تفسير الآية ١٠ من سورة الرعد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ١٠ من سورة الرعد

سَوَآءٌۭ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍۭ بِٱلَّيْلِ وَسَارِبٌۢ بِٱلنَّهَارِ ١٠

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 53 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٠ من سورة الرعد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٠ من سورة الرعد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن إحاطة علمه بجميع خلقه ، سواء منهم من أسر قوله أو جهر به ، فإنه يسمعه لا يخفى عليه شيء كما قال : ( وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى ) [ طه : 7 ] وقال : ( ويعلم ما تخفون وما تعلنون ) [ النمل : 25 ] وقالت عائشة ، رضي الله عنها : سبحان الذي وسع سمعه الأصوات ، والله لقد جاءت المجادلة تشتكي زوجها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا في جنب البيت ، وإنه ليخفى علي بعض كلامها ، فأنزل الله : ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير ) [ المجادلة : 1 ] .

وقوله : ( ومن هو مستخف بالليل ) أي : مختف في قعر بيته في ظلام الليل ، ( وسارب بالنهار ) أي : ظاهر ماش في بياض النهار وضيائه ، فإن كليهما في علم الله على السواء ، كما قال تعالى : ( ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون ) [ هود : 5 ] وقال تعالى : ( وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ) [ يونس : 61 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: معتدلٌ عند الله منكم، (23) أيها الناس، الذي أسر القول, (24) والذي جهر به, (25) والذي هو مستخفٍ بالليل في ظلمته بمعصية الله" وسارب بالنهار "، يقول: وظاهر بالنهار في ضوئه, لا يخفى عليه شيء من ذلك.

سواء عنده سِرُّ خلقه وعلانيتهم, لأنه لا يستسرّ عنده شيء ولا يخفى.

* * * يقال منه: " سَرَبَ يَسْرَبُ سُرُوبًا " إذا ظهر, كما قال قيس بن الخطيم: أَنَّـى سَـرَيْتِ وَكُـنْتِ غَـيْرَ سَـرُوبِ وَتُقَــرِّبُ الأحْــلامُ غَـيْر قَـرِيب (26) يقول: كيف سريت بالليل [على] بُعْد هذا الطريق، (27) ولم تكوني تبرُزين وتظهرين؟

وكان بعضهم يقول: هو السَّالك في سَرْبه: أي في مذهبه ومكانه .

(28) واختلف أهل العلم بكلام العرب في" السّرب ".

فقال بعضهم: " هو آمن في سَرْبه ", بفتح السين.

وقال بعضهم: " هو آمن في سِرْبه " بكسر السين .

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 20202- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: (سواء منكم من أسرّ القول ومن جهر به ومن هو مستخفٍ بالليل وسارب بالنهار) ، يقول: هو صاحبُ ريبة مستخف بالليل.

وإذا خرج بالنهار أرَى الناس أنه بريء من الإثم .

20203- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: (وسارب بالنهار)، ظاهر .

20204- حدثنا ابن بشار قال: حدثنا ابن أبي عدي, عن عوف, عن أبي رجاء, في قوله: (سواء منكم من أسرّ القول ومن جهر به ومن هو مستخفٍ بالليل وساربٌ بالنهار) قال: إن الله أعلم بهم, سواء من أسر القول ومن جهر به, ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار .

20205- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا علي بن عاصم, عن عوف, عن أبي رجاء: (سواء منكم من أسرّ القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار) قال: من هو مستخف في بيته(وسارب بالنهار)، ذاهب على وجهه.

علمه فيهم واحدٌ .

20206- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (سواء منكم من أسرّ القول ومن جهر به) ، يقول: السر والجهر عنده سواء(ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار) أما " المستخفي" ففي بيته, وأما " السارب ": الخارج بالنهار حيثما كان.

المستخفي غَيْبَه الذي يغيب فيه والخارجُ، عنده سواء .

20207- ...

قال: حدثنا الحماني قال: حدثنا شريك, عن خصيف, في قوله: (مستخف بالليل) قال: راكب رأسه في المعاصي(وسارب بالنهار) قال: ظاهر بالنهار .

20208- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (سواء منكم من أسر القول ومن جهر به) كل ذلك عنده تبارك وتعالى سواء، السر عنده علانية قوله: (ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار) ، أي: في ظلمة الليل, و " سارب ": أي: ظاهر بالنهار .

20209- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا شريك, عن خصيف, عن مجاهد وعكرمة: (وسارب بالنهار) قال: ظاهر بالنهار.

* * * و " مَنْ" في قوله: (من أسرّ القول ومَنْ جهر به ومَنْ هو مستخف بالليل) رفع الأولى منهن بقوله: " سواء " .

والثانية معطوفة على الأولى، والثالثة على الثانية .

---------------------- الهوامش : (23) انظر تفسير" سواء" فيما سلف من فهارس اللغة ( سوى ) .

(24) انظر تفسير" الإسرار" فيما سلف ص : 198 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(25) انظر تفسير" الجهر" فيما سلف 9 : 343 - 349 ، 358 /11 : 368 / 13 : 353 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .

(26) ديوانه : 5 ، واللسان ( سرب ) وغيرها كثير .

ويروى" سربت" بالباء الموحدة أيضًا وقوله :" غير سروب" ، أي : غير مبعدة في مذهبك ، أو كما قال أبو جعفر في تفسيره بعد .

(27) الزيادة بين القوسين لا بد منها لتصحيح معنى الكلام .

(28) أرجح أنه يعني أبا عبيدة في مجاز القرآن 1 : 323 ، ولكن لفظه :" سالك في سربه ، أي مذاهبه ووجوهه" ، وهو أجود مما في التفسير ، وأخشى أن يكون من تحريف الناسخ أو سهوه .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار قوله تعالى : سواء منكم من أسر القول ومن جهر به إسرار القول : ما حدث به المرء نفسه ، والجهر ما حدث به غيره ; والمراد بذلك أن الله سبحانه يعلم ما أسره الإنسان من خير وشر ، كما يعلم ما جهر به من خير وشر .

و " منكم " يحتمل أن يكون وصفا ل " سواء " التقدير : سر من أسر وجهر من جهر سواء منكم ; ويجوز أن يتعلق ب " سواء " على معنى : يستوي منكم ، كقولك : مررت بزيد .

ويجوز أن يكون على تقدير : سر من أسر منكم وجهر من جهر منكم .

ويجوز أن يكون التقدير : ذو سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ، كما تقول : عدل زيد وعمرو أي ذوا عدل .

وقيل : سواء أي مستو ، فلا يحتاج إلى تقدير حذف مضاف .ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار أي يستوي في علم الله السر والجهر ، والظاهر في الطرقات ، والمستخفي في الظلمات .

وقال الأخفش وقطرب : المستخفي بالليل الظاهر ; ومنه خفيت الشيء وأخفيته أي أظهرته ; وأخفيت الشيء أي استخرجته ; ومنه قيل للنباش : المختفي .

وقال امرؤ القيس :خفاهن من أنفاقهن كأنما خفاهن ودق من عشي مجلبوالسارب المتواري ، أي الداخل سربا ; ومنه قولهم : انسرب الوحشي إذا دخل في كناسه .

وقال ابن عباس : مستخف مستتر ، وسارب ظاهر .

مجاهد : مستخف [ ص: 254 ] بالمعاصي ، وسارب ظاهر .

وقيل : معنى سارب ذاهب ; قال الكسائي : سرب يسرب سربا وسروبا إذا ذهب ; وقال الشاعر :وكل أناس قاربوا قيد فحلهم ونحن خلعنا قيده فهو ساربأي ذاهب .

وقال أبو رجاء : السارب الذاهب على وجهه في الأرض ; قال الشاعر :أنى سربت وكنت غير سروبوقال القتبي : سارب بالنهار أي منصرف في حوائجه بسرعة ; من قولهم : انسرب الماء .

وقال الأصمعي : خل سربه أي طريقه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ سَوَاءٌ مِنْكُمْ } في علمه وسمعه وبصره.

{ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ } أي: مستقر بمكان خفي فيه، { وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ } أي: داخل سربه في النهار والسرب هو ما يختفي فيه الإنسان إما جوف بيته أو غار أو مغارة أو نحو ذلك.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ) أي : يستوي في علم الله المسر بالقول والجاهر به ( ومن هو مستخف بالليل ) أي : مستتر بظلمة الليل ( وسارب بالنهار ) أي : ذاهب في سربه ظاهر .

والسرب - بفتح السين وسكون الراء - : الطريق .

قال القتيبي : سارب بالنهار : أي متصرف في حوائجه .

قال ابن عباس [ في هذه الآية ] هو صاحب ريبة ، مستخف بالليل ، فإذا خرج بالنهار أرى الناس أنه بريء من الإثم .

وقيل : مستخف بالليل ، أي : ظاهر ، من قولهم : خفيت الشيء ; إذا أظهرته ، وأخفيته : إذا كتمته .

وسارب بالنهار : أي متوار داخل في سرب .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«سواء منكم» في علمه تعالى «من أسر القول ومن جهر به ومن هو مُستخف» مستتر «بالليل» بظلامه «وسارب» ظاهر بذهابه في سربه، أي طريقه «بالنهار».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يستوي في علمه تعالى مَن أخفى القول منكم ومَن جهر به، ويستوي عنده مَن استتر بأعماله في ظلمة الليل، ومن جهر بها في وضح النهار.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه ( سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ القول وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بالليل وَسَارِبٌ بالنهار ) تأكيد آخر لشمول - علمه - سبحانه - لأحوال عباده .وسواء : اسم مصدر بمعنى الاستواء ، والمراد به هنا اسم الفاعل .

أى : مستو .قال الجمل : " وفيه وجهان : أحدهما أنه خبر مقدم ، ومن أسر ومن جهر هو المبتدأ ، وإنما لم يثن الخبر لأنه فى الأصل مصدر ، وهو هنا بمعنى مستو .والثانى أنه مبتدأ ، وجاز الابتداء به لوصفه بقوله ( منكم ) .و ( وَسَارِبٌ بالنهار ) أى : ظاهر بالنهار .

يقال : سرب فى الأرض يسرب سربا وسروبا .أى : ذهب فى سربه - بسكون الراء وكسر السين وفتحها - أى طريقة .والمعنى : أنه - تعالى - مستوٍ فى عمله من أسر منكم القول ، ومن جهر به بأن أعلنه لغيره .ومستوٍ فى علمه - أيضا - من هو مستتر فى الظلمة الكائنة فى الليل ، ومن هو ذاهب فى سربه وطريقه بالنهار بحيث يبصره غيره .وذكر - سبحانه - الاستخفاء مع الليل لكونه أشد خفاء ، وذكر السروب مع لنهار لكونه أشد ظهورا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: في وجه النظم وجوه، الأول: أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم طلبوا آيات أخرى غير ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم بين أنه تعالى عالم بجميع المعلومات فيعلم من حالهم أنهم هل طلبوا الآية الأخرى للاسترشاد وطلب البيان أو لأجل التعنت والعناد، وهل ينتفعون بظهور تلك الآيات، أو يزداد إصرارهم واستكبارهم، فلو علم تعالى أنهم طلبوا ذلك لأجل الاسترشاد وطلب البيان ومزيد الفائدة، لأظهره الله تعالى وما منعهم عنه، لكنه تعالى لما علم أنهم لم يقولوا ذلك إلا لأجل محض العناد لا جرم أنه تعالى منعهم عن ذلك وهو كقوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الغيب للَّهِ فانتظروا  ﴾ وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ الله  ﴾ والثاني: أن وجه النظم أنه تعالى لما قال: ﴿ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ  ﴾ في إنكار البعث وذلك لأنهم أنكروا البعث بسبب أن أجزاء أبدان الحيوانات عند تفرقها وتفتتها يختلط بعضها ببعض ولا يبقى الامتياز فبين تعالى أنه إنما لا يبقى الامتياز في حق من لا يكون عالماً بجميع المعلومات، أما في حق من كان عالماً بجميع المعلومات، فإنه يبقى تلك الأجزاء بحيث يمتاز بعضها عن البعض، ثم احتج على كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات بأنه يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام.

الثالث: أن هذا متصل بقوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة  ﴾ والمعنى: أنه تعالى عالم بجميع المعلومات فهو تعالى إنما ينزل العذاب بحسب ما يعلم كونه فيه مصلحة، والله أعلم.

المسألة الثانية: لفظ ما في قوله: ﴿ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى وَمَا تَغِيضُ الأرحام وَمَا تَزْدَادُ ﴾ إما أن تكون موصولة وإما أن تكون مصدرية، فإن كانت موصولة، فالمعنى أنه يعلم ما تحمله من الولد أنه من أي الأقسام أهو ذكر أم أنثى وتام أو ناقص وحسن أو قبيح وطويل أو قصير وغير ذلك من الأحوال الحاضرة والمترقبة فيه.

ثم قال: ﴿ وَمَا تَغِيضُ الأرحام ﴾ والغيض هو النقصان سواء كان لازماً أو متعدياً يقال: غاض الماء وغضته أنا ومنه قوله تعالى: ﴿ وَغِيضَ الماء  ﴾ والمراد من الآية وما تغيضه الأرحام إلا أنه حذف الضمير الراجع وقوله: ﴿ وَمَا تَزْدَادُ ﴾ أي تأخذه زيادة تقول: أخذت منه حقي وازددت منه كذا، ومنه قوله تعالى: ﴿ وازدادوا تِسْعًا  ﴾ ثم اختلفوا فيما تغيضه الرحم وتزداده على وجوه: الأول: عدد الولد فإن الرحم قد يشتمل على واحد واثنين وعلى ثلاثة وأربعة يروي أن شريكاً كان رابع أربعة في بطن أمه.

الثاني: الولد قد يكون مخدجاً، وقد يكون تاماً.

الثالث: مدة ولادته قد تكون تسعة أشهر وأزيد عليها إلى سنتين عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وإلى أربعة عند الشافعي وإلى خمس عند مالك، وقيل: إن الضحاك ولد لسنتين، وهرم بن حيان بقي في بطن أمه أربع سنين ولذلك سمي هرماً.

الرابع: الدم فإنه تارة يقل وتارة يكثر.

الخامس: ما ينقص بالسقط من غير أن يتم وما يزداد بالتمام.

السادس: ما ينقص بظهور دم الحيض، وذلك لأنه إذا سال الدم في وقت الحمل ضعف الولد ونقص.

وبمقدار حصول ذلك النقصان يزداد أيام الحمل لتصير هذه الزيادة جابرة لذلك النقصان قال ابن عباس رضي الله عنهما: كلما سال الحيض في وقت الحمل يوماً زاد في مدة الحمل يوماً ليحصل به الجبر ويعتدل الأمر.

السابع: أن دم الحيض فضلة تجتمع في بطن المرأة فإذا امتلأت عروقها من تلك الفضلات فاضت وخرجت، وسالت من دواخل تلك العروق، ثم إذا سالت تلك المواد امتلأت تلك العروق مرة أخرى هذا كله إذا قلنا إن كلمة ما موصولة.

أما إذا قلنا: إنها مصدرية فالمعنى: أنه تعالى يعلم حمل كل أنثى ويعلم غيض الأرحام وازديادها لا يخفى عليه شيء من ذلك ولا من أوقاته وأحواله.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَكُلُّ شَيء عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ﴾ فمعناه: بقدر واحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه، كقوله: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيء خلقناه بِقَدَرٍ  ﴾ وقوله في أول الفرقان: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً  ﴾ .

واعلم أن قوله: ﴿ كُلّ شَيء عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ﴾ يحتمل أن يكون المراد من العندية العلم ومعناه: أنه تعالى يعلم كمية كل شيء وكيفيته على الوجه المفصل المبين ومتى كان الأمر كذلك امتنع وقوع التغيير في تلك المعلومات ويحتمل أن يكون المراد من العندية أنه تعالى خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة بمشيئته الأزلية وإرادته السرمدية، وعند حكماء الإسلام أنه تعالى وضع أشياء كلية وأودع فيها قوى وخواص، وحركها بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية معينة ومناسبات مخصوصة مقدرة، ويدخل في هذه الآية أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم، وهو من أدل الدلائل على بطلان قول المعتزلة.

ثم قال تعالى: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد علم ما غاب عن خلقه وما شهدوه.

قال الواحدي: فعلى هذا (الغيب) مصدر يريد به الغائب، (والشهادة) أراد بها الشاهد.

واختلفوا في المراد بالغائب والشاهد.

قال بعضهم: الغائب هو المعلوم، والشاهد هو الموجود، وقال آخرون: الغائب ما غاب عن الحس، والشاهد ما حضر، وقال آخرون: الغائب ما لا يعرفه الخلق، والشاهد ما يعرفه الخلق.

ونقول: المعلومات قسمان: المعلومات والموجودات، والمعدومات منها معدومات يمتنع وجودها ومنها معدومات لا يمتنع وجودها، والموجودات أيضاً قسمان: موجودات يمتنع عدمها، وموجودات لا يمتنع عدمها، وكل واحد من هذه الأقسام الأربعة له أحكام وخواص، والكل معلوم لله تعالى، وحكى الشيخ الإمام الوالد عن أبي القاسم الأنصاري عن إمام الحرمين- رحمهم الله تعالى- أنه كان يقول لله تعالى معلومات لا نهاية لها، وله في كل واحد من تلك المعلومات، معلومات أخرى لا نهاية لها، لأن الجوهر الفرد يعلم الله تعالى من حاله أنه يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل وموصوفاً بصفات لا نهاية لها على البدل، وهو تعالى عالم بكل الأحوال على التفصيل، وكل هذه الأقسام داخل تحت قوله تعالى: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ .

ثم إنه تعالى ذكر عقيبه قوله: ﴿ الكبير ﴾ وهو تعالى يمتنع أن يكون كبيراً بحسب الجثة والحجم والمقدار، فوجب أن يكون كبيراً بحسب القدرة والمقادير الإلهية ثم وصف تعالى نفسه بأنه المتعال وهو المتنزه عن كل ما لا يجوز عليه وذلك يدل على كونه منزهاً في ذاته وصفاته وأفعاله فهذه الآية دالة على كونه تعالى موصوفاً بالعلم الكامل والقدرة التامة، ومنزهاً عن كل ما لا ينبغي، وذلك يدل على كونه تعالى قادراً على البعث الذي أنكروه وعلى الآيات التي اقترحوها وعلى العذاب الذي استعجلوه، وأنه إنما يؤخر ذلك بحسب المشيئة الإلهية عند قوم وبحسب المصلحة عند آخرين، وقرأ ابن كثير (المتعالي) بإثبات الياء في الوقف والوصل على الأصل.

والباقون بحذف الياء في الحالتين للتخفيف ثم إنه تعالى أكد بيان كونه عالماً بكل المعلومات فقال: ﴿ سَوَاء مّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ القول وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ باليل وَسَارِبٌ بالنهار ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: لفظ (سواء) يطلب اثنين تقول سواء زيد وعمرو ثم فيه وجهان.

الأول: أن سواء مصدر والمعنى: ذو سواء كما تقول: عدل زيد وعمرو أي ذوا عدل.

الثاني: أن يكون سواء بمعنى مستو وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى الإضمار إلا أن سيبويه يستقبح أن يقول مستو زيد وعمرو لأن أسماء الفاعلين إذا كانت نكرات لا يبدأ بها.

ولقائل أن يقول: بل هذا الوجه أولى لأن حمل الكلام عليه يغني عن التزام الإضمار الذي هو خلاف الأصل.

المسألة الثانية: في المستخفي والسارب قولان: القول الأول: يقال: أخفيت الشيء أخفيه إخفاء فخفي واستخفى فلان من فلان أي توارى واستتر.

وقوله: ﴿ وَسَارِبٌ بالنهار ﴾ قال الفراء والزجاج: ظاهر بالنهار في سربه أي طريقه.

يقال: خلا له سربه، أي طريقه.

وقال الأزهري: تقول العرب سربت الإبل تسرب سرباً، أي مضت في الأرض ظاهرة حيث شاءت، فإذا عرفت ذلك فمعنى الآية سواء كان الإنسان مستخفياً في الظلمات أو كان ظاهراً في الطرقات، فعلم الله تعالى محيط بالكل.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: سواء ما أضمرته القلوب وأظهرته الألسنة.

وقال مجاهد: سواء من يقدم على القبائح في ظلمات الليالي، ومن يأتي بها في النهار الظاهر على سبيل التوالي.

والقول الثاني: نقله الواحدي عن الأخفش وقطرب أنه قال: المستخفي الظاهر والسارب المتواري ومنه يقال: خفيت الشيء وأخفيته أي أظهرته.

واختفيت الشيء استخرجته ويسمى النباش المستخفي والسارب المتواري ومنه يقال: للداخل سرباً، والسرب الوحش إذا دخل في السرب أي في كناسة.

قال الواحدي: وهذا الوجه صحيح في اللغة، إلا أن الاختيار هو الوجه الأول لاطباق أكثر المفسرين عليه، وأيضاً فالليل يدل على الاستتار، والنهار على الظهور والانتشار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الله يَعْلَمُ ﴾ يحتمل أن يكون كلاماً مستأنفاً، وأن يكون المعنى: هو الله، تفسيراً لهاد على الوجه الأخير، ثم ابتدئ فقيل: ﴿ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى ﴾ (وما) في ﴿ مَا تَحْمِلُ ﴾ ، ﴿ وَمَا تَغِيضُ ﴾ ، ﴿ وَمَا تَزْدَادُ ﴾ إما موصولة، وإما مصدرية.

فإن كانت موصولة، فالمعنى: أنه يعلم ما تحمله من الولد على أي حال هو.

من ذكورة وأنوثة، وتمام وخداج، وحسن وقبح، وطول وقصر، وغير ذلك من الأحوال الحاضرة والمترقبة، ويعلم ما تغيضه الأرحام: أي تنقصه.

يقال: غاض الماء وغضته أنا.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وَغِيضَ الماء ﴾ [هود: 44] وما تزداده: أي تأخذه زائداً، تقول: أخذت منه حقي، وازددت منه كذا ومنه قوله تعالى: ﴿ وازدادوا تِسْعًا ﴾ [الكهف: 25] ويقال: زدته فزاد بنفسه وازداد، ومما تنقصه الرحم وتزداده عدد الولد، فإنها تشتمل على واحد، وقد تشتمل على اثنين وثلاثة وأربعة.

ويروى أن شريكاً كان رابع أربعة في بطن أمه.

ومنه جسد الولد، فإنه يكون تاما ومخدجاً.

ومنه مدة ولادته، فإنها تكون أقل من تسعة أشهر وأزيد عليها إلى سنتين عند أبي حنيفة، وإلى أربع عند الشافعي، وإلى خمس عند مالك، وقيل: إنّ الضحاك ولد لسنتين، وهرم بن حيان بقي في بطن أمّه أربع سنين، ولذلك سمي هرماً.

ومنه الدم، فإنه يقل ويكثر.

وإن كانت مصدرية، فالمعنى أنه يعلم حمل كل أنثى، ويعلم غيض الأرحام وازديادها، لا يخفى عليه شيء من ذلك، ومن أوقاته وأحواله.

ويجوز أن يراد غيوض ما في الأرحام وزيادته، فأسند الفعل إلى الأرحام وهو لما فيها، على أنّ الفعلين غير متعدّيين، ويعضده قول الحسن: الغيضوضة أن تضع لثمانية أشهر أو أقل من ذلك، والازدياد أن تزيد على تسعة أشهر.

وعنه الغيض الذي يكون سقطاً لغير تمام، والازدياد ما ولد لتمام ﴿ بِمِقْدَارٍ ﴾ بقدر واحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه، كقوله ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْء خلقناه بِقَدَرٍ ﴾ [القمر: 49] ﴿ الكبير ﴾ العظيم الشأن الذي كل شيء دونه ﴿ المتعال ﴾ المستعلي على كل شيء بقدرته، أو الذي كبر عن صفات المخلوقين وتعالى عنها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ عالِمُ الغَيْبِ ﴾ الغائِبِ عَنِ الحِسِّ.

﴿ والشَّهادَةِ ﴾ الحاضِرِ لَهُ.

﴿ الكَبِيرُ ﴾ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي لا يَخْرُجُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ.

﴿ المُتَعالِ ﴾ المُسْتَعْلِي عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِقُدْرَتِهِ، أوِ الَّذِي كَبُرَ عَنْ نَعْتِ المَخْلُوقِينَ وتَعالى عَنْهُ.

﴿ سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ﴾ في نَفْسِهِ.

﴿ وَمَن جَهَرَ بِهِ ﴾ لِغَيْرِهِ.

﴿ وَمَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ ﴾ طالِبٌ لِلْخَفاءِ في مُخْتَبَأٍ بِاللَّيْلِ.

﴿ وَسارِبٌ ﴾ بارِزٌ.

﴿ بِالنَّهارِ ﴾ يَراهُ كُلُّ أحَدٍ مِن سَرَبَ سُرُوبًا إذا بَرَزَ، وهو عَطْفٌ عَلى مَن أوْ مُسْتَخْفٍ عَلى أنَّ مَن في مَعْنى الِاثْنَيْنِ كَقَوْلِهِ: نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ كَأنَّهُ قالَ سَواءٌ مِنكُمُ اثْنانِ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ، والآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها مُقَرِّرَةٌ لِكَمالِ عِلْمِهِ وشُمُولِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)

{سَوَاء مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ القول وَمَنْ جَهَرَ بِهِ} أي في علمه {وَمَنْ هو مستخفٍ بالليل} متوارٍ {وَسَارِبٌ بالنهار} ذاهب في سربه أي في طريقه

ووجهه يقال سرب في الأرض سروبا وسارب عطف على من هو مستخف لا على مستخف أو على مستخف غير أن من في معنى الاثنين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ﴾ أخْفاهُ في نَفْسِهِ ولَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ وقِيلَ: تَلَفَّظَ بِهِ بِحَيْثُ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ دُونَ غَيْرِهِ ﴿ ومَن جَهَرَ بِهِ ﴾ مَن يُقابِلُ ذَلِكَ بِالمَعْنَيَيْنِ ﴿ ومَن هو مُسْتَخْفٍ ﴾ مُبالِغٌ في الإخْفاءِ كَأنَّهُ مُخْتَفٍ ﴿ بِاللَّيْلِ ﴾ وطالِبٌ لِلزِّيادَةِ ﴿ وسارِبٌ بِالنَّهارِ ﴾ .

(10) .

أيْ ظافِرٌ فِيهِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو ما قالَ جَمْعٌ في الأصْلِ اسْمُ فاعِلٍ مِن سَرَبَ إذا ذَهَبَ في سِرْبِهِ أيْ طَرِيقِهِ ويَكُونُ بِمَعْنى تَصَرَّفَ كَيْفَ شاءَ قالَ الشّاعِرُ: .

إنِّي سَرَبْتُ وكُنْتُ غَيْرَ سُرُوبٍ وتَقْرُبُ الأحْلامُ غَيْرَ قَرِيبِ وقالَ الآخَرُ: .

وكُلُّ أُناسٍ قارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ ∗∗∗ ونَحْنُ خَلَعْنا قَيْدَهُ فَهو سارِبُ أيْ فَهو مُتَصَرِّفٌ كَيْفَ شاءَ لا يُدْفَعُ عَنْ جِهَةٍ يَفْتَخِرُ بِعِزَّةِ قَوْمِهِ فَما ذَكَرَهُ الحَبْرُ لازِمٌ مَعْناهُ وقَرِينَتُهُ وُقُوعُهُ في مُقابَلَةِ مُسْتَخْفٍ والظّاهِرُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ حَقِيقَةٌ في الظّاهِرِ ورَفْعُ ﴿ سَواءٌ ﴾ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و( مَن ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ ولَمْ يُثَنَّ الخَبَرُ لِأنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ وهو الآنَ بِمَعْنى مُسْتَوٍ ولَمْ يَجِئْ تَثْنِيَتُهُ في أشْهَرِ اللُّغاتِ وحَكى أبُو زَيْدٍ هُما سَواءانِ و ﴿ مِنكُمْ ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ لا في ( أسَرَّ ) و( جَهَرَ ) لِأنَّ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ والصِّفَةِ لا يَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُولِ والمَوْصُوفِ وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ ( سَواءٌ ) مُبْتَدَأً لِوَصْفِهِ بِمَنِّكم وما بَعْدَهُ الخَبَرُ وكَذا أعَرَبَ سِيبَوَيْهِ قَوْلَ العَرَبِ: سَواءٌ عَلَيْهِ الخَيْرُ والشَّرُّ وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: إنَّ سِيبَوَيْهِ ضَعَّفَ ذَلِكَ بِأنَّهُ ابْتِداءٌ بِنَكِرَةٍ لا يَصِحُّ و( سارِبٌ ) عُطِفَ عَلى ( مَن ) كَأنَّهُ قِيلَ: سَواءٌ مِنكم إنْسانٌ هو مُسْتَخْفٍ وآخَرُ سارِبٌ والنُّكْتَةُ في زِيادَةِ هو في الأوَّلِ أنَّهُ الدّالُّ عَلى كَمالِ العِلْمِ فَناسَبَ زِيادَةَ تَحْقِيقِ وهو النُّكْتَةُ في حَذْفِ المَوْصُوفِ عَنْ سارِبٍ أيْضًا والوَجْهُ في تَقْدِيمِ ( أسَرَّ ) وإعْمالِهِ في صَرِيحِ القَوْلِ عَلى جَهْرِهِ وإعْمالِهِ في ضَمِيرِهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى مُسْتَخْفٍ واسْتُشْكِلَ بِأنَّ ( سَواءٌ ) يَقْتَضِي ذِكْرَ شَيْئَيْنِ فَإذا كانَ ( سارِبٌ ) مَعْطُوفًا عَلى جُزْءِ الصِّلَةِ أوِ الصِّفَةِ لا يَكُونُ هُناكَ إلّا شَيْءٌ واحِدٌ ولا يَجِيءُ هَذا عَلى الأوَّلِ لِأنَّ المَعْنى ما عَلِمْتَ وأُجِيبَ بِأنَّ ( مَن ) عِبارَةٌ عَنِ الِاثْنَيْنِ كَما في قَوْلِهِ: .

تَعالَ فَإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: سَواءٌ مِنكُمُ اثْنانِ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ قالَ في الكَشْفِ: وعَلى الوَجْهَيْنِ ( مَن ) مَوْصُوفَةٌ لا مَوْصُولَةٌ فَيُحْمَلُ الأُولَيانِ أيْضًا عَلى ذَلِكَ لِيَتَوافَقَ الكُلُّ وإيثارُها عَلى المَوْصُولَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ الوَصْفُ فَإنَّ ذَلِكَ مُتَعَلِّقُ العِلْمِ وأمّا لَوْ قِيلَ: سَواءٌ الَّذِي أسَرَّ القَوْلَ والَّذِي جَهَرَ بِهِ فَإنْ أُرِيدَ الجِنْسُ مِن بابِ ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي فَهو والأوَّلُ سَواءٌ لَكِنَّ الأوَّلَ نَصٌّ وإنْ أُرِيدَ المَعْهُودُ حَقِيقَةً أوْ تَقْدِيرًا لَزِمَ إيهامُ خِلافِ المَقْصُودِ لِما مَرَّ وقِيلَ: في الكَلامِ مَوْصُولٌ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ ومَن هو سارِبٌ كَقَوْلِ أبِي فِراسٍ: .

فَلَيْتَ الَّذِي بَيْنِي وبَيْنَكَ عامِرٌ ∗∗∗ وبَيْنِي وبَيْنَ العالَمِينَ خَرابُ وقَوْلِ حَسّانَ: .

أمَن يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنكم ∗∗∗ ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَواءُ وهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا لِما فِيهِ مِن حَذْفِ المَوْصُولِ مَعَ صَدْرِ الصِّلَةِ وقَدِ ادَّعى الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ أحَدَ الحَذْفَيْنِ سائِغٌ لَكِنَّ اجْتِماعَهُما مُنْكَرٌ مِنَ المُنْكَراتِ بِخِلافِ البَيْتَيْنِ وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ حَذْفَ مَن هُنا وإنْ كانَ لِلْعِلْمِ بِهِ لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ ويَجُوزُ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المَقْصُودَ اسْتِواءُ الحالَتَيْنِ سَواءٌ كانَتا لِواحِدٍ أوْ لِاثْنَيْنِ والمَعْنى سَواءٌ اسْتِخْفاؤُهُ وسُرُوٌّ بِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى فَلا حاجَةَ إلى تَوْجِيهِ الآيَةِ بِما مَرَّ وكَذا حالُ ما تَقَدَّمَهُ فَعَبَّرَ بِأُسْلُوبَيْنِ والمَقْصُودُ واحِدٌ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا تُساعِدُهُ العَرَبِيَّةُ لِأنَّ ( مَن ) لا تَكُونُ مَصْدَرِيَّةً ولا سابِكَ في الكَلامِ وزَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ جَوازَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةً ثَلاثَةَ أصْنافٍ فالَّذِي يُسِرُّ طَرَفٌ والَّذِي يَجْهَرُ طَرَفٌ مُضادٌّ لِلْأوَّلِ والثّالِثُ مُتَلَوِّنٌ يَعْصِي بِاللَّيْلِ مُسْتَخْفِيًا ويُظْهِرُ البَراءَةَ بِالنَّهارِ وهو كَما تَرى ومِنَ الغَرِيبِ ما نُقِلَ عَنِ الأخْفَشِ وقُطْرُبَ تَفْسِيرُ المُسْتَخْفِي بِالظّاهِرِ فَإنَّهُ وإنْ كانَ مَوْجُودًا في كَلامِهِمْ بِهَذا المَعْنى لَكِنْ يَمْنَعُ عَنْهُ في الآيَةِ ما يَمْنَعُ ثُمَّ إنَّ في بَيانِ عِلْمِهِ تَعالى بِما ذُكِرَ بَعْدَ بَيانِ شُمُولِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ الأشْياءَ كُلَّها ما لا يَخْفى مِنَ الِاعْتِناءِ بِذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ يعني: هلا أنزل على محمد  علامة من ربه لنبوته.

قال الله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ يعني: مخوفا ومبلغا لهذه الأمة الرسالة وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ قال الكلبي: داعٍ يدعوهم إلى الضلالة، أو إلى الحق.

وقال الضحاك: يعني: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وأنا الهادي.

وقال سعيد بن جبير الهادي هو الله.

وقال عكرمة: محمد  هو النذير، وهو الهادي.

يعني: يدعوهم إلى الهدى.

وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ وقال مجاهد: يعني: لكل قوم نبي.

قرأ ابن كثير: هَادِيَ بالياء عند الوقف، وكذلك قوله: مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ [الرعد: 37] وقرأ الباقون: بغير ياء.

قوله تعالى: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ذكراً أو أُنثى، وَيَعْلَمُ مَا فِى الارحام سوياً أو غير سوي.

ثم قال: وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ يعني: ما تنقص الأرحام من تسعة أشهر في الحمل وَما تَزْدادُ يعني: على التسعة أشهر في ذلك الحمل وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ قال قتادة: «رزقهم وأجلهم» ، وقال ابن عباس: «من الزيادة، والنقصان، والمكث في البطن، والخروج، كل ذلك بمقدار قدره الله تعالى، فلا يزيد ولا ينقص على ذلك» .

وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ يعني: «الحامل إن ترى الدم نقص من الولد، وإن لم تر الدم يزيد في الولد» .

وروى أسباط عن السدي قال: «إن المرأة إذا حملت واحتبس حيضها، كان ذلك الدم رزقاً للولد.

فإذا حاضت على ولدها خرج وهو أصغر من الذي لم تحض عليه» وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وهي الحيضة التي على الولد، وَما تَزْدادُ.

فحين يستمسك الدم، فلا تحيض وهي حبلى.

قال الفقيه: هذا الذي قال السدي، إن الحامل تحيض، إنما هو على سبيل المجاز، لأن دم الحامل لا يكون حيضاً.

ولكن معناه: إذا سال منها الدم فيكون ذلك استحاضة.

قال: حدّثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا ابن خزيمة.

قال: حدثنا عليّ.

قال: حدثنا إسماعيل، عن عبد الله بن دينار، أنه سمع ابن عمر  يقول: قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: «مِفْتَاحُ الغَيبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهَا إلاَّ الله، لاَ يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأرْحَامُ أحد إلا الله، ولا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ أحد إلا الله، ولا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي المَطَرُ أحد إلا الله، ولا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ إلاَّ الله، ولاَ يَعْلَمُ أَحْدٌ مَتَى تَقُومُ الساعة إلا الله تعالى» (١) (١) حديث ابن عمر: أخرجه البخاري (4697) (4778) و (3739) وأحمد: 2/ 24، 52 والبغوي (1170) .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ، المعنى: وإِن تعجبْ، يا محمَّد، مِنْ جهالتهم وإِعراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ، فهم أهْلٌ لذلك، وَعَجَبٌ غريبٌ قولُهم: أنعود بعد كوننا تراباً، خلقاً جديداً أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ لتصميمهم على الجُحُود وإِنكارهم للبَعْث، وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ: أي: في الآخرة، ويحتملُ أنْ يكون خبراً عن كونهم مغلَّلين عن الإِيمان كقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ [يس: ٨] .

وقوله سبحانه: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ...

الآية: تبيينٌ لِخَطَئِهِمْ كطلبهم سقوطَ كِسَفٍ من السماء، وقولِهِمْ: فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [الأنفال:

٣٢] ونحو هذا مع نزول ذلك بأناسٍ كثيرٍ، وقرأ الجمهور «١» : الْمَثُلاتُ- بفتح الميم وضم الثاء-، وقرأ مجاهد «٢» «المثلات» - بفتح الميم والثاء- أي: الأخذة الفَذَّة بالعقوبة، ثم رجَّى سبحانه بقوله: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ، ثم خوَّف بقوله:

وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ: قال ابن المسيِّب: لما نَزِلَتْ هذه الآية، قال رسُولُ اللَّه صلّى الله عليه وسلّم:

«لَوْلاَ عَفْوُ اللَّهِ وَمَغْفِرَتُهُ مَا تَهَنَّأَ أَحَدٌ عَيْشاً، وَلَوْلاَ عِقَابُهُ لاتَّكَلَ كُلَّ أَحَدٍ» «٣» ، وقال ابن عبَّاس: ليس في القرآن أَرجَى من هذه الآية «٤» : والْمَثُلاتُ: هي العقوباتُ المنكِّلات التي تجعل الإِنسان مثلاً يُتَمَثَّلُ به ومنه التمثيلُ بالقَتْلى ومنه: المُثْلَةُ بالعبيد.

ويقولون: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ: هذه من اقتراحاتهم، / والآية هنا يرادُ بها الأشياءُ التي سمَّتها قريشٌ كالمُلْكِ، والكَنْزِ، وغيرِ ذلك، ثم أخبر تعالى بأنه منذر وهاد، قال عكرمةُ، وأبو الضُّحَى: المرادُ ب «الهادي» محمّد صلّى الله عليه وسلّم «٥» ف «هاد» عطف على «منذر»

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَواءٌ مِنكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: نابَ " سَواءٌ " عَنْ مُسْتَوٍ، والمَعْنى: مُسْتَوٍ مِنكم ﴿ مَن أسَرَّ القَوْلَ ﴾ أيْ: أخْفاهُ وكَتَمَهُ ﴿ وَمَن جَهَرَ بِهِ ﴾ أعْلَنَهُ وأظْهَرَهُ، والمَعْنى: أنَّ السِّرَّ والجَهْرَ سَواءٌ عِنْدَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُسْتَخْفِيَ: هو المُسْتَتِرُ المُتَوارِي في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، والسّارِبُ بِالنَّهارِ: الظّاهِرُ المُتَصَرِّفُ في حَوائِجِهِ.

يُقالُ: سَرَبَتِ الإبِلُ تَسْرِبُ: إذا مَضَتْ في الأرْضِ ظاهِرَةً، وأنْشَدُوا: أرى كُلَّ قَوْمٍ قارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ ونَحْنُ خَلَعْنا قَيْدَهُ فَهْوَ سارِبُ أيْ: ذاهِبٌ.

ومَعْنى الكَلامِ: أنَّ الظّاهِرَ والخَفِيَّ عِنْدَهُ سَواءٌ، هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ وَمَن هو مُسْتَخْفٍ ﴾ قالَ: صاحِبُ رِيبَةٍ بِاللَّيْلِ، فَإذا خَرَجَ بِالنَّهارِ، أرى النّاسَ أنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الإثْمِ.

والثّانِي: أنَّ المُسْتَخْفِيَ بِاللَّيْلِ: الظّاهِرُ، والسّارِبُ بِالنَّهارِ: المُسْتَتِرُ، يُقالُ: انْسَرَبَ الوَحْشُ: إذا دَخَلَ في كِناسِهِ، وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ، وذَكَرَهُ قُطْرُبٌ أيْضًا، واحْتَجَّ لَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِقَوْلِهِمْ: خَفَيْتُ الشَّيْءَ: إذا أظْهَرْتَهُ، ومِنهُ ﴿ أكادُ أُخْفِيها  ﴾ بِفَتْحِ الألِفِ، أيْ: أُظْهِرُها، قالَ: وإنَّما قِيلَ لِلْمُتَوارِي: سارِبٌ، لِأنَّهُ صارَ في السَّرَبِ مُسْتَخْفِيًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ﴾ ﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ ﴾ ﴿ سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَيْلِ وسارِبٌ بِالنَهارِ ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ تَعَجُّبُ الكُفّارِ واسْتِبْعادُهُمُ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ نَصَّ اللهُ في هَذِهِ الآياتِ الأمْثالَ المُنَبِّهَةَ عَلى قَدْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى القاضِيَةَ بِتَجْوِيزِ البَعْثِ، فَمِن ذَلِكَ هَذِهِ الواحِدَةُ مِنَ الخَمْسِ الَّتِي هي مِن مَفاتِيحِ الغَيْبِ، وهي أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى انْفَرَدَ بِمَعْرِفَةِ ما تَحْمِلُ كُلُّ الإناثِ مِنَ الأجِنَّةِ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الحَيَوانِ، وهَذِهِ البَدْأةُ تُبَيِّنُ أنَّهُ لا تَتَعَذَّرُ عَلى القادِرِ عَلَيْها الإعادَةُ.

و"ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما تَحْمِلُ ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي مَفْعُولَةً بِـ "يَعْلَمُ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، مَفْعُولَةً أيْضًا بِـ "يَعْلَمُ"، ويَصِحُّ أنَّ تَكُونَ اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ "تَحْمِلُ"، وفي هَذا الوَجْهِ ضَعْفٌ.

وفي مُصْحَفٍ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَضَعُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ ﴾ مَعْناهُ: ما تَنْقُصُ، وذَلِكَ مِن مَعْنى ﴿ وَغِيضَ الماءُ  ﴾ وهو مِن مَعْنى النُضُوبِ، فَهي هاهُنا بِمَعْنى زَوالِ شَيْءٍ عَنِ الرَحِمِ وذَهابِهِ، فَلَمّا قابَلَهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَما تَزْدادُ ﴾ فُسِّرَ بِمَعْنى النُقْصانِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في صُورَةِ الزِيادَةِ والنُقْصانِ -فَقالَ مُجاهِدٌ: غَيْضُ الرَحِمِ أنْ تُهَرِيقَ دَمًا عَلى الحَمْلِ، فَإذا كانَ ذَلِكَ ضَعُفَ الوَلَدُ في البَطْنِ وشَحُبَ، فَإذا أكْمَلَتِ الحامِلُ تِسْعَةَ أشْهُرٍ لَمْ تَضَعْ، وبَقِيَ الوَلَدُ في بَطْنِها زِيادَةً مِنَ الزَمَنِ يُكْمِلُ فِيها مِن جِسْمِهِ وصِحَّتِهِ ما نَقَصَ بِهِراقَةِ الدَمِ، فَهَذا هو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ ﴾ .

وجُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ عَلى أنَّ غَيْضَ الرَحِمِ إرْسالُ الدَمِ عَلى الحَمْلِ، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ غَيْضَهُ هو نُضُوبُ الدَمِ فِيهِ وإمْساكُهُ بَعْدَ عادَةِ إرْسالِهِ بِالحَيْضِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ وَما تَزْدادُ ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى "تَغِيضُ" عَلى غَيْرِ مُقابَلَةٍ، بَلْ غَيْضُ الرَحِمِ هو بِمَعْنى الزِيادَةِ فِيهِ.

وقالَ الضَحّاكُ: غَيْضُ الرَحِمِ أنْ تُسْقِطَ المَرْأةُ الوَلَدَ، والزِيادَةُ أنْ تَضَعَهُ لِمُدَّةٍ كامِلَةٍ تامًّا في خَلْقِهِ.

وقالَ قَتادَةُ: الغَيْضُ: السِقْطُ، والزِيادَةُ البَقاءُ فَوْقَ تِسْعَةِ أشْهُرٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ في كُلِّ ما يَدْخُلُهُ التَقْدِيرُ.

و"الغَيْبِ": ما غابَ عَنِ الإدْراكاتِ، و"الشَهادَةِ": ما شُوهِدَ مِنَ الأُمُورِ، ووَضَعَ المَصادِرَ مَوْضِعَ الأشْياءِ الَّتِي كَلُّ واحِدٍ مِنها لا بُدَّ أنْ يَتَّصِفَ بِإحْدى الحالَتَيْنِ.

وقَوْلُهُ: "الكَبِيرُ" صِفَةُ تَعْظِيمٍ عَلى الإطْلاقِ، و"المُتَعالِ" مِنَ العُلُوِّ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في الوَقْفِ عَلى "المُتَعالِ" -فَأثْبَتَ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو - في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ- الياءَ في الوَصْلِ والوَقْفِ، ولَمْ يُثْبِتْها الباقُونَ في وصْلٍ ولا وقْفٍ، وإثْباتُها هو الوَجْهُ والبابُ.

واسْتَسْهَلَ سِيبَوَيْهِ حَذْفَها في الفَواصِلِ كَهَذِهِ الآيَةِ قِياسًا عَلى القَوافِي في الشِعْرِ، ويَقْبُحُ حَذْفُها في غَيْرِ فاصِلَةٍ ولا شِعْرٍ، ولَكِنَّ وجْهَهُ أنَّهُ لَمّا كانَ التَنْوِينُ يُعاقِبُ الألِفَ واللامَ أبَدًا، وكانَتْ هَذِهِ الياءُ تُحْذَفُ مَعَ التَنْوِينِ حَسُنَ أنْ تُحْذَفَ مَعَ مُعاقِبِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَّصِلُ بِهَذِهِ الآيَةِ فِقْهٌ يَحْسُنُ ذِكْرُهُ.

فَمِن ذَلِكَ اخْتِلافُ الفُقَهاءِ في الدَمِ الَّذِي تَراهُ الحامِلُ -فَذَهَبَ مالِكٌ وأصْحابُهُ والشافِعِيُّ وأصْحابُهُ وجَماعَةٌ إلى أنَّهُ حَيْضٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ عَظِيمَةٌ: لَيْسَ بِحَيْضٍ، ولَوْ كانَ حَيْضًا لَما صَحَّ اسْتِبْراءُ الأمَةِ بِحَيْضٍ وهو إجْماعٌ.

ورُوِيَ عن مالِكٍ في كِتابِ مُحَمَّدٍ ما يَقْتَضِي أنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ، ومِن ذَلِكَ أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهَرٍ، وذَلِكَ مُنْتَزَعٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا  ﴾ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أولادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ  ﴾ وهَذِهِ السِتَّةُ أشْهُرٍ هي بِالأهِلَّةِ كَسائِرِ أشْهُرِ الشَرِيعَةِ، ولِذَلِكَ قَدْ رُوِيَ في المَذْهَبِ عن بَعْضِ أصْحابِ مالِكٍ -وَأظُنُّهُ في كِتابِ ابْنِ حارِثٍ- أنَّهُ إنْ نَقَصَ مِنَ الأشْهُرِ السِتَّةِ ثَلاثَةُ أيّامٍ، فَإنَّ الوَلَدَ يُلْحَقُ لِعِلَّةِ نَقْصِ الشُهُورِ وزِيادَتِها.

واخْتُلَفَ في أكْثَرِ الحَمْلِ فَقِيلَ: تِسْعَةُ أشْهُرٍ، وهَذا ضَعِيفٌ، وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها- وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: أكْثَرُهُ حَوْلانِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ثَلاثَةُ أعْوامٍ، وفي المُدَوَّنَةِ: أرْبَعَةُ أعْوامٍ وخَمْسَةُ أعْوامٍ، وقالَ ابْنُ شِهابٍ وغَيْرُهُ: سَبْعَةُ أعْوامٍ، ورُوِيَ أنَّ ابْنَ عَجْلانَ ولَدَتِ امْرَأتُهُ لِسَبْعَةِ أعْوامٍ، ورُوِيَ أنَّ الضِحّاكَ بْنَ مُزاحِمٍ بَقِيَ حَوْلَيْنِ، قالَ: فَوُلِدْتُ وقَدْ نَبَتَتْ ثَنايايَ، ورُوِيَ أنَّ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ وُلِدَ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَواءٌ مِنكُمْ ﴾ الآيَةَ.

سَواءٌ مَصْدَرٌ، وهو يَطْلُبُ بَعْدَهُ شَيْئَيْنِ يَتَماثَلانِ، ورَفْعُهُ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ الَّذِي هو "مَن"، والمَصْدَرُ لا يَكُونُ خَبَرًا إلّا بِإضْمارٍ كَما قالَتِ الخَنْساءُ: .....................

فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ أيْ: ذاتُ إقْبالٍ وإدْبارٍ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هُنا المَعْنى: "ذُو سَواءٍ"، قالَ الزُجاجُ: كَثُرَ اسْتِعْمالُ (سَواءٍ) في كَلامِ العَرَبِ حَتّى جَرى مَجْرى اسْمِ الفاعِلِ فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ عِنْدِي كَعَدْلٍ وزُورٍ وضَيْفٍ.

وَقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: "مُسْتَوٍ مِنكُمْ"، فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ، وضَعَّفَ هَذا سِيبَوَيْهِ بِأنَّهُ ابْتِداءٌ بِنَكِرَةٍ.

ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: مُعْتَدِلٌ مِنكم في إحاطَةِ اللهِ تَعالى وعَلِمِهِ مَن أسَرَّ قَوْلَهُ فَهَمَسَ بِهِ في نَفْسِهِ ومَن جَهَرَ بِهِ فَأسْمَعَ، لا يَخْفى عَلى اللهِ تَعالى شَيْءٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَيْلِ ﴾ مَعْناهُ: مَن هو بِاللَيْلِ في غايَةِ الِاخْتِفاءِ ومَن هو مُتَصَرِّفٌ بِالنَهارِ ذاهِبٌ لِوَجْهِهِ سَواءٌ في عِلْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وإحاطَتِهِ بِهِما.

وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ إلى مَعْنًى مُقْتَضاهُ: أنَّ المُسْتَخْفِيَ بِاللَيْلِ والسارِبَ بِالنَهارِ هو رَجُلٌ واحِدٌ مُرِيبٌ بِاللَيْلِ ويُظْهِرُ بِالنَهارِ البَراءَةَ في التَصَرُّفِ مَعَ الناسِ، فَهَذا قِسْمٌ واحِدٌ جَعَلَ اللَيْلَ نَهارَ راحَةٍ، والمَعْنى: هَذا والَّذِي أمْرُهُ كُلُّهُ واحِدٌ بَرِيءٌ مِنَ الرَيْبِ سَواءٌ في اطِّلاعِ اللهِ تَعالى عَلى الكُلِّ.

ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ عَطْفُ السارِبِ دُونَ تَكْرارِ "مَن"، ولا يَأْتِي حَذْفُها إلّا في ضَرُورَةِ الشِعْرِ.

والسارِبُ في اللُغَةِ المُتَصَرِّفُ كَيْفَ شاءَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: أرى كُلَّ قَوْمٍ كارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ ونَحْنُ حَلَلْنا قَيْدَهُ فَهْوَ سارِبُ أيْ مُنْصَرِفٌ غَيْرُ مَدْفُوعٍ عن جِهَةٍ، وهَذا رَجُلٌ يَفْخَرُ بِعِزَّةِ قَوْمِهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الآخَرِ: أنّى سَرَبْتِ وكُنْتِ غَيْرَ سَرُوبِ ∗∗∗ ∗∗∗ وتُقَرِّبُ الأحْلامُ غَيْرَ قَرِيبِ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ تَتَضَمَّنَ ثَلاثَةَ أصْنافٍ، فالَّذِي يُسِرُّ طَرَفٌ، والَّذِي يَجْهَرُ طَرَفٌ مُضادٌّ لِلْأوَّلِ، والثالِثُ مُتَوَسِّطٌ مُتَلَوِّنٌ يَعْصِي بِاللَيْلِ مُسْتَخْفِيًا ويُظْهِرُ البَراءَةَ بِالنَهارِ، والقَوْلُ في الآيَةِ يَطَّرِدُ مَعْناهُ في الأعْمالِ، وقالَ قُطْرُبٌ - فِيما حَكى الزَجّاجُ -: "مُسْتَخْفٍ" مَعْناهُ: ظاهِرٌ، مِن قَوْلِهِمْ: "خَفَيْتُ الشَيْءَ" إذا أظْهَرْتُهُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: خَفاهُنَّ مِن أنْفاقِهِنَّ كَأنَّما ∗∗∗ ∗∗∗ خَفّاهُنَّ ودْقٌ مِن عَشِيٍّ مُجَلِّبِ قالَ: و"سارِبٌ" مَعْناهُ: مُتَوارٍ في سِرْبٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَوْلُ وإنْ كانَ تَعَلُّقُهُ بِاللُغَةِ بَيِّنًا فَضَعِيفٌ، لِأنَّ اقْتِرانَ اللَيْلِ بِالمُسْتَخْفِي والنَهارِ بِالسارِبِ يَرُدُّ عَلى هَذا القَوْلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

موقع هذه الجملة استئناف بياني لأنّ مضمونها بمنزلة النّتيجة لعموم علم الله تعالى بالخفيات والظواهر.

وعدل عن الغيبة المتبعة في الضمائر فيما تقدم إلى الخطاب هنا في قوله: ﴿ سواء منكم ﴾ لأنه تعليم يصلح للمؤمنين والكافرين.

وفيها تعريض بالتهديد للمشركين المتآمرين على النبي صلى الله عليه وسلم و ﴿ سواء ﴾ اسم بمعنى مستو.

وإنما يقع معناه بين شيئين فصاعداً.

واستعمل سواء في الكلام ملازماً حالة واحدة فيقال: هما سواء وهم سواء، قال تعالى: ﴿ فأنتم فيه سواء ﴾ .

وموقع سواء هنا موقع المبتدأ.

و ﴿ من أسر القول ﴾ فاعل سدّ مسدّ الخبر، ويجوز جعل ﴿ سواء ﴾ خبراً مقدّماً و ﴿ من أسر ﴾ مبتدأ مؤخّراً و ﴿ منكم ﴾ حال ﴿ من أسر ﴾ .

والاستخفاء: هنا الخفاء، فالسين والتاء للمبالغة في الفعل مثل استجاب.

والسارب: اسم فاعل من سرب إذا ذهب في السّرْب بفتح السين وسكون الراء وهو الطريق.

وهذا من الأفعال المشتقة من الأسماء الجامدة.

وذكر الاستخفاء مع الليل لكونه أشد خفاء، وذكر السروب مع النهار لكونه أشد ظهوراً.

والمعنى: أن هذين الصنفين سواء لدى علم الله تعالى.

والواو التي عطفت أسماء الموصول على الموصول الأول للتقسيم فهي بمعنى ﴿ أو ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى ﴾ قالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ يَعْلَمُ أذَكَرٌ هو أمْ أُنْثى.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ: يَعْلَمُ أصالِحٌ هو أمْ طالِحٌ.

﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ ﴾ بِالسَّقْطِ النّاقِصِ ﴿ وَما تَزْدادُ ﴾ بِالوَلَدِ التّامِّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.

الثّانِي: ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ ﴾ بِالوَضْعِ لِأقَلِّ مِن تِسْعَةِ أشْهُرٍ، ﴿ وَما تَزْدادُ ﴾ بِالوَضْعِ لِأكْثَرِ مِن تِسْعَةِ أشْهُرٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ.

وَقالَ الضَّحّاكُ: وضَعَتْنِي أُمِّي وقَدْ حَمَلَتْنِي في بَطْنِها سَنَتَيْنِ ووَلَدَتْنِي وقَدْ خَرَجَتْ سِنِّي.

الثّالِثُ: ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ ﴾ بِانْقِطاعِ الحَيْضِ في الحَمْلِ ﴿ وَما تَزْدادُ ﴾ بِدَمِ النِّفاسِ بَعْدَ الوَضْعِ.

قالَ مَكْحُولٌ: جَعَلَ اللَّهُ تَعالى دَمَ الحَيْضِ غِذاءً لِلْحَمْلِ.

الرّابِعُ: ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ ﴾ بِظُهُورِ الحَيْضِ مِن أيّامٍ عَلى الحَمْلِ، وفي ذَلِكَ نَقْصٌ في الوَلَدِ ﴿ وَما تَزْدادُ ﴾ في مُقابَلَةِ أيّامِ الحَيْضِ مِن أيّامِ الحَمْلِ، لِأنَّها كُلَّما حاضَتْ عَلى حَمْلِها يَوْمًا ازْدادَتْ في طُهْرِها يَوْمًا حَتّى يَسْتَكْمِلَ حَمْلُها تِسْعَةَ أشْهُرٍ طُهْرًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ.

الخامِسُ: ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ ﴾ مَن ولَدَتْهُ قَبْلُ ﴿ وَما تَزْدادُ ﴾ مَن تَلِدُهُ مِن بَعْدُ، حَكاهُ السُّدِّيُّ وقَتادَةُ.

﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في الرِّزْقِ والأجَلِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: فِيما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ كُلَّ شَيْءٍ عِنْدَهُ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ بِمِقْدارِ الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ قال: السر والعلانية.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ﴾ قال: من أسره وأعلنه عنده سواء ﴿ ومن هو مستخف بالليل ﴾ راكب رأسه في المعاصي ﴿ وسارب بالنهار ﴾ قال: ظاهر بالنهار بالمعاصي.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ﴾ قال: كل ذلك عنده سواء، السر عنده علانية والظلمة عنده ضوء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في الآية قال: يعلم من السر ما يعلم من العلانية، ويعلم من العلانية ما يعلم من السر، ويعلم من الليل ما يعلم من النهار، ويعلم من النهار ما يعلم من الليل.

وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ وسارب بالنهار ﴾ قال: الظاهر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ﴾ قال: هو صاحب ريبة ﴿ مستخف بالليل ﴾ وإذا خرج بالنهار، أرى الناس أنه بريء من الإِثم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قولى تعالى: ﴿ سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ ﴾ الآية، قال الفراء (١) (٢) (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ ﴾ يقال (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ﴾ قال الفراء (٦) (٧) (٨) (٩) وكلُّ أناسٍ قَارَبُوا قيْدَ فَحْلهم ...

ونحن جَعَلْنَا قَيْدَه فَهْو سارِبُ قال أبو إسحاق (١٠) (١١) وقال أبو العباس (١٢) قال ابن عباس: يريد علم ما نطقت به الألسنة وما أضمر الفؤاد، ومن هو مستخف بالليل وظاهر بالنهار، ونحو هذا قال قتادة (١٣) وقال مجاهد (١٤) (١٥) وقال الأخفش (١٦) (١٧) خَفَاهُنّ من أنْفَاقِهِنَّ ........

أي أظهرهن، واختفيت (١٨) (١٩) (٢٠) قال أبو بكر (٢١) (٢٢) (١) "معاني القرآن" 2/ 59.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 141، والسياق كذا في جميع النسخ وفيه سقط، وهو عند الزجاج -لأن العبارة عبارته- كالتالي: موضع (من) رفعٌ بسواء، وكذلك (من) الثانية يرتفعان جميعًا بسواء؛ لأن سواء يطلب اثنين.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 141.

(٤) "زاد المسير" 4/ 309.

(٥) "تهذيب اللغة" (خفى) 1/ 1070.

(٦) "معاني القرآن" 2/ 60.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 141.

(٨) "تهذيب اللغة" (سرب) 2/ 1662.

(٩) هكذا البيت في جميع النسخ، وهو كذلك في القرطبي 9/ 290، وفي "التهذيب" 2/ 1662، (ونحن خلعنا قيده ..) وقد نسبه الأزهري للأخنس بن شهاب التعلبي، وهو كذلك في "اللسان" (سرب) 4/ 1980، و"شعراء النصرانية" ص 187، و"تاج العروس" (سرب) 2/ 73، و"جهرة اللغة" ص 309، و"التنبيه والإيضاح" 1/ 94، وبلا نسبة في "اللسان" (خلع) 2/ 1232، كتاب "العين" 1/ 118، و"تاج العروس" (خلع) 11/ 103.

(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 142.

(١١) "معاني القرآن" 2/ 60.

(١٢) "تهذيب اللغة" (خفى) 1/ 1070، و"اللسان" (سرب) 4/ 1980.

(١٣) الطبري 36/ 114.

(١٤) القرطبي 9/ 290.

(١٥) الطبري 13/ 113، و"تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 296، و"بحر العلوم" 2/ 186، وابن كثير 2/ 552، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 476، و"البحر" 5/ 370، و"فتح البيان" 7/ 25، 26، و"الدر المصون" 4/ 231.

(١٦) "معاني القرآن" 2/ 595، و"زاد المسير" 4/ 310، و"تهذيب اللغة" (خفي) 1/ 1070، و"اللسان" (سرب) 4/ 1980.

(١٧) جزء من صدر بيت لامرئ القيس، والبيت بتمامه: خفاهن من أنفاقهن كأنما ...

خفاهنّ ودق من سحاب مركب "ديوانه" ص 51، وفيه: (كأنما خفاهن ودق من عشي مجلب)، و"المحتسب" 2/ 48، و"مجاز القرآن" 2/ 17، و"المخصص" 10/ 46، والقرطبي 9/ 290، و"تهذيب اللغة" (خفي) 1/ 1070، و"اللسان" 2/ 1216.

وقوله: (خفاهن): أي: أظهرهن، والأنفاق: أسراب تحت الأرض، والودق: المطر، وخص مطر العشي؛ لأنه أغزر، والمجلب، الذي يسمع له جلبة لشدة وقعه.

(١٨) في (ب): (واخفيت).

(١٩) "زاد المسير" 4/ 310، و"اللسان" (سرب) 4/ 1982.

(٢٠) في (أ)، (ج): (شهدته).

(٢١) "الأضداد" ص 76.

(٢٢) في (أ)، (ج): (نتشار).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ القول وَمَنْ جَهَرَ ﴾ المعنى إن الله يسمع كل شيء، فالجهر والإسرار عنده سواء.

وفي هذا وما بعده تقسيم، وهو من أدوات البيان، فإنه ذكر أربعة أقسام، وفيه أيضاً مطابقة ﴿ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ باليل وَسَارِبٌ بالنهار ﴾ المعنى؛ سواء عند الله المستخفي بالليل وهو في غاية الاختفاء مع السارب بالنهار، وهو في غاية الظهور ومعنى السارب: المتصرف في سربه بالفتح: أي في طريقه ووجهه، والسارب والمستخفي اثنان قصد التسوية بينهما في اطلاع الله عليهما، مع تباين حالهما، وقيل: إن المستخفي بالليل والسارب بالنهار: صفتان لموصوف بينهما في اطلاع الله عليهما مع تباين حالهما، وقيل: إن المستخفي بالليل والسارب بالنهار: صفتان لموصوف واحد يستخفي بالليل ويظهر بالنهار، ويعضد هذا كونه قال: وسارب، فعطفه عطف الصفات ولم يقل ومن هو سارب بتكرار من كما قال، من أسر القول ومن جهر به، إلا أنَّ جَعْلهما اثنين أرجح ليقابل من أسر القول ومن جهر به، فيكمل التقسيم إلى أربعة على هذا، ويكون قوله: وسارب عطف على الجملة وهو قوله: ومن هو مستخف لا على مستخف وحده.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ ﴾ .

الاستفعال يكون على وجهين: يكون طلب الفعل ويكون الفعل نفسه؛ كقوله: ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ  ﴾ قيل: أجيب لكم، وقوله  : ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي  ﴾ أي: ليجيبوا لي، وقوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ ﴾ فإن كان على طلب الفعل؛ فهو ما سألوا [رسول الله العذاب] كقوله: ﴿ سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ  ﴾ وكقوله: ﴿ وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ  ﴾ وقولهم: ﴿ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ...

﴾ الآية [الأنفال: 32] فبدءوا بسؤالهم [الهلاك قبل سؤالهم] تأخير العذاب وإمهاله، [وتأخير العذاب عندهم وإمهاله] من الحسنة؛ فاستعجلوا بهذا قبل هذا.

وإن كان الفعل نفسه.

فقوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ ﴾ أي: عجلوك - يا محمد - بالسيئة إليك، قبل أن تكون منهم إليك حسنة؛ حيث كذبوك في الرسالة، وآذوك في نفسك، ولم يكن منهم إليك إحسان من قبل والله أعلم بذلك.

وقيل: ﴿ بِٱلسَّيِّئَةِ ﴾ : العذاب؛ على ما ذكرنا.

﴿ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ ﴾ .

أي: قبل العفو، وسؤالهم السيئة والعذاب بجهل منهم أنه رسول وأنه صادق؛ [لأنهم لو علموا أنه رسول، وأنه صادق] فيما يخبر ويوعد من العذاب، كانوا لا يسألون؛ لأنهم يعلمون أن الله يقدر على أن ينزل عليهم العذاب، لكن سألوا ذلك؛ بجهلهم بأنه رسول سؤال استهزاء وسخرية.

فإن كان على هذا سؤالهم - كان فيه دلالة أن العقوبة والعذاب؛ قد يلزم من جهل الأمر؛ إذا كان بسبيل العلم به والنظر والتفكر فيه، وهؤلاء جهلوا أنه رسول الله؛ لتركهم النظر والتفكر.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ ﴾ .

قال بعضهم: العقوبات؛ أي: قد كان في الأمم الخالية العقوبات؛ بسؤالهم العذاب والمعاندة في الآيات إذا جاءت؛ كأنه - والله أعلم - يصبر رسوله على سفه قومه؛ لسؤالهم العذاب والآيات ثم المعاندة فيها، يقول: كان في الأمم الماضية من سؤال العذاب والآيات ثم المعاندة من بعد نزولها؛ فنزلت لهم العقوبات؛ فعلى ذلك هؤلاء.

وقال بعضهم: المثلات: الأمثال والأشباه.

وكذلك ذكر في حرف حفصة (وقد خلت من قبلهم الأمثال) وتأويله - والله أعلم - أي: فقد خلت من [قبلهم الأمثال]؛ ما لو اعتبروا بها كان مثلا لهم، ولكن لا يعتبرون؛ فيمنعهم عن أمثال ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ لَذُو مَغْفِرَةٍ ﴾ أي: لذو ستر على ظلمهم؛ وتأخير العذاب إلى وقت؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ  ﴾ .

وقال بعضهم: لذو مغفرة [للناس على ظلمهم إذا تابوا، وماتوا عليها، أو يكون قوله ﴿ لَذُو مَغْفِرَةٍ ﴾ للمؤمنين على ظلمهم، وإن ربك لشديد العقاب] لمن لم يتب، ومات على الظلم والشرك.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ للكفار؛ وعلى التأويل الأول: وإن ربك لشديد العقاب؛ إذا عاقب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً  ﴾ إلى آخر ما ذكر؛ فيحتمل سؤالهم الآية ﴿ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ  ﴾ عين تلك الآيات التي أتت بها الرسل الأولون، وليس عليه أن يأتي بعين تلك الآية؛ إنما عليه أن يأتي بآية تخرج عن عرفهم وطباعهم، والرسل جميعاً لم يأتوا بآية واحدة؛ إنما جاءوا بآيات مختلفات، كلٌّ جاء بآية سوى ما جاء بها الآخر؛ فقال له: ليس عليك ذلك إنما أنت منذر.

أو سألوا آيات سؤال الاعتناد لدى هلاكهم، [على ما فعل الأولون؛ فقال: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ ﴾ قد عفا هذه الأمة إحضار آيات وإنزالها لدى هلاكهم] وإن كانوا هم في سؤالهم الآيات معاندين؛ لأنهم قد جاءهم من الآيات؛ على إثبات رسالته وإظهارها؛ ما كفتهم، لكنهم يعاندون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ ﴾ : لا تملك إتيان الآيات، ﴿ قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ وقال: ﴿ لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ الآية [الأنعام: 58].

أو يقول: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ ﴾ : ليس إليك إنشاء الآيات واختراعها؛ ﴿ قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَاتُ عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ .

أي: داع يدعو إلى توحيد الله ودينه؛ كقوله: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ يحتمل: لكل وقت هادٍ.

ثم اختلفوا أنه: مَنْ ذلك الداعي؟

قال بعضهم: الله، وقال بعضهم: نبي من الأنبياء، وقال بعضهم: داع؛ دليل سوى النبي.

وقالت الباطنية: هو إمام يكون معصوماً مثل النبي لئلا يزيغ عن الحق؛ ولكن عندنا معصوماً [أو لم يكن معصوماً] فإن في القرآن ما يمنع عن الزيغ؛ ويعرف ذلك منه إذا زاغ؛ وضل عن الحق.

﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ أي: داع وهو كما قال: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يعلم السر وأخفى، يستوي في علمه من أخفى منكم - أيها الناس - القول، ومن أعلنه، ويسوي في علمه كذلك من هو مستتر بظلمة الليل عن أعين الناس، ومن هو ظاهر بأعماله في وَضَح النهار.

<div class="verse-tafsir" id="91.qWBeb"

مزيد من التفاسير لسورة الرعد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد