تفسير الآية ١٢ من سورة الرعد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ١٢ من سورة الرعد

هُوَ ٱلَّذِى يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفًۭا وَطَمَعًۭا وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ ١٢

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 89 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٢ من سورة الرعد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٢ من سورة الرعد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أنه هو الذي يسخر البرق ، وهو ما يرى من النور اللامع ساطعا من خلل السحاب .

وروى ابن جرير أن ابن عباس كتب إلى أبي الجلد يسأله عن البرق ، فقال : البرق : الماء .

وقوله : ( خوفا وطمعا ) قال قتادة : خوفا للمسافر ، يخاف أذاه ومشقته ، وطمعا للمقيم يرجو بركته ومنفعته ، ويطمع في رزق الله .

( وينشئ السحاب الثقال ) أي : ويخلقها منشأة جديدة ، وهي لكثرة مائها ثقيلة قريبة إلى الأرض .

قال مجاهد : والسحاب الثقال : الذي فيه الماء .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (12) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ) ، يعني أن الرب هو الذي يري عباده البرق وقوله: (هو) كناية اسمه جلّ ثناؤه.

* * * وقد بينا معنى " البرق " ، فيما مضى، وذكرنا اختلاف أهل التأويل فيه بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .

(71) * * * وقوله: (خوفًا) يقول: خوفًا للمسافر من أذاه .

وذلك أن " البرق "، الماء، في هذا الموضع كما:- 20251- حدثني المثنى قال: حدثنا حجاج قال: حدثنا حماد قال: أخبرنا موسى بن سالم أبو جهضم, مولى ابن عباس قال: كتب ابن عباس إلى أبي الجَلْد يسأله عن " البرق ", فقال: " البرق "، الماء .

(72) * * * وقوله (وطمعًا) يقول: وطمعًا للمقيم أن يمطر فينتفع .

كما:- 20252- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (هو الذي يريكم البرق خوفًا وطمعًا) ، يقول: خوفًا للمسافر في أسفاره, يخاف أذاه ومشقته(وطمعًا،) للمقيم، يرجو بركته ومنفعته، ويطمع في رزق الله.

20253- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (خوفا وطمعا) خوفا للمسافر, وطمعا للمقيم .

* * * وقوله: (وينشئ السحاب الثقال) : ويثير السحاب الثقال بالمطر ويبدؤه.

* * * يقال منه: أنشأ الله السحاب: إذا أبدأه, ونشأ السحاب: إذا بدأ ينشأ نَشْأً .

* * * و " السحاب " في هذا الموضع، وإن كان في لفظ واحد، فإنها جمعٌ، واحدتها " سحابة ", ولذلك قال: " الثقال ", فنعتها بنعت الجمع, ولو كان جاء: " السحاب " الثقيل كان جائزًا, وكان توحيدًا للفظ السحاب, كما قيل : الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا [سورة يس:80] .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 20254-حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: (وينشئ السحاب الثقال) ، قال: الذي فيه الماء .

20255- حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .

20256- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .

20257- ...

قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .

20258- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: (وينشئ السحاب الثقال) قال: الذي فيه الماء .

---------------------------------- الهوامش : (71) انظر تفسير" البرق" فيما سلف 1 : 342 - 346 .

(72) الأثر : 20251 -" موسى بن سالم" ،" أبو جهضم" ، ثقة ، روايته عن ابن عباس مرسلة ، سلف برقم : 434 .

و" أبو الجلد" ، هو" جيلان بن فروة الأسدي" ، ثقة ، مضى برقم : 434 ، 723 ، 1913 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

أي بالمطر ." السحاب " جمع , والواحدة سحابة , وسحب وسحائب في الجمع أيضا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: { هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا } أي: يخاف منه الصواعق والهدم وأنواع الضرر، على بعض الثمار ونحوها ويطمع في خيره ونفعه، { وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ } بالمطر الغزير الذي به نفع العباد والبلاد.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا ) قيل : خوفا من الصاعقة ، طمعا في نفع المطر .

وقيل : الخوف للمسافر ، يخاف منه الأذى والمشقة ، والطمع للمقيم يرجو منه البركة والمنفعة .

وقيل : الخوف من المطر في غير مكانه وإبانه ، والطمع إذا كان في مكانه وإبانه ، ومن البلدان ما إذا أمطروا قحطوا وإذا لم يمطروا أخصبوا .

( وينشئ السحاب الثقال ) بالمطر .

يقال : أنشأ الله السحابة فنشأت أي : أبداها فبدت ، والسحاب جمع ، واحدتها سحابة قال علي رضي الله عنه : السحاب غربال الماء .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«هو الذي يريكم البرق خوفا» للمسافرين من الصواعق «وطمعا» للمقيم في المطر «وينشئ» يخلق «السحاب الثقال» بالمطر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هو الذي يريكم من آياته البرق -وهو النور اللامع من خلال السحاب- فتخافون أن تنزل عليكم منه الصواعق المحرقة، وتطمعون أن ينزل معه المطر، وبقدرته سبحانه يوجد السحاب المحمَّل بالماء الكثير لمنافعكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم لفت - سبحانه - أنظار عباده إلى أنواع متعددة من الظواهر الكونية الدالة على قدرته ووحدانيته ، وبين أن هذه الظواهر قد تكون نعما ، وقد تكون نقما ، وأنها وغيرها تسبح بحمد الله ، وتخضع لسلطانه فقال - تعالى - :( هُوَ الذي يُرِيكُمُ البرق خَوْفاً .

.

.

) .البرق : ما يراه الرائى من نور لامع يظهر من خلال السحاب ، وخوفا وطمعا : حالان من الكاف فى يريكم ، أو هما فى محل المفعول لأجله .والمعنى : هو الله - تعالى - وحده الذى يريكم بقدرته البرق ، فيترتب على ذلك أن بعضكم يخاف ما ينجم عنه من صواعق ، أو سيل مدمر ، وبعضكم يطمع فى الخير من ورائه ، فقد يعقبه المطر النافع ، والغيث المدرار .فمن مظاهر حكمة الله - تعالى - فى خلقه ، أنه جعل البرق علامة إنذار وتبشير معا ، لأنه بالإِنذار والتبشير تعود النفوس إلى الحق ، وتفئ إلى الرشد .وجملة ( وَيُنْشِىءُ السحاب الثقال ) بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - سبحانه - وإنشاء السحاب : تكونيه من العدم .والسحاب : الغيم المنسحب فى الهواء ، وهو اسم جنس واحد سحابة ، فلذلك وصف بالجمع وهو ( الثقال ) جمع ثقيلة .أى : وهو - سبحانه - الذى ينشئ السحاب المثقل بالماء ، فيرسله من مكان إلى مكان على حسب حكمته ومشيئته .قال - تعالى - ( وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حتى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ المآء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثمرات كذلك نُخْرِجُ الموتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) وقوله - سبحانه - ( وَيُسَبِّحُ الرعد بِحَمْدِهِ ) بيان لمظهر ثالث من مظاهر قدرته .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الضمير من له عائد إلى من في قوله: ﴿ سَوَاء مّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ القول وَمَنْ جَهَرَ بِهِ  ﴾ وقيل على اسم الله في عالم الغيب والشهادة، والمعنى: لله معقبات، وأما المعقبات فيجوز أن يكون أصل هذه الكلمة معتقبات فأدغمت التاء في القاف كقوله: ﴿ وَجَاء المعذرون مِنَ الأعراب  ﴾ والمراد المعتذرون ويجوز أن يكون من عقبه إذا جاء على عقبه فاسم المعقب من كل شيء ما خلف يعقب ما قبله، والمعنى في كلا الوجهين واحد.

إذا عرفت هذا فنقول: في المراد بالمعقبات قولان.

الأول: وهو المشهور الذي عليه الجمهور أن المراد منه الملائكة الحفظة وإنما صح وصفهم بالمعقبات، إما لأجل أن ملائكة الليل تعقب ملائكة النهار وبالعكس، وإما لأجل أنهم يتعقبون أعمال العباد ويتبعونها بالحفظ والكتب، وكل من عمل عملاً ثم عاد إليه فقد عقب، فعلى هذا المراد من المعقبات ملائكة الليل وملائكة النهار.

روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله أخبرني عن العبد كم معه من ملك فقال عليه السلام: «ملك عن يمينك يكتب الحسنات وهو أمين على الذي على الشمال فإذا عملت حسنة كتبت عشراً، وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال لصاحب اليمين أكتب؟

فيقول لا لعله يتوب فإذا قال ثلاثاً قال نعم أكتب أراحنا الله منه فبئس القرين ما أقل مراقبته لله تعالى واستحياءه منا، وملكان من بين يديك ومن خلفك فهو قوله تعالى: ﴿ لَهُ معقبات مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ وملك قابض على ناصيتك فإذا تواضعت لربك رفعك وإن تجبرت قصمك، وملكان على شفتك يحفظان عليك الصلاة علي، وملك علي فيك لا يدع أن تدخل الحية في فيك، وملكان على عينيك فهؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي تبدل ملائكة الليل بملائكة النهار فهم عشرون ملكاً على كل آدمي» وعنه صلى الله عليه وسلم: «يتعاقب فيكم ملاكئة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر» وهو المراد من قوله: ﴿ وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا  ﴾ قيل: تصعد ملائكة الليل وهي عشرة وتنزل ملائكة النهار، وقال ابن جريج: هو مثل قوله تعالى: ﴿ عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال قَعِيدٌ  ﴾ صاحب اليمين يكتب الحسنات والذي عن يساره يكتب السيئات.

وقال مجاهد: ما من عبد إلا وله ملك يحفظه من الجن والإنس والهوام في نومه ويقظته.

وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: الملائكة ذكور، فلم ذكر في جمعها جمع الإناث وهو المعقبات؟

والجواب: فيه قولان.

الأول: قال الفراء: المعقبات ذكران جمع ملائكة معقبة، ثم جمعت معقبة بمعقبات، كما قيل: ابناوات سعد ورجالات بكر جمع رجال، والذي يدل على التذكير قوله: ﴿ يَحْفَظُونَهُ ﴾ .

والثاني: وهو قول الأخفش: إنما أنثت لكثرة ذلك منها، نحو: نسابة، وعلامة، وهو ذكر.

السؤال الثاني: ما المراد من كون أولئك المعقبات من بين يديه ومن خلفه؟

والجواب: أن المستخفي بالليل والسارب بالنهار قد أحاط به هؤلاء المعقبات فيعدون عليه أعماله وأقواله بتمامها، ولا يشذ من تلك الأعمال والأقوال من حفظهم شيء أصلاً، وقال بعضهم: بل المراد يحفظونه من جميع المهالك من بين يديه ومن خلفه، لأن السارب بالنهار إذا سعى في مهماته فإنما يحذر من بين يديه ومن خلفه.

السؤال الثالث: ما المراد من قوله: ﴿ مِنْ أَمْرِ الله ﴾ .

والجواب: ذكر الفراء فيه قولين: القول الأول: أنه على التقديم والتأخير والتقدير: له معقبات من أمر الله يحفظونه.

القول الثاني: أن فيه إضماراً أي ذلك الحفظ من أمر الله أي مما أمر الله به فحذف الاسم وأبقى خبره كما يكتب على الكيس، ألفان والمراد الذي فيه ألفان.

والقول الثالث: ذكره ابن الأنباري أن كلمة من معناها الباء والتقدير: يحفظونه بأمر الله وباعانته، والدليل على أنه لابد من المصير إليه أنه لا قدرة للملائكة ولا لأحد من الخلق على أن يحفظوا أحداً من أمر الله ومما قضاه عليه.

السؤال الرابع: ما الفائدة في جعل هؤلاء الملائكة موكلين علينا؟

والجواب: أن هذا الكلام غير مستبعد، وذلك لأن المنجمين اتفقوا على أن التدبير في كل يوم لكوكب على حدة وكذا القول في كل ليلة، ولا شك أن تلك الكواكب لها أرواح عندهم، فتلك التدبيرات المختلفة في الحقيقة لتلك الأرواح، وكذا القول في تدبير القمر والهيلاج والكدخدا على ما يقوله المنجمون.

وأما أصحاب الطلسمات فهذا الكلام مشهور في ألسنتهم ولذلك تراهم يقولون: أخبرني الطباعي التام.

ومرادهم بالطباعي التام أن لكل إنسان روحاً فلكية يتولى إصلاح مهماته ودفع بلياته وآفاته، وإذا كان هذا متفقاً عليه بين قدماء الفلاسفة وأصحاب الأحكام فكيف يستبعد مجيئه من الشرع؟

وتمام التحقيق فيه أن الأرواح البشرية مختلفة في جواهرها وطبائعها فبعضها خيرة، وبعضها شريرة، وبعضها معزة، وبعضها مذلة، وبعضها قوية القهر والسلطان، وبعضها ضعيفة سخيفة.

وكما أن الأمر في الأرواح البشرية كذلك، فكذا القول في الأرواح الفلكية، ولا شك أن الأرواح الفلكية في كل باب وكل صفة أقوى من الأرواح البشرية وكل طائفة من الأرواح البشرية تكون متشاركة في طبيعة خاصة وصفة مخصوصة، لما أنها تكون في تربية روح من الأرواح الفلكية مشاكلة لها في الطبيعة والخاصية، وتكون تلك الأرواح البشرية كأنها أولاد لذلك الروح الفلكي.

ومتى كان الأمر كذلك كان ذلك الروح الفلكي معيناً لها على مهماتها ومرشداً لها إلى مصالحها وعاصماً لها عن صنوف الآفات، فهذا كلام ذكره محققو الفلاسفة، وإذا كان الأمر كذلك علمنا أن الذي وردت به الشريعة أمر مقبول عند الكل، فكيف يمكن استنكاره من الشريعة؟

ثم في اختصاص هؤلاء الملائكة وتسلطهم على بني آدم فوائد كثيرة سوى التي مر ذكرها من قبل.

الأول: أن الشياطين يدعون إلى الشرور والمعاصي، وهؤلاء الملائكة يدعون إلى الخيرات والطاعات.

والثاني: قال مجاهد: ما من عبد إلا ومعه ملك يحفظه من الجن والإنس والهوام في نومه ويقظته.

الثالث: أنا نرى أن الإنسان قد يقع في قلبه داع قوي من غير سبب ثم يظهر بالآخرة أن وقوع تلك الداعية في قلبه كان سبباً من أسباب مصالحه وخيراته، وقد ينكشف أيضاً بالآخرة أنه كان سبباً لوقوعه في آفة أو في معصية، فيظهر أن الداعي إلى الأمر الأول كان مريداً للخير والراحة وإلى الأمر الثاني كان مريداً للفساد والمحنة، والأول هو الملك الهادي والثاني هو الشيطان المغوي.

الرابع: أن الإنسان إذا علم أن الملائكة تحصي عليه أعماله كان إلى الحذر من المعاصي أقرب، لأن من آمن يعتقد جلالة الملائكة وعلو مراتبهم فإذا حاول الإقدام على معصية واعتقد أنهم يشاهدونها زجره الحياء منهم عن الإقدام عليها كما يزجره عنها إذا حضره من يعطيه من البشر.

وإذا علم أن الملائكة تحصي عليه تلك الأعمال كان ذلك أيضاً رادعاً له عنها وإذا علم أن الملائكة يكتبونها كان الردع أكمل.

السؤال الخامس: ما الفائدة في كتبة أعمال العباد؟

قلنا هاهنا مقامات: المقام الأول: أن تفسير الكتبة بالمعنى المشهور من الكتبة.

قال المتكلمون: الفائدة في تلك الصحف وزنها ليعرف رجحان إحدى الكفتين على الأخرى، فإنه إذا رجحت كفة الطاعات ظهر للخلائق أنه من أهل الجنة، وإن كان بالضد فبالضد.

قال القاضي: هذا بعيد لأن الأدلة قد دلت على أن كل واحد قبل مماته عند المعاينة يعلم أنه من السعداء أو من الأشقياء فلا يتوقف حصول تلك المعرفة على الميزان، ثم أجاب القاضي عن هذا الكلام وقال: لا يمتنع أيضاً ما روينا لأمر يرجع إلى حصول سروره عند الخلق العظيم أنه من أولياء الله في الجنة وبالضد من ذلك في أعداء الله.

والمقام الثاني: وهو قول حكماء الإسلام أن الكتابة عبارة عن نقوش مخصوصة وضعت بالاصطلاح لتعريف المعاني المخصوصة فلو قدرنا كون تلك النقوش دالة على تلك المعاني لأعيانها وذواتها كانت تلك الكتبة أقوى وأكمل.

إذا ثبت هذا فنقول: إن الإنسان إذا أتى بعمل من الأعمال مرات وكرات كثيرة متوالية حصل في نفسه بسبب تكررها ملكة قوية راسخة، فإن كانت تلك الملكة ملكة سارة بالأعمال النافعة في السعادات الروحانية عظم ابتهاجه بها بعد الموت؛ وإن كانت تلك الملكة ملكة ضارة في الأحوال الروحانية عظم تضرره بها بعد الموت.

إذا ثبت هذا فنقول: إن التكرير الكثير لما كان سبباً لحصول تلك الملكة الراسخة كان لكل واحد من الأعمال المتكررة أثر في حصول تلك الملكة الراسخة، وذلك الأثر وإن كان غير محسوس إلا أنه حاصل في الحقيقة.

وإذا عرفت هذا ظهر أنه لا يحصل للإنسان لمحة ولا حركة ولا سكون، إلا ويحصل منه في جوهر نفسه أثر من آثار السعادة، أو آثار الشقاوة قل أو كثر، فهذا هو المراد من كتبة الأعمال عند هؤلاء والله أعلم بحقائق الأمور وهذا كله إذا فسرنا قوله تعالى: ﴿ لَهُ معقبات مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ بالملائكة.

القول الثاني: وهو أيضاً منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما، واختاره أبو مسلم الأصفهاني المراد: أنه يستوي في علم الله تعالى السر والجهر، والمستخفي بظلمة الليل، والسارب بالنهار المستظهر بالمعاونين والأنصار وهم الملوك والأمراء، فمن لجأ إلى الليل فلن يفوت الله أمره، ومن سار نهاراً بالمعقبات وهم الأحراس والأعوان الذين يحفظونه لم ينجه أحراسه من الله تعالى، والمعقب العون، لأنه إذا أبصر هذا ذاك فلابد أن يبصر ذاك هذا، فتصير بصيرة كل واحد منهم معاقبة لبصيرة الآخرة، فهذه المعقبات لا تخلص من قضاء الله ومن قدره، وهم إن ظنوا أنهم يخلصون مخدومهم من أمر الله ومن قضائه فإنهم لا يقدرون على ذلك ألبتة، والمقصود من هذا الكلام بعث السلاطين والأمراء والكبراء على أن يطلبوا الخلاص من المكاره عن حفظ الله وعصمته ولا يعولوا في دفعها على الأعوان والأنصار، ولذلك قال تعالى بعده: ﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مّن دُونِهِ مِن وَالٍ ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ فكلام جميع المفسرين يدل على أن المراد لا يغير ما هم فيه من النعم بإنزال الانتقام إلا بأن يكون منهم المعاصي والفساد.

قال القاضي: والظاهر لا يحتمل إلا هذا المعنى لأنه لا شيء مما يفعله تعالى سوى العقاب إلا وقد يبتدئ به في الدنيا من دون تغيير يصدر من العبد فيما تقدم لأنه تعالى ابتدأ بالنعم دينا ودنياً ويفضل في ذلك من شاء على من يشاء، فالمراد مما ذكره الله تعالى التغيير بالهلاك والعقاب، ثم اختلفوا فبعضهم قال هذا الكلام راجع إلى قوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة  ﴾ فبين تعالى أنه لا ينزل بهم عذاب الاستئصال إلا والمعلوم منهم الإصرار على الكفر والمعصية، حتى قالوا: إذا كان المعلوم أن فيهم من يؤمن أو في عقبه من يؤمن فإنه تعالى لا ينزل عليهم عذاب الاستئصال وقال بعضهم: بل الكلام يجري على إطلاقه، والمراد منه أن كل قوم بالغوا في الفساد وغيروا طريقتهم في إظهار عبودية الله تعالى فإن الله يزيل عنهم النعم وينزل عليهم أنواعاً من العذاب، وقال بعضهم: إن المؤمن الذي يكون مختلطاً بأولئك الأقوام فربما دخل في ذلك العذاب.

روي عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم الله تعالى بعقاب».

واحتج أبو علي الجبائي والقاضي بهذه الآية في مسألتين: المسألة الأولى: أنه تعالى لا يعاقب أطفال المشركين بذنوب آبائهم، لأنهم لم يغيروا ما بأنفسهم من نعمة فيغير الله حالهم من النعمة إلى العذاب.

المسألة الثانية: قالوا: الآية تدل على بطلان قول المجبرة إنه تعالى يبتدئ العبد بالضلال والخذلان أول ما يبلغ وذلك أعظم من العقاب، مع أنه ما كان منه تغيير.

والجواب: أن ظاهر هذه الآية يدل على أن فعل الله في التغيير مؤخر عن فعل العبد، إلا أن قوله تعالى: ﴿ وَمَا يَشَآءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء الله  ﴾ يدل على أن فعل العبد مؤخر عن فعل الله تعالى، فوقع التعارض.

وأما قوله: ﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ ﴾ فقد احتج أصحابنا به على أن العبد غير مستقل في الفعل.

قالوا: وذلك لأنه إذا كفر العبد فلا شك أنه تعالى يحكم بكونه مستحقاً للذم في الدنيا والعقاب في الآخرة، فلو كان العبد مستقلاً بتحصيل الإيمان لكان قادراً على رد ما أراده الله تعالى، وحينئذ يبطل قوله: ﴿ وَإِذَا أراد اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ ﴾ فثبت أن الآية السابقة وإن أشعرت بمذهبهم، إلا أن هذه الآية من أقوى الدلائل على مذهبنا.

قال الضحاك عن ابن عباس: لم تغن المعقبات شيئاً، وقال عطاء عنه: لا راد لعذابي ولا ناقض لحكمي: ﴿ وَمَا لَهُمْ مّن دُونِهِ مِن وَالٍ ﴾ أي ليس لهم من دون الله من يتولاهم، ويمنع قضاء الله عنهم، والمعنى: ما لهم والٍ يلي أمرهم، ويمنع العذاب عنهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ سارب ﴾ ذاهب في سربه- بالفتح- أي في طريقه ووجهه.

يقال: سرب في الأرض سروباً.

والمعنى: سواء عنده من استخفى: أي طلب الخفاء في مختبأ بالليل في ظلمته، ومن يضطرب في الطرقات ظاهراً بالنهار يبصره كل أحد.

فإن قلت: كان حق العبارة أن يقال: ومن هو مستخف بالليل ومن هو سارب بالنهار، حتى يتناول معنى الاستواء المستخفي والسارب؛ وإلا فقد تناول واحداً هو مستخف وسارب قلت: فيه وجهان: أحدهما أنّ قوله ﴿ وَسَارِبٌ ﴾ عطف على من هو مستخف، لا على مستخف، والثاني أنه عطف على مستخف؛ إلا أن ﴿ مِنْ ﴾ في معنى الاثنين، كقوله: نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَاذِئْبُ يصْطَحِبَانِ كأنه قيل: سواء منكم اثنان: مستخف بالليل، وسارب بالنهار.

والضمير في ﴿ لَهُ ﴾ مردود على ﴿ مِنْ ﴾ كأنه قيل: لمن أسرّ ومن جهر، ومن استخفى ومن سرب ﴿ معقبات ﴾ جماعات من الملائكة تعتقب في حفظه وكلاءته، والأصل: معتقبات، فأدغمت التاء في القاف، كقوله ﴿ وَجَاء المعذرون ﴾ [التوبة: 90] بمعنى المعتذرون.

ويجوز معقبات، بكسر العين ولم يقرأ به.

أو هو مفعلات من عقبه إذا جاء على عقبه، كما يقال: قفاه، لأنّ بعضهم يعقب بعضاً أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله ﴾ هما صفتان جميعاً وليس ﴿ مِنْ أَمْرِ الله ﴾ بصلة للحفظ، كأنه قيل: له معقبات من أمر الله.

أو يحفظونه من أجل أمر الله أي من أجل أنّ الله أمرهم بحفظه.

والدليل عليه قراءة علي رضي الله عنه وابن عباس وزيد بن علي وجعفر بن محمد وعكرمة: ﴿ يحفظونه بأمر الله ﴾ .

أو يحفظونه من بأس الله ونقمته إذا أذنب، بدعائهم له ومسئلتهم ربهم أن يمهله رجاء أن يتوب وينيب، كقوله: ﴿ قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم باليل والنهار مِنَ الرحمن ﴾ [الأنبياء: 42] وقيل: المعقبات الحرس والجلاوزة حول السلطان، يحفظونه في توهمه وتقديره من أمر الله أي من قضاياه ونوازله، أو على التهكم به، وقرئ: ﴿ له معاقيب ﴾ جمع معقب أو معقبة.

والياء عوض من حذف إحدى القافين في التكسير ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ ﴾ من العافية والنعمة ﴿ حتى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ من الحال الجميلة بكثرة المعاصي ﴿ مِن وَالٍ ﴾ ممن يلي أمرهم ويدفع عنهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَهُ ﴾ لِمَن أسَرَّ أوْ جَهَرَ أوِ اسْتَخْفى أوْ سَرَبَ.

﴿ مُعَقِّباتٌ ﴾ مَلائِكَةٌ تَعْتَقِبُ في حِفْظِهِ، جَمْعُ مَعْقَبَةٍ مِن عَقَّبِهِ مُبالَغَةُ عَقَبَهُ إذا جاءَ عَلى عَقِبِهِ كَأنَّ بَعْضَهم يَعْقُبُ بَعْضًا، أوْ لِأنَّهم يَعْقُبُونَ أقْوالَهُ وأفْعالَهُ فَيَكْتُبُونَها، أوِ اعْتَقَبَ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في القافِ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالمُعَقِّباتِ جَماعاتٌ.

وقُرِئَ « مَعاقِيبُ» جَمْعُ مُعَقِّبٍ أوْ مُعَقِّبَةٍ عَلى تَعْوِيضِ الياءِ مِن حَذْفِ إحْدى القافَيْنِ.

مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ مِن جَوانِبِهِ أوْ مِنَ الأعْمالِ ما قُدِّمَ وأُخِّرَ.

﴿ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ مِن بَأْسِهِ مَتى أذْنَبَ بِالِاسْتِمْهالِ أوِ الِاسْتِغْفارِ لَهُ، أوْ يَحْفَظُونَهُ مِنَ المَضارِّ أوْ يُراقِبُونَ أحْوالَهُ مِن أجْلِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى.

وقَدْ قُرِئَ بِهِ وقِيلَ مِن بِمَعْنى الباءِ.

وقِيلَ مِن أمْرِ اللَّهِ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ ﴿ مُعَقِّباتٌ ﴾ .

وقِيلَ المُعَقِّباتُ الحَرَسُ والجَلاوِزَةُ حَوْلَ السُّلْطانِ يَحْفَظُونَهُ في تَوَهُّمِهِ مِن قَضاءِ اللَّهِ تَعالى.

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ ﴾ مِنَ العافِيَةِ والنِّعْمَةِ.

﴿ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ ﴾ مِنَ الأحْوالِ الجَمِيلَةِ بِالأحْوالِ القَبِيحَةِ ﴿ وَإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ ﴾ فَلا رادَّ لَهُ فالعامِلُ في (إذا) ما دَلَّ عَلَيْهِ الجَوابُ.

﴿ وَما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ ﴾ مِمَّنْ يَلِي أمْرَهم فَيَدْفَعُ عَنْهُمُ السُّوءَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ خِلافَ مُرادِ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{هُوَ الذي يُرِيكُمُ البرق خَوْفًا وَطَمَعًا} انتصبا على الحال من البرق كأنه في نفسه خوف وطمع أو على ذا خوف وذا طمع أو من المخاطبين أي خائفين وطامعين والمعنى يخاف من وقوع الصواعق عند لمع البرق ويطمع في الغيث قال أبو الطيب

فتى كالسحاب الجون يخشى ويرتجي ...

يرجّى الحيا منه وتخشى الصواعق

أو يخاف المطر من له فيه ضرر كالمسافر ومن له بيت يكف ومن البلاد ما لا ينتفع أهله بالمطر كأهل مصر ويطمع فيه من له نفع فيه {وينشئ السحاب} هو اسم جنس والواحدة سحابة {الثقال} بالماء وهو جمع ثقيلة تقول سحابة ثقيلة وسحاب ثقال

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا ﴾ مِنَ الصّاعِقَةِ ﴿ وطَمَعًا ﴾ في الغَيْثِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: خَوْفًا لِأهْلِ البَحْرِ وطَمَعًا لِأهْلِ البِرِّ وعَنْ قَتادَةَ خَوْفًا لِلْمُسافِرِ مِن أذى المَطَرِ وطَمَعًا لِلْمُقِيمِ في نَفْعِهِ وعَنِ الماوِرْدِيِّ خَوْفًا مِنَ العِقابِ وطَمَعًا في الثَّوابِ والمُرادُ مِنَ البَرْقِ مَعْناهُ المُتَبادَرُ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِهِ الماءُ فَهو مَجازٌ مِن بابِ إطْلاقِ الشَّيْءِ عَلى ما يُقارِنُهُ غالِبًا.

ونُصِبَ ﴿ خَوْفًا وطَمَعًا ﴾ عَلى أنَّهُما مَفْعُولٌ لَهُ لِيُرِيَكم واتِّحادُ فاعِلِ العِلَّةِ والفِعْلِ المُعَلَّلِ لَيْسَ شَرْطًا لِلنَّصْبِ مُجَمَّعًا فَفي شَرْحِ الكافِيَةِ لِلرَّضِيِّ وبَعْضِ النُّحاةِ لا يُشْتَرَطُ تَشارُكُهُما في الفاعِلِ وهو الَّذِي يَقْوى في ظَنِّي وإنْ كانَ الأغْلَبُ هو الأوَّلُ واسْتُدِلَّ عَلى جَوازِ عَدَمِ التَّشارُكِ بِما ذَكَرْناهُ في حَواشِينا عَلى شَرْحِ القَطْرِ لِلْمُصَنِّفِ.

وفِي هَمْعِ الهَوامِعِ وشَرَطَ الأعْلَمُ والمُتَأخِّرُونَ المُشارَكَةَ لِلْفِعْلِ في الوَقْتِ والفاعِلِ ولَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ ولا أحَدٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ واحْتاجَ المُشْتَرِطُونَ إلى تَأْوِيلِ هَذا الِاخْتِلافِ في الفاعِلِ فَإنَّ فاعِلَ الإراءَةِ هو اللَّهُ تَعالى وفاعِلَ الطَّمَعِ والخَوْفِ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ فَقِيلَ: في الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ وهو إرادَةٌ أيْ يُرِيكم ذَلِكَ إرادَةَ أنْ تَخافُوا وتَطْعَمُوا فالمَفْعُولُ لَهُ المُضافُ المُقَدَّرُ وفاعِلُهُ وفاعِلُ الفِعْلِ المُعَلَّلِ بِهِ واحِدٌ وقِيلَ: الخَوْفُ والطَّمَعُ مَوْضُوعانِ مَوْضِعَ الإخافَةِ والإطْماعِ كَما وُضِعَ النَّباتُ مَوْضِعَ الإنْباتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ﴾ والمَصادِرُ يَنُوبُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ أوْ هُما مَصْدَرانِ مَحْذُوفا الزَّوائِدِ كَما في شَرْحِ التَّسْهِيلِ وقِيلَ: إنَّهُما مَفْعُولٌ لَهُ بِاعْتِبارِ أنَّ المُخاطَبِينَ رائِينَ لِأنَّ إراءَتَهم مُتَضَمِّنَةٌ لِرُؤْيَتِهِمْ والخَوْفَ والطَّمَعَ مِن أفْعالِهِمْ فَهم فَعَلُوا الفِعْلَ المُعَلَّلَ بِذَلِكَ وهو الرُّؤْيَةُ فَيَرْجِعُ إلى مَعْنى قَعَدْتُ عَنِ الحَرْبِ جُبْنًا وهَذا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ النّابِغَةِ الذُّبْيانِيِّ: .

وحَلَّتْ بُيُوتِي في يِفاعٍ مُمْنِعٍ يَخالُ بِهِ راعِي الحُمُولَةِ طائِرا حِذارًا عَلى أنْ لا تَنالَ مَقادَتِي ∗∗∗ ولا نِسْوَتِي حَتّى يَمُتْنَ حَرائِرا حَيْثُ قِيلَ: إنَّهُ عَلى مَعْنى أحْلَلْتُ بُيُوتِي حِذارًا ورَدَّ ذَلِكَ المَوْلى أبُو السُّعُودِ بِأنَّهُ لا سَبِيلَ إلَيْهِ لِأنَّ ما وقَعَ في مَعْرِضِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ لا سِيَّما الخَوْفَ لا يَصْلُحُ عِلَّةً لِرُؤْيَتِهِمْ وتَعَقَّبَهُ عَزْمِي زادَهْ وغَيْرُهُ بِأنَّهُ كَلامٌ واهٍ لِأنَّ القائِلَ صَرَّحَ بِأنَّهُ مِن قَبِيلِ قَعَدْتُ عَنِ الحَرْبِ جُبْنًا ويُرِيدُ أنَّ المَفْعُولَ لَهُ حامِلٌ عَلى الفِعْلِ ومَوْجُودٌ قَبْلَهُ ولَيْسَ مِمّا جُعِلَ في مَعْرِضِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ كَما قالُوا في ضَرَبْتُهُ تَأْدِيبًا فَلا وجْهَ لِلرَّدِّ عَلَيْهِ بِما ذُكِرَ وقِيلَ: التَّعْلِيلُ هُنا مِثْلُهُ في لامِ العاقِبَةِ لا أنَّ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ قَعَدْتُ عَنِ الحَرْبِ جُبْنًا كَما ظَنَّ لِأنَّ الجُبْنَ باعِثٌ عَلى القُعُودِ دُونَهُما لِلرُّؤْيَةِ وهو غَيْرُ وارِدٍ لِأنَّهُ باعِثٌ بِلا شُبْهَةَ واعْتَرَضَ عَلَيْهِ العَزْمِيُّ بِأنَّ اللّامَ المُقَدَّرَةَ في المَفْعُولِ لَهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِأنَّها تَكُونُ لامَ العاقِبَةِ ولا يُساعِدُهُ الِاسْتِعْمالُ وهو لَيْسَ بِشَيْءٍ كَيْفَ وقَدْ قالَ النُّحاةُ كَما في الدُّرِّ المَصُونِ: إنَّهُ كَقَوْلِ النّابِغَةِ السّابِقِ وقالَ أيْضًا: بَقِيَ ها هُنا بَحْثٌ وهو أنَّ مُقْتَضى جَعْلِ الآيَةِ نَحْوَ قَعَدْتُ إلى آخِرِهِ عَلى ما قالَهُ ذَلِكَ القائِلُ أنْ يَكُونَ الخَوْفُ والطَّمَعُ مُقَدَّمَيْنِ في الوُجُودِ عَلى الرُّؤْيَةِ ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُما إنَّما يَحْصُلانِ مِنها ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِكُلٍّ مِنَ الخَوْفِ والطَّمَعِ عَلى ما قالَهُ ما هو مِنَ المَلَكاتِ النَّفْسانِيَّةِ كالجُبْنِ في المِثالِ المَذْكُورِ ويَصِحُّ تَعْلِيلُ الرُّؤْيَةِ مِنَ الإراءَةِ بِهِما يَعْنِي أنَّ الرُّؤْيَةَ الَّتِي تَقَعُ بِإراءَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ إنَّما كانَتْ لِما فِيهِمْ مِنَ الخَوْفِ والطَّمَعِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ في جِبِلَّتِهِمْ ذَلِكَ لَما كانَ لِتِلْكَ الرُّؤْيَةِ فائِدَةٌ.

اهَـ.

ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّعَسُّفِ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ غَيْرُ وارِدٍ وقِيلَ: إنَّ النَّصْبَ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ ( البَرْقَ ) أوِ المُخاطَبِينَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أوْ تَأْوِيلِ المَصْدَرِ بِاسْمِ المَفْعُولِ أوِ الفاعِلِ أوْ إبْقاءِ المَصْدَرِ عَلى ما هو عَلَيْهِ لِلْمُبالَغَةِ كَما قِيلَ في زَيْدٌ عَدْلٌ ﴿ ويُنْشِئُ السَّحابَ ﴾ أيِ الغَمامَ المُنْسَحِبَ في الهَواءِ ﴿ الثِّقالَ ﴾ .

(12) .

بِالماءِ وهي جُمَعُ ثَقِيلَةٍ وُصِفَ بِها السَّحابُ لِكَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ في مَعْنى الجَمْعِ ويُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ فَكَأنَّهُ جَمْعُ سَحابَةٍ ثَقِيلَةٍ لا أنَّهُ جَمْعٌ أوِ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعىٍّ لْإطْلاقِهِ عَلى الواحِدِ وغَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ يعني: ما غاب عن العباد وما شاهدوه.

ويقال: عالم بما كان، وبما لم يكن.

ويقال: عالم السر والعلانية الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ يعني: هو أكبر وأعلى من أن تكون له صاحبة وولد.

قوله تعالى: سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ يعني: سواء عند الله من أسر القول وَمَنْ جَهَرَ بِهِ يعني: من أخفى العمل، ومن أعلن بالعمل وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ يعني: في ظلمة الليل وَسارِبٌ بِالنَّهارِ أي: منصرف في حوائجه.

يقال: سَرَبَ يَسْرُبُ إذا انصرف، ومعناه: المختفي، والظاهر عنده سواء.

وقال مجاهد: المستخفي بالمعصية، والسارب يعني: الظاهر بالمعاصي لَهُ مُعَقِّباتٌ قال ابن عباس: «له حافظات» مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ يعني: بأمر الله حتى ينتهوا به إلى المقادير.

فإذا جاءت المقادير، خلوا بينه وبين المقادير المعقبات يعني: الملائكة يعقب بعضهم بعضاً في الليل والنهار، إذا مضى فريق يخلفه بعده فريق.

وروي عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة لَهُ مُعَقِّباتٌ قال: الملائكة يتعاقبون بالليل والنهار يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ يعني: بأمر الله.

ويقال: للمؤمن طاعات وصدقات يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أي: من عذاب الله عند الموت، وفي القبر، وفي يوم القيامة.

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ يعني: لا يبدل ما بقوم من النعمة التي أنعمها عليهم حَتَّى يُغَيِّرُوا يقول: يبدلوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ بترك الشكر.

قال مقاتل: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ يعني: كفار مكة، نظيرها في الأنفال: ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ [الأنفال: 53] ، إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم، وأطعمهم من جوع، وأمنهم من خوف، فلم يعرفوها، فغيّر ما بهم، فجعل ذلك لأهل المدينة.

قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: في الآية تنبيه لجميع الخلق، ليعرفوا نعمة الله عليهم، ويشكروه لكيلا تزول عنهم النعم.

ثم قال تعالى: وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ يعني: إذا أراد بهم عذاباً أو هلاكاً فلا مردّ لقضائه وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ يعني: ليس لهم من عذابه ولي، ولا قريب يمنعهم، ولا ملجأ يلجئون إليه.

قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً يعني: خوفاً للمسافر، وطمعاً للمقيم الحاضر، ويقال: خَوْفاً لمن يخاف ضرر المطر، وَطَمَعاً لمن يحتاج إلى المطر، لأن المطر يكون لبعض الأشياء ضرراً، ولبعضها رحمة.

ثم قال: وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ يعني: يخلق السحاب الثقال من الماء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

كأنه قال: إِنما أَنْتَ مُنْذِرٌ وهادٍ لكلِّ قومٍ، و «هاد» على هذا التأويل: بمعنى داعٍ إِلى طريق الهُدَى، وقال مجاهدٌ وابنُ زَيْد: المعنى: إِنما أَنْتَ منذِرٌ، ولكلِّ أُمَّة سَلَفَتْ هادٍ، أي: نبيٌّ يَدْعُوهم «١» ، أي: فليس أمرُكَ يا محمَّد ببدْعٍ، ولا مُنْكَر، وهذا يشبه غرَضَ الآية، وقالَتْ فرقة: «الهَادِي» في هذه الآية: اللَّه عزَّ وجلَّ، والألفاظ تَقْلَقُ بهذا المعنَى، ويعرف أنَّ اللَّه تعالَى هو الهادِي من غير هذا المَوْضِعِ، والقولانِ الأولان أرجح ما تؤوّل في الآية.

اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٩) سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (١١)

وقوله سبحانه: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ: هذه الآيات أمثالٌ منبِّهات على قدرة اللَّه تعالَى القاضِيَةِ بتجويزِ البَعْثِ، وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ:

معناه: ما تنقُصُ، ثم اختلف المتأوِّلون في صُورَةِ الزِّيادة والنُّقْصَان، وجمهورُ المتأوِّلين على أنَّ غَيْضَ الرحم هو نقْصُ الدمِ على الحَمْل، وقال الضَّحَّاك: غَيْضُ الرَّحِمِ: أنْ تسقط المرأة الوَلَدَ، والزيادة أنْ تضعه لمدَّةٍ كاملةٍ، ونحوُه لقتادة «٢» .

وقوله: وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ: عامٌّ في كل ما يدخله التقدير، والْغَيْبِ: ما غاب عن الإدراكات، والشَّهادَةِ: ما شُوهِدَ من الأمور.

وقوله: الْكَبِيرُ: صفةُ تعظيم، والْمُتَعالِ: من العلو.

وقوله سبحانه: سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ ...

الآية: أيْ: لا يخفى على اللَّه شيءٌ، وال سارِبٌ في اللغة: المتصرِّف كيف شاء.

وقوله سبحانه: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ:

المعنى: جعل اللَّه للعبد معقِّباتٍ يحفظونه في كلِّ حالٍ من كلِّ ما جرى القدر باندفاعه،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: خَوْفًا لِلْمُسافِرِ وطَمَعًا لِلْمُقِيمِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ قَتادَةُ: فالمُسافِرُ خافَ أذاهُ ومَشَقَّتَهُ والمُقِيمُ يَرْجُو مَنفَعَتَهُ.

والثّانِي: خَوْفًا مِنَ الصَّواعِقِ وطَمَعًا في الغَيْثِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: خَوْفًا لِلْبَلَدِ الَّذِي يَخافُ ضَرَرَ المَطَرِ وطَمَعًا لِمَن يَرْجُو الِانْتِفاعَ بِهِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: خَوْفًا مِنَ العُقابِ وطَمَعًا في الثَّوابِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وكانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إذا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ يَقُولُ: إنَّ هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ لِأهْلِ الأرْضِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ ﴾ أيْ: ويَخْلُقُ السَّحابَ الثِّقالَ بِالماءِ.

قالَ الفَرّاءُ: السَّحابُ، وإنْ كانَ لَفْظُهُ واحِدًا، فَإنَّهُ جَمْعٌ واحِدَتُهُ سَحابَةٌ، جُعِلَ نَعْتُهُ عَلى الجَمْعِ، كَما قالَ: ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ  ﴾ ولَمْ يَقُلْ: أخْضَرَ، ولا حَسَنٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ ﴾ ﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ ﴾ ﴿ سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَيْلِ وسارِبٌ بِالنَهارِ ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ تَعَجُّبُ الكُفّارِ واسْتِبْعادُهُمُ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ نَصَّ اللهُ في هَذِهِ الآياتِ الأمْثالَ المُنَبِّهَةَ عَلى قَدْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى القاضِيَةَ بِتَجْوِيزِ البَعْثِ، فَمِن ذَلِكَ هَذِهِ الواحِدَةُ مِنَ الخَمْسِ الَّتِي هي مِن مَفاتِيحِ الغَيْبِ، وهي أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى انْفَرَدَ بِمَعْرِفَةِ ما تَحْمِلُ كُلُّ الإناثِ مِنَ الأجِنَّةِ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الحَيَوانِ، وهَذِهِ البَدْأةُ تُبَيِّنُ أنَّهُ لا تَتَعَذَّرُ عَلى القادِرِ عَلَيْها الإعادَةُ.

و"ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما تَحْمِلُ ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي مَفْعُولَةً بِـ "يَعْلَمُ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، مَفْعُولَةً أيْضًا بِـ "يَعْلَمُ"، ويَصِحُّ أنَّ تَكُونَ اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ "تَحْمِلُ"، وفي هَذا الوَجْهِ ضَعْفٌ.

وفي مُصْحَفٍ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَضَعُ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ ﴾ مَعْناهُ: ما تَنْقُصُ، وذَلِكَ مِن مَعْنى ﴿ وَغِيضَ الماءُ  ﴾ وهو مِن مَعْنى النُضُوبِ، فَهي هاهُنا بِمَعْنى زَوالِ شَيْءٍ عَنِ الرَحِمِ وذَهابِهِ، فَلَمّا قابَلَهُ قَوْلُهُ: ﴿ وَما تَزْدادُ ﴾ فُسِّرَ بِمَعْنى النُقْصانِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في صُورَةِ الزِيادَةِ والنُقْصانِ -فَقالَ مُجاهِدٌ: غَيْضُ الرَحِمِ أنْ تُهَرِيقَ دَمًا عَلى الحَمْلِ، فَإذا كانَ ذَلِكَ ضَعُفَ الوَلَدُ في البَطْنِ وشَحُبَ، فَإذا أكْمَلَتِ الحامِلُ تِسْعَةَ أشْهُرٍ لَمْ تَضَعْ، وبَقِيَ الوَلَدُ في بَطْنِها زِيادَةً مِنَ الزَمَنِ يُكْمِلُ فِيها مِن جِسْمِهِ وصِحَّتِهِ ما نَقَصَ بِهِراقَةِ الدَمِ، فَهَذا هو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ ﴾ .

وجُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ عَلى أنَّ غَيْضَ الرَحِمِ إرْسالُ الدَمِ عَلى الحَمْلِ، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ غَيْضَهُ هو نُضُوبُ الدَمِ فِيهِ وإمْساكُهُ بَعْدَ عادَةِ إرْسالِهِ بِالحَيْضِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ وَما تَزْدادُ ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى "تَغِيضُ" عَلى غَيْرِ مُقابَلَةٍ، بَلْ غَيْضُ الرَحِمِ هو بِمَعْنى الزِيادَةِ فِيهِ.

وقالَ الضَحّاكُ: غَيْضُ الرَحِمِ أنْ تُسْقِطَ المَرْأةُ الوَلَدَ، والزِيادَةُ أنْ تَضَعَهُ لِمُدَّةٍ كامِلَةٍ تامًّا في خَلْقِهِ.

وقالَ قَتادَةُ: الغَيْضُ: السِقْطُ، والزِيادَةُ البَقاءُ فَوْقَ تِسْعَةِ أشْهُرٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ ﴾ لَفْظٌ عامٌّ في كُلِّ ما يَدْخُلُهُ التَقْدِيرُ.

و"الغَيْبِ": ما غابَ عَنِ الإدْراكاتِ، و"الشَهادَةِ": ما شُوهِدَ مِنَ الأُمُورِ، ووَضَعَ المَصادِرَ مَوْضِعَ الأشْياءِ الَّتِي كَلُّ واحِدٍ مِنها لا بُدَّ أنْ يَتَّصِفَ بِإحْدى الحالَتَيْنِ.

وقَوْلُهُ: "الكَبِيرُ" صِفَةُ تَعْظِيمٍ عَلى الإطْلاقِ، و"المُتَعالِ" مِنَ العُلُوِّ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في الوَقْفِ عَلى "المُتَعالِ" -فَأثْبَتَ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو - في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ- الياءَ في الوَصْلِ والوَقْفِ، ولَمْ يُثْبِتْها الباقُونَ في وصْلٍ ولا وقْفٍ، وإثْباتُها هو الوَجْهُ والبابُ.

واسْتَسْهَلَ سِيبَوَيْهِ حَذْفَها في الفَواصِلِ كَهَذِهِ الآيَةِ قِياسًا عَلى القَوافِي في الشِعْرِ، ويَقْبُحُ حَذْفُها في غَيْرِ فاصِلَةٍ ولا شِعْرٍ، ولَكِنَّ وجْهَهُ أنَّهُ لَمّا كانَ التَنْوِينُ يُعاقِبُ الألِفَ واللامَ أبَدًا، وكانَتْ هَذِهِ الياءُ تُحْذَفُ مَعَ التَنْوِينِ حَسُنَ أنْ تُحْذَفَ مَعَ مُعاقِبِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَّصِلُ بِهَذِهِ الآيَةِ فِقْهٌ يَحْسُنُ ذِكْرُهُ.

فَمِن ذَلِكَ اخْتِلافُ الفُقَهاءِ في الدَمِ الَّذِي تَراهُ الحامِلُ -فَذَهَبَ مالِكٌ وأصْحابُهُ والشافِعِيُّ وأصْحابُهُ وجَماعَةٌ إلى أنَّهُ حَيْضٌ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ عَظِيمَةٌ: لَيْسَ بِحَيْضٍ، ولَوْ كانَ حَيْضًا لَما صَحَّ اسْتِبْراءُ الأمَةِ بِحَيْضٍ وهو إجْماعٌ.

ورُوِيَ عن مالِكٍ في كِتابِ مُحَمَّدٍ ما يَقْتَضِي أنَّهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ، ومِن ذَلِكَ أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهَرٍ، وذَلِكَ مُنْتَزَعٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا  ﴾ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أولادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ  ﴾ وهَذِهِ السِتَّةُ أشْهُرٍ هي بِالأهِلَّةِ كَسائِرِ أشْهُرِ الشَرِيعَةِ، ولِذَلِكَ قَدْ رُوِيَ في المَذْهَبِ عن بَعْضِ أصْحابِ مالِكٍ -وَأظُنُّهُ في كِتابِ ابْنِ حارِثٍ- أنَّهُ إنْ نَقَصَ مِنَ الأشْهُرِ السِتَّةِ ثَلاثَةُ أيّامٍ، فَإنَّ الوَلَدَ يُلْحَقُ لِعِلَّةِ نَقْصِ الشُهُورِ وزِيادَتِها.

واخْتُلَفَ في أكْثَرِ الحَمْلِ فَقِيلَ: تِسْعَةُ أشْهُرٍ، وهَذا ضَعِيفٌ، وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها- وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: أكْثَرُهُ حَوْلانِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ثَلاثَةُ أعْوامٍ، وفي المُدَوَّنَةِ: أرْبَعَةُ أعْوامٍ وخَمْسَةُ أعْوامٍ، وقالَ ابْنُ شِهابٍ وغَيْرُهُ: سَبْعَةُ أعْوامٍ، ورُوِيَ أنَّ ابْنَ عَجْلانَ ولَدَتِ امْرَأتُهُ لِسَبْعَةِ أعْوامٍ، ورُوِيَ أنَّ الضِحّاكَ بْنَ مُزاحِمٍ بَقِيَ حَوْلَيْنِ، قالَ: فَوُلِدْتُ وقَدْ نَبَتَتْ ثَنايايَ، ورُوِيَ أنَّ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ وُلِدَ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَواءٌ مِنكُمْ ﴾ الآيَةَ.

سَواءٌ مَصْدَرٌ، وهو يَطْلُبُ بَعْدَهُ شَيْئَيْنِ يَتَماثَلانِ، ورَفْعُهُ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ الَّذِي هو "مَن"، والمَصْدَرُ لا يَكُونُ خَبَرًا إلّا بِإضْمارٍ كَما قالَتِ الخَنْساءُ: .....................

فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ أيْ: ذاتُ إقْبالٍ وإدْبارٍ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هُنا المَعْنى: "ذُو سَواءٍ"، قالَ الزُجاجُ: كَثُرَ اسْتِعْمالُ (سَواءٍ) في كَلامِ العَرَبِ حَتّى جَرى مَجْرى اسْمِ الفاعِلِ فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ عِنْدِي كَعَدْلٍ وزُورٍ وضَيْفٍ.

وَقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: "مُسْتَوٍ مِنكُمْ"، فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ، وضَعَّفَ هَذا سِيبَوَيْهِ بِأنَّهُ ابْتِداءٌ بِنَكِرَةٍ.

ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: مُعْتَدِلٌ مِنكم في إحاطَةِ اللهِ تَعالى وعَلِمِهِ مَن أسَرَّ قَوْلَهُ فَهَمَسَ بِهِ في نَفْسِهِ ومَن جَهَرَ بِهِ فَأسْمَعَ، لا يَخْفى عَلى اللهِ تَعالى شَيْءٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَيْلِ ﴾ مَعْناهُ: مَن هو بِاللَيْلِ في غايَةِ الِاخْتِفاءِ ومَن هو مُتَصَرِّفٌ بِالنَهارِ ذاهِبٌ لِوَجْهِهِ سَواءٌ في عِلْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وإحاطَتِهِ بِهِما.

وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ إلى مَعْنًى مُقْتَضاهُ: أنَّ المُسْتَخْفِيَ بِاللَيْلِ والسارِبَ بِالنَهارِ هو رَجُلٌ واحِدٌ مُرِيبٌ بِاللَيْلِ ويُظْهِرُ بِالنَهارِ البَراءَةَ في التَصَرُّفِ مَعَ الناسِ، فَهَذا قِسْمٌ واحِدٌ جَعَلَ اللَيْلَ نَهارَ راحَةٍ، والمَعْنى: هَذا والَّذِي أمْرُهُ كُلُّهُ واحِدٌ بَرِيءٌ مِنَ الرَيْبِ سَواءٌ في اطِّلاعِ اللهِ تَعالى عَلى الكُلِّ.

ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ عَطْفُ السارِبِ دُونَ تَكْرارِ "مَن"، ولا يَأْتِي حَذْفُها إلّا في ضَرُورَةِ الشِعْرِ.

والسارِبُ في اللُغَةِ المُتَصَرِّفُ كَيْفَ شاءَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: أرى كُلَّ قَوْمٍ كارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ ونَحْنُ حَلَلْنا قَيْدَهُ فَهْوَ سارِبُ أيْ مُنْصَرِفٌ غَيْرُ مَدْفُوعٍ عن جِهَةٍ، وهَذا رَجُلٌ يَفْخَرُ بِعِزَّةِ قَوْمِهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الآخَرِ: أنّى سَرَبْتِ وكُنْتِ غَيْرَ سَرُوبِ ∗∗∗ ∗∗∗ وتُقَرِّبُ الأحْلامُ غَيْرَ قَرِيبِ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ تَتَضَمَّنَ ثَلاثَةَ أصْنافٍ، فالَّذِي يُسِرُّ طَرَفٌ، والَّذِي يَجْهَرُ طَرَفٌ مُضادٌّ لِلْأوَّلِ، والثالِثُ مُتَوَسِّطٌ مُتَلَوِّنٌ يَعْصِي بِاللَيْلِ مُسْتَخْفِيًا ويُظْهِرُ البَراءَةَ بِالنَهارِ، والقَوْلُ في الآيَةِ يَطَّرِدُ مَعْناهُ في الأعْمالِ، وقالَ قُطْرُبٌ - فِيما حَكى الزَجّاجُ -: "مُسْتَخْفٍ" مَعْناهُ: ظاهِرٌ، مِن قَوْلِهِمْ: "خَفَيْتُ الشَيْءَ" إذا أظْهَرْتُهُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: خَفاهُنَّ مِن أنْفاقِهِنَّ كَأنَّما ∗∗∗ ∗∗∗ خَفّاهُنَّ ودْقٌ مِن عَشِيٍّ مُجَلِّبِ قالَ: و"سارِبٌ" مَعْناهُ: مُتَوارٍ في سِرْبٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَوْلُ وإنْ كانَ تَعَلُّقُهُ بِاللُغَةِ بَيِّنًا فَضَعِيفٌ، لِأنَّ اقْتِرانَ اللَيْلِ بِالمُسْتَخْفِي والنَهارِ بِالسارِبِ يَرُدُّ عَلى هَذا القَوْلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لَهُ معقبات مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سواءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} جملة ﴿ له معقبات ﴾ إلى آخرها، يجوز أن تكون متصلة ب ﴿ من ﴾ الموصولة من قوله: ﴿ من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ﴾ [الرعد: 10].

على أن الجملة خبر ثاننٍ عن من أسر القول } وما عطف عليه.

والضمير في ﴿ له ﴾ والضمير المنصوب في ﴿ يحفظونه ﴾ ، وضميرا ﴿ من بين يديه ومن خلفه ﴾ جاءت مفردة لأن كلا منها عائد إلى أحد أصحاب تلك الصلات حيث إن ذكرهم ذكر أقسام من الذين جعلوا سواء في علم الله تعالى، أي لكل من أسرّ القول ومنْ جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنّهار معقبات يحفظونه من غوائل تلك الأوقات.

ويجوز أن تتصل الجملة ب ﴿ من هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ﴾ [الرعد: 10]، وإفراد الضمير لمراعاة عطف صلة على صلة دون إعادة الموصول.

والمعنى كالوجه الأول.

و (المعقبات) جمع معَقّبة بفتح العين وتشديد القاف مكسورة اسم فاعل عَقّبه إذا تبعه.

وصيغة التفعيل فيه للمبالغة في العقب.

يقال: عقبه إذا اتبعه واشتقاته من العقب يقال فكسر وهو اسم لمؤخّر الرجل فهو فَعِل مشتق من الاسم الجامد لأنّ الّذي يتبع غيره كأنّه يطأ على عقبه، والمراد: ملائكة معقّبات.

والواحد معقب.

وإنما جمع جمع مؤنث بتأويل الجماعات.

والحفظ: المراقبة، ومنه سمي الرقيب حفيظاً.

والمعنى: يراقبون كلّ أحد في أحواله من إسرار وإعلان، وسكون وحركة، أي في أحوال ذلك، قال تعالى: ﴿ وإن عليكم لحافظين ﴾ [الانفطار: 10].

و ﴿ من بين يديه ومن خلفه ﴾ مستعمل في معنى الإحاطة من الجهات كلها.

وقوله: ﴿ من أمر الله ﴾ صفة ﴿ معقبات ﴾ ، أي جماعات من جند الله وأمره، كقوله تعالى: ﴿ قل الروح من أمر ربي ﴾ [الإسراء: 85] وقوله: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ﴾ [الشورى: 52] يعني القرآن.

ويجوز أن يكون الحفظ على الوجه الثاني مراداً به الوقاية والصيانة، أي يحفظون من هو مستخف بالليل وسارب بالنهار، أي يقونه أضرار الليل من اللصوص وذوات السموم، وأضرارَ النّهار نحو الزحام والقتال، فيكون ﴿ من أمر الله ﴾ جاراً ومجروراً لغواً متعلقاً ب ﴿ يحفظونه ﴾ ، أي يقُونه من مخلوقات الله.

وهذا منّة على العباد بلطف الله بهم وإلا لكان أدنى شيء يضر بهم.

قال تعالى: ﴿ الله لطيف بعباده ﴾ [سورة الشورى: 19].

جملة معترضة بين الجمل المتقدمة المسوقة للاستدلال على عظيم قدرة الله تعالى وعلمه بمصنوعاته وبين التذكير بقوة قدرته وبين جملة ﴿ هو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً ﴾ [سورة الرعد: 12].

والمقصود تحذيرهم من الإصرار على الشّرك بتحذيرهم من حلول العقاب في الدنيا في مقابلة استعجالهم بالسيئة قبل الحسنة، ذلك أنهم كانوا في نعمة من العيش فبطروا النعمة وقابلوا دعوة الرسول بالهزء وعاملوا المؤمنين بالتّحقير ﴿ وقالوا لو نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ [الزخرف: 31] ﴿ وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا ﴾ [المزمل: 11].

فذكرهم الله بنعمته عليهم ونبههم إلى أنّ زوالها لا يكون إلاّ بسبب أعمالهم السيّئة بعد ما أنذرهم ودعاهم.

والتغيير: التبديل بالمُغاير، فلا جرم أنه تديد لأولي النعمة من المشركين بأنهم قد تعرضوا لتغييرها.

فما صدقُ ما إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سواءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } الموصولة حالة، والباء للملابسة، أي حالة ملابسة لقوم، أي حالة نعمة لأنها محل التحذير من التغيير، وأما غيرها فتغييره مطلوب.

وأطلق التغيير في قوله: ﴿ حتى يغيروا ﴾ على التسبب فيه على طريقة المجاز العقلي.

وجملة ﴿ وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له ﴾ تصريح بمفهوم الغاية المسْتفاد من ﴿ حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ تأكيداً للتحذير.

لأن المقام لكونه مقام خوف ووجل يقتضي التصريح دون التعريض ولا ما يقرب منه، أي إذا أراد الله أن يغيّر ما بقوم حين يغيرون ما بأنفهسم لا يَردّ إرادته شيء.

وذلك تحذير من الغرور أن يقولوا: سنسترسل على ما نحن فيه فإذا رأينا العذاب آمنا.

وهذا كقوله: ﴿ فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس ﴾ [سورة يونس: 98] الآية.

وجملة وما لهم من دونه من وال} زيادة في التحذير من الغرور لئلا يحسبوا أن أصنامهم شفعاؤهم عند الله.

والوالي: الذي يلي أمر أحد، أي يشتغل بأمره اشتغال تدبير ونفع، مشتق من ولي إذا قَرب، وهو قرب ملابسة ومعالجة.

وقرأ الجمهور ﴿ من وال ﴾ بتنوين ﴿ وال ﴾ دون ياء في الوصل والوقف.

وقرأه ابن كثير بياء بعد اللام وقفا فقط دون الوصل كما علمته في قوله تعالى ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ في هذه السورة الرعد (33).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ ﴾ إسْرارُ القَوْلِ: ما حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ، والجَهْرُ ما حَدَّثَ بِهِ غَيْرَهُ.

والمُرادُ بِذَلِكَ أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ ما أسَرَّهُ الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.

﴿ وَمَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْلَمُ مَنِ اسْتَخْفى بِعَمَلِهِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، ومَن أظْهَرَهُ في ضَوْءِ النَّهارِ.

الثّانِي: يَرى ما أخْفَتْهُ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ كَما يَرى ما أظْهَرَهُ ضَوْءُ النَّهارِ، بِخِلافِ المَخْلُوقِينَ الَّذِينَ يُخْفِي عَلَيْهِمُ اللَّيْلُ أحْوالَ أهْلِهِمْ.

قالَ الشّاعِرُ: ولَيْلٍ يَقُولُ النّاسُ في ظُلُماتِهِ سَواءٌ صَحِيحاتُ العُيُونِ وعُورُها والسّارِبُ: هو المُنْصَرِفُ الذّاهِبُ، مَأْخُوذٌ مِنَ السُّرُوبِ في المَرْعى، وهُوَ بِالعَشِيِّ، والسُّرُوحُ بِالغَداةِ، قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ: أنّى سَرَبْتِ وكُنْتِ غَيْرَ سَرُوبِ ∗∗∗ وتُقَرِّبُ الأحْلامُ غَيْرَ قَرِيبِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم حُرّاسُ الأُمَراءِ يَتَعاقَبُونَ الحَرْسَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ ما يَتَعاقَبُ مِن أوامِرِ اللَّهِ وقَضائِهِ في عِبادِهِ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، إذا صَعِدَتْ مَلائِكَةُ النَّهارِ أعْقَبَتْها مَلائِكَةُ اللَّيْلِ، وإذا صَعِدَتْ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ أعْقَبَتْها مَلائِكَةُ النَّهارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

قالَ الحَسَنُ: وهم أرْبَعَةُ أمْلاكٍ: اثْنانِ بِالنَّهارِ، واثْنانِ بِاللَّيْلِ، يَجْتَمِعُونَ عِنْدَ صَلاةِ الفَجْرِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِن أمامِهِ ووَرائِهِ، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ المُعَقِّباتِ حُرّاسُ الأُمَراءِ.

الثّانِي: الماضِي والمُسْتَقْبَلُ، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ المُعَقِّباتِ ما يَتَعاقَبُ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ.

الثّالِثُ: مِن هُداهُ وضَلالِهِ، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ المُعَقِّباتِ المَلائِكَةُ.

﴿ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ تَأْوِيلُهُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ المُعَقِّباتِ، فَإنْ قِيلَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ أنَّهم حُرّاسُ الأُمَراءِ فَفي قَوْلِهِ ﴿ يَحْفَظُونَهُ ﴾ أيْ عِنْدَ نَفْسِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ولا رادَّ لِأمْرِهِ ولا دافِعَ لِقَضائِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ.

الثّانِي: أنَّ في الكَلامِ حَرْفَ نَفْيٍ مَحْذُوفًا وتَقْدِيرُهِ: لا يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ.

وَإنْ قِيلَ بِالقَوْلِ الثّانِي، إنَّ المُعَقِّباتِ ما يَتَعاقَبُ مِن أمْرِ اللَّهِ وقَضائِهِ، فَفي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَحْفَظُونَهُ مِنَ المَوْتِ ما لَمْ يَأْتِ أجْلُهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: يَحْفَظُونَهُ مِنَ الجِنِّ والهَوامِّ المُؤْذِيَةِ ما لَمْ يَأْتِ قَدَرٌ، قالَهُ أبُو مالِكٍ وكَعْبُ الأحْبارِ.

وَإنْ قِيلَ بِالقَوْلِ الثّالِثِ: وهو الأشْبَهُ: أنَّ المُعَقِّباتِ المَلائِكَةُ فَفِيما أُرِيدَ بِحِفْظِهِمْ لَهُ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَحْفَظُونَ حَسَناتِهِ وسَيِّئاتِهِ بِأمْرِ اللَّهِ.

الثّانِي: يَحْفَظُونَ نَفْسَهُ.

فَعَلى هَذا في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَحْفَظُونَهُ بِأمْرِ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ، وهو مَحْكِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ وتَقْدِيرُهُ: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى يَحْفَظُونَهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ، قالَهُ إبْراهِيمُ.

وَفي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الخَلْقِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

الثّانِي: أنَّها خاصَّةٌ نَزَلَتْ في رَسُولِ اللَّهِ  حِينَ أزْمَعَ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ وأرْبَدُ بْنُ رَبِيعَةَ أخُو لَبِيدٍ عَلى قَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَمَنَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنهُما وأنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ مِن نِعْمَةٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ مِن مَعْصِيَةٍ.

الثّانِي: لا يُغَيِّرُ ما بِهِمْ مِن نِعْمَةٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ مِن طاعَةٍ.

﴿ وَإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إذا أرادَ اللَّهُ بِهِمْ عَذابًا فَلا مَرَدَّ لِعَذابِهِ.

الثّانِي: إذا أرادَ بِهِمْ بَلاءً مِن أمْراضٍ وأسْقامٍ فَلا مَرَدَّ لِبَلائِهِ.

﴿ وَما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن مَلْجَأٍ وهو مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ.

الثّانِي: يَعْنِي مِن ناصِرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ ما في السَّماءِ سِوى الرَّحْمَنِ مِن والِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ هو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً ﴾ قال: خوفاً للمسافر، يخاف أذاه ومشقته ﴿ وطمعاً ﴾ للمقيم، يطمع في رزق الله ويرجو بركة المطر ومنفعته.

وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ يريكم البرق خوفاً وطمعاً ﴾ قال: ﴿ خوفاً ﴾ لأهل البحر ﴿ وطمعاً ﴾ لأهل البر.

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ يريكم البرق خوفاً وطمعاً ﴾ قال: الخوف: ما يخاف من الصواعق، والطمع: الغيث.

وأخرج ابن جرير، عن أبي جهضم موسى بن سالم مولى ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: كتب ابن عباس إلى أبي الجلد يسأله عن البرق فقال: البرق: الماء.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ يريكم البرق ﴾ قال: شعيب الجياني في كتاب الله: الملائكة، حملة العرش أسماؤهم في كتاب الله الحيات، لكل ملك وجه إنسان واسد ونسر، فإذا حركوا أجنحتهم فهو البرق.

قال أمية بن أبي الصلت: رجل وثور تحت رجل يمينه ** والنسر للأخرى وليث مرصد وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يريكم البرق ﴾ قال: ملائكة تمصع بأجنحتها، فذلك البرق.

زعموا أنها تدعى الحيات.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن مسلم رضي الله عنه قال: بلغنا أن البرق له أربعة وجوه: وجه إنسان، ووجه ثور، ووجه نسر، ووجه أسد، فإذا مصع بذنبه فذلك البرق.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه قال: البرق مصع ملك، يسوق السحاب.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب المطر، وأبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: البرق ملك يترايا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والخرائطي في مكارم الأخلاق، والبيهقي في سننه من طرق، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: البرق مخاريق من نار بأيدي ملائكة السحاب، يزجرون به السحاب.

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال: البرق مخاريق يسوق به الرعد السحاب.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: البرق اصطفاق البرد.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في كتاب العظمة، عن كعب رضي الله عنه قال: البرق تصفيق الملك البرد، ولو ظهر لأهل الأرض لصعقوا.

وأخرج الشافعي عن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: إذا رأى أحدكم البرق أو الودق، فلا يشر إليه وليصف ولينعت.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وينشئ السحاب الثقال ﴾ قال: الذي فيه الماء.

وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في كتاب المطر، وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي ذر الغفاري- رضي الله عنه-: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله ينشئ السحاب فينطق أحسن النطق، ويضحك أحسن الضحك» قال إبراهيم بن سعد: النطق، الرعد.

والضحك، البرق.

وأخرج العقيلي وضعفه وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ينشئ الله السحاب، ثم ينزل فيه الماء.

فلا شيء أحسن من ضحكه؛ ولا شيء أحسن من منطقه، ومنطقه الرعد، وضحكه البرق» .

وأخرج ابن مردويه عن عمرو بن بجاد الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسم السحاب عند الله، العنان، والرعد، ملك يزجر السحاب.

والبرق، طرف ملك يقال له روقيل» .

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن خزيمة بن ثابت- وليس بالأنصاري- رضي الله عنه، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن منشأ السحاب فقال: «إن ملكاً موكل بالسحاب يلم القاصية ويلحم الدانية، في يده مخراق، فإذا رفع برقت، وإذا زجر رعدت، وإذا ضرب صعقت» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا ﴾ قال ابن عباس (١) (٢) وقال قتادة (٣) قال أبو إسحاق (٤) (٥) ﴿ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ  ﴾ ، والطمع: للحاضر المقيم؛ لأنه إذا رأى البرق طمع في المطر الذي هو سبب الخصب.

وقوله تعالى: ﴿ وَيُنْشِئُ ﴾ الإنشاء في المعنى كالاختراع وقد مر ذكره في قوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ  ﴾ (٦) (٧) (٨) (١) "زاد المسير" 4/ 313.

(٢) "زاد المسير" 4/ 313، والقرطبي 9/ 295، و"تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 298.

(٣) الطبري 13/ 123، وعبد الرزاق 2/ 33، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 94، وابن كثير 4/ 362، وهو مروي عن ابن عباس "زاد المسير" 4/ 313، و"تنوير المقباس" 156.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 142.

(٥) ما بين القوسين مكرر في (أ)، (ج).

(٦) وقال هناك ما ملخصه: أنشأ: أبدع، يقال: نشأ الشيء ينشأ نشأ ونشأةً ونشاءةً: إذا ظهر وارتفع.

(٧) انظر: الثعلبي 7/ 127 ب، و"زاد المسير" 4/ 313.

(٨) الطبري 13/ 124، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشخ كما في "الدر" 4/ 95، والقرطبي 9/ 295.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يُرِيكُمُ البرق خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ الخوف يكون من البرق من الصواعق والأمور الهائلة، والطمع في المطر الذي يكون معه ﴿ السحاب الثقال ﴾ وصفها بالثقل، لأنها تحمل الماء ﴿ وَيُسَبِّحُ الرعد بِحَمْدِهِ ﴾ الرعد اسم ملك وصوته المسموع تسبيح، وقد جاء في الأثر: أن صوته زجر للسحاب، فعلى هذا يكون تسبيحه غير ذلك ﴿ وَيُرْسِلُ الصواعق ﴾ قيل: إنه إشارة إلى الصاعقة التي نزلت على أربد بن ربيعة الكافر، وقتلته حين هم بقتل النبي صلى الله عليه وسلم هو وأخوه عامر بن الطفيل واللفظ أعم من ذلك ﴿ وَهُمْ يجادلون فِي الله ﴾ يعني الكفار، والواو للاستئناف أو للحال ﴿ شَدِيدُ المحال ﴾ أي شديد القوة، والمحال مشتق من الحيلة، فالميم زائدة، ووزنه مفعل، وقيل: معناه شديد المكر من قولك: محل بالرجل إذا مكر به، فالميم على هذا أصلية ووزنه فعال وتأويل المكر على هذا القول كتأويله في المواضع التي وردت في القرآن.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وزرع ونخيل صنوان وغير ﴾ بالرفع فيهن: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحفص والمفضل.

الآخرون بالجر فيهن عطفاً على ﴿ أعناب ﴾ .

﴿ يسقي ﴾ بالياء المثناة من تحت على تقدير يسقى كله أو للتغليب: ابن عامر وعاصم ويزيد ورويس.

الباقون بتاء التأنيث لقوله: ﴿ جنات ﴾ ﴿ ويفضل ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالنون على ونحن نفضل ﴿ أئذا ﴾ بهمزتين ﴿ إنا ﴾ بهمزة واحدة على أيذا بقلب الثانية ياء والباقي كما مر: نافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آئذا إنا ﴾ بالمد والباقي مثله: زيد وقالون إذا بهمزة واحدة أئنا بهمزتين: ابن عامر.

هشام يدخل بينهما مدة إذا بهمزة واحدة ﴿ آينا ﴾ بهمزة ممدودة ثم ياء: يزيد ﴿ أيذا أينا ﴾ بهمزة ثم ياء فيهما: ابن كثير مثله ولكن بالمد أو عمرو ﴿ أئذا آئنا ﴾ بهمزتين فيهما: عاصم وحمزة وخلف ﴿ هادي ﴾ ﴿ وافى ﴾ ﴿ وإلى ﴾ ﴿ باقي ﴾ في الوقف: يعقوب وابن كثير غير ابن فليح وزمعة، وروى ابن شنبوذ عن قنبل بالياء في الوقف وعن البزي بغير ياء ﴿ المتعالي ﴾ في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق سهل وعباس في الوصل.

الوقوف: ﴿ المر ﴾ كوفي ﴿ آيات الكتاب ﴾ ط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ وأنهارا ﴾ ط ﴿ النهار ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ بماء واحد ﴾ ز قف لمن قرأ ﴿ ونفضل ﴾ بالنون ﴿ في الأكل ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ط ﴿ بربهم ﴾ ط ﴿ في أعناقهم ﴾ ج ﴿ النار ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ المثلات ﴾ ط ﴿ على ظلمهم ﴾ ج لتنافي الجملتين ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ وما تزداد ﴾ ط ﴿ بمقدار ﴾ ه ﴿ المتعال ﴾ ه ﴿ بالنهار ﴾ ه ﴿ من أمر الله ﴾ ط ﴿ ما بأنفسهم ﴾ ط ﴿ فلا مرد له ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ وال ﴾ ه.

التفسير: ﴿ تلك ﴾ الآيات التي في هذه السورة آيات السورة العجيبة الكاملة في بابها ﴿ والذي أنزل إليك من ربك ﴾ أي القرآن كله هو ﴿ الحق ﴾ الذي لا محيد عنه والمراد أنه لا تنحصر الحقية في هذه السورة وحدها.

ثم أخذ في تفصيل الحق فبدأ بالدلالة على صحة المبدأ والمعاد فقال: ﴿ الله ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ الذي ﴾ أو الموصول صفة المبتدأ، وقوله: ﴿ يدبر الأمر يفصل الآيات ﴾ خبر بعد خبر.

والعمد بفتحتين جمع عمود وهو ما يعمد به الشيء شبه الأسطوانة.

وقوله: ﴿ ترونها ﴾ كلام مستأنف على سبيل الاستشهاد أي وأنتم ترونها مرفوعة بلا عماد.

وقال الحسن: في الآية تقديم وتأخير تقديره رفع السموات ترونها مرفوعة بغير عمد وفيه تكلف.

وقيل: ترونها صفة للعمد.

ثم زعم من تمسك بالمفهوم أن للسموات عمدا لكنا لا نراها وما تلك العمد؟

قال بعض الظاهريين: هي جبل من زبرجد محيط بالدنيا يمسى جبل قاف.

ولا يخفى سقوط هذا القول لأن كل جسم لو كان يلزم أن يكون معتمداً على شيء فذلك الجبل أيضاً كان متعمداً على شيء فذلك الجبل أيضا كان معتمداً على شيء وتسلسل.

وقال بعض من ترقى في حضيض الصورة إلى ذروة عالم المعقول: إن تلك العمد هي قدرة الله  وحفظه الذي أوقفها في الجوّ العالي.

ونحن لا نرى ذلك التدبير ولا نعرف كيفية ذلك الإمساك.

أما قوله: ﴿ كل يجري لأجل مسمى ﴾ فعن ابن عباس أن للشمس مائة وثمانين منزلاً في مائة وثمانين يوماً، إنها تعود مرة أخرى إلى واحد واحد منها في أمثال تلك الأيام ومجموع تلك الأيام سنة تامة.

أقول: إن صح عنه فلعله أراد تصاعدها في دائرة نصف النهار وتنازلها عنها في أيام السنة، وأراد نزولها في فلكها الخارج المركز من الأوج إلى الحضيض، ثم صعودها من الحضيض إلى الأوج فإن لها بحسب كل جزء من تلك الأجزاء في كل يوم من أيام السنة تعديلاً خاصاً زائداً أو ناقصاً كما برهن عليه أهل النجوم.

وأما القمر فسيره في منازله مشهور.

وقال سائر المفسرين: المراد كونهما متحركين إلى يوم القيامة وبعد ذلك تنقطع الحركات وتنتهي المسيرات كقوله: { ﴿ وأجل مسمى عنده  ﴾ واللام للتاريخ كما تقول: كتبت لثلاث خلون.

وإنما قال في سورة لقمان ﴿ إلى أجل مسمى  ﴾ موافقة لقبيل ذلك ومن يسلم وجهه إلى الله والقياس لله كما في قوله: ﴿ أسلمت وجهي لله  ﴾ ﴿ يدبر الأمر ﴾ إجمال بعد التفصيل أي أمر العالم العلوي والعالم السفلي من أعلى العرش إلى ما تحت الثرى بحيث لا يشغله شأن عن شأن، لأن تدبيره لعالم الأرواح كتدبيره لعالم الأشباح، وتدبيره للكبير كتدبيره للصغير لا يختلف بالنسبة إلى قدرته أحوال شيء من ذلك في الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة وتبديل الصور والأعراض وتغيير الأشكال والأوضاع ﴿ يفصل الآيات ﴾ الدالة على وحدانيته وقدرته، ويحتمل أن يراد بتدبير الأمر تدبير عالم الملكوت، ويكون معنى تفصيل الآيات إنزال الكتب وبعث الرسل وتكليف العباد الذي هو أثر ذلك العالم في العالم السفلي.

ويجوز أن يكون تدبير الأمر إشارة إلى القضاء، وتفصيل الآيات إشارة إلى القدر.

وقوله: ﴿ لعلكم بلقاء ربكم توقنون ﴾ على كل التفاسير إشارة إلى إثبات المعاد لأن المقر بتبيره وتقديره على الأنهاج المذكور لا بد أن يعترف باقتداره على الإعادة والجزاء.

ولما ذكر الدلائل السماوية أتبعها الدلائل الأرضية فقال: ﴿ وهو الذي مد الأرض ﴾ قال الأصم: أي بسطها إلى ما لا يدرك منتهاه، وهذا الامتداد الظاهر لحس البصر لا ينافي كريتها لتباعد أطرافها ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ أي جبالاً ثوابت في أحيازها غير منتقلة عن أماكنها.

وكيفية تكوّن الجبال على بسيط الأرض لا يعلم تفصيلها إلا موجدها.

وزعمت الفلاسفة أنها من تأثير المسوات في الأجزاء الأرضية القابلة لذلك الأثر بعد امتزاجها بالأجزاء المائية وغيرها، وقد يعين على ذلك نزول الأمطال وهبوب الرياح وهذا إن صح فعلم إجمالي.

وزعم بعضهم أن البحار كانت في جانب الشمال مدة كون حضيض الشمس هناك، وحين انتقل الحضيض إلى الجنوب انجذبت المياه إلى ذلك الجانب لأن الشمس تصير في الحضيض أقرب إلى الأرض فتوجب شدة السخونة الجاذبة للرطوبات فصار الطين اللزج حجراً وحدثت الجبال والأغوار بحسب المواضع المرتفعة والمنخفضة وبإعانة من السموات والآثار العلوية.

وبالجملة فالأسباب تنتهي لا محالة إلى مسبب لا سبب له وهو الله  .

ومن الدلائل الدالة على وجود الصانع ووحدانيته جريان الأنهار العظيمة على وجه الأرض الكائنة فيها من احتباس الأبخرة، وأكثر ذلك أنما يتكّون في الجبال فلذا قرن الجبال بالأنهار في القرآن كثيراً كقوله: ﴿ وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتاً  ﴾ وقد يحصل فيها معادن الفلزات ومواضع الجواهر ومكامن الأجسام المائعة من النفظ والقير والكبريت وغيرها، وكل ذلك دليل على وجود فاعل مختار ومدبر قهار.

ثم يحدث على الأرض بتربية المياه وتغذيتها أنواع النبات فللك قال: ﴿ ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ﴾ وللمفسرين فيه قولان: الأول أنه حين مد الأرض خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوّعت فيكون كل زوجين بالنسبة إلى ذلك النوع كآدم وحواء بالإضافة إلى الإنسان.

القول الثاني: إنه أراد بالزوجين الأسود والأبيض والحلو والحامض والصغير والكبير وما أشبه ذلك من الاختلاف الصنفي.

ووصف الزوجين بالاثنين للتأكيد مثل نفخة واحدة.

أما قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ فقد مر تفسيره في "الأعراف" وإنما ذكر هذا الإنعام في أثناء الدلائل الأرضية لأن النور والظلمة إنما يحدثان في الجوّ الذي يسميه الحكماء كرة النسيم وكرة البحار وليس فيما وراء ذلك ضياء ولا ظلام.

فتعاقب الليل والنهار من جملة الأحداث السفلية وإن كان سببها طلوع الشمس وغروبها في الأفق.

ويحتمل أن يقال: إن هذا دليل سماوي وإنه  عاد مرة أخرى إلى الدليل السماوي ثم إلى الدليل الأرضي وذلك قوله: ﴿ وفي الأرض قطع متجاورات ﴾ أي بقاع مختلفة مع كونها متجاورة ومتلاصقة طيبة إلى سبخة، وصلبة إلى رخوة، وصالحة للزرع لا للشجر إلى أخرى على خلافها، وفي هذا دلالة ظاهرة على أنها بجعل فاعل مختار موقع لأفعاله على حسب إرادته، وكذا الكروم والزروع والنخيل الكائنة في هذه القطع مختلفة الطباع متخالفة الثمار في اللون والطعم والشكل وهي تسقى بماء واحد، فدل ذلك على أن هذه الاختلافات لا تستند إلى الطبيعة فقط ولكنها بتقدير العزيز العليم.

وإنما ذكر الزرع بين الأعناب والنخيل لأنها كثيراً ما تكون كذلك في الوجود كقوله ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً  ﴾ والصنوان جمع صنو وهي النخلة لها رأسان وأصلهما واحد.

وعن ابن الأعرابي: الصنو المثل ومنه قوله  "عم الرجل صنو أبيه" .

فمعنى الآية على هذا أن أشجار النخيل قد تكون متماثلة وقد لا تكون، والأكل الثمر الذي يؤكل.

قاله الزجاج.

وعن غيره أنه عام في جميع المطعومات.

وإنما ختم الآية السابقة بقوله: ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ وهذه بقوله: ﴿ لقوم يعقلون ﴾ لأن المقام الأوّل يحتاج إلى التفكر لأن الفلاسفة يسندون الحوادث السفلية إلى الآباء الأثيرية والأمهات العنصرية، لكن العاقل إذا تفكر في اختصاص كل ممتزج بحيز معين وشكل معين وطبيعة وخاصية مخالفتين لغيره علم أن كل هذه الاختلافات لا تستند إلى أشعة كواكب معدودة ولا إلى طبائع عناصر محصورة كما أشير إلى ذلك بقوله: ﴿ وفي الأرض قطع ﴾ الآية.

ولئن سلم أن الاتصالات الفلكية واختلافات الفواعل والقوابل قد ترتقي إلى حد يظهر منها هذه الآثار فلا بد لكل سبب من الانتهاء إلى مسبب لا سبب فوقه وليس ذلك إلا الله وحده، فهذا مقام لا يجحده إلا عادم عقل بل فاقد حس.

والحاصل أن التفكر في الآيات يوجب عقلية ما جعلت الآيات دليلاً عليه فهو الأوّل المؤدي إلى الثاني والله ولي التوفيق.

ثم عاد  إلى ذكر المعاد فقال: ﴿ وإن تعجب ﴾ قال ابن عباس: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم إياك بعدما كانوا حكموا أنك من الصادقين، فهذا أعجب.

أو إن تعجب من عبادتهم الأصنام بعد الدلائل الدالة على التوحيد، أو إن تعجب يا محمد فقد عجبت في موضع العجب لأنهم اعترفوا بأنه  رفع السموات بغير عمد وسخر الشمس والقمر على وفق مصالح العباد وأظهر الغرائب والعجائب في عالم الخلق، ثم أنكروا الإعادة التي هي أهون وأسهل.

قال المتكلمون: موضع العجب هو الذي لا يعرف سببه وذلك في حقه  محال، فالمراد وإن تعجب ﴿ فعجب ﴾ عندك ﴿ قولهم ﴾ وإن سلم أن المراد عجب عند الله كما قرىء في الصافات ﴿ بل عجبت  ﴾ بضم التاء فتأويله أنه محمول على النهاية لا على البداية أي منكر عند الله ما قالوه فإن الإنسان إذا تعجب من شيء أنكره.

قال في الكشاف ﴿ أئذا كنا ﴾ إلى آخر قولهم، يجوز أن يكون في محل الرفع بدلاً من قولهم، وأن يكون منصوباً بالقول.

وإذا نصب بما دل عليه قوله: ﴿ أئنا لفي خلق جديد ﴾ وهو نبعث أو نحشر.

ثم حكم عليهم بأمور ثلاثة: الأول ﴿ أولئك الذي كفروا بربهم ﴾ يعني أولئك الكاملون المتمادون في كفرهم وذلك أن إنكار البعث لا يكون إلا عن إنكار القدرة أو عن إنكار كمالها بأن يقال: إنه موجب بالذات لا فاعل بالاختيار فلا يمكنه إيجاد الحيوان إلا بواسطة الأبوين وتأثير الطبائع والأفلاك او إنكار العلم بأن يقال: إنه غير عالم بالجزيئات فلا يمكنه تمييز المطيع عن العاصي، أو تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو، أو إنكار الصدق كما إذا قيل: إنه أخبر عنه ولكنه لا يفعل لأن الكذب جائز عليه كما لا يكذب أحدنا بناء على مصلحة عامة أو خاصة وكل واحدة من هذه العقائد كفر فضلاً عن جميعها.

والثاني: ﴿ وأولئك الأغلال في أعناقهم ﴾ قال الأصم: المراد بذلك كفرهم.

وذلتهم وانقيادهم للأصنام.

يقال للرجل هذا غل في عنقك للعمل الرديء إذا كان لازماً له وهو مصر على فعله.

وقال آخرون: هو من جملة الوعيد.

ولا بد من تجوّز على القولين: أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأن المراد أنه سيحصل هذا المعنى.

والظاهر أنه حاصل في الحال ويؤيد القول الثاني قوله: ﴿ إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل ﴾ والأول قوله: ﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً  ﴾ والثالث: ﴿ وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ وربما يستدل الأشاعرة به أن الصيغة للحصر فيدل على أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، ويمكن أن يناقش في إفادتها الحصر.

ثم إنه  كان يهددهم تارة بعذاب الآخرة وكانوا ينكرون البعث لذلك كما تقدم، ويخوفهم تارة أخرى بعذاب الدنيا فيستعجلونه به زعماً منهم أنه كلام لا أصل له وإلى هذا أشير بقوله: ﴿ ويستعجلونك بالسيئة ﴾ بالعذاب والعقوبة التي تسوءهم.

﴿ قيل ﴾ تمام ﴿ الحسنة ﴾ وهي العافية والإحسان إليهم بالإهمال والتأخير ﴿ وقد خلت من قبلهم المثلات ﴾ أي عقوبات أمثالهم من المكذبين فما لهم لا يعتبرون بها؟

وأصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه لأن العقاب مماثل للمعاقب عليه ومنه "المثلة" بالضم والسكون لتقبيح الصورة بقطع الأنف والأذن وسمل العين ونحو ذلك، وذلك أنه ليس تغييراً كلياً لا يماثل الصورة الأولى وإنما ذلك تغيير تبقى الصورة معه قبيحة.

﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ﴾ قالت الأشاعرة: فيه دلالة على جواز العفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبة لأن قوله: ﴿ على ظلمهم ﴾ حال منهم، ومن المعلوم أن الإنسان حال اشتغاله بالظلم لا يكون تائباً لكن الآية دلت على أنه  يغفر الذنوب قبل الاشتغال بالتوبة ترك العمل بها في حق الكافر فيبقى معمولاً بها في حق أهل الكبائر.

لا يقال: إن المراد من هذه المغفرة تأخير العقاب إلى الآخرة ليقع جواباً عن استعجالهم.

أو ألمراد غفران الصغائر لمجتنب الكبائر، أو غفران الكبائر بشرط التوبة فإن تاب وإلا فهو شديد العقاب لأنا نقول: تأخير العقاب إلى الآخرة لا يسمى مغفرة وإلا كان غافراً للكفار.

وأيضاً إنه  مدح نفسه بهذا والتمدح إنما يحصل بالتفضل لا بأداء الواجب.

وعندكم يجب غفران الصغائر لمن اجتنب الكبائر..

وجواب الباقي ما مر عن النبي  : "لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحداً العيش ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد" قال أهل النظم: إن الكفار طعنوا في نبوته بسبب الطعن في الحشر والنشور، ثم طعنوا في نبوّته بسبب استبطاء نزول العذاب، ثم طعنوا في نبوّته بسبب عدم الاعتداد بمعجزاته وذلك قوله: ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد تقدم مثل هذا في "الأنعام" في تفسير قوله: ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه  ﴾ ويجيء مثل هذه بعينها في هذه السورة.

قيل: وليس بتكرار محض لأن المراد بالأول آية مما اقترحوا نحو ما في قوله: ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر  ﴾ الآيات وبالثاني آية ما لأنهم لم يهتدوا إلى أن القرآن آية فوق كل آية وأنكروا سائر آياته  ، أو لعلهم ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر المعجزات فأجاب  تسلية لرسوله ﴿ إنما أنت منذر ﴾ ما عليك إلا الإتيان بما يصح به دعوى إنذارك ورسالتك ﴿ ولكل قوم هاد ﴾ من الأنبياء يدعوهم إلى الله بوجه من الهداية والإرشاد يليق بزمانه وبأمته.

ولم يجعل الأنبياء شرعاً في المعجزات فعلى هذا التقدير المنذر النبي والهادي نبي إلا أن الأول محمد والثاني نبي كل زمان.

وقيل: المنذر محمد والهادي هو الله  قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك.

والمعنى أنهم إن جحدوا كون القرآن معجزاً فلا يضيقن قلبك بسببه فما عليك إلا الإنذار.

وأما الهداية فمن الله.

وقيل: المنذر النبي والهادي هو علي.

روي عن ابن عباس أن رسول الله  وضع يده على صدره فقال: أنا المنذر وأومأ إلى منكب علي فقال: وأنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون بعدي قاله في التفسير الكبير.

ثم أكد المعاني المذكورة في الآيات السابقة بقوله: ﴿ الله يعلم ﴾ لأنه إذا كان عالماً بجميع المعلومات قدر على تمييز أجزاء بدن كل مكلف من غيره فلا يستنكر منه البعث، ويكون نزول العذاب مفوّضاً إلى عمله فلا يجوز استعجاله به، وكذا إنزال الآيات يكون موكولاً إلى تدبيره فإن علم أن المكلفين اقترحوها لأجل الاسترشاد ومزيد البيان أظهرها الله  لهم وإلا فلا، وفيه أن إعطاءه كل منذر آيات خلاف آيات غيره أمر مدبر بالعلم النافذ مقدر بالحكمة الربانية.

وعلى القول الثاني فيه أن من هذه قدرته وهذاعلمه وهو القادر وحده على هدايتهم بأي طريق شاء، وعلى هذا احتمل أن يكون ﴿ الله ﴾ خبر مبتدأ محذوف والجملة مفسرة لـ ﴿ هاد ﴾ أي هو الله.

ثم ابتدأ فقيل: ﴿ يعلم ﴾ ﴿ ما تحمل كل أنثى ﴾ قال في الكشاف: لفظة "ما" في ﴿ ما تحمل ﴾ و ﴿ ما تغيض ﴾ و ﴿ ما تزداد ﴾ إما أن تكون مصدرية والمعنى يعلم حمل كل أنثى ويعلم غيض الأرحام وازديادها أو غيوض ما فيها وزيادته على أن الفعلين غير متعديين فأسند الفعل إلى الأرحام وهو لما فيها.

والازدياد "افتعال" من زاد فأبدلت التاء دالاً، وإنه يتعدى ولا يتعدى كثلاثيه.

أو موصولة والمراد يعلم ما تحمله من الولد ذكورته وأنوثته وتخاطيط أعضائه وسائر أحواله من السعادة وضدها ومن العلم وضده إلى غير ذلك، ويعلم ما تغيضه الأرحام أي تنقصه كقوله: ﴿ وغيض الماء  ﴾ وما تزداده من العدد فقد يكون واحداً وأكثر، ومن الخلقة فقد يكون تماماً أو مخدجاً، ومن المدة فقد يكون أقل من تسعة أشهر أو أزيد إلى سنتين عند أبي حنيفة، وإلى أربع عند الشافعي، وإلى خمس عند مالك، ومن دم الحيض.

قال ابن عباس: كلما سال الحيض يوماً زاد في مدة الحمل يوماً ليحصل الجبر ويعتدل الأمر.

ثم بين كمال علمه ونفاذ أمره بقوله: ﴿ وكل شيء عنده بمقدار ﴾ واحد لا يتجاوزه في طرفي التفريط والإفراط، والمراد بالعندية العلم كما يقال: هذه المسألة عند الشافعي كذا.

وذلك أنه  خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة حسب مشيئته الأزلية وإرادته السرمدية.

وقال حكماء الإسلام: وضع أسباباً كلية وأودع فيها قوى وخواص وحرك الأجرام بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية معينة ومناسبات معلومة مقدّرة، ومن جملتها أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ أي هو عالم بما غاب عن الحسن وبما حضر له، أو بما غاب عن ا لخلق وبما شهدوه أو بالمعدومات وبالموجودات ﴿ الكبير ﴾ في ذاته لا بحسب الحجمية بل بالرتبة والشرف لأنه أجل الموجودات ﴿ المتعال ﴾ المنزه عن كل ما يجوزعليه في ذاته في صفاته وفي أفعاله.

ثم زاد في التأكيد فقال: ﴿ سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ﴾ أي مستوفى علمه هذان لأنه يعلم السر كما يعلم الجهر لا يتفاوت في علمه أحد الحالين ﴿ و ﴾ سواء عنده ﴿ من هو مستخف بالليل وسارب ﴾ على أن ﴿ سارب ﴾ معطوف على ﴿ من ﴾ لا على ﴿ متسخف ﴾ ليتناول معنى الاستواء شخصين: أحدهما مستخف والآخر سارب.

وإلا فلم يتناول إلا واحداً هو مستخف وسارب إلا أن يكون "من" في معنى الاثنين حتى كأنه قيل: سواء منكم اثنان متسخف بالليل وسارب ﴿ بالنهار ﴾ وفي المستخفي والسارب قولان: أحدهما أن المستخفي هو المستتر الطالب للخفاء في ظلمة الليل، والسارب من يضطرب في الطرقات ظاهراً بالنهار يبصره كل أحد.

يقال: سرب في الأرض سروباً أي ذهب في سربه بالفتح والسكون وهو الطريق ويؤديه قول مجاهد: معناه سواء من يقدم على القبائح في ظلمات الليالي ومن يأتي بها في النهار الظاهر على سبيل التوالي.

وثانيهما نقل الواحدي عن الأخفش وقطرب: المستخفي الظاهر من قولهم: "اختفيت الشيء" أي استخرجته، والسارب المتواري الداخل سرباً بفتحتين ومنه انسرب الوحش إذا دخل في كناسه.

وهذا وإن صح من حيث اللغة لكن قرينتي الليل والنهار إنما تساعدان القول الأول، ولهذا أطبق أكثر المفسرين عليه.

ثم ذكر ما يجري في الظاهر مجرى السبب لاستواء علمه بحال المسر والمعلن فقال: ﴿ له ﴾ أي لمن أسر ومن جهر ومن استخفى ومن سرب ﴿ معقبات ﴾ جماعات من الملائكة تعقب في حفظه وكلاءته.

والأصل معتقبات فأدغمت، أو هو على أصله من عقبه بالتشديد إذا جاء على عقبه لأن بعضهم يعقب بعضاً، أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه.

والتأنيث للمبالغة نحو "نسابة" و"علامة"، أو لأنه جمع معقبة أي ملائكة معقبة أو جماعة معقبة.

وقوله: ﴿ من أمر الله ﴾ ليس من صلة الحفظ لأنه قدرة للملك ولا لأحد من الخلق على أن يحفظوا أحداً من قضاء الله وإنما هو صفة أخرى كأنه قيل: له معقبات من أمر الله يحفظونه، أو له معقبات يحفظونه، ثم بين سبب الحفظ فقال: ﴿ من أمر الله ﴾ أي من أجل أن الله أمرهم بحفظه فمن بمعنى الباء وقرأ به عليّ وابن عباس وغيرهما، ويجوز أن يكون صلة على معنى يحفظونه من بأس الله إذا أذنب بدعائهم له ومسألتهم ربهم أن يمهله رجاء أن يتوب.

قال ابن جريج: هو مثل قوله  : ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد  ﴾ صاحب اليمين يكتب الحسنات والذي عن يساره يكتب السيئات.

وقال مجاهد: ما من عبد إلا وله ملك يحفظه من الجن والإنس والهوام في نومه ويقظته.

وقيل: المراد يحفظونه من جميع المهالك من بين يديه ومن خلفه لأن كلاّ من المستخفي والسارب إذا سعى في مهماته فإنما يحذر من الجهتين.

وما الفائدة في تسليط هؤلاء على ابن آدم؟

قال علماء الشريعة: إن الشياطين يدعون إلى المعاصي والشرور وهؤلاء الملائكة يدعون إلى الخيرات والطاعات بالإلهامات الحسنة والإخطارات الشريفة.

وإذا علم ابن آدم أن معه ملائكة يحصون عليه أفعاله وأقواله استحيا منهم وكان ذلك له رادعاً قوياً، وقد مر في هذا الباب كلام في "الأنعام" في قوله: { ﴿ ويرسل عليكم حفظةً ﴾ فليتذكر {الآية: 61].

وللآية تفسير آخر منقول عن ابن عباس وختاره أبو مسلم الأصفهاني قال: المعقبات الحرس وأعوان الملوك، والجملة وهي قوله: ﴿ له معقبات ﴾ صفة للمستخفي والسارب أو حال منه لكونه نكرة موصوفة أي يستوي في علم الله السر والجهر، والمستخفي بظلمة الليل والسارب بالنهار مستظهراً بالمعاونين والأنصار.

والمقصود بعث الأمراء والسلاطين على أن يطلبوا الخلاص عن المكاره بعصمة الله لا بالحرس والأعوان ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿ وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ﴾ ممن يلي أمرهم ويدفع عنهم.

قالت الأشاعرة: في هذا الكلام دلالة على أن العبد غير مستقل في الفعل لأنه إذا كفر العبد فلا شك أنه  حكم بكونه مستحقاً للذم في الدنيا والعقاب في الآخرة، فلو كان العبد مستقلاً لحصل الإيمان وكان راداً لقضاء الله  .

وقالت المعتزلة: هذا معارض بما تقدم عليه من كلام الله وهو قوله: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ لأنه لو ابتدأ بالعبد أول ما يبلغ بالضلال والخذلان كان ذلك من أعظم العقاب مع أنه ما كان منه تغيير.

قالوا: وفيه دليل على أنه لا يعاقب أطفال المشركين بذنوب آبائهم لأنهم لم يغيروا ما بأنفسهم من نعمة فيغير الله ما بهم من النعمة إلى العقاب.

أجابت الأشاعرة بأن هذا راجع إلى قوله: ﴿ ويستعجلونك ﴾ بين الله  بذلك أنه لا ينزل بهم عذاب الاستئصال إلا والمعلوم منهم الإصرار على الكفر حتى قالوا: إذا كان المعلوم أن فيهم من يؤمن أو في أعقابهم من يؤمن فإنه لا يستأصلهم.

ورد بأن هذا خلاف الظاهر وقد صرح بذلك في سورة الأنفال في قوله: ﴿ ذلك بأن لله لم يك مغيراً  ﴾ الآية.

والحق أن ترتب النقمة على تغيير النعمة لا ينافي استناد تغيير النعمة إليه فإنه مبدأ المبادىء وانتهاء الوسائط وسبب الأسباب.

التأويل: ﴿ المر ﴾ الألف الله لا إله إلا هو الحي القيوم، اللام له مقاليد السموات والأرض، الميم مالك يوم الدين، الراء رب العالمين من الأزل إلى الأبد أقسم بهذه الأمور أن الذي أنزل على عبده محمد هو الحق، وأنه حبل الله الذي به يوصل المؤمن من هبوط عالم الطبيعة إلى ذروة عالم الحقيقة لأنه ﴿ الله الذي رفع السموات ﴾ المحسوسة ﴿ بغير عمد ﴾ فكما أنه رفع السموات بقدرته فكذلك رفع الدرجات برحمته، أو كما أنه رفع السموات المحسوسة بعمد القدرة كذلك يرفع سموات القلوب بجذبة العناية، وسخر شمس الروح وقمر القلب أو النفس لتدبير مصالح العالم الصغير.

وإنما تظهر هذه الغرائب والعجائب لحصول كمال الإيقان بالرجوع إلى الله والفناء فيه بل البقاء به.

ومن حسن تدبيره أنه مد أرض البشرية وجعل فيها رواسي من الأوصاف الروحانية وأنهاراً من منابع العناية، ﴿ ومن كل الثمرات ﴾ وهي الملكات والأخلاق ﴿ جعل فيها زوجين اثنين ﴾ ملكة روحانية حميدة وأخرى نفسانية وذميمة.

فالأولى نورانية كالنهار والأخرى ظلمانية كالليل، يغلب هذه تارة وتلك أخرى وهذا معنى قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ وفي أرض الإنسانية ﴿ قطع متجاورات ﴾ هي النفس والقلب والروح السر والخفي حيوانية وملكوتية روحانية وجبروتية وعظموتية ﴿ وجنات ﴾ هي هذه الأعيان المتسعدة لقبول الفيض عند بلوغها ﴿ من أعناب ﴾ هي ثمرة النفس من الصفات التي هي أصل الإسكار كالغفلة والحمق والسهو واللهو ﴿ وزرع ﴾ هو ثمرة القلب فإن القلب كالأرض الطيبة التي منها غذاء الروح ﴿ ونخيل ﴾ هو الروح ذو الأخلاق الحميدة كالكرم والجود والشجاعة والقناعة والحياء والتواضع والشفقة ﴿ صنوان ﴾ هو السر الجبروتي الكاشف عن أسرار الجبروت بين الرب والعبد فإنه إذا حكى السر للعبد كان المحكى مثالاً لما عليه الوجود ﴿ وغير صنوان ﴾ هو الخفي الواقف على أسرار العظموت التي لا مثل لها ولا أمثال ولا تحكى لعبده كما قال { ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ وكما قال: بين المحبين سر ليس يفشيه *** ﴿ يسقى بماء واحد ﴾ هو ماء القدرة والحكمة ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى ﴾ أي ما في استعداد كل مستعد من الفضائل، أو ما في كل ذرّة من ذرّات المكونات من الخواص والطبائع، أو ما في كل منها من الآيات الدالة على موجدها ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ ﴿ وما تغيض الأرحام وما تزداد ﴾ أي ما يظهر من تلك الآيات الاستعدادات في جانبي التفريط والإفراط، والمراد ما ينقص من أرحام الموجودات أو المعدومات فمهما أوجد شيء نقص من رحم العدم واحد وزاد في رحم الوجود واحد وبالعكس في جانب الإعدام.

مستخف بليل العدم وظاهر النهار الوجود له أي لله معقبات من العلم والقدرة من بين يدي المعلوم ومن خلفه أي في حالتي عدمه ووجوده من أزله إلى أبده ﴿ يحفظونه من أمر الله ﴾ أي لأجل أمره حتى لا يخرج من قبضة تدبيره ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم ﴾ من الوجود والعدم ﴿ حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ من استدعاء الوجود أو العدم بلسان استحقاق الوجود أو العدم كما تقتضيه حكمته وتدبيره.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ ﴾ .

قيل: يعلم أنها حملت ذكراً أو أنثى مستوياً أو غير مستوٍ مؤفّاً؛ يخبر - عز وجل - عن علمه وقدرته أنه لا يخفى عليه شيء ولا يعجزه شيء، فإن قيل: هذا دعوى: ما الذي يعلمنا أنه يعلم ذلك؟

قيل: اتساق تدبيره ولطفه يدل على علم ذلك فيه؛ حيث رباه فيه وأنشأه مستوياً غير مؤفٍّ سليماً عن الآفات، ونماء الجوارح كلها على الاستواء؛ لا يكون بعضها [أكبر وأعظم وبعضها] أنقص وبعضها أتم؛ نحو العينين؛ تراهما مستويتين؛ لا زيادة في إحداهما دون الأخرى؛ بل تنموان على الاستواء، وكذلك اليدان والرجلان والأذنان؛ وأمثاله؛ فدلّ ذلك على العلم له به والتدبير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ﴾ .

أي: يعلم ما تغيض الأرحام وما تزداد.

قال عامة أهل التأويل: ﴿ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ ﴾ : ما تنقص عن التسعة الأشهر، ﴿ وَمَا تَزْدَادُ ﴾ : على التسعة الأشهر، فكان الحسن يقول: غيضوضة الرحم: أن تضع لستة أشهر أو لسبعة أشهر أو ثمانية، وأما الزيادة: فما زاد على تسعة أشهر.

وفي حرف أُبي: (اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَضَعُ) ولكن يحتمل قوله: ﴿ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ﴾ وجهين: أحدهما: ﴿ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ ﴾ أي: ما لا تحمل شيئاً؛ وهي التي تكون عقيماً لا تلد، والغيضوضة تكون ذهاب الشيء، قال الله -  -: ﴿ وَغِيضَ ٱلْمَآءُ  ﴾ أي: ذهب.

﴿ وَمَا تَزْدَادُ ﴾ أي: ما تحمل وما تغيض الأرحام، فتلد بدون الوقت الذي تلد النساء، وما تزداد على الوقت الذي تلد النساء.

أو ﴿ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ﴾ في زيادة عدد الأولاد ونقصانهم؛ ما تحمل واحداً أو أكثر من واحد، أو يكون في زيادة قدر نفس الولد ونقصانه؛ لأن من الولد ما يصيبه في البطن آفة؛ فلا يزال يزداد له نقصان في البطن، ومنه ما ينمو ويزداد؛ وأمثاله.

والله أعلم.

﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ﴾ مقدّر بالتقدير؛ ليس على الجزاف؛ على ما يكون عند الخلق، ولكنه بتقدير وتدبير.

﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ ﴾ قال بعضهم: لا يغيب عنه شيء، ولكن هو عالم بالذي يغيب عن الخلق ويشهده الخلق؛ أي: ما يغيب عنهم وما يشهدونه عنده بمحل واحد في العلم به.

وقال بعضهم: ﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ ﴾ : ما غاب بنفسه، وما شهد بنفسه؛ فالغائب بنفسه: هو ما لم يوجد بعد؛ ولم يكن، والشهادة: ما قد وجد وكان، يعلم ما لم يوجد بعد أنه يوجد أو لا يوجد، وإذا وجد، كيف يوجد؛ ومتى يوجد؛ وفي أي: وقت يوجد؛ وما جد وشهد؛ يعلمه شاهداً موجوداً.

على هذين الوجهين يجوز أن تخرج الآية؛ والله أعلم؛ ويعلم ما غاب عنهم مما شهدوا من نحو قوة الطعام في الطعام، والقوة التي في الماء، وماهية البصر والسمع، والعقل والروح، وكيفيتها، وهذا كله مما غاب عن الخلق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْكَبِيرُ ٱلْمُتَعَالِ ﴾ .

[المتعال] عن جميع ما يحتمله الخلق؛ يقال: هذا عظيم القوم؛ وكبيرهم، وهذا واحد زمانه؛ لا يعنون عظيم النفس وكبيره أو توحده من حيث العدد؛ ولكن من حيث نفاذ الأمر له والمشيئة فيهم؛ والعزة والسلطان، وذلة الخلق له والخضوع؛ فعلى ذلك لا [يفهم مما] وصف هو به؛ ما يفهم من الخلق من عظم الجسم وكبر النفس، وعلى ذلك ما وصف هو بأسماء - لا يحتمل ذلك في الخلق، يقال: أوّل وآخر، وظاهر وباطن، وعظيم ولطيف؛ ليعلم أنه ليس يفهم مما أضيف إليه؛ ووصف هو به؛ ما يفهم مما يضاف إلى الخلق؛ إذ من قيل في الشاهد: إنه عظيم - لم يقل إنه لطيف، ومن قيل: إنه أوّل - لم يقل له: آخر، وكذلك الظاهر والباطن؛ إذا وصف بأحدهما انتفى عنه الآخر، وذلك مما وصف به الغائب وأضيف إليه، ليعلم أنه لا يفهم بما يوصف هو به؛ ويضاف إليه ما يفهم؛ مما وصف به الخلق وأضيف إليهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ ﴾ في نفسه في حال انفراده ﴿ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ ﴾ لغيره ﴿ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِٱلَّيلِ ﴾ في ظلمة الليل ﴿ وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ ﴾ .

قيل: ظاهر بالنهار، وقال بعضهم: ﴿ وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ ﴾ : من يكون في السرب وهو الغار بالنهار، وقال بعضهم: من هو مستخف بالليل: أي: ساكن بالليل في مقره، وسارب بالنهار: أي: متصرف متقلب بالنهار في حوائجه.

ذكر هذا صلة ما تقدم؛ وهو قوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ ﴾ ويعلم - أيضاً - ما تزداد، وما ذكر أن عالم الغيب والشهادة، يقول - أيضاً -: يعلم من أسرّ القول، ومن جهر به، ومن كان مستخفياً بالليل أو سارباً بالنهار، أي: يعلم كل شيء؛ لا يخفى عليه شيء: من عمل سرّاً؛ من الخلق؛ أو عمل بظاهر منهم.

يذكر هذا - والله أعلم - ليكونوا على حذر من المعاصي؛ لأن من علم أن عليه رقيباً حفيظاً يكون أحذر وأخوف؛ ممن يعلم أن ليس عليه ذلك.

وقال مقاتل: سواء منكم؛ عند الله؛ من أسر القول ومن جهر به، وسواء منكم من هو مستخف بالليل وسارب بالنهار؛ أي: من هو مستخف بالمعصية في ظلمة الليل، أو هو منتشر بتلك المعصية بالنهار؛ معلن بها؛ فعلم ذلك كله عند الله؛ سواء.

في ذلك تذكير أمرين: أحدهما: يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم؛ من أول حالهم إلى آخر ما ينتهون إليه يستأدي بذلك شكره؛ ليستديموا بذلك تلك النعم أبداً ما كانوا.

والثاني: يذكرهم علمه بجميع أحوالهم وأفعالهم؛ ليكونوا أبداً على حذر من معاصيه، والخلاف له.

أما علمه هو ما ذكر الله: ﴿ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ...

﴾ إلى قوله: ﴿ سَوَآءٌ مِّنْكُمْ...

﴾ الآية.

وأما نعمه [فهو] ما ذكر.

﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ .

وقوله: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ ﴾ قال بعضهم: هم الأمراء، والشرط الذي يحفظونه في ظواهر من أمره؛ يخبر أنه محفوظ عليه الخفيات من أمره؛ حيث قال: ﴿ سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ...

﴾ الآية: حيث أخبر أنه يعلم ذلك ومحفوظ عليه الظواهر من أمره.

وقال بعضهم: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ ﴾ : الملائكة الذين يحفظونه، وعلى ذلك روي في الخبر عن النبي  قال: "يجتمعون فيكم عند صلاة العصر وصلاة الصبح يحفظونه من بين يديه ومن خلفه" ، مثل قوله: ﴿ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ  ﴾ قال: الحسنات من بين يديه والسيئات من خلفه؛ الذي عن يمينه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ لَهُ ﴾ ، أي: لله معقبات يحفظونه، ويحتمل: ﴿ لَهُ ﴾ من كل ذكر وأنثى؛ يكون مثله قوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ ﴾ .

وقوله: ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: يحفظون نفسه من البلايا والنكبات التي تنزل على بني آدم؛ فإن كان في حفظ نفسه فقوله من أمر الله؛ أي: من عذاب الله وبلاياه؛ كقوله: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا  ﴾ ، وهو عذابنا.

ويحتمل قوله: يحفظون أعماله؛ بأمر الله، ثم يحتمل قوله: ﴿ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ \[وجوهاً: يحتمل: من بين يديه: الخيرات التي يعملها، ومن خلفه\]: الشرور والسيئات، ويحتمل قوله: ﴿ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ : ما قدّم من الأعمال، ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ : ما بقي وأخّر؛ كقوله: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ  ﴾ ويحتمل ﴿ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ : ما مضى من الوقت، ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ : ما بقي.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ .

يشبه أن يكون هذه النعمة؛ نعمة الدين من رسول الله  ، أو القرآن، أو ما كان في أمر الدين؛ لا يغير ذلك عليهم إلا بتغيير يكون منهم؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ  ﴾ .

ويحتمل أن يكون ذلك في النعمة الدنياوية؛ من الصحة والسلامة والمال، لا يغير ذلك عليهم إلا بتغيير ذلك من أنفسهم.

فإن قيل: إن الأنبياء قد كانوا بلوا بشدائد وبلايا؛ ولا يحتمل أن يكون ذلك منهم البداية في التغيير.

قيل: أبدلت لهم مكان تلك النعمة خيراً منها فليس ذلك بتغيير؛ ولكن لما ذكرنا أنه أبدلت لهم مكان النعمة نعمة هي خير منها.

ثم ما كان من النعم؛ والأفضال من الطاعات لها حق التجدد والحدوث؛ يكون التغيير عليهم حالة اختيارهم؛ وتغييرهم على أنفسهم، وأما الأفعال التي لها حق البقاء؛ يكون التغيير من الله من بعد؛ وهو من نحو السلامة والصحة والسعة، والذي له حق التجدد والحدوث الطاعات والمعايى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍ سُوۤءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ ﴾ .

الآية ترد على المعتزلة قولهم؛ لأنهم يقولون: إنه لا يريد إلا ما هو أصلح لهم في الدين، وقد أخبر أنه إذا أراد بهم سوءاً؛ ﴿ فَلاَ مَرَدَّ لَهُ...

﴾ \[الآية\].

دل هذا أنه قد يريد بهم السوء إذا غيروا هم ما أنعم الله عليهم، أراد أن يغير عليهم والمعتزلة يقولون يملك الخلق دفع سوء إرادة الله بهم، وإذا أراد الخير يملكون رد ذلك، والله يقول: ﴿ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ  ﴾ ولا مردّ لسوئه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ﴾ .

أي: ليس لهم في دفع العذاب الذي أراد بهم ولي يدفع عنهم أو نصير ينصرهم؛ كقوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هو الذي يريكم - أيها الناس - البرق، ويجمع لكم به الخوف من الصواعق، والطمع في المطر، وهو الذي ينشئ السحاب المثقل بماء المطر الغزير.

<div class="verse-tafsir" id="91.REeAl"

مزيد من التفاسير لسورة الرعد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد