ فَتُصْلَبُ، وذَلِكَ كُلُّهُ بَعْدَ ثَلاثٍ، فَرُوِيَ أنَّهُما قالا لَهُ: ما رَأيْنا شَيْئًا وإنَّما تَحالَمْنا لِنُجَرِّبَكَ، ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إلّا الَّذِي حَدَّثَهُ بِالصَلْبِ، وقِيلَ: كانا رَأيا ثُمَّ أنْكَرا.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَيَسْقِي رَبَّهُ" مِن سَقى، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَيُسْقى" مِن أسْقى، وهُما لُغَتانِ لِمَعْنًى واحِدٍ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ، والجَحْدَرِيُّ، "فَيُسْقى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ القافِ، أيْ: ما يُرْوِيهِ.
وأخْبَرَهُما يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ -عن غَيْبٍ عَلِمَهُ مِن قِبَلِ اللهِ تَعالى- أنَّ الأمْرَ قَدْ قُضِيَ ووافَقَ القَدَرَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ ﴾ الآيَةُ.
الظَنُّ هاهُنا بِمَعْنى اليَقِينِ؛ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ قُضِيَ الأمْرُ ﴾ يَلْزَمُ ذَلِكَ، وهو يَقِينٌ فِيما لَمْ يَخْرُجْ بَعْدُ إلى الوُجُودِ، وقالَ قَتادَةُ: الظَنُّ هُنا عَلى بابِهِ لِأنَّ عِبارَةَ الرُؤْيا ظَنٌّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ قُضِيَ الأمْرُ ﴾ دالٌّ عَلى وحْيٍ، ولا يَتَرَتَّبُ قَوْلُ قَتادَةَ إلّا بِأنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ قُضِيَ الأمْرُ ﴾ ، أيْ: قُضِيَ كَلامِي وقُلْتُ ما عِنْدِي واللهُ أعْلَمُ بِما يَكُونُ بَعْدُ.
وَفِي الآيَةِ تَأْوِيلٌ آخَرُ، وهُوَ: أنْ يَكُونَ "ظَنَّ" مُسْنَدًا إلى الَّذِي قِيلَ لَهُ: إنَّهُ يَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا، لِأنَّهُ دَخَلَتْهُ أُبَّهَةُ السُرُورِ بِما بُشِّرَ بِهِ، وصارَ في رُتْبَةِ مَن يُؤَمَّلُ حِينَ ظَنَّ وغَلَبَ عَلى مُعْتَقَدِهِ أنَّهُ ناجٍ وذَلِكَ بِخِلافِ ما نَزَلَ بِالآخَرِ المُعَرَّفِ بِالصَلْبِ.
ومَعْنى الآيَةِ: قالَ يُوسُفُ لِساقِي المَلِكِ حِينَ عَلِمَ أنَّهُ سَيَعُودُ إلى حالَتِهِ الأُولى مَعَ المَلِكِ: اذْكُرْنِي عِنْدَ المَلِكِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنْ يُذَكِّرَهُ بِعِلْمِهِ ومَكانَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُذَكِّرَهُ بِمَظْلَمَتِهِ وما امْتُحِنَ بِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، أو يُذَكِّرَهُ بِهِما.
والضَمِيرُ في "فَأنْساهُ" قِيلَ: هو عائِدٌ عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ: نَسِيَ في ذَلِكَ الوَقْتِ أنْ يَشْتَكِيَ إلى اللهِ، وجَنَحَ إلى الِاعْتِصامِ بِمَخْلُوقٍ، فَرُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ جاءَهُ فَعاتَبَهُ عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ في ذَلِكَ، وطُوِّلَ سِجْنُهُ عُقُوبَةً عَلى ذَلِكَ، وقِيلَ: أُوحِيَ إلَيْهِ: يا يُوسُفُ اتَّخَذَتْ مِن دُونِي وكِيلًا لَأُطِيلَنَّ حَبْسَكَ، وقِيلَ: إنِ الضَمِيرَ في "فَأنْساهُ" عائِدٌ عَلى الساقِي، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، أيْ: نَسِيَ ذِكْرَ يُوسُفَ عِنْدَ رَبِّهِ، فَأضافَ الذَكَرُ إلى رَبِّهِ إذْ هو عِنْدَهُ، والرَبُّ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ: المَلِكُ.
والبِضْعُ في كَلامِ العَرَبِ اخْتُلِفَ فِيهِ -فالأكْثَرُ عَلى أنَّهُ مِنَ الثَلاثَةِ إلى العَشَرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
وعَلى هَذا هو فِقْهُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ في الدَعاوِي والأيْمانِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البِضْعُ لا يَبْلُغُ العَقْدَ ولا نِصْفَ العَقْدِ، وإنَّما هو مِنَ الواحِدِ إلى الأرْبَعَةِ، وقالَ الأخْفَشُ: البِضْعُ مِنَ الواحِدِ إلى العَشَرَةِ، وقالَ قَتادَةُ: البِضْعُ مِنَ الثَلاثَةِ إلى التِسْعَةِ، ويُقَوِّي هَذا ما رُوِيَ مِن «أنَّ النَبِيَّ قالَ لِأبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ في قِصَّةِ خَطَرِهِ مَعَ قُرَيْشٍ في غَلَبَةِ الرُومِ لِفارِسَ: "أما عَلِمْتَ أنَّ البِضْعَ مِنَ الثَلاثِ إلى التِسْعِ؟!"،» وقالَ مُجاهِدٌ: مِنَ الثَلاثَةِ إلى السَبْعَةِ.
قالَ الفَرّاءُ: ولا يُذْكَرُ البِضْعُ إلّا مَعَ العَشَراتِ، لا يُذْكَرُ مَعَ مِائَةٍ ولا مَعَ ألْفٍ، والَّذِي رُوِيَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ سُجِنَ خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ نَزَلَتْ لَهُ قِصَّةُ الفَتَيَيْنِ، وعُوقِبَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ بِالبَقاءِ في السِجْنِ سَبْعَ سِنِينَ، فَكانَتْ مُدَّةُ سِجْنِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: عُوقِبَ بِبَقاءِ سَنَتَيْنِ، وقالَ الحَسَنُ: قالَ رَسُولُ اللهِ : « "لَوْلا كَلِمَتُهُ ما لَبِثَ في السِجْنِ طُولَ ما لَبِثَ"،» ثُمَّ بَكى الحَسَنُ وقالَ: نَحْنُ إذا نَزَلَ بِنا أمْرٌ فَزِعْنا إلى الناسِ.
<div class="verse-tafsir"
قال يوسف عليه السّلام للذي ظن نجاته من الفتيين وهو الساقي.
والظن هنا مستعمل في القريب من القطع لأنه لا يشك في صحة تعبيره الرؤيا.
وأراد بذكره ذكر قضيته ومظلمته، أي اذكرني لربك، أي سيدك.
وأراد بربه ملك مصر.
وضميرا ﴿ فأنساه ﴾ و ﴿ ربه ﴾ يحتملان العود إلى ﴿ الذي ﴾ ، أي أنسى الشيطان الذي نجا أن يَذكره لربه، فالذكر الثاني هو الذكر الأول.
ويحتمل أن يعود الضميران إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ وقال ﴾ أي يوسف عليه السّلام أنساه الشيطان ذكر الله، فالذكر الثاني غير الذكر الأول.
ولعل كلا الاحتمالين مراد، وهو من بديع الإيجاز.
وذلك أن نسيان يوسف عليه السّلام أن يَسأل الله إلهام الملِك تذكر شأنه كان من إلقاء الشيطان في أمنيته، وكان ذلك سبباً إلهياً في نسيان الساقي تذكير الملك، وكان ذلك عتاباً إلهياً ليوسف عليه السّلام على اشتغاله بعَون العباد دون استعانة ربه على خلاصه.
ولعل في إيراد هذا الكلام على هذا التوْجيه تلطفاً في الخبر عن يوسف عليه السّلام، لأن الكلام الموجه في المعاني الموجهة ألطف من الصريح.
والبضع: من الثلاث إلى التسع.
وفيما حكاه القرآن عن حال سجنهم ما يُنبئ على أن السجن لم يكن مضبوطاً بسجل يذكر فيه أسماء المساجين، وأسبابُ سجنهم، والمدةُ المسجون إليها، ولا كان من وزعة السجون ولا ممن فوقهم من يتعهّد أسباب السجن ويفتقد أمر المساجين ويرفع إلى الملك في يوم من الأسبوع أو من العام.
وهذا من الإهمال والتهاون بحقوق الناس وقد أبطله الإسلام، فإن من الشريعة أن ينظر القاضي أول ما ينظر فيه كلّ يوم أمرَ المساجين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي لِلَّذِي عَلِمَ أنَّهُ ناجٍ، فَعَبَّرَ عَنِ العِلْمِ بِالظَّنِّ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الثّانِي: أنَّهُ ظَنَّ ذَلِكَ مِن غَيْرِ يَقِينٍ.
وَفي ظَنِّهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ عِبارَةَ الرُّؤْيا بِالظَّنِّ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقْطَعْ بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَتَيَقَّنْ صِدْقَهُما في الرُّؤْيا فَكانَ الظَّنُّ في الجَوابِ لِشَكِّهِ في صِدْقِهِما.
﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ أيْ عِنْدَ سَيِّدِكَ يَعْنِي المَلِكَ الأكْبَرَ الوَلِيدَ بْنَ الرَّيّانِ تَأْمِيلًا لِلْخَلاصِ إنْ ذَكَرَهُ عِنْدَهُ.
﴿ فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الَّذِي نَجا مِنهُما أنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ يُوسُفَ عِنْدَ سَيِّدِهِ حَتّى رَأى المَلِكُ الرُّؤْيا.
قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.
الثّانِي: أنَّ يُوسُفَ أنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ في الِاسْتِغاثَةِ بِهِ والتَّعْوِيلِ عَلَيْهِ.
رَوى أبُو سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (رَحِمَ اللَّهُ يُوسُفَ لَوْلا الكَلِمَةُ الَّتِي قالَ: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ما لَبِثَ في السِّجْنِ ما لَبِثَ )» .
﴿ فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عُوقِبَ يُوسُفُ بِطُولِ السَّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ لَمّا قالَ لِلَّذِي نَجا مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ، ولَوْ ذَكَرَ يُوسُفُ رَبَّهُ لَخَلَّصَهُ.
وَفي (البِضْعِ) أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مِن ثَلاثٍ إلى سَبْعٍ، وهَذا قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ وقُطْرُبٍ.
الثّانِي: مِن ثَلاثٍ إلى تِسْعٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ والأصْمَعِيُّ.
الثّالِثُ: مِن ثَلاثٍ إلى عَشْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى الخَمْسِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ.
قالَ الفَرّاءُ: والبِضْعُ لا يُذْكَرُ إلّا مَعَ العَشَرَةِ والعِشْرِينَ إلى التِّسْعِينَ، ولا يُذْكَرُ بَعْدَ المِائَةِ.
وَفي المُدَّةِ الَّتِي لَبِثَ فِيها يُوسُفُ مَسْجُونًا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: سَبْعُ سِنِينَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وقَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ لَبِثَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: لَبِثَ أرْبَعَةَ عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ الضَّحّاكُ، وإنَّما البِضْعُ مُدَّةُ العُقُوبَةِ لا مُدَّةُ الحَبْسِ كُلِّهِ.
وَقالَ وهْبٌ: حُبِسَ يُوسُفُ سَبْعَ سِنِينَ، ومَكَثَ أيُّوبُ في البَلاءِ سَبْعَ سِنِينَ.
قالَ الكَلْبِيُّ: حُبِسَ سَبْعَ سِنِينَ بَعْدَ الخَمْسِ السِّنِينَ الَّتِي قالَ فِيها ﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن ابن سابط رضي الله عنه ﴿ وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك ﴾ قال: عند ملك الأرض.
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ يعني بذلك الملك.
وأخرج ابن جرير، عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه قال لما انتهى به إلى باب السجن، قال له: اوصني بحاجتك.
قال: حاجتي أن تذكرني عند ربك.
ينوي الرب الذي ملك يوسف عليه السلام.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقال للذي ظن أنه ناج ﴾ قال إنما عبارة الرؤيا بالظن، فَيُحِقُّ الله ما يشاء ويبطل ما يشاء.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات، وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو لم يقل يوسف عليه السلام الكلمة التي قال: ما لبث في السجن طول ما لبث.
حيث يبتغي الفرج من عند غير الله تعالى» .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ، عن عكرمة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا أنه يعني يوسف قال الكلمة التي قال، ما لبث في السجن طول ما لبث» .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله يوسف، لو لم يقل: اذكرني عند ربك، ما لبث في السجن طول ما لبث» .
وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «رحم الله يوسف لولا كلمته ما لبث في السجن طول ما لبث، قوله اذكرني عند ربك» ثم بكى الحسن رضي الله عنه وقال: نحن إذا نزل بنا أمر فزعنا إلى الناس.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «لولا أن يوسف استشفع على ربه، ما لبث في السجن طول ما لبث.
ولكن، إنما عوقب باستشفاعه على ربه» .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن أنس رضي الله عنه قال: أوحى إلى يوسف: من استنقذك من القتل حين همَّ اخوتك أن يقتلوك؟
قال: أنت يا رب.
قال: فمن استنقذك من الجب إذ ألقوك فيه؟
قال: أنت يا رب.
قال: فمن استنقذك من المرأة إذ هممت بها؟
قال: أنت يا رب.
قال: فما لك نسيتني وذكرت آدمياً؟
قال: جزعاً، وكلمة تكلم بها لساني.
قال: فوعزتي، لأخلدنك في السجن بضع سنين.
فلبث في السجن بضع سنين.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه قال: لما قال يوسف عليه السلام للساقي: اذكرني عند ربك، قيل له يا يوسف، اتخذت من دوني وكيلاً؟
لأطيلن حبسك: فبكى يوسف عليه السلام وقال: يا رب، تشاغل قلبي من كثرة البلوى فقلت كلمة.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك ﴾ قال يوسف للذي نجا من صاحبي السجن: اذكرني للملك، فلم يذكره حتى رأى الملك الرؤيا، وذلك أن يوسف أنساه الشيطان ذكر ربه وأمره بذكر الملك وابتغاء الفرج من عنده، فلبث في السجن بضع سنين عقوبة لقوله: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلبث في السجن بضع سنين ﴾ قال: بلغنا أنه لبث في السجن سبع سنين.
وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد، وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: أصاب أيوب عليه السلام البلاء سبع سنين، وترك يوسف عليه السلام في السجن سبع سنين، وعذب بخت نصر خون في السباع سبع سنين.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فلبث في السجن بضع سنين ﴾ اثنتي عشرة سنة.
وأخرج ابن مردويه من طريق أبي بكر بن عياش، عن الكلبي رضي الله عنه قال: قال يوسف عليه السلام كلمة واحدة، حبس بها سبع سنين قال أبو بكر: وحبس قبل ذلك خمس سنين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن طاوس والضحاك في قوله: ﴿ فلبث في السجن بضع سنين ﴾ قالا أربع عشرة سنة.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه قال: البضع، ما بين الثلاث إلى التسع.
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: البضع، ما بين الثلاث إلى التسع.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: البضع دون العشرة.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: عثر يوسف عليه السلام ثلاث عثرات: قوله اذكرني عند ربك، وقوله لإخوته إنكم لسارقون، وقوله ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب.
فقال له جبريل عليه السلام: ولا حين هممت؟
فقال: وما أبرئ نفسي.
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال: ذهب يوسف عليه السلام وهو ابن سبع عشرة ولبث في الجب سبعاً، وفي السجن سبعاً، وجمع الطعام في سبع، فيرون أنه التقى هو وأبوه عند ذلك.
وأخرج أحمد في الزهد عن أبي المليح رضي الله عنه قال: كان دعاء يوسف عليه السلام في السجن اللهم إن كان خلق وجهي عندك، فإني أتقرب إليك بوجه يعقوب أن تجعل لي فرجاً ومخرجاً ويسراً، وترزقني من حيث لا أحتسب.
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، عن عبد الله مؤذن الطائف قال: جاء جبريل عليه السلام إلى يوسف عليه السلام فقال: يا يوسف، اشتد عليك الحبس؟
قال نعم.
قال: قل اللهم اجعل لي من كل ما أهمني وكربني من أمر دنياي وأمر آخرتي فرجاً ومخرجاً، وارزقني من حيث لا أحتسب، واغفر لي ذنبي وثبت رجائي، واقطعه من سواك حتى لا أرجو أحداً غيرك.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ﴾ ، قال الفراء (١) (٢) ﴿ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ .
وأما الأضغاث، فقال النضر (٣) وقال الأخفش (٤) وقال الفراء (٥) (٦) (٧) (٨) خَوْدٌ كأنّ فراشَهَا وضِعَتْ به ...
أضْغَاث رَيْحَان غَدَاةَ شَمَال فأما أضغاث الأحلام، فالأكثرون على أنها الأحلام المختلطة، قال أبو عبيدة (٩) (١٠) (١١) كضِغْثِ حِلْمٍ غُرِّمنه حَالِمَة وقال الكسائي (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) قال ابن الأنباري: ومعنى الآية: أنهم نفوا عن أنفسهم علم ما لا تأويل له من الرؤيا، ولم ينفوا عن أنفسهم علم تأويل ما يصح منها، فعنوا بقولهم ﴿ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ﴾ هذه منامات كاذبة لا يصح تأويلها، وما نحن بتأويل الأحلام التي هذا وصفها بعالمين، إذ كنا نعلم تأويل ما يصح، هذا معنى قول أكثر المفسرين (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) وقالوا معنى قوله ﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ ﴾ لها تأويل يعلمه غيرنا، فالأضغاث على هذا المذهب [الجماعات من الرؤيا التي يجوز أن تصح وأن تبطل، واحتجوا على هذا المذهب] (٢١) ﴿ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ﴾ قالوا: ففي هذا دليل على أن الملأ اعترفوا بالعجز عن الجواب، لأنهم لو كانوا بغير هذا الوصف لم يقل الساقي ما قاله، وعلى هذا؛ الملأ قالوا للملك: ما رأيته جماعات أحلام كثيرة لا علم لنا بتأويلها، واعترفوا بالعجز عنها (٢٢) (١) "معاني القرآن" 2/ 46.
(٢) في (أ)، (ب)، (ج): (ليس هذا شيء) والعبارة غير مستقيمة، فإما أن تكون كما ذكرته كما هو في (ي) وفي معاني القراء أو تكون (ليس هذا شيئًا)، والله أعلم.
(٣) "تهذيب اللغة" (ضغث) 3/ 2121.
(٤) "اللسان" (ضغث) 5/ 2590 - 2591 عن أبي حنيفة.
(٥) "تهذيب اللغة" (ضغث) 3/ 2120، و"اللسان" (ضغث) 5/ 2591.
(٦) "تهذيب اللغة" (ضعث) 3/ 2120، و"اللسان" (ضعث) 5/ 2591.
(٧) انظر: "تهذيب اللغة" (ضغث) 3/ 2120 - 2121، و"اللسان" (ضعث) 5/ 2590 - 2591.
(٨) الخود: الفتاة الناعمة الشابة، الشمال: الريح المعروفة وهي باردة.
انظر: الطبري 12/ 226، و"البحر" 5/ 300، و"المحرر" 9/ 309، و"الدر المصون" 6/ 506.
(٩) "مجاز القرآن" 1/ 312.
(١٠) في (ج): (الخلا).
(١١) البيت من الرجز، وهو بلا نسبة في "مجاز القرآن" 2/ 35، والقرطبي 9/ 200، 11/ 270.
(١٢) "اللسان" (ضغث) 5/ 2590، و"تهذيب اللغة" (ضغث) 3/ 2120.
(١٣) في (ج): (نبوة).
(١٤) القرطبي 9/ 199، و"تهذيب اللغة" (ضغث) 3/ 2121، و"اللسان" (ضغث) 5/ 2590.
(١٥) "تنوير المقباس" ص 150.
(١٦) الطبري 12/ 226، عبد الرزاق 2/ 324.
وأخرجه أبو عبيد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد كما في "الدر" 4/ 39.
(١٧) الطبري 12/ 227، الثعلبي 7/ 58 ب، ابن عطية 7/ 521، "زاد المسير" 4/ 230.
(١٨) "تنوير المقباس" ص 150.
وقد روى عن ابن عباس: الأحلام الكاذبة، قال الهيثمي 7/ 39 رواه أبو يعلى وفيه محمد بن السائب وهو متروك.
(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 113.
(٢٠) "تصير مقاتل" 154أ.
(٢١) ما بين المعقوفين في (ب) وهو ساقط من (أ) و (ج).
(٢٢) قلت: القول الأول أرجح لعدة اعتبارات، الأول: أنه قول عامة المفسرين من السلف ومن بعدهم، الثاني: أنهم وصفوا رؤيا الملك بكونها أضغاث أحلام أي لا تأويل لها، الثالث: أنه لا يتصور في هؤلاء الملأ الذين هم أهل مشورته أنهم لا يعرفونها، وأيضًا أنهم سيعترفون بعجزهم عن تأويلها، والذي يظهر أنهم علموا من تأويلها ما يسوء الملك فأرادوا أن يصرفوه عن تطلب تأويلها فقالوا "أضغاث أحلام ..
".
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَالَ الملك ﴾ هو ملك مصر الذي كان العزيز خادماً له واسمه ريّان بن الوليد، وقيل: مصعب بن الريان، وكان من الفراعنة، وقيل: إنه فرعون موسى عمَّر أربعمائة سنة حتى أدركه موسى وهذا بعيد ﴿ إني أرى ﴾ في المنام ﴿ سَبْعَ بقرات سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ ﴾ أي ضِعاف في غاية الهزال ﴿ ياأيها الملأ ﴾ خطاب لجلسائه وأهل دولته ﴿ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ أي: تعرفون تأويلها، يقال: عبرت الرؤيا بتخفيف الباء وأنكر بعضهم التشديد، وهو مسموع من العرب، وأدخلت اللام على المفعول به لما تقدم عن الفعل ﴿ قالوا أضغاث أحلام ﴾ أي تخاليطها وأباطيلها، وما يكون منها من حديث نفس ووسوسة شيطان بحيث لا يعبر، وأصل الأضغاث ما جمع من أخلاط النبات، واحدة ضغث، فإن قيل: لم قال أضغاث أحلام بالجمع، وإنما كانت الرؤيا واحدة؟
فالجواب أن هذا كقولك فلان يركب الخيل وإن ركب فرساً واحداً ﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحلام بعالمين ﴾ إما أن يريدوا تأويل الأحلام الباطلة، أو تأويل الأحلام على الإطلاق وهو الأظهر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ هيت لك ﴾ بضم التاء وفتح الهاء: ابن كثير ﴿ هيت ﴾ بكسر الهاء وفتح التاء: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان والرازي عن هشام مثله ولكن بالهمز، الحلواني عن هشام مثل هذا لكن بضم التاء، النجاري عن هشام.
والباقون ﴿ هيت لك ﴾ بفتحتين.
وسكون الياء ﴿ المخلصين ﴾ بفتح اللام حيث كان: أبو جعفر ونافع وعاصم وحمزة وعلي وخلف ﴿ ربي أحسن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن كثير ﴿ من قبل ﴾ و ﴿ من دبر ﴾ بالاختلاس: عباس ﴿ قد شغفها ﴾ مدغماً: أبو عمرو وعلي وحمزة وخلف وهشام ﴿ وقالت اخرج ﴾ بكسر التاء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم.
الآخرون بالضم للإتباع.
﴿ حاشا لله ﴾ وما بعده في الحالين بالألف: أبو عمرو ﴿ ربي السجن ﴾ بفتح السين على أنه مصدر: يعقوب.
الباقون.
بالكسر.
الوقوف: ﴿ ولداً ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ز بناء على أن الواو مقحمة واللام متعلقة بـ ﴿ مكنا ﴾ أو هي عطف على محذوف قبله ليتمكن ولنعلمه، والأظهر أنها تتعلق بمحذوف بعده أي ولنعلمه من تأويل الأحاديث كان ذلك التمكن ﴿ الأحاديث ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعلماً ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ هيت لك ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ همت به ﴾ ز قد قيل بناء على أن قوله ﴿ وهم ﴾ جواب "لولا" وليس بصحيح لأن جواب "لولا" لا يتقدم عليه وإنما جوابه محذوف وهو لحقق ما هم به كذا.
قال السجاوندي: وأقول لو وقف للفرق بين الهمين لم يبعد ﴿ وهم بها ﴾ ج ﴿ برهان ربه ﴾ ط ﴿ والفحشاء ﴾ ط ﴿ المخلصين ﴾ ه ﴿ لدى الباب ﴾ ه ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ عن نفسي ﴾ لم يذكر الأئمة عليه وقفاً ولعل الوقف عليه حسن كيلا يظن عطف ﴿ وشهد ﴾ على ﴿ راودتني ﴾ أو على جملة ﴿ هي راودتني ﴾ .
﴿ من أهلها ﴾ ج على تقدير وقال إن كان ﴿ من الكاذبين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ من كيدكن ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ عن هذا ﴾ سكتة للعدول عن مخاطب إلى مخاطب ﴿ لذنبك ﴾ ج لاحتمال التعليل ﴿ الخاطئين ﴾ ه ﴿ عن نفسه ﴾ ج لأن "قد" لتحسين الابتداء مع اتحاد القائل ﴿ حباً ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ عليهن ﴾ ج ﴿ بشراً ﴾ ط ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ فاستعصم ﴾ ط لاحتمال القسم ﴿ الصاغرين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ج للشرط مع الواو ﴿ الجاهلين ﴾ ه ﴿ كيدهن ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ حين ﴾ ه.
التفسير: قد ثبت في الأخبار أن الذي اشتراه إما من الإخوة أو من الواردين ذهب به إلى مصر وباعه فاشرتاه العزيز - واسمع قطفير أو أطفير - ولم يكن ملكاً ولكنه كان يلي خزائن مصر، والملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق وقد آمن بيوسف ومات في حياة يوسف فملك بعده قابوس بن مصعب ولم يؤمن بيوسف.
روي أن العزيز اشتراه ابن سبع عشرة سنة وأقام في منزله ثلاث عشرة واستوزره بعد ذلك ريان بن الوليد ثم آتاه الله الحكمة والعلم ابن ثلاث وثلاثين وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة.
وقيل: كان الملك في أيامه فرعون موسى، عاش أربعمائة سنة دليله قوله: ﴿ ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات ﴾ وقيل: فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف.
والمعنى ولقد جاء آباءكم.
وقيل: اشتراه العزيز بعشرين ديناراً وزوجي نعل وثوبين أبيضين.
وقيل: أدخلوه السوق يعرضونه فترافعوا في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه مسكاً وورقاً وحريراً فابتاعه قطفير بذلك المبلغ.
ومعنى ﴿ أكرمي مثواه ﴾ اجعلي منزله ومقامه عندنا كريماً أي حسناً مرضياً.
وفي هذه العبارة دلالة على أنه عظم شأن يوسف كما يقال سلام على المجلس العالي.
وقال في الكشاف: المراد تعهديه بحسن الملكة حتى تكون نفسه طيبة في صحبتنا.
ويقال للرجل: كيف أبو مثواك وأم مثواك لمن ينزل الرجل به من إنسان رجل أو امرأة يراد هل تطيب نفسك بثوائك عنده؟
واللام في ﴿ لامرأته ﴾ تتعلق بــ ﴿ قال ﴾ .
ثم بين الغرض من الإكرام فقال: ﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ بكفاية بعض مهماتنا ﴿ أو نتخذه ولداً ﴾ لأن قطفير كان لا يولد له ولد وكان حصوراً.
وعن ابن مسعود أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين قال لامرأته أكرمي مثواه فتفرس في يوسف ما تفرس، والمرأة التي أتت موسى وقالت لأبيها يا أبت استأجره، وأبو بكر حين استخلف عمر.
وروي أنه سأله عن نفسه فأخبره بنسبه فعرفه.
ثم قال: ﴿ وكذلك ﴾ أي كما أنعمنا عليه بالإنجاء من الجب وعطف قلب العزيز عليه ﴿ مكنا له ﴾ في أرض مصر حتى يتصرف فيها بالأمر والنهي ﴿ ولنعلمه ﴾ قد مر في الوقوف بيان متعلقه وفي أوائلا لسورة معنى تأويل الأحاديث.
والمراد من الآية حكاية إعلاء شأن يوسف في الكمالات الحقيقية وأصولها القدرة، وأشار إليها بقوله: ﴿ مكنا ﴾ والعلم وأشار إليه بقوله ﴿ ولنعلمه ﴾ ولا ريب أن ابتداء ذلك كان حين ألقي في الجب كما قال ﴿ وأوحينا إليه لتنبئنهم ﴾ وكان يرتقي في ذلك إلى أن بلغ حد الكمال وصار مستعداً للدعوة إلى الدين الحق وللإرسال إلى الخلق ﴿ والله غالب على أمره ﴾ أي على أمر نفسه لا منازع له ولا مدافع، أو على أمر يوسف لم يكله إلى غيره ولم ينجح كيد إخوته فيه ولم يكن إلا ما أراد الله ودبر.
﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أن الأمر كله بيد الله.
ثم إنه بين وقت استكمال أمره فقال: ﴿ ولما بلغ أشدّة ﴾ قيل في الأشد ثماني عشرة سنة وعشرون، وثلاث وثلاثون وأربعون إلى ثنتين وستين ﴿ آتيناه حكماً وعلماً ﴾ فالحكم الحكمة العملية والعلم الحكمة النظرية، وإنما قدمت العملية لأن أصحاب الرياضيات والمجاهدات يصلون أوّلاً إلى الحكمة العملية ثم إلى العلم اللدني بخلاف أصحاب الأفكار والأنظار، والأول هو طريقة يوسف لأنه صبر على البلاء، والمحن ففتح عليه أبواب المكاشفات، وقيل: الحكم النبوّة لأن النبي حاكم على الخلق والعلم علم الدين.
وقيل: الحكم صيرورة نفسه المطمئنة حاكمة على النفس الأمارة قاهرة لها، فحينئذٍ تفيض الأنوار القدسية والأضواء الإلهية من عالم القدس على جوهر النفس.
والتحقيق في هذا الباب أن استكمال النفس الناطقة إنما يتيسر بواسطة استعمال الآلات الجسدانية، وفي أوان الصغر تكون الرطوبات مستولية عليها فتضعف تلك الآلات، فإذا كبر الإنسان واستولت الحرارة الغريزية على البدن نضجت تلك الرطوبات وقلت واعتدلت فصارة الآلات صالحة لأن تستعملها النفس الإنسانية في تحصيل المعارف واكتساب الحقائق.
فقوله ﴿ ولما بلغ أشده ﴾ إشارة إلى اعتدال الآلات البدنية، وقوله: ﴿ آتيناه حكماً وعلماً ﴾ إشارة إلى استكمال النفس الناطقة وقوة لمعان الأضواء القدسية فيها.
قال في الكشاف: ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ فيه تنبيه على أنه كان محسناً في عمله متقياً في عنفوان أمره، وأن الله آتاه الحكم والعلم جزاء على إحسانه.
واعترض عليه بأن النبوة غير مكتسبة.
والحق أن الكل بفضل الله ورحمته ولكن للوسائط والمعدات مدخل عظيم في كل ما يصل إلى الإنسان من الفيوض والآثار، فالأنوار السابقة تصير سبباً للأضواء اللاحقة وهلم جراً.
عن الحسن: من أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه الله الحكمة في اكتهاله.
ثم إن يوسف كان في غاية الحسن والجمال، فلما شب طمعت فيه امرأة العزيز وذلك قوله: ﴿ وراودته ﴾ والمراودة مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب، ضمنت معنى الخداع أي فعلت ما يفعل المخادع بصاحبه حتى يزله عن الشي الذي يريد أن يخرجه من يده، وقد يخص بمحاولة الوقاع فيقال: راود فلان جاريته عن نفسها وراودته هي عن نفسه إذا حاول كل منهما الوطء والجماع، وإنما قال: ﴿ التي هو في بيتها ﴾ ولم يقل زليخا قصداً إلى زيادة التقرير مع استهجان اسم المرأة ﴿ وغلقت الأبواب ﴾ لا ريب أن التشديد يدل على التكثير لأن غلق متعد كنقيضه وهو فتح.
والمفسرون رووا أن الأبواب كانت سبعة ﴿ وقالت هيت لك ﴾ هذه اللغة في جميع القراآت اسم فعل بمعنى هلم إلا عند من قرأ ﴿ هئت لك ﴾ بهاء مكسورة بعدها همزة ساكنة ثم تاء مضمومة فإنها معنى تهيأت لك.
يقال: هاء يهيء مثل جاء يجيء بمعنى تهيأ.
قال النحويون: هيت جاء بالحركات الثلاثة: فالفتح للخفة، والكسر للالتقاء الساكنين، والضم تشبيهاً بحيث.
وإذا بين باللام نحو "هيت لك" فهي صوت قائم مقام المصدر كأفٍ له أي لك أقول هذا.
وإذا لم يبين باللام فهو صوت قائم مقام مصدر قائم مقام الفعل ويكون اسم فعل، ومعناه إما خبر أي تهيأت وإما أمر أي أقبل.
وقد روى الواحدي بإسناده عن أبي زيد ﴿ قالت هيت لك ﴾ بالعبرانية هيتالج أي تعال عربه القرآن.
وقال الفراء: إنها لغة لأهل حوران سقطت إلى مكة فتكلموا بها.
وقال ابن الأنباري: هذا وفاق بين لغة قريش وأهل حوران كما اتفقت لغة العرب والروم في القسطاس، ولغة العرب والفرس في السجيل، ولغة العرب والترك في الغساق، ولغة العرب والحبشة في ناشئة الليل.
ثم إن المرأة لما ذكرت هذا الكلام أجاب يوسف بثلاثة أجوبة: الأول ﴿ قال معاذ الله ﴾ وهو من المصادر التي لا يجوز إظهار فعلها أي أعوذ بالله معاذاً، وفيه إشارة إلى أن حق الله يمنع عن هذا العمل، الثاني ﴿ إنه ﴾ والضمير للشأن ﴿ ربي ﴾ أي سيدي ومالكي بزعمهم واعتقاهم وإلا فيوسف كان عالماً بأنه حر والحر لا يصير عبداً بالبيع، أو المراد التربية أي الذي رباني ﴿ أحسن مثواي ﴾ حين قال ﴿ أكرمي مثواه ﴾ وفي هذا إشارة إلى أن حق الخلق أيضاً يمنع عن ذلك العمل.
وقيل: أراد بقوله: ﴿ ربي ﴾ الله لأنه مسبب الأسباب.
الثالث قوله: ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين يجازون الحسن بالسيء، أو أراد الذين يزنون لأنهم ظلموا أنفسهم.
وفيه إشارة إلى الدليل العقلي فإن صون النفس عن الضرر واجب وهذه اللذة قليلة يتبعها خزي في الدنيا وعذاب في الآخرة، فعلى العاقل أن يحترز عنها فما أحسن نسق هذه الأجوبة.
قوله ﴿ ولقد همت به وهمّ بها ﴾ لا شك أن الهم لغة هو القصد والعزم، لكن العلماء اختلفوا فقال جم غفير من المفسرين الظاهريين: إن تلك الهمة بلغت حد المخالطة فقال أبو جعفر الباقر بإسناده عن علي بن أبي طالب : إنها طمعت فيه وإنه طمع فيها حتى هم أن يحل التكة.
وعن ابن عباس أنه حل الهميان أي السربال وجلس منها مجلس المجامع.
وعنه أيضاً أنها استقلت له وقعد هو بين شعبها الأربع.
وروي أن يوسف حين قال: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ قال له جبرائيل: ولا حين هممت يا يوسف؟
فقال يوسف عند ذلك ﴿ وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ وقال آخرون: إن الهمة ما كانت إلا ميلة النفس ولم يخرج شيء منها من القوة إلى الفعل ولكن كانت داعية الطبيعة وداعية العقل والحكمة متجاذبتين.
أما الأولون فقد فسروا برهان ربه بأن المرأة قامت إلى صنم لها مكلل بالدر والياقوت في زاوية من زاويا البيت فسترته بالأثواب فقال يوسف: ولم؟
فقالت: أستحيي من إلهي هذا أن يراني على المعصية.
فقال يوسف: تستحيي من صنم لا يسمع ولا يعقل ولا أستحيي من إلهي القائم على كل نفس بما كسبت، فوالله لا أفعل ذلك أبداً.
وعن ابن عباس أنه مثل له يعقوب عاضاً فوه على أصابعه قائلاً: أتعمل عمل الفجار وأنت مكتوب في زمرة الأنبياء؟
وإلى هذا ذهب عكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والضحاك ومقاتل وابن سيرين.
وقال سعيد بن جبير: تمثل له يعقوب فضربه في صدره فخرجت شهوته من أنامله.
وقيل: صيح به يا يوسف لا تكن كالطائر كان له ريش فلما زنى قعد لا ريش له.
وقيل: بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد ولا معصم مكتوب فيها ﴿ وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين ﴾ {الإنفطار:11 - 12] فلم ينصرف ثم رأى فيها ﴿ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً ﴾ فلم ينته ثم رأى فيها ﴿ واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ﴾ فلم ينجع فيه فقال الله لجبرائيل: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة.
فانحط لجبرائيل وهو يقول: يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في يوان زمرة الأنبياء؟
وقيل: رأى تمثال العزيز.
وأما الآخرون فما سلموا شيئاً من هذه الروايات.
وعلى تقدير التسليم فتوارد الدلائل على المطلوب الواحد غير بعيد وكذا ترادف الزواجر فهو عليه وجوب اجتناب المحارم وبحسب ما أعطاه الله من النفس القدسية المطهرة النبوية، لكنه انضاف إلى ذلك البرهان هذ الزواجر تكميلاً للألطاف وتتميماً للعناية.
قالوا: ولو أن أوقح الزناة وأشطرهم إذا لقي ما لقي به نبي الله مما ذكروا لما بقي منه عرق ينبض وعضو يتحرك فكيف احتاج النبي إلى جميع هذه الزواجر والمؤكدات حتى ينتهي عن إمضاء العزمة.
قالوا: والهم لا يتعلق بالأعيان وإنما يتعلق بالمعاني، فأنتم تضمرون أنه قد هم بمخالطتها ونحن نقول هم بدفعها لولا أن عرف برهان ربه وهو أن الشاهد سيشهد له أنه كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين، فلعله لو اشتغل بأن يدفعها أمكن أن يتمزق قميصه من قبل فكانت الشهادة عليه لا له فلذلك ولى هارباً عنها.
وفي قوله: ﴿ وهمّ بها ﴾ فائدة أخرى هي أن ترك المخالطة بها ما كان لعدم رغبته في النساء وعوز قدرته عليهن بل لأجل أن دلائل دين الله منعته عن ذلك العمل، وكيف يظن بيوسف معصية وقد ادعى البراءة بقوله: ﴿ هي راودتني ﴾ وبقوله: ﴿ رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ﴾ والمرأة اعترفت بذلك حين قالت للنسوة ﴿ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ﴾ وقالت ﴿ الآن حصحص الحق ﴾ وزوج المرأة صدّقه فقال: ﴿ إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم ﴾ وشهد له شاهد من أهلها كما يجيء وشهد له الله فقال: ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه أو الأمر مثل ذلك ﴿ لنصرف عنه السوء ﴾ خيانة السيد ﴿ والفحشاء ﴾ الزنا أو السوء مقدمات الجماع من القبلة والنظر بشهوة ونحو ذلك.
ثم أكد الشهادة بقوله: ﴿ إنه من عبادنا ﴾ والإضافة للتشريف كقوله: ﴿ وعباد الرحمن ﴾ ثم زاد في التأكيد فوصفه بالمخلصين أي هو من جملة من اتصف في طاعاته بصفة الإخلاص، أو من جملة من أخلصه الله بناء على قراءتي فتح اللام وكسرها.
ويحتمل أن يكون "من" للابتداء لا للتبعيض أي هو ناشىء منهم لأنه من ذرية إبراهيم .
فكل هذه الدلائل تدل على عصمة يوسف وأنه بريء من الذنب، ولو كان قد وجدت منه زلة لنعيت عليه وذكرت توبته واستغفاره كما في آدم وذي النون وغيرهما ولما استحق هذا الثناء والله أعلم بحقائق الأمور.
وقوله: ﴿ واستبقا الباب ﴾ أي تسابقا إليه على حذف الجار وإيصال الفعل مثل { ﴿ واختار موسى قومه ﴾ أو على تضمين استبقا معنى ابتدرا.
وإنما وحد الباب لأنه أراد الداني لا جميع الأبواب التي غلقتها.
روى كعب أنه لما هرب يوسف جعل فراش القفل يتناثر ويسقط حتى خرج من الأبواب ﴿ وقدت قميصه من دبر ﴾ لأنها اجتذبته من خلفه فانقد أي انشق طولاً ﴿ وألفيا سيدها ﴾ صادفا بعلها وهو قطفير.
وإنما لم يقل سيدهما لأن ملك يوسف لم يكن ملكاً في الحقيقة.
روي أنهما ألفياه مقبلاً يريد أن يدخل وقيل جالساً مع ابن عم للمرأة.
ثم إنه كان للسائل أن يسأل فما قالت المرأة إذا ذاك؟
فقيل: قالت: ﴿ ما جزاء ﴾ هي استفهامية أو نافية معناه أي شيء جزاؤه، أو ليس جزاءه إلا السجن أو العذاب الأليم.
وربما فسر العذاب {الأليم بالضرب بالسياط جمعت بين غرضين تنزيه ساحتها عند زوجها من الريبة والغضب على يوسف وتخويفه طمعاً في أن يواتيها خوفاً وإن لم يواتيها طوعاً.
ثم إنها لحبها يوسف راعت دقائق المحبة فذكرت السجن أوّلاً ثم العذاب لأن المحب لا يريد ألم المحبوب ما أمكن.
وأيضاً لم تصرح بذكر يوسف وأنه أراد بها سوءاً بل قصدت العموم ليندرج يوسف فيه.
وفي قولها: ﴿ إلا أن يسجن ﴾ إشعار بأن ذلك السجن غير دائم بخلاف قول فرعون لموسى ﴿ لأجعلنك من المسجونين ﴾ ففيه إشعار بالتأبيد ﴿ قال ﴾ يوسف ﴿ هي راودتني عن نفسي ﴾ وإنما صرح بذلك لأنها عرضته للسجن والعذاب فوجب عليه الدفع عن نفسه ولولا ذلك لكتم عليها.
قال ﴿ وشهد شاهد من أهلها ﴾ قال جمع من المفسرين: الشاهد ابن عم المرأة وكان رجلاً حكيماً، اتفق في ذلك الوقت أنه كان مع العزيز فقال: قد سمعت الجلبة من وراء الباب وشق القميص إلا أنا لا ندري أيكما قدام صاحبه، فإن كان شق القميص من قدام فأنت صادقة والرجل كاذب، وإن كان من خلف فالرجل صادق وأنت كاذبة، فلما نظروا إلى القميص ورأوا الشق من خلفه قال ابن عمها: ﴿ إنه من كيدكن ﴾ وعن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك أن الشاهد ابن خال لها وكان صبياً في المهد وقد روي عن النبي أنه " "تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم" .
وعن مجاهد: الشاهد هو القميص المشقوق من خلف وضعف بأن القميص لا يوصف بالشهادة ولا بكونه من الأهل، واعترض على القول الأول بأن العلامة المذكورة لا تدل قطعاً على براءة يوسف لاحتمال أن الرجل قصد المرأة وهي قد غضب عليه ففر فعدت خلفه كي تدركه وتضربه ضرباً وجيعاً.
وأجيب بأن هناك أمارات أخر منها أن يوسف كان عبداً لهم والعبد لا يمكنه أن يتسلط على مولاه إلى هذا الحد، ومنها قرينة الحال كتزين المرأة فوق المعتاد وما شوهد من أحوال يوسف في مدة إقامته بمنزلهم.
واعترض على القول الثاني بأن شهادة الصبي أمر خارق للعادة فتكون حجة قطعية فلم يبق للاستدلال بحال القميص ولا لكونه من أهلها فائدة.
وأيضاً لفظ ﴿ شاهد ﴾ لا يقع في العرف إلا على من تقدمت معرفته بالواقعة.
والجواب أن تعيين الطريق في الإخبار والإعلام غير لازم، وكون الشاهد من أهلها أوجب للحجة عليها وألزم لها والشاهد ههنا مجاز ووجه حسنه أنه أدى مؤدى الشاهد حيث ثبت به قول يوسف وبطل قولها.
قال في الكشاف: التنكير في "قبل".
و"دبر" معناه من جهة يقال لها قبل ومن جهة يقال لها دبر.
أما الضمير في قوله: ﴿ فلما رأى ﴾ وفي قوله: ﴿ قال إنه من كيدكن ﴾ فقيل: إنه للشاهد الذي هو ابن عمها كما ذكرنا أي إن قولك وهو ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً، أو إن هذا الأمر وهو الذي أفضى إلى هذه الريبة من عملكن ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ قال بعض العلماء: أنا أخاف النساء أكثر مما أخاف الشيطان لأنه يقول: ﴿ إن كيد الشيطان كان ضعيفاً ﴾ وقال للنساء: ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ وأقول: لا شك أن القرآن كلام الله إلا أن هذا حكاية قول الشاهد فلا يثبت به ما ادعاه ذلك العالم ولو سلم فالمراد إن كيد الشيطان ضعيف بالنسبة إلى ما يريد الله إمضاءه وتنفيذه، وكيد النساء عظيم بالنسبة إلى كيد الرجال فإنهم يغلبنهم ويسلبن عقولهم إذا عرضن أنفسهن عليهم ولهذا قال : "النساء حبائل الشيطان" ثم قال الشاهد: ﴿ يوسف ﴾ أي يا يوسف فحذف حرف النداء ﴿ أعرض عن هذا ﴾ الأمر واكتمه ولا تحدّث به ﴿ واستغفري ﴾ يا امرأة ﴿ لذنبك ﴾ والاستغفار إما من الزوج أو من الله لأنهم كانوا يثبتون الإله الأعظم ويجعلون الأصنام شفعاء ولهذا قال يوسف لصاحبه في السجن ﴿ أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ﴾ ﴿ إنك كنت من الخاطئين ﴾ من المتعمدين للذنب.
يقال: خطىء إذا أذنب متعمداً والتذكير للتغليب.
وقيل: الضمير في ﴿ رأى ﴾ وفي ﴿ قال ﴾ لزوج المرأة وأنه كان قليل الغيرة فلذلك اكتفى منها بالاستغفار قاله أبو بكر الأصم.
﴿ وقال نسوة ﴾ هو اسم مفرد لجمع المرأة وتأنيثه غير حقيقي ولذلك حسن حذف التاء من فعله وقد تضم نونها.
قال الكلبي: هن أربع في مدينة مصر: إمرأة الساقي وامرأة الخباز وامرأة صاحب الدواب وامرأة صاحب السجن، وزاد مقاتل امرأة الحاجب، والفتى الغلام الشاب والفتاة الجارية ﴿ قد شغفها ﴾ أي خرق حبه شغاف قلبها والشغاف حجاب القلب، وقيل: جلدة رقيقة يقال لها لسان القلب و ﴿ حباً ﴾ نصب على التمييز وحقيقة شغفه أصاب شغافه كما يقال: كبده إذا أصاب كبده وكذا قياس سائر الأعضاء.
وقرىء بالعين المهملة أي أحرقها مع تلذذ من شغف البعير إذا هنأه فأحرقه بالقطران.
وقال ابن الأنباري: هذا من الشغف وهو رؤوس الجبال أي ارتفع محبته إلى أعلى المواضع من قلبها.
والضلال المبين الخطأ عن طريق الصواب.
﴿ فلما سمعت بمكرهن ﴾ اغتيابهن وسوء قالتهن فيها، وإنما حسن التعبير عن الاغتياب بالمكر لاشتراكهما في الإخفاء.
وقيل: التمست منهن كتمان سرها فأفشينه فسمي مكراً ﴿ أرسلت إليهن ﴾ تدعوهن.
وقيل: أردن بذلك أن يتوسلن إلى رؤية يوسف فلهذا سمي مكراً.
وقيل: كن أربعين.
﴿ وأعتدت ﴾ وهيأت ﴿ لهن متكئاً ﴾ موضع اتكاء وأصله موتكئاً لأنه من توكأت أبدلت الواو تاء ثم أدغمت، والمراد هيأت لهن نمارق يتكئن عليها كعادة المترفهات كأنها قصدت بذلك تهويل يوسف من مكرها إذا خرج على أربعين نسوة مجتمعات في أيديهن السكاكين توهمه أنهن يثبن عليه.
وقيل: المتكأ مجلس الطعام لأنهن كانوا يتكئون للطعام والشراب والحديث على هيئة المتنعمات، ولذلك نهى أن يأكل الرجل متكئاً.
وآتتهن السكاكين ليعالجن بها ما يأكلن بها.
وقيل: أراد بالمتكأ الطعام على سبيل الكناية لأن من دعوته ليطعم عندك اتخذت له متكأ.
وقال مجاهد: هو طعام يحتاج الى أن يقطع بالسكين لأن القاطع متكىء على المقطوع بآلة القطع وقرىء متكاً مضموم الميم ساكن التاء مقصوراً وهو الأترج ﴿ فلما رأينه أكبرته ﴾ أعظمنه وهبن ذلك الجمال، وكان أحسن خلق الله إلا أن نبينا كان أملح.
قيل: كان يشبه آدم يوم خلقه ربه وما كان أحد يستطيع وصفه ويرى تلألؤ وجهه على الجداران وقد ورث الجمال من جدته سارّة.
وعن النبي : "مررت بيوسف الليلة التي عرج بي إلى السماء فقلت لجبرائيل: ما هذا؟
فقال: يوسف.
فقيل: يا رسول الله كيف رأيته؟
قال: كالقمر ليلة البدر" وقال الأزهري: أكبرن بمعنى حضن والهاء للسكت.
يقال: أكبرت المرأة أي دخلت في الكبر بالحيض، ووجه حيضهن حينئذٍ بأن المرأة إذا فزعت أسقطت ولدها فحاضت، فالمراد حضن ودهشن.
وقيل: أكبرنه لما رأين عليه من نور النبوة وسيماء الرسالة وآثار الخضوع والإخبات والأخلاق.
الفاضله الملكية كعدم الالتفات إلى المطعوم والمنكوح فلذلك وقعت الهيبة والرعب في قلوبهن ﴿ وقطعن أيديهن ﴾ أي جرحنها بأن لم يعرفن الفاكهة من اليد، أو بأن لم يفرقوا بين الجانب الحاد من السكين وبين مقابله فوقع الطرف الحاد في أيديهن وكفهن وحصل الاعتماد على ذلك الطرف فجرح الكف وهذا القول شديد الملاءمة لقولهن ﴿ حاش لله ﴾ أي ننزهه عما يشينه من خصلة ذميمة ﴿ إن هذا إلا ملك كريم ﴾ في السيرة والعفة والطهارة.
وأما قول زليخا: ﴿ فذلكن الذي لمتنني فيه ﴾ فإنما ينطبق على هذا التأويل من حيث إن الصورة الحسنة مع العفة الكاملة توجب حصول اليأس من الوصال وحصول الغرض المجازي وذلك يستتبع فرط الحيرة وزيادة العشق.
وعلى القولين الأولين فالمعنى تنزيه الله من صفات العجز والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله، كما أن قولهن ﴿ حاش لله ما علمنا عليه ﴾ تعجب من قدرته على خلق عفيف مثله.
قال صاحب الكشاف: "حاشا" كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء واللام في ﴿ لله ﴾ لبيان من يبرأ وينزه وهي حرف من حروف الجر وضع موضع التنزيه والبراءة.
وقال أبو البقاء: الجمهور على أنه ههنا فعل لدخوله على حرف الجر وفاعله مضمر، وحذف الألف من آخره للتخفيف وكثرة دوره على الألسنة تقديره حاشى يوسف أي بعد عن المعصية لخشية الله وصار في حاشية أي ناحية.
﴿ ما هذا بشراً ﴾ أعمال ما عمل ليس لغة حجازية ﴿ إن هذا ﴾ أي ما هذا الشخص ﴿ إلا ملك كريم ﴾ استدل بعضهم بالآية على أفضلية الملك كما مر في أول سورة البقرة قالوا: وإنما قلن ذلك لما ركز في العقول أن لا أحسن من صورة الملك كما ركز فيها أن لا أقبح من صورة الشيطان.
واعترض عليه بأنه لا مشابهة بين صورة الإنسان وصورة الملك.
وأجيب بعد التسليم بتغيير المدعي وهو أنهن أردن المشابهة في الأخلاق الباطنة وبها يحصل المطلوب، وزيف بأن قول النساء لا يصلح للحجة، وفي الآية دلالة على أن اللوم انتفى لأنه لحقهن بنظرة واحدة يلحقها في مدة طويلة وأنظار كثيرة فلذلك ﴿ قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ﴾ وسئل ههنا إن يوسف كان حاضراً فلم أشارت بعبارة البعيد؟
وأجاب ابن الأنباري بأنها أشارت إليه بعد انصرافه من المجلس وهذا شيء يتعلق بالنقل.
وأما علماء البيان فإنهم بنوا الأمر على أن يوسف حاضر وأجابوا بأنها لم تقل فهذا رفعاً لمنزلته في الحسن واستحقاق أن يحب ويفتتن به واستبعاداً لمحله، أو هو إشارة إلى المعنيّ بقولهن في المدينة عشقت عبدها الكنعاني كأنها قالت هو ذلك العبد الكنعاني الذي صوّرتن في أنفسكن ثم لمتتني فيه يعني أنكن لم تصوّرنه قبل ذلك حق التصوير وإلا عذرتنني في الافتتان به.
ولما أظهرت عذرها عند النسوة صرحت بحقيقة الحال فقالت: ﴿ ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ﴾ قال السدي: أي بعد حل السراويل: والذين يثبتون عصمة الأنبياء قالوا: إن ﴿ استعصم ﴾ بناء مبالغة يدل على الامتناع البليغ والتحرز الشديد كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها، وفيه شهادة من المرأة على أن يوسف ما صدر عنه أمر بخلاف الشرع والعقل أصلاً.
﴿ ولئن لم يفعل ما آمره ﴾ قال في الكشاف: معناه الذي آمر به فحذف الجار كما في أمرتك الخير، أو ما مصدرية والضمير ليوسف أي أمري إياه أي موجب أمري ومقتضاه ﴿ وليكونا من الصاغرين ﴾ هي نون التأكيد المخففة ولهذا تكتب بالألف لأن الوقف عليها بالألف.
والصغار الذل والهوان، ومعلوم أن التوعد بالصغار له تأثير عظيم في حق من كان رفيع النفس جليل القدر مثل يوسف ثم إنه اجتمع على يوسف في هذه الحالة أنواع من المحن والفتن منها: أن زليخا كانت في غاية الحسن، ومنها أنها كانت ذات مال وثروة قد عزمت أن تبذل الكل ليوسف على تقدير أن يساعدها، ومنها أن النسوة اجتمعن عليه مرغبات ومخوفات، ومنها أنها كانت ذات قدرة ومكنة وكان خائفاً من شرها ومن إقدامها على قتله، ولا ريب أن نطاق عصمة البشرية يضيق عن بعض هذه الأسباب فضلاً عن كلها وعن أزيد منها ولهذا لجأ يوسف إلى الله قائلاً: ﴿ رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه ﴾ لأن السجن وإن كان مشقة فهي زائلة والذي يدعونه إليه وإن كان لذة إلا أنها عاجلة مستعقبة لخزي الدنيا وعذاب الآخرة ﴿ وإلا تصرف عني كيدهن ﴾ بترجيح داعية الخير وعزوف النفس أو بمزيد الألطاف والعصمة ﴿ أصب إليهن ﴾ والصبوة الميل إلى الهوى ومنها الصبا لأن النفوس تصبوا إلى روحها.
﴿ وأكن من الجاهلين ﴾ الذين لا يعملون بما يعلمون ولا يكون في علمهم فائدة، أو من السفهاء لأن الحكيم لا يفعل القبيح.
ولما كان في قوله: ﴿ وإلا تصرف ﴾ معنى الدعاء وطلب الصرف قال ﴿ فاستجاب له ربه ﴾ ثم إن المرأة أخذت في الاحتيال وقالت لزوجها إن هذا العبد العبراني فضحني في الناس ويقول لهم في المجالس إني راودته عن نفسه وأنا لا أقدر على إظهار عذري، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر، وإما أن تحبسه كما حبستني فعند ذلك وقع في قلب العزيز أن الأصلح حبسه حتى ينسى الناس هذا الحديث فذلك قوله : ﴿ ثم بدا ﴾ أي ظهر ﴿ لهم ﴾ للعزيز ومن يليه أو له وحده والجمع على عادتهم في تعظيم الأشراف ﴿ من بعد ما رأو الآيات ﴾ الدالة على براءة يوسف من شهادة الصبي واعتراف المرأة وشهادة النسوة لهبالسيرة الملكية والعفة.
وفاعل بدا مضمر أي ظهر لهم رأي أو سجنه وإنما حذف لدلالة ما يفسره عليه وهو ﴿ ليسجننه ﴾ والقسم محذوف ﴿ حتى حين ﴾ إلى زمان ممتد.
عن أبن عباس: إلى زمان انقطاع القالة وما شاع في المدينة.
وعن الحسن: خمس سنين.
وعن غيره سبع سنين.
وعن مقاتل: أنه حبس اثنتي عشرة سنة.
التأويل: لما أخرجوا يوسف القلب من جب الطبيعة ذهبوا به إلى مصر الشريعة فاشتراه عزيز مصرها وهو الدليل المربي على جادة الطريقة ليوصله إلى عالم الحقيقة.
﴿ فقال لامرأته ﴾ وهي الدنيا ﴿ أكرمي مثواه ﴾ اخدميه بقدر الحاجة الضرورية ﴿ عسى أن ينفعنا ﴾ حتى يكون صاحب الشريعة فيتصرف في الدنيا باكسير النبوة فتصير الشريعة حقيقة والدنيا آخرة ﴿ أو نتخذه ولداً ﴾ نربيه بلبان ثدي الشريعة والطريقة إلى أن يرى الفطام عن الدنيا الدنية ﴿ وكذلك مكنا ﴾ يشير إلى أن تمكين يوسف القلب في أرض البشرية إنما هو لتعلم العلم اللدني، لأن الثمرة إنما تظهر على الشجرة إذا كان أصل الشجرة راسخاً في الأرض ﴿ والله غالب على ﴾ أمر القلب في توجيهه إلى محبة الله وطلبه، أو على أمر القالب بجذبات العناية وإقامته على الصراط المستقيم فتكون تصرفاته بالله ولله وفي الله ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنهم خلقوا مستعدّين لهذا الكمال ﴿ وكذلك نجزي المحسنين ﴾ أي كما أفضنا على القلب ما هو مستحقه من الحكمة والعلم كذلك نجزي الأعضاء الرئيسية والجوارح إذا أحسنوا الأعمال والأخلاق على قاعدة الشريعة والطريقة خير الجزاء، وهو التبليغ إلى مقام الحقيقة.
﴿ وراودته ﴾ فيه إشارة إلى أن يوسف القلب وإن استغرق في بحر صفات الألوهية لا ينقطع عنه تصرفات زليخا الدنيا ما دام هو في بيتها أي في الجسد الدنياوي ﴿ وغلقت ﴾ أبواب أركان الشريعة ﴿ وقالت هيت لك ﴾ أقبل إلى وأعرض عن الحق ﴿ قال ﴾ أي القلب الفاني عن نفسه الباقي ببقاء ربه ﴿ معاذ الله ﴾ عما سواه.
﴿ أحسن مثواي ﴾ في عالم الحقيقة ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ الذين يقبلون على الدنيا ويعرضون عن المولى ﴿ وهمّ بها ﴾ فوق الحاجة الضرورية ﴿ لولا أن رأى برهان ربه ﴾ وهو نور خصلة القناعة التي هي من نتائج نظر العناية ﴿ لنصرف عنه السوء ﴾ الحرص على الدنيا ﴿ والفحشاء ﴾ بصرف حب الدنيا فيه ﴿ إنه من عبادنا المخلصين ﴾ الذي خلصوا من سجن الوجود المجازي ووصلوا إلى الوجود الحقيقي.
﴿ واستبقا ﴾ باب الموت الاختياري ﴿ وقدت ﴾ قميص بشريته ﴿ من دبر ﴾ بيد شهواتها قبل خروجه من الباب ﴿ وألفيا سيدها ﴾ وهو صاحب ولاية تربية يوسف القلب وزوج زليخا الدنيا لأنه يتصرف في الدنيا كما ينبغي تصرف الرجل في المرأة ﴿ وشهد شاهد من أهلها ﴾ هو حاكم العقل الغريزي دون العقل المجرد الذي هو ليس من الدنيا وأهلها في شيء، فبين حاكم العقل أن يد تصرف زليخا الدنيا لا تصل إلى يوسف القلب إلا بواسطة قميص بشريته ﴿ إن كيدكن عظيم ﴾ وهو قطع طريق الوصول إلى الله لعظيم على القلب السليم.
﴿ يوسف أعرض عن هذا ﴾ فإن ذكر الدنيا يورث محبتها وحب الدنيا رأس كل خطيئة.
﴿ وقال نسوة ﴾ هي الصفات البشرية من البهيمية والسبعية والشيطانية في مدينة الجسد ﴿ تراود فتاها ﴾ لأن الرب إذا تجلى للعبد خضع له كل شيء "يا دنيا اخدمي من خدمني" ﴿ واعتدت لهن متكئاً ﴾ أطعمة مناسبة لكل منها ﴿ وآتت كل واحد منهن سكيناً ﴾ هو سكين الذكر ﴿ وقالت اخرج عليهن ﴾ إشارة إلى غلبات أحوال القلب على الصفات البشرية ﴿ وقطعن أيديهن ﴾ بالذكر عما سوى الله.
﴿ ثم بدا لهم ﴾ أي ظهر لمربي القلب بلبان الشريعة وهو شيخ الطريقة ومن يراعي صلاح حال القلب ﴿ من بعد ما رأوا ﴾ آثار عناية الله وعصمة القلب من الالتفات إلى ما سواه ﴿ ليسجننه ﴾ في سجن الشرع إلى حين قطع تعلقه عن الجسد بالموت نظيره ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ﴾ وإذا كان النبي مع نهاية كماله مأموراً بأن يكون مسجوناً في هذا السجن فكيف بمن دونه والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ ﴾ .
قيل: عبدين للملك؛ غضب عليهما الملك.
﴿ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً ﴾ .
وقال بعضهم: أرض يُدعى العنب بها خمرا، أو سمي خمراً باسم سببه وباسم أصله، [وجائز في اللغة تسمية الشيء باسم سببه وباسم أصله].
﴿ وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً ﴾ كان أحدهما خبازاً للملك، والآخر ساقيه.
﴿ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ قال بعضهم: إحسانه في السجن؛ لما كانوا رأوه يداوي المرضي، ويعزّي حزينهم، ويجتهد في نفسه في العبادة لربّه.
هذا يحتمل لعله كان يبرّ أهل السجن ويصلهم، ويجتهد في العبادة لله في الصلاة له والصوم، وأنواع العبادة التي تكون فيما بينه وبين ربه، فسمياه محسناً لذلك.
ويشبه أن يكون قالوا: ﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ لما رأوا به سيما الخير وآثاره، أو يدعوهم إلى توحيد الله والعبادة له، وخلعهم عن عبادة الأصنام والأوثان والانتزاع من ذلك، فسمياه محسناً لذلك.
ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ لما رأوه أحسن إلى أهل السجن، ويحتمل الإحسان - هاهنا -: العلم؛ أي: نراك من العالمين؛ وهو قول الفراء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ﴾ .
سمى التعبير: تأويلا؛ لأن التأويل: هو الإخبار عن العواقب؛ لذلك سموه تأويلا، ثم خرج تأويل الذي كان يعصر الخمر على العود إلى ما كان في أمره؛ من السقي للملك؛ وهو كان ساقيه؛ على ما ذكر، فلما رأى أنه دام على أمره، أول له بالعود إلى أمره الذي كان فيه.
والآخر كان خبّازاً؛ على ما ذكر، وهو إنما كان يخبز للناس، فلما رأى أنه حمل الخبز على رأسه، وأنه يأكل الطير - علم أنه يخرج من الأمر الذي كان فيه، وخروجه يكون بهلاكه؛ لأنه كان من قبل يخبز للناس، فصار يخبز لغيرهم؛ فاستدل بذلك على خروجه من أمره وعمله، لكنه أخبر أنه يصلب؛ لأنه كان قائماً منتصباً، فأول على ما كان أمره.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ﴾ هذا - والله أعلم - كان يقول لهم ذلك؛ ليعرفهم أن عنده علم ذلك؛ علم ما لا يُحتاج إليه؛ فعلم ما يحتاج إليه أحرى أن يعلم ذلك، وهذا - والله أعلم - منه احتيال؛ لينزعهم عما هم فيه من عبادة الأوثان، وعبادتهم غير الله، وليرغبهم في توحيد الله، وصرف العبادة إليه؛ ولهذا قال: ﴿ ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ ﴾ هذا باللطف ما أضاف إليه أنه علمه، وإلا التعليم لا يكون إلا باختلاف الملائكة إليه، وذلك لطف من الله للرسل عليهم السلام.
وقوله: ﴿ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ﴾ .
تأويله - والله أعلم - أي: لا يأتيكما طعام رأيتما آثار ذلك في المنام إلا نبأتكما بتأويل ذلك قبل أن يأتي ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ﴾ .
أخبر أنه ترك: ﴿ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...
﴾ الآية.
وقوله: ﴿ تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ﴾ ليس أنه كان فيه ثم تركه، ولكن تركه ابتداء؛ ما لو لم يكن تركه كان آخذاً بغيره؛ وهو كقوله: ﴿ رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ ﴾ ليس أنها كانت موضوعة فرفعها، ولكن رفعها أول ما خلقها.
وكذلك قوله: ﴿ وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا ﴾ ليس أنها مرفوعة ثم وضعها؛ أي أنشأها مرفوعة وموضوعة.
وكقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ ليس أنهم كانوا فيها فأخرجهم، ولكن عصمهم حتى لم يدخلوا فيها.
فعلى ذلك الأول.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ﴾ .
قال في الآية الأولى: ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ﴾ ، وأخبر أنهم كافرون بالله واليوم الآخر، وفيه أن من لم يؤمن بالله واليوم الآخر، فهو كافر، فهذا ينقض على المعتزلة؛ حيث جعلوا بين الكفر والإيمان رتبة ثالثة، ويوسف يخبر أن من لم يؤمن بالله فهو كافر؛ وهم يقولون: صاحب الكبيرة غير مؤمن بالله، وهو ليس بكافر.
ثم أخبر أنه ترك ملة أولئك الذين لا يؤمنون بالله، واتبع ملة آبائه إبراهيم ومن ذكر، ثم أخبر عن ملة آبائه وهو ما ذكر.
﴿ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ .
عرفهم ملة آبائه ودينهم؛ وهو على ترك الإشراك بالله، وجعل الألوهية له، وصرف العبادة إليه.
وفيه: أن الملة ليست إلا ملتين: ملّة كفر، وملة إسلام.
وأخبر أن من لم يكن في ملة الإسلام كان في ملة الكفر.
ثم خص بذكر هؤلاء: إبراهيم وإسحاق ويعقوب؛ لأن هؤلاء كانوا مكرمين عند الناس كافة، كل أهل الدين يدّعون أنهم على دين أولئك؛ فأخبر أنهم على دين الإسلام.
والحنيف: المخلص، ليس على ما تزعمون أنتم؛ ولهذا قال: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .
وفي قوله: ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ﴾ دلالة أن الكفر كله ملة واحدة؛ حيث أخبر أنه ترك ملة قوم لا يؤمنون على اختلاف مذاهبهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ .
أي: ذلك الدين والملة التي أنا عليها وآبائي من فضل الله علينا وعلى الناس؛ لأنه - عز وجل - فطر الناس على فطرة؛ يعرفون وحدانية الله وربوبيته بعقول ركبت فيهم؛ ولكن أكثر الناس لا يشكرون فضل الله وما ركب فيهم من العقول، أو ذلك الدين والهداية الذي أعطاهم من فضل الله؛ لكن أكثر الناس يتركون ذلك الدين وتلك الهداية، والله أعلم.
وقول الله - عز وجل -: ﴿ يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ .
يوسف - لما سئل عن تأويل الرؤيا - دعاهم إلى توحيد الله ودلهم عليه؛ فقال: ﴿ ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ ﴾ ، وقال: ﴿ يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ ، أي: عبادة رب واحد وإرضاؤه خير أم عبادة عدد وإرضاء نفر؟
لأنه إذا عبد بعضاً واجتهد في إرضائهم أسخط الباقين؛ فلا سبيل إلى الوصول إلى مقصوده والظفر بحاجته؛ إذ لا يقدر على إرضائهم جميعاً، وإن اجتهد، وأما الواحد: فإنه يقدر على إرضائه؛ إذ لا يزال يكون في عبادته وإرضائه؛ فيصل إلى حاجته والظفر بمقصوده.
والثاني: يخبر أن الواحد القهار يقهر غيره من الأرباب ومن تعبدون؛ فعبادة الواحد القهار خير من عبادة عدد مقهورين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ ﴾ .
من الأصنام والأوثان.
﴿ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ ﴾ .
آلهة.
﴿ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ ﴾ .
ولا يستحقون العبادة ولا التسمية بالألوهية؛ إنما المستحق لذلك: الذي خلقكم وخلق السماوات والأرض.
﴿ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ﴾ .
أي: ما أنزل الله على ما عبدتموهم وسميتم أنتم وآباؤكم آلهة من حجة ولا برهان.
﴿ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ ﴾ .
أي: ما الحكم - في الألوهية والربوبية والعبادة - إلا لله [ليس كما تقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ .
وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ يقول: ما الحكم في العبادة والألوهية إلا لله].
أو يقول: ما الحكم في الخلق إلا لله؛ كقوله: ﴿ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ ﴾ أي: له الخلق وله الأمر في الخلق.
و ﴿ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ .
حكمه هذا: أمر ألا تعبدوا إلا إياه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ ﴾ .
أي: عبادة الله وتوحيده هو الدين القيم؛ لأنه دين قام على الحجة والبرهان، وأمّا سائر الأديان فليست بقيمة؛ إذ لا حجة قامت عليها ولا برهان.
والقيم: هو القائم الذي قام بحجة وبرهان، وقال أهل التأويل: القيم: المستقيم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .
يحتمل: لا يعلمون؛ لما لم يتفكروا فيه ولم ينظروا؛ فلم يعلموا، ولو نظروا فيه وتفكروا لعلموا، وهذا يدلّ أن العقوبة تلزم - وإن جهل - إن أمكن له العلم به؛ فلا عذر له في الجهل إذا أمكن العلم به.
أو علموا لكنهم لم ينتفعوا بعلمهم؛ فنفى عنهم العلم لذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا ٱلآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ ﴾ .
هو ما ذكرنا أنه تأول رؤيا الساقي، وعبرها على العود إلى ما كان يعمل من قبل؛ لما رأى أنه كان عمل على ما كان يعمل من قبل.
وعبر رؤيا الخبّاز بالهلاك؛ لما رأى أنه حمل الخبز على الرأس، والخبز إذا خبزه الخباز لا يحمله على رأسه؛ فرأى أنه قد انتهى أمره؛ إذ عمل على خلاف ما كان يعمل من قبل؛ فتأكل الطير من رأسه، فعبّر أنه يصلب وتأكل من رأسه لما رأى أنه حمل الخبز على رأسه؛ لما كان يخبز من قبل للعباد، فلما رأى أنه يخبز لغيره عبر أنه يهلك فتأكل الطير من رأسه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: إنه لما عبر لهما رؤياهما، قال الذي عبر له الصلب والقتل: لم أر شيئاً؛ إنما كنا نلعب، فقال لهما يوسف: ﴿ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ أي: فرغ وانتهى، لكن هذا لا يعلم: أقالا ذلك أم لم يقولا، سوى أن فيه أنه عَبّر رؤياهما، وكان ما عبّر لهما، وقد علم ذلك بتعليم من الله إياه؛ بقوله: ﴿ ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا ﴾ .
قال بعضهم: ظن الذي صدق [يوسف: أنه يسقي ربه، وأنه ناج.
وقال بعضهم: قال يوسف للذي ظن أنه ناج منهما، بجعل الظن ليوسف، فإن كان الذي ظن] هو ذلك الرجل؛ فكان الظن في موضع الظن؛ وإن كان الظانّ هو يوسف - فهو علم ويقين؛ أي: علم وأيقن أنه ناج منهما؛ لأنه لا يحتمل أن يشك فيما يعبر وقد علمه الله تأويل الأحاديث بقوله: ﴿ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ ﴾ ، وقال: ﴿ ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ ﴾ .
ويحتمل على حقيقة الظن من يوسف؛ أي: وقال للذي ناج منهما ظن أنه يذكره عند ربه، وهو على التقديم والتأخير.
وقوله - عز وجل: ﴿ ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: إن يوسف لما فزع إلى غير الله [وطلب إخراجه من السجن من الملك أنساه الله فيه سنين وأقره فيه عقوبة له حين رجا غير ربه لكن هذا بعيد لا يحتمل أن يكون يوسف يفزع إلى غير الله]؛ ويدفع قلبه عن الله ويشغله بمن دونه، لكنه رأى - والله أعلم - أن الله - عز وجل - جعل سبب نجاته على يديه، وأنه بقي فيه منسيّاً؛ لما علم أنه لم يكن منه سبب يلزمهم الحبس في السجن، سوى الاعتذار إلى الناس، والاعتلال لهم على نفي ما اقترفت به زوجته، أو لينقطع ذلك الخبر [عن ألسن] الناس، ويبعد عن أوهامهم، فرأى أنه إذا ذكّره؛ لعله أخرجه من ذلك لما رأى أنه جعل سبب نجاته على يديه؛ لا أنه رأى ذلك منه ورفع قلبه عن الله.
وهكذا جعل الله أمور الدنيا كلها بأسباب.
وعلى ذلك تعبّد عباده؛ باستعمال الأسباب مع اعتقاد القلب القدر من الله؛ نحو: ما جعل الأنزال والزراعة بأسباب يكتسبونها، ونحو الأسلحة التي اتخذت للحرب والقتال بها مما يكثر عدد ذلك، وإنما يحاربون بالله، وبه يقاتلون، ومن عنده يُنصرون.
وقد أمر بذلك كله وبتلك الأسباب؛ فقال: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ ﴾ وليس كل من فعل هذا كان فزع إلى غير الله، أو رأى النصر والنجاة من ذلك الشيء والسبب؛ بل رأى ذلك كله من الله ومن عنده؛ فعلى ذلك يوسف لا يجوز أن يتوهم أنه فزع إلى مخلوق مثله، ورأى نجاته من عند ذلك، ولكن للوجه الذي ذكرناه.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ ﴾ .
يحتمل وجهين: أحدهما: اذكرني عند ربك؛ لعلي حبست بلا علم منه وبغير أمره؛ لأن تلك المرأة هي التي أوعدت له السجن؛ فوقع عنده أنها هي التي احتالت في حبسه؛ فقال لذلك ما قال.
والثاني: يقول: اذكرني بالذي رأيت مني وسمعت؛ لأنه دعاهما في السجن إلى التوحيد؛ حيث قال: ﴿ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: أنسى الشيطان يوسف دعاء ربه الذي أنشأه وخلقه؛ فلم يدع ربه الذي هو في الحقيقة ربّ.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ﴾ الذي قال له يوسف: اذكرني عند ربك ذكر ربه، وهذا أشبه، والأوّل بعيد؛ لأنه قال في آخره: ﴿ وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ ، أي: بعد حين ﴿ أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ﴾ دل هذا أنه إنما أنسى الشيطان على ذلك الرجل فلم يذكره عنده حيناً.
وقال بعضهم: لم ينسه الشيطان، ولكن تركه عمداً؛ لم يذكره عنده؛ لعله يتذكر ما تقدم من المقال فيزداد غضباً عليه، فتركه عمداً إلى أن جاء وقته - والله أعلم - وأضاف الإنساء إلى الشيطان، وكذلك قال موسى: ﴿ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ ﴾ ، فهو - والله أعلم - لأن بدء كل شرّ يكون من الشيطان؛ لأنه يخطر بباله ويقذف في قلبه ويوسوسه، ثم يكون من العبد العزيمة على ذلك والفعل، وفائدة النسيان - والله أعلم - هو أن الله أراد أن يظهر آية رسالته وحجة نبوته؛ بكونه في السجن ويظهر براءته في شأن تلك المرأة بشهادة أولئك النسوان، وذلك علم الأحاديث التي ذكر والرؤيا التي عبرها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴾ .
قال بعضهم: خمس سنين.
وقال بعضهم: سبع سنين؛ ونحو ذلك.
ولكن لا نعلم ذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى [أنه] لبث فيه حيناً.
وقال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ ٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ﴾ \[سماهم: أصحاب السجن؛ لأنه كانوا في السجن، كما يقال: أصحاب النار، وأصحاب الجنة، ونحوه، لكنه لو كان ما ذكر لقال: يا صاحبا السجن\] بالألف؛ فلما لم يقل هذا دل أنه أضافه إلى نفسه؛ كأنه قال: يا صاحبي في السجن؛ لأنهما كانا معه في السجن.
وقوله: ﴿ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ .
قيل: فرغ.
وقيل: انتهى الأمر الذي فيه تستفتيان وأنهي؛ كقوله: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ...
﴾ الآية [الإسراء: 4].
وقوله: ﴿ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾ كأنه بلغ إليهما وحياً أوحي إليه وأمر به؛ أي: هو كائن من غير رجوع كان منهما؛ على ما يقوله أهل التأويل، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قالوا: رؤياك أخلاط أحلام، وما كان كذلك فلا تأويل له، ولسنا عالمين بتأويل الأحلام المختلطة.
<div class="verse-tafsir" id="91.k3jPe"