تفسير الآية ١٧ من سورة الرعد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ١٧ من سورة الرعد

أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌۢ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَدًۭا رَّابِيًۭا ۚ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَـٰعٍۢ زَبَدٌۭ مِّثْلُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَـٰطِلَ ۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءًۭ ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَالَ ١٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 132 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١٧ من سورة الرعد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١٧ من سورة الرعد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

اشتملت هذه الآية الكريمة على مثلين مضروبين للحق في ثباته وبقائه ، والباطل في اضمحلاله وفنائه ، فقال تعالى : ( أنزل من السماء ماء ) أي : مطرا ، ( فسالت أودية بقدرها ) أي : أخذ كل واد بحسبه ، فهذا كبير وسع كثيرا من الماء ، وهذا صغير فوسع بقدره ، وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها ، فمنها ما يسع علما كثيرا ، ومنها ما لا يتسع لكثير من العلوم بل يضيق عنها ، ( فاحتمل السيل زبدا رابيا ) أي : فجاء على وجه الماء الذي سال في هذه الأودية زبد عال عليه ، هذا مثل ، وقوله : ( ومما يوقدون عليه في النار ) هذا هو المثل الثاني ، وهو ما يسبك في النار من ذهب أو فضة ( ابتغاء حلية ) أي : ليجعل حلية أو نحاسا أو حديدا ، فيجعل متاعا فإنه يعلوه زبد منه ، كما يعلو ذلك زبد منه .

( كذلك يضرب الله الحق والباطل ) أي : إذا اجتمعا لا ثبات للباطل ولا دوام له ، كما أن الزبد لا يثبت مع الماء ، ولا مع الذهب ونحوه مما يسبك في النار ، بل يذهب ويضمحل; ولهذا قال : ( فأما الزبد فيذهب جفاء ) أي : لا ينتفع به ، بل يتفرق ويتمزق ويذهب في جانبي الوادي ، ويعلق بالشجر وتنسفه الرياح .

وكذلك خبث الذهب والفضة والحديد والنحاس يذهب ، لا يرجع منه شيء ، ولا يبقى إلا الماء وذلك الذهب ونحوه ينتفع به; ولهذا قال : ( وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال ) كما قال تعالى : ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ) [ العنكبوت : 43 ] .

قال بعض السلف : كنت إذا قرأت مثلا من القرآن فلم أفهمه بكيت على نفسي; لأن الله تعالى يقول : ( وما يعقلها إلا العالمون ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : قوله تعالى : ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ) هذا مثل ضربه الله ، احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها ، فأما الشك فلا ينفع معه العمل ، وأما اليقين فينفع الله به أهله .

وهو قوله : ( فأما الزبد فيذهب جفاء ) [ وهو الشك ] ( وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) وهو اليقين ، وكما يجعل الحلي في النار فيؤخذ خالصه ويترك خبثه في النار; فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : قوله : ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ) يقول : احتمل السيل ما في الوادي من عود ودمنة ( ومما يوقدون عليه في النار ) فهو الذهب والفضة والحلية والمتاع والنحاس والحديد ، فللنحاس والحديد خبث ، فجعل الله مثل خبثه كزبد الماء ، فأما ما ينفع الناس فالذهب والفضة ، وأما ما ينفع الأرض فما شربت من الماء فأنبتت .

فجعل ذاك مثل العمل الصالح يبقى لأهله ، والعمل السيئ يضمحل عن أهله ، كما يذهب هذا الزبد ، فكذلك الهدى والحق جاءا من عند الله ، فمن عمل بالحق كان له ، ويبقى كما يبقى ما ينفع الناس في الأرض .

وكذلك الحديد لا يستطاع أن يعمل منه سكين ولا سيف حتى يدخل في النار فتأكل خبثه ، ويخرج جيده فينتفع به .

كذلك يضمحل الباطل إذا كان يوم القيامة ، وأقيم الناس ، وعرضت الأعمال ، فيزيغ الباطل ويهلك ، وينتفع أهل الحق بالحق .

وكذلك روي في تفسيرها عن مجاهد ، والحسن البصري ، وعطاء ، وقتادة ، وغير واحد من السلف والخلف .

وقد ضرب الله ، سبحانه وتعالى ، في أول سورة البقرة للمنافقين مثلين ناريا ومائيا ، وهما قوله : ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ) الآية [ البقرة : 17 ] ، ثم قال : ( أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق ) الآية [ البقرة : 19 ] .

وهكذا ضرب للكافرين في سورة النور مثلين ، أحدهما : قوله : ( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ) [ النور : 39 ] الآية ، والسراب إنما يكون في شدة الحر; ولهذا جاء في الصحيحين : " فيقال لليهود يوم القيامة : فما تريدون ؟

فيقولون : أي ربنا ، عطشنا فاسقنا .

فيقال : ألا تردون ؟

فيردون النار فإذا هي كالسراب يحطم بعضها بعضا " .

ثم قال في المثل الآخر : ( أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ) الآية [ النور : 40 ] .

وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم ، كمثل غيث أصاب أرضا ، فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب أمسكت الماء ، فنفع الله بها الناس ، فشربوا ورعوا وسقوا وزرعوا ، وأصابت طائفة منها [ أخرى ] إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني ونفع به ، فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به " .

فهذا مثل مائي ، وقال في الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " مثلي ومثلكم ، كمثل رجل استوقد نارا ، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي يقعن في النار يقعن فيها ، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها " .

قال : " فذلكم مثلي ومثلكم ، أنا آخذ بحجزكم عن النار ، هلم عن النار [ هلم عن النار ، هلم ] فتغلبوني فتقتحمون فيها " .

وأخرجاه في الصحيحين أيضا فهذا مثل ناري .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر: وهذا مثل ضربه الله للحق والباطل، والإيمان به والكفر.

يقول تعالى ذكره: مثل الحق في ثباته والباطل في اضمحلاله، مثل ماء أنـزله الله من السماء إلى الأرض(فسالت أوديةٌ بقدرها) ، يقول: فاحتملته الأودية بملئها، الكبير بكبره، والصغير بصغره(فاحتمل السيل زبدًا رابيًا) ، يقول: فاحتمل السيل الذي حدث عن ذلك الماء الذي أنـزله الله من السماء، زبدًا عاليًا فوق السيل .

فهذا أحدُ مثلي الحقّ والباطل, فالحق هو الماءُ الباقي الذي أنـزله الله من السماء, والزبد الذي لا ينتفع به هو الباطل .

والمثل الآخر: (ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية) يقول جل ثناؤه: ومثلٌ آخر للحقّ والباطل, مثل فضة أو ذهب يوقد عليها الناس في النار طلب حلية يتخذونها أو متاع, وذلك من النحاس والرصاص والحديد, يوقد عليه ليتخذ منه متاع ينتفع به، (زبد مثله) ، يقول تعالى ذكره: ومما يوقدون عليه من هذه الأشياء زبد مثله, يعني: مثل زبد السَّيل لا ينتفع به ويذهب باطلا كما لا ينتفع بزبد السَّيل ويذهب باطلا .

* * * ورفع " الزبد " بقوله: (ومما يوقدون عليه في النار) .

* * * ومعنى الكلام: ومما يوقدون عليه في النار زبدٌ مثلُ زبد السيل في بطول زبده, وبقاء خالص الذهب والفضة .

يقول الله تعالى: (كذلك يضرب الله الحق والباطل) ، يقول: كما مثَّل الله مثلَ الإيمان والكفر، (20) في بُطُول الكفر وخيبة صاحبه عند مجازاة الله، بالباقي النافع من ماء السيل وخالص الذهب والفضة, كذلك يمثل الله الحق والباطل (فأما الزبد فيذهب جُفَاء) يقول: فأما الزبد الذي علا السيل والذهب والفضة والنحاس والرصاص عند الوقود عليها, فيذهب بدفع الرياح وقذف الماء به، وتعلُّقه بالأشجار وجوانب الوادي(وأما ما ينفع الناس) من الماء والذهب والفضة والرصاص والنحاس, فالماء يمكثُ في الأرض فتشربه, والذهب والفضة تمكث للناس(كذلك يضرب الله الأمثال) يقول: كما مثَّل هذا المثل للإيمان والكفر, كذلك يمثل الأمثال .

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

*ذكر من قال ذلك: 20311- حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: (أنـزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) فهذا مثل ضربه الله، احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكّها, فأما الشك فلا ينفع معه العمل, وأما اليقين فينفع الله به أهله, وهو قوله: (فأما الزبد فيذهب جفاء) ، وهو الشك(وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)، وهو اليقين, كما يُجْعل الحَلْيُ في النار فيؤخذ خالصُه ويترك خَبَثُه في النار, فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك .

20312- حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (أنـزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدًا رابيًا) ، يقول: احتمل السيل ما في الوادي من عود ودِمْنة، (ومما يوقدون عليه في النار) فهو الذهب والفضة والحلية والمتاع والنحاس والحديد, وللنحاس والحديد خَبَث, فجعل الله مثل خبثه كزبد الماء .

فأما ما ينفع الناس فالذهب والفضة, وأما ما ينفع الأرض فما شربت من الماء فأنبتت .

فجعل ذلك مثل العمل الصالح يبقى لأهله, والعمل السيءُ يضمحل عن أهله, كما يذهب هذا الزبد, فكذلك الهدى والحق جاء من عند الله, فمن عمل بالحق كان له، وبقي كما يبقى ما ينفع الناس في الأرض.

وكذلك الحديد لا يستطاع أن تجعل منه سكين ولا سيف حتى يدخل في النّار فتأكل خبَثَه, فيخرج جيّده فينتفع به.

فكذلك يضمحل الباطل إذا كان يوم القيامة، وأقيم الناس, وعرضت الأعمال, فيزيغ الباطل ويهلك, وينتفع أهل الحق بالحق, ثم قال: (ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حِلْية أو متاع زبدٌ مثله).

20313- حدثني يعقوب قال: حدثنا ابن علية, عن أبي رجاء, عن الحسن, في قوله: (أنـزل من السماء ماء فسالت أودية) إلى: (أو متاع زبد مثله) ، فقال: ابتغاء حلية الذهب والفضة, أو متاع الصُّفْر والحديد .

قال: كما أوقد على الذهب والفضة والصُّفْر والحديد فخلص خالصه.

قال: (كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاءً وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) ، كذلك بقاء الحق لأهله فانتفعوا به .

20314- حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني قال: حدثنا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدًا يقول: (أنـزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) ، قال: ما أطاقت ملأها(فاحتمل السيل زبدًا رابيًا) قال: انقضى الكلام, ثم استقبل فقال: (ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله) قال: المتاع: الحديد والنحاس والرصاص وأشباهه(زبد مثله) قال: خَبَثُ ذلك مثل زَبَد السيل .

قال: (وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)، وأما الزبد فيذهب جفاء، قال: فذلك مثل الحق والباطل .

20315- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عبد الله بن كثير, عن مجاهد: أنه سمعه يقول: فذكر نحوه وزاد فيه، قال: قال ابن جريج: قال مجاهد قوله: (فأما الزبد فيذهب جفاء) قال: جمودًا في الأرض,(وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) ، يعني الماء.

وهما مثلان: مثل الحق والباطل .

20316- حدثنا الحسن قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: (زبدًا رابيًا) السيل مثل خَبَث الحديد والحلية(فيذهب جفاء) جمودًا في الأرض (ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله) ، الحديد والنحاس والرصاص وأشباهه .

وقوله: (وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) ، إنما هما مثلان للحق والباطل .

20317- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد 20318- ...

قال، وحدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد يزيد أحدهما على صاحبه في قوله: ( فسالت أودية بقدرها) قال: بملئها(فاحتمل السيل زبدًا رابيًا) ، قال: الزبد: السيل(ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله) ، قال: خبث الحديد والحلية(فأما الزبد فيذهب جفاء) قال: جمودًا في الأرض(وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) قال: الماء وهما مثلان للحق والباطل .

20319- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (أنـزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) ، الصغير بصغره، والكبير بكبره(فاحتمل السيل زبدًا رابيًا) أي عاليًا(ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء) و " الجفاء ": ما يتعلق بالشجر(وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) .

هذه ثلاثة أمثال ضربَها الله في مثلٍ واحد.

يقول: كما اضمحلّ هذا الزبد فصار جُفاءً لا ينتفع به ولا تُرْجى بركته, كذلك يضمحلّ الباطل عن أهله كما اضمحل هذا الزبد, وكما مكث هذا الماء في الأرض, فأمرعت هذه الأرض وأخرجت نباتها, كذلك يبقى الحق لأهله كما بقي هذا الماء في الأرض, فأخرج الله به ما أخرج من النبات قوله: (ومما يوقدون عليه في النار) الآية, كما يبقى خالص الذهب والفضة حين أدخل النار وذهب خَبَثه, كذلك يبقى الحق لأهله قوله: (أو متاع زبد مثله) ، يقول: هذا الحديد والصُّفْر الذي ينتفع به فيه منافع.

يقول: كما يبقى خالص هذا الحديد وهذا الصُّفر حين أدخل النار وذهب خَبَثه, كذلك يبقى الحق لأهله كما بقي خالصهما .

20320- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (فسالت أودية بقدرها) ، الكبير بقدره، والصغير بقدره(زبدًا رابيًا) قال: ربا فوق الماء الزبد" ومما يوقدون عليه في النار " قال: هو الذهب إذا أدخل النار بقي صَفْوه ونُفِيَ ما كان من كَدَره.

وهذا مثل ضربه الله .

للحق والباطل(فأما الزبد فيذهب جفاء) ، يتعلق بالشجر فلا يكون شيئًا.

هذا مثل الباطل(وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) ، وهذا يخرج النبات.

وهو مثل الحق(أو متاع زبد مثله) قال: " المتاع "، الصُّفْر والحديد .

20321- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا هوذة بن خليفة قال: حدثنا عوف قال: بلغني في قوله: (أنـزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) قال: إنما هو مثل ضربه الله للحق والباطل(فسالت أودية بقدرها) الصغير على قدره, والكبير على قدره, وما بينهما على قدره (فاحتمل السيل زبدًا رابيًا) يقول: عظيمًا, وحيث استقرَّ الماءُ يذهب الزبد جفاءً فتطير به الريح فلا يكون شيئًا, ويبقى صريح الماء الذي ينفع الناس، منه شرابهم ونباتهم ومنفعتهم(أو متاع زبد مثله) ، ومثل الزبد كلّ شيء يوقد عليه في النار الذهب والفضة والنحاس والحديد, فيذهب خَبَثُه ويبقى ما ينفع في أيديهم, والخبث والزَّبد مثل الباطل, والذي ينفع الناس مما تحصَّل في أيديهم مما ينفعهم المال الذي في أيديهم .

20322- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: " ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله " قال: هذا مثل ضربه الله للحق والباطل .

فقرأ: (أنـزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدًا رابيًا) هذا الزبد لا ينفع(أو متاع زبد مثله) ، هذا لا ينفع أيضًا قال: وبقي الماءُ في الأرض فنفع الناس, وبقي الحَلْيُ الذي صلح من هذا, فانتفع الناس به(فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال) ، وقال: هذا مثل ضربه الله للحق والباطل .

20323- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: (أودية بقدرها) قال: الصغير بصغره, والكبير بكبره .

20324- حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا طلحة بن عمرو, عن عطاء: ضرب الله مثلا للحق والباطل, فضرب مثل الحق كمثل السيل الذي يمكث في الأرض, وضرب مثل الباطل كمثل الزبد الذي لا ينفع الناس .

* * * وعنى بقوله: (رابيًا) ، عاليًا منتفخًا, من قولهم: رَبَا الشيء يَرْبُو رُبُوًا فهو رابٍ, ومنه قيل للنَّشْز من الأرض كهيئة الأكمة: " رابية " ، ومنه قول الله تعالى: اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ .

[سورة الحج5/سورة فصلت39].

(21) * * * وقيل للنحاس والرصاص والحديد في هذا الموضع " المتاع "، لأنه يستمتع به, وكل ما يتمتع به الناس فهو " متاع " ، (22) كما قال الشاعر: (23) تَمَتَّــعْ يــا مُشَــعَّثُ إنَّ شَــيْئًا سَــبَقْتَ بِـهِ المَمَـاتَ هُـوَ المَتَـاعُ (24) * * * وأما الجفاء فإني: 20325- حدثت عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، قال أبو عمرو بن العلاء: يقال: قد أجفأت القِدْرُ, وذلك إذا غلت فانصبَّ زَبدها, أو سَكنَت فلا يبقى منه شيءٌ .

(25) * * * وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة، أن معنى قوله: (فيذهب جفاء) تنشِفهُ الأرض, وقال: يقال: جفا الوادي وأجفى في معنى نشف," وانجفى الوادي" (26) ، إذا جاء بذلك الغثاء," وغَثَى الوادي فهو يَغْثَى غَثْيًا وغَثَيَانًا " (27) وذكر عن العرب أنها تقول: " جفأتُ القدر أجفؤها "، إذا أخرجتَ جُفَاءها, وهو الزبد الذي يعلوها و " أجفأتها إجفاء " لغة .

قال: وقالوا: " جفأت الرجل جَفْأً": صرعته .

وقيل: (فيذهب جفاء) بمعنى " جفأ ", لأنه مصدر من قول القائل: " جفأ الوادي غُثاءه, فخرج مخرج الاسم، وهو مصدر, كذلك تفعل العرب في مصدر كلّ ما كان من فعل شيء اجتمع بعضُه إلى بعض كـ" القُمَاش والدُّقاق والحُطام والغُثَاء ", تخرجه على مذهب الاسم, كما فعلت ذلك في قولهم: " أعطيتُه عَطاء ", بمعنى الإعطاء, ولو أريد من " القماش " ، المصدر على الصحة لقيل: " قد قمشه قَمْشًا " .

-------------------------- الهوامش : (20) في المطبوعة :" كما مثل الله الإيمان .." ، حذف ما أثبته من المخطوطة .

(21) انظر تفسير" ربا" فيما سلف 6 : 7 .

(22) انظر تفسير" المتاع" فيما سلف 15 : 146 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .

(23) هو المشعث العامري ، وبهذا البيت سمي" مشعثًا" .

(24) الأصمعيات رقم : 48 ، ومعجم الشعراء : 475 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 328 ، واللسان ( متع ) ، وهي أبيات جياد ، يقول بعد البيت : بــإصْر يَــتَّرِكْنِي الحــيُّ يومًـا رَهينــةَ دَارِهــمْ , وَهُــمُ سِـرَاعُ وجــاءَتْ جَيْــأَلٌ وَأبُــو بَنِيهَـا أَحَـــمُّ المَــأْقِيَيْنِ بِــهِ خُمَــاعُ فظَــلاَّ ينْبِشــانِ الــتُّرْبَ عنِّـي ومــا أنَـا وَيْـبَ غـيْرِك والسِّـباعُ يقول : ليأتيني الأجل ، فيتركني أهلي دفينًا في ديارهم ، ثم يسرعون الرحيل .

ثم تأتي" جيأل" ، وهي أنثى الضباع ، ويأتي ذكرها ، أسود مأق العين ، يخمع ويعرج ، فينبشان الترب عني ، ولا دفع عندي لما يفعلان .

(25) هذا نص كلام أبي عبيدة في مجاز القرآن 1 : 329 .

(26) هذا نص لا شبيه له في كتب اللغة في مادة ( جفا ) ، ولا في مادة ( جفأ ) ، وبين أنه أراد" جفا وأجفى" المعتل الآخر ، لا المهموز ، ولا أدري من قاله .

(27) هذا أيضًا لا أدري من قاله قبل زمان أبي جعفر ، إلا أن صاحب اللسان ذكر مثله عن ابن جني ، والمعروف عند أهل اللغة :" غثا الوادي يغثو" .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال[ ص: 266 ] قوله تعالى : أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ضرب مثلا للحق والباطل ; فشبه الكفر بالزبد الذي يعلو الماء ، فإنه يضمحل ويعلق بجنبات الأودية ، وتدفعه الرياح ; فكذلك يذهب الكفر ويضمحل ، على ما نبينه .

قال مجاهد : فسالت أودية بقدرها قال : بقدر ملئها .

وقال ابن جريج : بقدر صغرها وكبرها .

وقرأ الأشهب العقيلي والحسن " بقدرها " بسكون الدال ، والمعنى واحد .

وقيل : معناها بما قدر لها .

والأودية .

جمع الوادي ; وسمي واديا لخروجه وسيلانه ; فالوادي على هذا اسم للماء السائل .

وقال أبو علي : فسالت أودية توسع ; أي سال ماؤها فحذف ، قال : ومعنى " بقدرها " بقدر مياهها ; لأن الأودية ما سالت بقدر أنفسها .

فاحتمل السيل زبدا رابيا أي طالعا عاليا مرتفعا فوق الماء ; وتم الكلام ; قاله مجاهد .

ثم قال : ومما يوقدون عليه في النار وهو المثل الثاني .

ابتغاء حلية أي حلية الذهب والفضة .

أو متاع زبد مثله قال مجاهد : الحديد والنحاس والرصاص .

وقوله : " زبد مثله " أي يعلو هذه الأشياء زبد كما يعلو السيل ; وإنما احتمل السيل الزبد لأن الماء خالطه تراب الأرض فصار ذلك زبدا ، كذلك ما يوقد عليه في النار من الجوهر ومن الذهب والفضة مما ينبث في الأرض من المعادن فقد خالطه التراب ; فإنما يوقد عليه ليذوب فيزايله تراب الأرض .

وقوله : كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء قال مجاهد : جمودا .

وقال أبو عبيدة قال أبو عمرو بن العلاء : أجفأت القدر إذا غلت حتى ينصب زبدها ، وإذا جمد في أسفلها .

والجفاء ما أجفاه الوادي أي رمى به .

وحكى أبو عبيدة أنه سمع رؤبة يقرأ " جفالا " قال أبو عبيدة : يقال أجفلت القدر إذا قذفت بزبدها ، وأجفلت الريح السحاب إذا قطعته .

وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض قال مجاهد : هو الماء الخالص الصافي .

وقيل : الماء وما خلص من الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص ; وهو أن المثلين ضربهما الله للحق في ثباته ، والباطل في اضمحلاله ، فالباطل وإن علا في بعض الأحوال فإنه يضمحل كاضمحلال الزبد والخبث .

وقيل : المراد مثل ضربه الله للقرآن وما يدخل منه القلوب ; فشبه القرآن بالمطر لعموم خيره وبقاء نفعه ، وشبه القلوب بالأودية ، يدخل فيها من القرآن مثل ما يدخل في الأودية بحسب [ ص: 267 ] سعتها وضيقها .

قال ابن عباس : أنزل من السماء ماء قال : قرآنا ، فسالت أودية بقدرها قال : الأودية قلوب العباد .

قال صاحب " سوق العروس " إن صح هذا التفسير فالمعنى فيه أن الله سبحانه مثل القرآن بالماء .

ومثل القلوب بالأودية ، ومثل المحكم بالصافي ، ومثل المتشابه بالزبد .

وقيل : الزبد مخايل النفس وغوائل الشك ترتفع من حيث ما فيها فتضطرب من سلطان تلعها ، كما أن ماء السيل يجري صافيا فيرفع ما يجد في الوادي باقيا ، وأما حلية الذهب والفضة فمثل الأحوال السنية .

والأخلاق الزكية ; التي بها جمال الرجال ، وقوام صالح الأعمال ، كما أن من الذهب والفضة زينة النساء ، وبهما قيمة الأشياء .

وقرأ حميد وابن محيصن ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي وحفص ، يوقدون بالياء واختاره أبو عبيد ; لقوله : ينفع الناس فأخبر ، ولا مخاطبة هاهنا .

الباقون بالتاء لقوله في أول الكلام : أفاتخذتم من دونه أولياء .

وقوله : " في النار " متعلق بمحذوف ، وهو في موضع الحال ، وذو الحال الهاء التي في " عليه " التقدير : ومما توقدون عليه ثابتا في النار أو كائنا .

وفي قوله : " في النار " ضمير مرفوع يعود إلى الهاء التي هي اسم ذي الحال ولا يستقيم أن يتعلق " في النار " ب " يوقدون " من حيث لا يستقيم أوقدت عليه في النار ; لأن الموقد عليه يكون في النار ، فيصير قوله : " في النار " غير مفيد .

وقوله : " ابتغاء حلية " مفعول له .

" زبد مثله " ابتداء وخبر ; أي زبد مثل زبد السيل .

وقيل : إن خبر " زبد " قوله : " في النار " .

الكسائي : " زبد " ابتداء ، و " مثله " نعت له ، والخبر في الجملة التي قبله ، وهو مما يوقدون .

" كذلك يضرب الله الأمثال " أي كما بين لكم هذه الأمثال فكذلك يضربها بينات .

تم الكلام ،

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

شبّه تعالى الهدى الذي أنزله على رسوله لحياة القلوب والأرواح، بالماء الذي أنزله لحياة الأشباح، وشبّه ما في الهدى من النفع العام الكثير الذي يضطر إليه العباد، بما في المطر من النفع العام الضروري، وشبه القلوب الحاملة للهدى وتفاوتها بالأودية التي تسيل فيها السيول، فواد كبير يسع ماء كثيرا، كقلب كبير يسع علما كثيرا، وواد صغير يأخذ ماء قليلا، كقلب صغير، يسع علما قليلا، وهكذا.

وشبه ما يكون في القلوب من الشهوات والشبهات عند وصول الحق إليها، بالزبد الذي يعلو الماء ويعلو ما يوقد عليه النار من الحلية التي يراد تخليصها وسبكها، وأنها لا تزال فوق الماء طافية مكدرة له حتى تذهب وتضمحل، ويبقى ما ينفع الناس من الماء الصافي والحلية الخالصة.

كذلك الشبهات والشهوات لا يزال القلب يكرهها، ويجاهدها بالبراهين الصادقة، والإرادات الجازمة، حتى تذهب وتضمحل ويبقى القلب خالصا صافيا ليس فيه إلا ما ينفع الناس من العلم بالحق وإيثاره، والرغبة فيه، فالباطل يذهب ويمحقه الحق { إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا } وقال هنا: { كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ } ليتضح الحق من الباطل والهدى والضلال.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أنزل ) يعني : الله عز وجل ( من السماء ماء ) يعني : المطر ( فسالت ) من ذلك الماء ( أودية بقدرها ) أي : في الصغر والكبر ( فاحتمل السيل ) الذي حدث من ذلك الماء ( زبدا رابيا ) الزبد : الخبث الذي يظهر على وجه الماء ، وكذلك على وجه القدر ، " رابيا " أي عاليا مرتفعا فوق الماء ، فالماء الصافي الباقي هو الحق ، والذاهب الزائل الذي يتعلق بالأشجار وجوانب الأودية هو الباطل .

وقيل : قوله " أنزل من السماء ماء " : هذا مثل للقرآن ، والأودية مثل للقلوب ، يريد : ينزل القرآن فتحمل منه القلوب على قدر اليقين ، والعقل ، والشك ، والجهل .

فهذا أحد المثلين ، والمثل الآخر : قوله عز وجل : ( ومما يوقدون عليه في النار ) .

قرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص ( يوقدون ) بالياء لقوله تعالى : ( ما ينفع الناس ) ولا مخاطبة هاهنا .

وقرأ الآخرون بالتاء " ومما توقدون " أي : ومن الذي توقدون عليه في النار .

والإيقاد : جعل النار تحت الشيء ليذوب .

( ابتغاء حلية ) أي : لطلب زينة ، وأراد الذهب والفضة ; لأن الحلية تطلب منهما ( أو متاع ) أي : طلب متاع وهو ما ينتفع به ، وذلك مثل الحديد ، والنحاس ، والرصاص ، والصفر تذاب فيتخذ منها الأواني وغيرها مما ينتفع بها ( زبد مثله ) .

( كذلك يضرب الله الحق والباطل ) أي : إذا أذيب فله أيضا زبد مثل زبد الماء ، فالباقي الصافي من هذه الجواهر مثل الحق ، والزبد الذي لا ينتفع به مثل الباطل .

( فأما الزبد ) الذي علا السيل والفلز ( فيذهب جفاء ) أي : ضائعا باطلا ، والجفاء ما رمى به الوادي من الزبد ، والقدر إلى جنباته .

يقال : جفا الوادي وأجفأ : إذا ألقى غثاءه ، وأجفأت القدر وجفأت : إذا غلت وألقت زبدها ، فإذا سكنت لم يبق فيها شيء .

معناه : إن الباطل وإن علا في وقت فإنه يضمحل .

وقيل : " جفاء " أي : متفرقا .

يقال : جفأت الريح الغيم إذا فرقته وذهبت به .

( وأما ما ينفع الناس ) يعني : الماء والفلز من الذهب والفضة والصفر والنحاس ( فيمكث في الأرض ) أي : يبقى ولا يذهب .

( كذلك يضرب الله الأمثال ) جعل الله تعالى هذا مثلا للحق والباطل ، أي : أن الباطل كالزبد يذهب ويضيع ، والحق كالماء والفلز يبقى في القلوب .

وقيل : هذا تسلية للمؤمنين ، يعني : أن أمر المشركين كالزبد يرى في الصورة شيئا وليس له حقيقة ، وأمر المؤمنين كالماء المستقر في مكانه له البقاء والثبات .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ثم ضرب مثلا للحق والباطل فقال «أنزل» تعالى «من السماء ماء» مطرا «فسالت أودية بقدرها» بمقدار ملئها «فاحتمل السيل زبدا رابيا» عاليا عليه هو ما على وجهه من قذر ونحوه «ومما توقدون» بالتاء والياء «عليه في النار» من جواهر الأرض كالذهب والفضة والنحاس «ابتغاه» طلب «حلية» زينة «أو متاع» ينتفع به كالأواني إذا أذيبت «زبد مثله» أي مثل زبد السيل وهو خبثه الذي ينفيه الكير «كذلك» المذكور «يضرب الله الحق والباطل» أي مثلهما «فأما الزبد» من السيل وما أوقد عليه من الجواهر «فيذهب جفاءً» باطلا مرميا به «وأما ما ينفع الناس» من الماء والجواهر «فيمكث» يبقى «في الأرض» زمانا كذلك الباطل يضمحل وينمحق وإن علا على الحق في بعض الأوقات والحق ثابت باقي «كذلك» المذكور «يضرب» يبيِّن «الله الأمثال».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ثم ضرب الله سبحانه مثلا للحق والباطل بماء أنزله من السماء، فجَرَت به أودية الأرض بقدر صغرها وكبرها، فحمل السيل غثاء طافيًا فوقه لا نفع فيه.

وضرب مثلا آخر: هو المعادن يوقِدون عليها النار لصهرها طلبًا للزينة كما في الذهب والفضة، أو طلبًا لمنافع ينتفعون بها كما في النحاس، فيخرج منها خبثها مما لا فائدة فيه كالذي كان مع الماء، بمثل هذا يضرب الله المثل للحق والباطل: فالباطل كغثاء الماء يتلاشى أو يُرْمى إذ لا فائدة منه، والحق كالماء الصافي، والمعادن النقية تبقى في الأرض للانتفاع بها، كما بيَّن لكم هذه الأمثال، كذلك يضربها للناس؛ ليتضح الحق من الباطل والهدى من الضلال.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ضرب - سبحانه - مثلين للحق هما الماء الصافى والجوهر النقى للذين ينتفع بهما ، ومثلين للباطل هما زبد الماء وزبد الجوهر اللذان لا نفع فيهما فقال - تعالى - ( أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فاحتمل السيل زَبَداً رَّابِياً ) .والأودية : جمع واد وهو الموضع المتسع الممتد من الأرض الذى يسيل فيه الماء بكثرة ، .والسيل : الماء الجارى فى تلك الأودية .والزبد : هو الغثاء الذى يعلو على وجه الماء عند اشتداد حركته واضطرابه أو ما يعلو القدر عند الغليان ويسمى بالرغوة والوضر والخبث لعدم فائدته ، ورابيا : من الربو بمعنى العلو والارتفاع .والمعنى : أنزل الله - تعالى - من السماء ماء كثيرا .

ومطرا مدارا ، فسالت أودية بقدرها ، أى : فسالت المياه فى الأدوية بسبب هذا الإِنزال ، بمقدارها الذى حدده الله - تعالى - واقتضته حكمته فى نفع الناس .أو بمقدارها قلة وكثرة ، بحسب صغر الأودية وكبرها ، واتساعها وضيقها ( فاحتمل السيل زَبَداً رَّابِياً ) أى فحمل الماء السائل فى الأدوية بكثرة وقوة ، غثاء عاليا مرتفعا فوق الماء طافيا عليه ، لا نفع فيه ولا فائدة منه .وإلى هنا يكون قد انتهى المثل الأول ، حيث شبه - سبحانه - الحق وأهله فى الثبات والنفع بالماء الصافى الذى ينزل من السماء فتمتلئ به الأودية ويبقى محل انتفاع الناس به إلى الوقت المحدد فى علم الله - تعالى - .وشبه الباطل وشيعته فى الاضمحلال وعدم النفع ، بزبد السيل المنتفخ المرتفع فوق سطح الماء ، فإنه مهما علا وارتفع فإنه سرعان ما يضمحل ويفنى وينسلخ عن المنفعة والفائدة .ثم ابتدأ - سبحانه - فى ضرب المثل الثانى فقال : ( وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النار ابتغآء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ) .و ( من ) فى قوله ( وَمِمَّا يُوقِدُونَ ) لا بتداء الغاية ، وما موصولة ، ويوقدون من الإيقاد وهو جعل الحطب وما يشبهه فى النار ليزيد اشتعالها .والجملة فى محل رفع خبر مقدم ، وقوله " زبد " مبتدأ مؤخر .والحلية : ما يتحلى به الإِنسان من الذهب والفضة وغيرهما .والمتاع : ما يتمتع به فى حياته من الأوانى والآلات المتخذة من الحديد والرصاص وأشباههما .والضمير فى قوله ( مثله ) يعود إلى الزبد فى قوله - تعالى - ( زَبَداً رَّابِياً ) .وقد قرأ حمزة والكسائى وحفص ( يوقدون ) وقرأ الباقون توقدون بالتاء .والضمير للناس ، واضمر مع عدم سبق ذكره لظهوره .والمعنى : وشبيه بالمثل السابق فى خروج الزبد والخبث وطرحه بعيدا عن الأشياء النافعة ، ما توقدون عليه النار من والمعادن والجواهر ، لكى تستخرجوا منها ما ينفعكم من الحلى والأمتعة المتنوعة ، فإنكم فى مثل هذه الحالة ، تبقون على النقى النافع منها ، وتطرحون الزبد والخبث الذى يلفظه الكير ، والذى هو مثل زبد السيل فى عدم النفع .فقد شبه - سبحانه - فى هذا المثل الثانى الحق وأهله فى البقاء والنفع بالمعادن النافعة الباقية ، وشبه الباطل وحزبه فى الفناء وعدم النفع بخبث الحديد الذى يطرحه كير الحداد ، ويهمله الناس .ثم بين - سبحانه - المقصود من ضرب هذه الأمثال فقال : ( كذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل ) .أى : مثل ذلك البيان البديع ، يضرب الله الأمثلة للحق وللباطل إذا اجتمعنا بأن يبين بأنه لاثبات للباطل - مهما علا وانتفخ - مع وجود الحق ، كما انه لاثبات للزبد مع الماء الصافى ، ولا مع المعادن النقية .والكلام على حذف مضاف والتقدير : يضرب الله مثل الحق ومثل الباطل .وسر الحذف : الإِنباء عن كمال التماثل بين الممثل والممثل به ، حتى لكأن المثل المضروب هو عين وعين الباطل .ثم شرع - سبحانه - فى تقسيم المثل فقال : ( فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض )أى : فأما الزبد الذى لفظه السيل والحديد فيذهب ( جفاء ) مرميا به ، مطروحا بعيدا ، لأنه لا نفع فيه .يقال : جفأ الماء بالزبد ، إذا قذفه ورمى به ، وجفأت الريح الغيم ، إذا مزقته وفرقته ، والجفاء بمعنى الغثاء .وأما ما ينفع الناس من الماء الصافى ، والمعدن النقى الخالى من الخبث ( فَيَمْكُثُ فِي الأرض ) أى فيبقى فيها لينتفع الناس به .وبدأ - سبحانه - بالزبد فى البيان فقال ( فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ ) مع أنه متأخر فى الكلام السابق لأن الزبد هو الظاهر المنظور أولا لأعين الناس ، أما الجوهر فهو مستتر خلفه لأنه هو الباقى النافع .أو لأنه جرت العادة فى التقسيم أن يبدأ بالمتأخر كما فى قوله - تعالى - ( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ ) وقوله ( كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال ) تفخيم لشأن هذا التمثيل الذى اشتملت عليه الآية الكريمة .أى : مثل ذلك البيان البديع الذى اشتملت عليه الآية الكريمة يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون ، فيحملهم هذا التفكير على الإِيمان الحق ، وحسن التمييز بين الخير والشر ، والمعروف والمنكر ، والحق والباطل .قال الإِمام الشوكانى : " هذان مثلان ضربهما الله - تعالى - فى هذه الآية للحق وللباطل يقول : إن الباطل وإن ظهر على الحق فى بعض الأحوال وعلاه ، فإن الله - تعالى - سيمحقه ويبطله ويجعل العاقبة للحق وأهله .كالزبد الذى يعلو الماء فيلقيه الماء ، وكخبث هذه الأجسام ، فإنه وإن علا عليها فإن الكير يقذفه ويدفعه ، فهذا مثل الباطل .وأما الماء الذى ينفع الناس وينبت المراعى فيمكث فى الأرض ، وكذلك الصافى من هذه الأجسام فإنه يبقى خالصا لا شوب فيه ، وهو مثل الحق .وقال الزجاج : فمثل المؤمن واعتقاده ونفع الإِيمان كمثل هذا الماء المنتفع به فى نبات الأرض وحياة كل شئ ، وكمثل نفع الفضة والذهب وسائر الجواهر لأنها كلها تبقى منتفعا لها .ومثل الكافر وكفره كمثل الزبد الذى يذهب جفاء ، وكمثل خبث الحديد وما تخرجه النار من وسخ الفضة والذهب الذى لا ينفع به "

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين أن كل من في السموات والأرض ساجد له بمعنى كونه خاضعاً له، عاد إلى الرد على عبدة الأصنام فقال: ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ السموات والأرض قُلِ الله ﴾ ولما كان هذا الجواب جواباً يقر به المسؤول ويعترف به ولا ينكره أمره صلى الله عليه وسلم أن يكون هو الذاكر لهذا الجواب تنبيهاً على أنهم لا ينكرونه ألبتة ولما بين أنه سبحانه هو الرب لكل الكائنات قال: قل لهم فلم اتخذتهم من دون الله أولياء وهي جمادات وهي لا تملك لأنفسها نفعاً ولا ضراً ولما كانت عاجزة عن تحصيل المنفعة لأنفسها ودفع المضرة عن أنفسها، فبأن تكون عاجزة عن تحصيل المنفعة لغيرها ودفع المضرة عن غيرها كان ذلك أولى، فإذا لم تكن قادرة على ذلك كانت عبادتها محض العبث والسفه، ولما ذكر هذه الحجة الظاهرة بين أن الجاهل بمثل هذه الحجة يكون كالأعمى والعالم بها كالبصير، والجهل بمثل هذه الحجة كالظلمات، والعلم بها كالنور، وكما أن كل أحد يعلم بالضرورة أن الأعمى لا يساوي البصير، والظلمة لا تساوي النور كذلك كل أحد يعلم بالضرورة أن الجاهل بهذه الحجة لا يساوي العالم بها.

قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر وعمرو عن عاصم ﴿ يَسْتَوِى الظلمات والنور ﴾ بالياء، لأنها مقدمة على اسم الجمع والباقون بالتاء، واختاره أبو عبيدة ثم أكد هذا البيان فقال: ﴿ أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الخلق عَلَيْهِمْ ﴾ يعني هذه الأشياء التي زعموا أنها شركاء لله ليس لها خلق يشبه خلق الله حتى يقولوا إنها تشارك الله في الخالقية، فوجب أن تشاركه في الإلهية، بل هؤلاء المشركون يعلمون بالضرورة أن هذه الأصنام لم يصدر عنها فعل ألبتة، ولا خلق ولا أثر، وإذا كان الأمر كذلك كان حكمهم بكونها شركاء لله في الإلهية محض السفه والجهل.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن أصحابنا استدلوا بهذه الآية في مسألة خلق الأفعال من وجوه: الأول: أن المعتزلة زعموا أن الحيوانات تخلق حركات وسكنات مثل الحركات والسكنات التي يخلقها الله تعالى، وعلى هذا التقدير فقد جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه، ومعلوم أن الله تعالى إنما ذكر هذه الآية في معرض الذم والإنكار.

فدلت هذه الآية على أن العبد لا يخلق فعل نفسه.

قال القاضي: نحن وإن قلنا: إن العبد يفعل ويحدث، إلا أنا لا نطلق القول بأنه يخلق ولو أطلقناه لم نقل إنه يخلق كخلق الله، لأن أحدنا يفعل بقدرة الله، وإنما يفعل لجلب منفعة ودفع مضرة، والله تعالى منزه عن ذلك كله، فثبت أن بتقدير كون العبد خالقاً، إلا أنه لا يكون خلقه كخلق الله تعالى، وأيضاً فهذا الإلزام لازم للمجبرة، لأنهم يقولون عين ما هو خلق الله تعالى فهو كسب العبد وفعل له، وهذا عين الشرك لأن الإله والعبد في خلق تلك الأفعال بمنزلة الشريكين اللذين لا مال لأحدهما إلا وللآخر فيه حق.

وأيضاً فهو تعالى إنما ذكر هذا الكلام عيباً للكفار وذماً لطريقتهم، ولو كان فعل العبد خلقاً لله تعالى لما بقي لهذا الذم فائدة، لأن للكفار أن يقولوا على هذا التقدير إن الله سبحانه وتعالى لما خلق هذا الكفر فينا فلم يذمنا عليه ولا ينسبنا إلى الجهل والتقصير مع أنه قد حصل فينا لا بفعلنا ولا باختيارنا.

والجواب عن السؤال الأول: أن لفظ الخلق إما أن يكون عبارة عن الإخراج من العدم إلى الوجود، أو يكون عبارة عن التقدير، وعلى الوجهين فبتقدير أن يكون العبد محدثاً فإنه لابد وأن يكون حادثاً.

أما قوله: والعبد وإن كان خالقاً إلا أنه ليس خلقه كخلق الله.

قلنا: الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين والإخراج من العدم إلى الوجود، ومعلوم أن الحركة الواقعة بقدرة العبد لما كانت مثلاً للحركة الواقعة بقدرة الله تعالى، كان أحد المخلوقين مثلاً للمخلوق الثاني، وحينئذ يصح أن يقال: إن هذا الذي هو مخلوق العبد مثل لما هو مخلوق لله تعالى بل لا شك في حصول المخالفة في سائر الاعتبارات، إلا أن حصول المخالفة في سائر الوجوه لا يقدح في حصول المماثلة من هذا الوجه وهذا القدر يكفي في الاستدلال.

وأما قوله هذا لازم على المجبرة حيث قالوا: إن فعل العبد مخلوق لله تعالى، فنقول هذا غير لازم، لأن هذه الآية دالة على أنه لا يجوز أن يكون خلق العبد مثلاً لخلق الله تعالى، ونحن لا نثبت للعبد خلقاً ألبتة، فكيف يلزمنا ذلك؟

وأما قوله: لو كان فعل العبد خلقاً لله تعالى، لما حسن ذم الكفار على هذا المذهب.

قلنا: حاصله يرجع إلى أنه لما حصل المدح والذم وجب أن يكون العبد مستقلاً بالفعل، وهو منقوض، لأنه تعالى ذم أبا لهب على كفره مع أنه عالم منه أنه يموت على الكفر، وقد ذكرنا أن خلاف المعلوم محال الوقوع، فهذا تقرير هذا الوجه في هذه الآية.

وأما الوجه الثاني: في التمسك بهذه الآية قوله: ﴿ قُلِ الله خالق كُلّ شَيء ﴾ ولا شك أن فعل العبد شيء فوجب أن يكون خالقه هو الله وسؤالهم عليه ما تقدم.

والوجه الثالث: في التمسك بهذه الآية وقوله: ﴿ وَهُوَ الواحد القهار ﴾ وليس يقال فيه أنه تعالى واحد في أي المعاني، ولما كان المذكور السابق هو الخالقية وجب أن يكون المراد هو الواحد في الخالقية، القهار لكل ما سواه، وحينئذ يكون دليلاً أيضاً على صحة قولنا.

المسألة الثانية: زعم جهم أن الله تعالى لا يقع عليه اسم الشيء.

اعلم أن هذا النزاع ليس إلا في اللفظ وهو أن هذا الاسم هل يقع عليه أم لا، وزعم أنه لا يقع هذا الاسم على الله تعالى واحتج عليه بأنه لو كان شيئاً لوجب كونه خالقاً لنفسه، لقوله تعالى: ﴿ الله خالق كُلّ شَيء ﴾ ولما كان ذلك محالاً، وجب أن لا يقع عليه اسم الشيء، ولا يقال: هذا عام دخله التخصيص، لأن العام المخصوص إنما يحسن إذا كان المخصوص أقل من الباقي وأخس منه كما إذا قال: أكلت هذ الرمانة مع أنه سقطت منها حبات ما أكلها، وهاهنا ذات الله تعالى أعلى الموجودات وأشرفها، فكيف يمكن ذكر اللفظ العام الذي يتناوله مع كون الحكم مخصوصاً في حقه؟

والحجة الثانية: تمسك بقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء  ﴾ والمعنى: ليس مثل مثله شيء، ومعلوم أن كل حقيقة فإنها مثل مثل نفسها، فالباري تعالى مثل مثل نفسه، مع أنه تعالى نبه على أن مثل مثله ليس بشيء، فهذا تنصيص على أنه تعالى غير مسمى باسم الشيء.

والحجة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ وَللَّهِ الأسماء الحسنى فادعوه بِهَا  ﴾ دلت هذه الآية على أنه لا يجوز أن يدعى الله إلا بالأسماء الحسنى، ولفظ الشيء يتناول أخس الموجودات، فلا يكون هذا اللفظ مشعراً بمعنى حسن، فوجب أن لا يكون هذا اللفظ من الأسماء الحسنى، فوجب أن لا يجوز دعاء الله تعالى بهذا اللفظ، والأصحاب تمسكوا في إطلاق هذا الاسم عليه تعالى بقوله: ﴿ قُلْ أَىُّ شَيء أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ  ﴾ .

وأجاب الخصم عنه: بأن قوله: ﴿ قُلْ أَىُّ شَيء أَكْبَرُ شهادة ﴾ سؤال متروك الجواب، وقوله: ﴿ قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ ﴾ كلام مبتدأ مستقل بنفسه لا تعلق له بما قبله.

المسألة الثالثة: تمسك المعتزلة بهذه الآية في أنه تعالى عالم لذاته لا بالعلم وقادر لذاته لا بالقدرة.

قالوا: لأنه لو حصل لله تعالى علم وقدرة وحياة، لكانت هذه الصفات إما أن تحصل بخلق الله أو لا بخلقه، والأول باطل وإلا لزم التسلسل، والثاني: باطل لأن قوله: ﴿ الله خالق كُلّ شَيء ﴾ يتناول الذات والصفات حكمنا بدخول التخصيص فيه في حق ذات الله تعالى فوجب أن يبقى فيما سوى الذات على الأصل.

وهو أن يكون تعالى خالقاً لكل شيء سوى ذاته تعالى، فلو كان لله علم وقدرة لوجب كونه تعالى خالقاً لهما وهو محال، وأيضاً تمسكوا بهذه الآية في خلق القرآن.

قالوا: الآية دالة على أنه تعالى خالق لكل الأشياء، والقرآن ليس هو الله تعالى، فوجب أن يكون مخلوقاً وأن يكون داخلاً تحت هذا العموم.

والجواب: أقصى ما في الباب أن الصيغة عامة، إلا أنا نخصصها في حق صفات الله تعالى بسبب الدلائل العقلية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هذا مثل ضربه الله للحق وأهله والباطل وحزبه، كما ضرب الأعمى والبصير والظلمات والنور مثلاً لهما، فمثل الحق وأهله بالماء الذي ينزله من السماء فتسيل به أودية الناس فيحيون به وينفعهم أنواع المنافع، وبالفلز الذي ينتفعون به في صوغ الحليّ منه واتخاذ الأواني والآلات المختلفة، ولو لم يكن إلا الحديد الذي فيه البأس الشديد لكفي به، وأن ذلك ماكث في الأرض باق بقاء ظاهراً، يثبت الماء في منافعه.

وتبقى آثاره في العيون والبئار والجبوب، والثمار التي تنبت به مما يدّخر ويكنز، وكذلك الجواهر تبقى أزمنة متطاولة.

وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله ووشك زواله وانسلاخه عن المنفعة، بزبد السيل الذي يرمي به، وبزبد الفلز الذي يطفو فوقه إذا أذيب.

فإن قلت: لم نكرت الأودية؟

قلت: لأن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع، فيسيل بعض أودية الأرض دون بعض.

فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ بِقَدَرِهَا ﴾ ؟

قلت: بمقدارها الذي عرف الله أنه نافع للممطور عليهم غير ضارّ.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس ﴾ لأنه ضرب المطر مثلا للحق، فوجب أن يكون مطراً خالصاً للنفع خالياً من المضرة، ولا يكون كبعض الأمطار والسيول الجواحف.

فإن قلت: فما فائدة قوله: ﴿ ابتغاء حِلْيَةٍ أَوْ متاع ﴾ ؟

قلت: الفائدة فيه كالفائدة في قوله: ﴿ بِقَدَرِهَا ﴾ لأنه جمع الماء والفلز في النفع في قوله: ﴿ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس ﴾ لأنّ المعنى: وأما ما ينفعهم من الماء والفلز فذكر وجه الانتفاع مما يوقد عليه منه ويذاب، وهو الحلية والمتاع.

وقوله: ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النار ابتغاء حِلْيَةٍ أَوْ متاع ﴾ عبارة جامعة لأنواع الفلز، مع إظهار الكبرياء في ذكره على وجه التهاون به كما هو هجيرى الملوك، نحو ما جاء في ذكر الآجر ﴿ أوْقِدْ لِى ياهامان عَلَى الطين ﴾ [القصص: 38] و (من) لابتداء الغاية.

أي: ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء.

أو للتبعيض بمعنى وبعضه زبداً رابياً منفخاً مرتفعاً على وجه السيل [ ﴿ جُفَآءً ﴾ يجفؤه السيل:]، أي يرمي به.

وجفأت القدر بزبدها، وأجفأ السيل وأجفل.

وفي قراءة رؤبة ابن العجاج: جفالا وعن أبي حاتم: لا يقرأ بقراءة رؤبة، لأنه كان يأكل الفأر.

وقرئ: ﴿ يوقدون ﴾ ، بالياء: أي يوقد الناس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ مِنَ السَّحابِ أوْ مِن جانِبِ السَّماءِ أوْ مِنَ السَّماءِ نَفْسِها فَإنَّ المَبادِئَ مِنها.

﴿ فَسالَتْ أوْدِيَةٌ ﴾ أنْهارٌ جَمْعُ وادٍ وهو المَوْضِعُ الَّذِي يَسِيلُ الماءُ فِيهِ بِكَثْرَةٍ فاتَّسَعَ فِيهِ، واسْتُعْمِلَ لِلْماءِ الجارِي فِيهِ وتَنْكِيرُها لِأنَّ المَطَرَ يَأْتِي عَلى تَناوُبٍ بَيْنَ البِقاعِ.

﴿ بِقَدَرِها ﴾ بِمِقْدارِها الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ نافِعٌ غَيْرُ ضارٍّ أوْ بِمِقْدارِها في الصِّغَرِ والكِبَرِ.

﴿ فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا ﴾ رَفَعَهُ والزَّبَدُ وضَرُ الغَلَيانِ.

﴿ رابِيًا ﴾ عالِيًا.

(وَمِمّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ) يَعُمُّ الفِلِزّاتِ كالذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَدِيدِ والنُّحاسِ عَلى وجْهِ التَّهاوُنِ بِها إظْهارًا لِكِبْرِيائِهِ.

﴿ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ ﴾ أيْ طَلَبُ حُلِيٍّ.

﴿ أوْ مَتاعٍ ﴾ كالأوانِي وآلاتِ الحَرْبِ والحَرْثِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ بَيانُ مَنافِعِها.

﴿ زَبَدٌ مِثْلُهُ ﴾ أيْ ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ زَبَدٌ مِثْلُ زَبَدِ الماءِ وهو خُبْثُهُ، و ﴿ مِنَ ﴾ لِلِابْتِداءِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ بِالياءِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنّاسِ وإضْمارُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ.

﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ ﴾ مِثْلَ الحَقِّ والباطِلِ فَإنَّهُ مِثْلُ الحَقِّ في إفادَتِهِ وثَباتِهِ بِالماءِ الَّذِي يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ فَتَسِيلُ بِهِ الأوْدِيَةُ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ والمَصْلَحَةِ فَيُنْتَفَعُ بِهِ أنْواعُ المَنافِعِ، ويَمْكُثُ في الأرْضِ بِأنْ يَثْبُتَ بَعْضُهُ في مَنافِعِهِ ويَسْلُكَ بَعْضُهُ في عُرُوقِ الأرْضِ إلى العُيُونِ والقِنى والآبارِ، وبِالفِلِزِّ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ في صَوْغِ الحِلى واتِّخاذِ الأمْتِعَةِ المُخْتَلِفَةِ ويَدُومُ ذَلِكَ مُدَّةً مُتَطاوِلَةً، والباطِلُ في قِلَّةِ نَفْعِهِ وسُرْعَةِ زَوالِهِ بِزَبْدِهِما وبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً ﴾ يُجْفَأُ بِهِ أيْ يَرْمِي بِهِ السَّبِيلُ والفِلِزُّ المُذابُ وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ وقُرِئَ جُفالًا والمَعْنى واحِدٌ.

﴿ وَأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ ﴾ كالماءِ وخُلاصَةِ الفِلِزِّ.

﴿ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ ﴾ يَنْتَفِعُ بِهِ أهْلُها.

﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ ﴾ لِإيضاحِ المُشْتَبَهاتِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَنَزلَ} أي الواحد القهار وهو الله سبحانه {مِّنَ السماء} من السحاب {مَآءً} مطراً {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ} جمع واد وهو الموضع الذي يسيل فيه الماء بكثرة وإنما نكر لأن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع فيسيل بعض {بِقَدَرِهَا} بمقدارها الذي علم الله أنه نافع للممطور عليهم غير ضار {فاحتمل السيل} أي رفع {زَبَدًا} هو ما علا وجه الماء من الرغوة والمعنى علاه زبد {رَّابِيًا} منتفخاً مرتفعاً على وجه السيل {وَمِمَّا يوقدون عليه} وبالياء كوفي غير أبي بكر ومن لابتداء الغاية أي ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء أو للتبعيض أي وبعضه زبد {فِي النار} حال من الضمير في عليه أي ومما توقدون عليه ثابتاً في النار {ابتغاء حِلْيَةٍ} مبتغين حلية فهو مصدر في موضع الحال من توقدون {أَوْ متاع} من الحديد والنحاس والرصاص يتخذ منها الأواني وما يتمتع به في

الرعد (١٧ _ ١٨)

الحضر والسفر وهو معطوف على حلية أي زينة من الذهب والفضة {زَبَدٌ} خبث وهو مبتدأ {مثله} نعت له ومما توقدون

خبر له أي لهذه الفلزّات إذا أغليت زبد مثل زبد الماء {كذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل} أي مثل الحق والباطل {فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَاءً} حال أي متلاشياً وهو ما تقذفه القدر عند الغليان والبحر عند الطغيان والجفء الرمى وجفوت الرجل صرعته {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس} من الماء والحلي والأواني {فَيَمْكُثُ فِي الأرض} فيثبت الماء في العيون والآبار والحبوب والثمار وكذلك الجواهر تبقى في الأرض مدة طويلة {كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال} ليظهر الحق من الباطل قيل هذا مثل ضربه الله للحق وأهله والباطل وحزبه فمثل الحق وأهله بالماء الذي ينزل من السماء فتسيل به أودية الناس فيحيون به وينفعهم بأنواع المنافع وبالفلز الذي ينتفعون به في صوغ الحلي منه واتخاذ الأواني والآلات المختلفات وذلك ماكث في الأرض باقٍ بقاء ظاهراً يثبت الماء في منافعه وكذلك الجواهر تبقى أزمنة متطاولة وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله ووشك زواله بزبد السيل الذي يرمي به وبزبد الفلز الذي يطفو فوقه إذا أذيب قال الجمهور وهذا مثل قوله الله تعالى للقرآن والقلوب والحق والباطل فالماء القرآن نزل لحياة الجنان كالماء للابدان والأودية للقلوب ومعنى بقدرها بقدر سعة القلب وضيقه والزبد هو أجس النفس ووساوس الشيطان والماء الصافي المنتفع به مثل الحق فكما يذهب الزبد باطلاً ويبقى صفو الماء كذلك تذهب هواجس النفس ووساوس الشيطان ويبقى الحق كما هو وأما حلية الذهب والفضة فمثل للأحوال السنية والأخلاق الزكية وأما متاع الحديد والنحاس والرصاص فمثل للأعمال الممدة بالإخلاص المعدة للخلاص فإن الأعمال جالبة للثواب دافعة للعقاب كما أن تلك الجواهر بعضها أداة النفع للكسب وبعضها آلة الدفع في الحرب وأما الزبد فالرياء والخلل والملل والكسل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ﴾ أيْ مِن جِهَتِها عَلى ما هو المُشاهَدُ وقِيلَ: مِنها نَفْسِها ولا تَجَوُّزَ في الكَلامِ واسْتُدِلَّ لَهُ بِآثارٍ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِها وقِيلَ: أنْزَلَ مِنها نَفْسِها ﴿ ماءً ﴾ أيْ كَثِيرًا أوْ نَوْعًا مِنهُ وهو ماءُ المَطَرِ بِاعْتِبارِ أنَّ مَبادِيَهُ مِنها وذَلِكَ لِتَأْثِيرِ الأجْرامِ الفَلَكِيَّةِ في تَصاعُدِ البُخارِ فَيُتَجَوَّزُ في ( مِن ) .

﴿ فَسالَتْ ﴾ بِذَلِكَ ﴿ أوْدِيَةٌ ﴾ دافِعَةٌ في مَواقِعِهِ لا جَمِيعَ الأوْدِيَةِ إذِ الأمْطارُ لا تَسْتَوْعِبُ الأقْطارِ وهو جَمْعُ وادٍ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ولا يُعْلَمُ أنَّ فاعِلًا جُمِعَ عَلى أفْعِلَةً ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَعاقُبِ فاعِلٍ وفَعِيلٍ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ كَعالِمٍ وعَلِيمٍ وشاهِدٍ وشَهِيدٍ وناصِرٍ ونَصِيرٍ ثُمَّ إنَّ وزْنَ فاعِلٍ يُجْمَعُ عَلى أفْعالٍ كَصاحِبٍ وأصْحابٍ وطائِرٍ وأطْيارٍ ووَزْنُ فَعِيلٍ يُجْمَعُ عَلى أفَعِلَةٍ كَجَرِيبٍ وأجْرِبَةٍ ثُمَّ لَمّا حَصَلَتِ المُناسَبَةُ المَذْكُورَةُ بَيْنَ فاعِلٍ وفَعِيلٍ لا جَرَمَ يُجْمَعُ فاعِلٍ جَمْعُ فَعِيلٍ فَيُقالُ: وادٍ وأوْدِيَةٌ ويُجْمَعُ فَعِيلٌ جَمْعَ فاعِلٍ يَتِيمٌ وأيْتامٌ وشَرِيفٌ وأشْرافٌ.

اهَـ.

ونَظِيرُ ذَلِكَ نادٍ وأنْدِيَةٌ وناجٍ وأنْجِيَةٌ قِيلَ: ولا رابِعَ لَها وفي شَرْحِ التَّسْهِيلِ ما يُخالِفُهُ والوادِي المَوْضِعُ الَّذِي يَسِيلُ فِيهِ الماءُ بِكَثْرَةٍ وبِهِ سُمِّيَتِ الفُرْجَةُ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ ويُطْلَقُ عَلى الماءِ الجارِي فِيهِ وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن ودى إذا سالَ فَإنْ أُرِيدَ الأوَّلُ فالإسْنادُ مَجازِيٌّ أوِ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ كَما قالَ الإمامُ أيْ مِياهُ أوْدِيَةٍ وإنْ أُرِيدَ الثّانِي وهو مَعْنى مَجازِيٌّ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ المَحَلِّ عَلى الحالِ فالإسْنادُ حَقِيقِيٌّ وإيثارُ التَّمْثِيلِ بِالأوْدِيَةِ عَلى الأنْهارِ المُسْتَمِرَّةِ الجَرَيانِ لِوُضُوحِ المُماثَلَةِ بَيْنَ شَأْنِها وما مُثِّلَ بِها كَما سَنُشِيرُ إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ﴿ بِقَدَرِها ﴾ أيْ بِمِقْدارِها الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى واقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ سُبْحانَهُ في نَفْعِ النّاسِ أوْ بِمِقْدارِها المُتَفاوِتِ قِلَّةً وكَثْرَةً بِحَسَبِ تَفاوُتِ مِحالِّها صِغَرًا وكِبَرًا لا بِكَوْنِها مالِئَةً لَها مُنْطَبِقَةً عَلَيْها بَلْ بِمُجَرَّدِ قِلَّتِها بِصِغَرِها المُسْتَلْزِمِ لِقِلَّةِ مَوارِدِ الماءِ وكَثْرَتِها بِكِبَرِها المُسْتَدْعِي لِكَثْرَةِ المَوارِدِ فَإنَّ مَوارِدَ السَّيْلِ الجارِي في الوادِي الصَّغِيرِ أقَلُّ مِن مَوارِدِ السَّيْلِ الجارِي في الوادِي الكَبِيرِ هَذا إذا أُرِيدَ بِالأوْدِيَةِ ما يَسِيلُ فِيها أمّا إنْ أُرِيدَ بِها المَعْنى الحَقِيقِيَّ فالمَعْنى سالَتْ مِياهُها بِقَدْرِ تِلْكَ الأوْدِيَةِ عَلى نَحْوِ ما عَرَفْتَهُ آنِفًا أوْ يُرادُ بِضَمِيرِها مِياهُها بِطَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ ويُرادُ بِقَدَرِها ما ذُكِرَ أوَّلًا مِنَ المَعْنَيَيْنِ قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ والجارُّ والمَجْرُورُ عَلى ما نُقِلَ عَنِ الحَوْفِيِّ مُتَعَلِّقٌ بِسالَتْ وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّهُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِأوْدِيَةٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِأنْزَلَ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ ( بِقَدْرِها ) بِسُكُونِ الدّالِ وهي لُغَةٌ في ذَلِكَ.

﴿ فاحْتَمَلَ ﴾ أيْ حَمَلَ وجاءَ افْتَعَلَ بِمَعْنى المُجَرَّدِ كاقْتَدَرَ وقَدَرَ ﴿ السَّيْلُ ﴾ أيِ الماءُ الجارِي في تِلْكَ الأوْدِيَةِ والتَّعْرِيفُ لِكَوْنِهِ مَعْهُودًا مَذْكُورًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْدِيَةٌ ﴾ ولَمْ يُجْمَعْ لِأنَّهُ كَما قالَ الرّاغِبُ مَصْدَرٌ بِحَسَبِ الأصْلِ وفي البَحْرِ أنَّهُ إنَّما عُرِّفَ لِأنَّهُ عَنى بِهِ ما فُهِمَ مِنَ الفِعْلِ والَّذِي يَتَضَمَّنُ الفِعْلَ مِنَ المَصْدَرِ وإنْ كانَ نَكِرَةً إلّا أنَّهُ إذا عادَ في الظّاهِرِ كانَ مَعْرِفَةً كَما كانَ لَوْ صَرَّحَ بِهِ نَكِرَةً وكَذا يُضْمَرُ إذا عادَ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الفِعْلُ مِنَ المَصْدَرِ نَحْوَ مَن كَذَبَ كانَ شَرًّا لَهُ أيِ الكَذِبُ ولَوْ جاءَ هُنا مُضْمَرًا لَكانَ جائِزًا عائِدًا عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن سالَتْ.

اهَـ.

وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّهُ كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُعْنى بِهِ ما فُهِمَ مِنَ الفِعْلِ وهو حَدَثٌ والمَذْكُورُ المُعَرَّفُ عَيْنٌ كَما عَلِمْتَ وأُجِيبَ بِأنَّهُ بِطْرِيقِ الِاسْتِخْدامُ ورُدَّ بِأنَّ الِاسْتِخْدامَ أنْ يُذْكَرَ لَفْظٌ بِمَعْنى ويُعادَ عَلَيْهِ ضَمِيرٌ بِمَعْنى آخَرَ حَقِيقِيًّا كانَ أوْ مَجازِيًّا وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الأوَّلَ مَصْدَرٌ أيْ حَدَثٌ في ضِمْنِ الفِعْلِ وهَذا اسْمُ عَيْنٍ ظاهِرٌ يَتَّصِفُ بِذَلِكَ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ فِيهِ الِاسْتِخْدامُ نَعَمْ ما ذَكَرُوهُ أغْلَبِيٌّ لا يَخْتَصُّ بِما ذُكِرَ فَإنَّ مِثْلَ الضَّمِيرِ اسْمُ الإشارَةِ وكَذا الِاسْمُ الظّاهِرُ.

اهَـ.

وانْظُرْ هَلْ يَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ السَّيْلِ المَعْنى المَصْدَرِيُّ فَلا يَحْتاجُ إلى حَدِيثِ الِاسْتِخْدامِ أمْ لا وعَلى الجَوازِ يَكُونُ المَعْنى فاحْتَمَلَ الماءُ المُنَزَّلُ مِنَ السَّماءِ بِسَبَبِ السَّيْلِ ﴿ زَبَدًا ﴾ هو الغُثاءُ الَّذِي يَطْرَحُهُ الوادِي إذا جاشَ ماؤُهُ واضْطَرَبَتْ أمْواجُهُ عَلى ما قالَهُ أبُو الحَجّاجِ الأعْلَمُ وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عِيسى: إنَّهُ وضَرُ الغَلَيانِ وخَبَثُهُ قالَ الشّاعِرُ: وما الفُراتُ إذا جاشَتْ غَوارِبُهُ تَرْمِي أواذِيُّهُ العِبْرَيْنِ بِالزَّبَدِ ﴿ رابِيًا ﴾ أيْ عالِيًا مُنْتَفِخًا فَوْقَ الماءِ ووُصِفَ الزَّبَدُ بِذَلِكَ قِيلَ: بَيانًا لِما أُرِيدَ بِالِاحْتِمالِ المُحْتَمِلِ لِكَوْنِ المَحْمُولِ غَيْرَ طافٍ كالأشْجارِ الثَّقِيلَةِ وإنَّما لَمْ يُدْفَعْ ذَلِكَ بِأنْ يُقالَ فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا فَوْقَهُ لِلْإيذانِ بِأنَّ تِلْكَ الفَوْقِيَّةَ مُقْتَضى شَأْنِ الزَّبَدِ لا مِن جِهَةِ المُحْتَمَلِ تَحْقِيقًا لِلْمُماثَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما مُثِّلَ بِهِ مِنَ الباطِنِ الَّذِي شَأْنُهُ الظُّهُورُ في مَبادِي الرَّأْيِ مِن غَيْرِ مُداخَلَةٍ في الحَقِّ ﴿ ومِمّا يُوقِدُونَ ﴾ ابْتِداءُ جُمْلَةٍ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى لِضَرْبِ مَثَلٍ آخَرَ أيْ ومِنَ الَّذِي يَفْعَلُونَ الإيقادَ عَلَيْهِ وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلنّاسِ أُضْمِرَ مَعَ عَدَمِ السَّبْقِ لِظُهُورِهِ وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ ( تُوقِدُونَ ) بِتاءِ الخِطابِ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي النّارِ ﴾ عِنْدَ أبِي البَقاءِ والحَوْفِيِّ قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَدْ يُوقَدُ عَلى الشَّيْءِ ولَيْسَ في النّارِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِّينِ ﴾ فَإنَّ الطِّينَ الَّذِي أُمِرَ بِالوَقْدِ عَلَيْهِ لَيْسَ في النّارِ وإنَّما يُصِيبُهُ لَهَبُها وقالَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ: إنَّ ﴿ فِي النّارِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَوْصُولِ أيْ كائِنًا أوْ ثابِتًا فِيها ومَنَعُوا تَعَلُّقَهُ بِتُوقِدُونَ قالُوا: لِأنَّهُ لا يُوقَدُ عَلى شَيْءٍ إلّا وهو في النّارِ والتَّعْلِيقُ بِذَلِكَ يَتَضَمَّنُ تَخْصِيصَ حالٍ مِن حالٍ أُخْرى وقالَ أبُو حَيّانَ: لَوْ قُلْنا: إنَّهُ لا يُوقَدُ عَلى شَيْءٍ إلّا وهو في النّارِ لَجازَ أيْضًا التَّعْلِيقُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ كَما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ ﴾ وقِيلَ: إنَّ زِيادَةَ ذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِالمُبالَغَةِ في الِاعْتِمالِ لِلْإذابَةِ وحُصُولِ الزَّبَدِ والمُرادُ بِالمَوْصُولِ نَحْوَ الذَّهَبُ والفِضَّةُ والحَدِيدُ والنُّحاسُ والرَّصاصُ وفي عَدَمِ ذِكْرِها بِأسْمائِها والعُدُولِ إلى وصْفِها بِالإيقادِ عَلَيْها المُشْعِرِ بِضَرْبِها بِالمَطارِقِ لِأنَّهُ لِأجْلِهِ وبِكَوْنِها كالحَطَبِ الخَسِيسِ تَهاوَنَ بِها إظْهارًا لِكِبْرِيائِهِ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى ما قِيلَ وهو لا يُنافِي كَوْنَ ذَلِكَ ضَرْبَ مَثَلٍ لِلْحَقِّ لِأنَّ مَقامَ الكِبْرِياءِ يَقْتَضِي التَّهاوُنَ بِذَلِكَ مَعَ الإشارَةِ إلى كَوْنِهِ مَرْغُوبًا فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ ﴾ فَوُفِّيَ كُلٌّ مِنَ المَقامَيْنِ حَقَّهُ فَما قِيلَ: إنَّ الحَمْلَ عَلى التَّهاوُنِ لا يُناسِبُ المَقامَ لِأنَّ المَقْصُودَ تَمْثِيلُ الحَقِّ بِها وتَحْقِيرُها لا يُناسِبُهُ ساقِطٌ فَتَأمَّلْ.

ونُصِبَ ﴿ ابْتِغاءَ ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ كَما هو الظّاهِرُ وقالَ الحَوْفِيُّ: إنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُبْتَغِينَ وطالِبِينَ اتِّخاذَ حِلْيَةٍ وهي ما يُتَزَيَّنُ ويُتَجَمَّلُ بِهِ كالحُلِيِّ المُتَّخَذِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ واتِّخاذَ مَتاعٍ وهو ما يُتَمَتَّعُ بِهِ مِنَ الأوانِي والآلاتِ المُتَّخَذَةِ مِنَ الحَدِيدِ والرَّصاصِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الفِلِزّاتِ ﴿ زَبَدٌ ﴾ خَبَثٌ ﴿ مِثْلُهُ ﴾ أيْ مِثْلُ ما ذُكِرَ مِن زَبَدِ الماءِ في كَوْنِهِ رابِيًا فَوْقَهُ رُفِعَ ﴿ زَبَدٌ ﴾ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ( مِمّا تُوقِدُونَ ) و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ دالَّةٌ عَلى مُجَرَّدِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً وناشِئًا مِنهُ واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ كَوْنَها لِلتَّبْعِيضِ لِأنَّ ذَلِكَ الزَّبَدَ بَعْضُ ما يُوقَدُ عَلَيْهِ مِن تِلْكَ المَعادِنِ ولَمْ يَرْتَضِهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِإخْلالِهِ عَلى ما قالَ بِالتَّمْثِيلِ وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِإخْراجِ ذَلِكَ مِنَ الأرْضِ كَما تَعَرَّضَ لِعُنْوانِ إنْزالِ الماءِ مِنَ السَّماءِ لِعَدَمِ دَخْلِ ذَلِكَ العُنْوانِ في التَّمْثِيلِ عَلى ما سَتَعْلَمَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى كَما أنَّ لِلْعُنْوانِ السّابِقِ دَخْلًا فِيهِ بَلْ لَهُ إخْلالٌ بِذَلِكَ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ البَدِيعِ المُشْتَمِلِ عَلى نُكَتٍ رائِقَةٍ: ﴿ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ ﴾ أيْ مِثْلُ الحَقِّ ومِثْلُ الباطِلِ والحَذْفُ لِلْإبْناءِ عَلى كَمالِ التَّماثُلِ بَيْنَ المُمَثَّلِ والمُمَثَّلِ بِهِ كَأنَّ المَثَلَ المَضْرُوبَ عَيْنُ الحَقِّ والباطِلِ ﴿ فَأمّا الزَّبَدُ ﴾ مِن كُلٍّ مِنَ السَّيْلِ وما يُوقِدُونَ عَلَيْهِ وأُفْرِدَ ولَمْ يُثَنَّ وإنْ تَقَدَّمَ زَبَدانِ لِاشْتِراكِهِما في مُطْلَقِ الزَّبَدِ فَهُما واحِدٌ بِاعْتِبارِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ ﴿ فَيَذْهَبُ جُفاءً ﴾ مَرْمِيًّا بِهِ يُقالُ: جَفا الماءُ بِالزَّبَدِ إذا قَذَفَهُ ورَمى بِهِ ويُقالُ: أجْفَأ أيْضًا بِمَعْناهُ وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: جُفاءً أيْ مُتَفَرِّقًا مِن جَفَأتِ الرِّيحُ الغَيْمَ إذا قَطَّعَتْهُ وفَرَّقَتْهُ وجَفَأتُ الرَّجُلَ صَرَعْتُهُ ويُقالُ: جَفَأ الوادِي وأجْفَأ إذا نَشَفَ وقُرِئَ ( جُفالًا ) بِاللّامِ بَدَلَ الهَمْزَةِ وهو بِمَعْنى مُتَفَرِّقًا أيْضًا أخْذًا مِن جَفَلَتِ الرِّيحُ الغَيْمَ كَجَفَأتْ ونُسِبَتْ هَذِهِ القِراءَةُ إلى رُؤْبَةَ قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: ولا يُقْرَأُ بِقِراءَتِهِ لِأنَّهُ كانَ يَأْكُلُ الفَأْرَ يَعْنِي أنَّهُ كانَ أعْرابِيًّا جافِيًا وعَنْهُ لا تُعْتَبَرُ قِراءَةُ الأعْرابِ في القُرْآنِ والنُّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ ﴿ وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ ﴾ أيْ مِنَ الماءِ الصّافِي الخالِصِ مِنَ الغُثاءِ والجَوْهَرِ المَعْدِنِيِّ الخالِصِ مِنَ الخَبَثِ ﴿ فَيَمْكُثُ ﴾ يَبْقى ﴿ فِي الأرْضِ ﴾ أمّا الماءُ فَيَبْقى بَعْضُهُ في مَناقِعِهِ ويَسْلُكُ بَعْضُهُ في عُرُوقِ الأرْضِ إلى العُيُونِ ونَحْوِها وأمّا الجَوْهَرُ المَعْدِنِيُّ فَيُصاغُ مِن بَعْضِهِ أنْواعُ الحُلِيِّ ويُتَّخَذُ مِن بَعْضِهِ أصْنافُ الآلاتِ والأدَواتِ فَيُنْتَفَعُ بِكُلٍّ مِن ذَلِكَ أنْواعُ الِانْتِفاعاتِ مُدَّةً طَوِيلَةً فالمُرادُ بِالمُكْثِ في الأرْضِ ما هو أعَمُّ مِنَ المُكْثِ في نَفْسِها ومِنَ البَقاءِ في أيْدِي المُتَقَلِّبِينَ فِيها وتَغْيِيرُ تَرْتِيبِ اللَّفِّ الواقِعِ في الفَذْلَكَةِ المُوافِقُ لِلتَّرْتِيبِ الواقِعِ في التَّمْثِيلِ قِيلَ لِمُراعاةِ المُلاءَمَةِ بَيْنَ حالَتَيِ الذَّهابِ والبَقاءِ وبَيْنَ ذِكْرِهِما فَإنَّ المُعْتَبَرَ إنَّما هو بَقاءُ الباقِي بَعْدَ ذَهابِ الذّاهِبِ لا قَبْلَهُ وقِيلَ: النُّكْتَةُ في تَقْدِيمِ الزَّبَدِ عَلى ما يَنْفَعُ أنَّ الزَّبَدَ هو الظّاهِرُ المَنظُورُ أوَّلًا وغَيْرَهُ باقٍ مُتَأخِّرٌ في الوُجُودِ لِاسْتِمْرارِهِ والآيَةُ مِنَ الجَمْعِ والتَّقْسِيمِ كَما لا يَخْفى.

وحاصِلُ الكَلامِ في الآيَتَيْنِ أنَّهُ تَعالى مَثَّلَ الحَقَّ وهو القُرْآنُ العَظِيمُ عِنْدَ الكَثِيرِ في فَيَضانِهِ مِن جَنابِ القُدُسِ عَلى قُلُوبٍ خالِيَةٍ عَنْهُ مُتَفاوِتَةِ الِاسْتِعْدادِ وفي جَرَيانِهِ عَلَيْها مُلاحَظَةً وحِفْظًا وعَلى الألْسِنَةِ مُذاكَرَةً وتِلاوَةً مَعَ كَوْنِهِ مُمِدًّا لِحَياتِها الرُّوحانِيَّةِ وما يَتْلُوها مِنَ المَلَكاتِ السُّنِّيَّةِ والأعْمالِ المُرْضِيَةِ بِالماءِ النّازِلِ مِنَ السَّماءِ السّائِلِ في أوْدِيَةٍ يابِسَةٍ لَمْ تَجْرِ عادَتُها سَيَلانًا مُقَدَّرًا بِمِقْدارٍ اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ في إحْياءِ الأرْضِ وما عَلَيْها الباقِي فِيها حَسْبَما يَدُورُ عَلَيْهِ مَنافِعُ النّاسِ وفي كَوْنِهِ حِلْيَةً تَتَحَلّى بِها النُّفُوسُ وتَصِلُ إلى البَهْجَةِ الأبَدِيَّةِ ومَتاعًا يَتَمَتَّعُ بِهِ في المَعاشِ والمَعادِ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ وسائِرِ الفِلِزّاتِ الَّتِي يُتَّخَذُ مِنها أنْواعُ الآلاتِ والأدَواتِ وتَبْقى مُنْتَفَعًا بِها مُدَّةً طَوِيلَةً ومَثَّلَ الباطِلَ الَّذِي ابْتُلِيَ بِهِ الكَفَرَةُ لِقُصُورِ نَظَرِهِمْ بِما يَظْهَرُ فِيهِما مِن غَيْرِ مُداخَلَةٍ لَهُ فِيهِما وإخْلالٍ بِصَفائِهِما مِنَ الزَّبَدِ الرّابِي فَوْقَهُما المُضْمَحِلِّ سَرِيعًا.

وصَحَّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  «إنَّ مَثَلَ ما بَعَثَنِي اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ مَثَلُ غَيْثٍ أصابَ أرْضًا فَكانَتْ مِنها طائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الماءَ فانْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ الكَثِيرَ وكانَ مِنها أجادِبُ اكْتَسَبَتِ الماءَ نَفَعَ اللَّهُ تَعالى بِها النّاسَ فَشَرِبُوا مِنها وسَقَوْا ورَعَوْا وأصابَ طائِفَةً مِنها أُخْرى إنَّما هي قِيعانُ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَن فَقِهَ في دِينِ اللَّهِ تَعالى ونَفَعَهُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ تَعالى بِهِ فَعَلِمَ وعَلَّمَ ومَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا ولَمْ يَقْبَلْ هُدى اللَّهِ تَعالى الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: صَدْرُ الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى الكَفَرَةِ فَلَمّا فَرَغَ مِن ذَلِكَ جَعَلَهُ مِثالًا لِلْحَقِّ والباطِلِ والإيمانِ والكُفْرِ واليَقِينِ في الشَّرْعِ والشَّكِّ فِيهِ وكَأنَّهُ أرادَ بِعَطْفِ الإيمانِ وما بَعْدَهُ التَّفْسِيرَ لِلْمُرادِ بِالحَقِّ والباطِلِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ جَعَلَ الزَّبَدَ إشارَةً إلى الشَّكِّ والخالِصَ مِنهُ إشارَةً إلى اليَقِينِ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ العَجِيبِ ﴿ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ ﴾ .

(17) .

في كُلِّ بابٍ إظْهارًا لِكَمالِ اللُّطْفِ والعِنايَةِ في الإرْشادِ وفِيهِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ هَذا التَّمْثِيلِ وتَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ ﴾ إمّا بِاعْتِبارِ ابْتِناءِ هَذا عَلى التَّمْثِيلِ الأوَّلِ أوْ بِجَعْلِ ذَلِكَ إشارَةً إلَيْهِما جَمِيعًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: قل يا محمد لأهل مكة من خالق السموات والأرض؟

فإن أجابوك وإلا ف قُلِ اللَّهُ.

ثم قال: قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ يعني: أفعبدتم غيره لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أي: كما لا يستوي الأعمى والبصير، كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن.

ويقال: الْأَعْمى الجاهل الذي لا يتفكر، ولا يرغب في الحق، وَالْبَصِيرُ العالم الذي يتفكر، ويرغب في الحق.

أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أي: كما لا تستوي الظلمات والنور، فكذلك لا يستوي الإيمان والكفر.

قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر يَسْتَوِي بلفظ التذكير، وقرأ الباقون بالتاء بلفظ التأنيث، لأن تأنيثه ليس بحقيقي، فيجوز أن يذكر ويؤنث، ولأن الفعل مقدم على الاسم.

ثم قال: أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ يعني: بل جعلوا لله شركاء من الأصنام.

ويقال: معناه أجعلوا لله شركاء، والميم صلة.

ثم قال: خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ يعني: هل خلق الأوثان خلقاً كما خلق الله فاشتبه عليهم خَلَقَ الله تَعَالَى مِنْ خلق غيره؟

فلما ضرب الله مثلاً لآلهتهم سكتوا.

قال الله تعالى: قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ قل يا محمد، الله عز وجل خالق جميع الموجودات وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ يعني: الذي لا شريك له القاهر لخلقه، القادر عليهم.

ثم ضرب الله تعالى مثلاً للحق والباطل، لأن العرب كانت عادتهم أنهم يوضحون الكلام بالمثل، وقد أنزل الله تعالى القرآن بلغة العرب، فأوضح لهم الحق من الباطل بالمثل فقال: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَآء يعني: المطر فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها يعني: سال في الوادي الكبير بقدره، وفي الوادي الصغير بقدره، فشبه القرآن بالمطر، وشبه القلوب بالأودية، وشبه الهدى بالسيل فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً يعني: عالياً على الماء.

فشبه الزبد بالباطل يعني: احتملته القلوب على قدر أهوائها باطلاً كبيراً.

فكما أن السيل يجمع كل قذر، كذلك الأهواء تحتمل الباطل، وكما أن الزبد لا وزن له، فكذلك الباطل لا ثواب له.

فذلك قوله: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً يعني: يذهب كما جاء.

ويقال يذهب: جُفاءً أي سريعاً.

وقال مقاتل: جُفاءً أي: يابساً فلا ينتفع به، ويقذفه السيل.

وقال القتبي: الجفاء ما رمى به الوادي في جنباته.

ويقال: جفأت القدر بزبدها، إذا ألقته عنها وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ يعني: يبقى الماء الصافي في الأرض، فكذلك الإيمان واليقين ينتفع به أهله في الآخرة، كما ينتفع بالماء الصافي في الدنيا، والباطل لا ينتفع به لا في الدنيا ولا في الآخرة.

ثم ضرب مثلاً آخر بالذهب والفضة، فقال تعالى: وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ من الذهب والفضة ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ يعني: التماس حِلْيَةٍ تلبسونها، يخرج منها الخبث، ويبقى الذهب والفضة خالصاً.

ثم ضرب مثلاً آخر فقال: أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ يعني: النحاس والحديد والصفر يزول عنها الخبث، ويبقى الصفر والحديد خالصاً، فيتخذ منها المتاع.

فهذه ثلاثة أمثال ضربها الله تعالى في مثل واحد، كما يضمحل هذا الزبد، ويبقى خالص الماء، وخالص الذهب والفضة والحديد والصفر فكذلك يضمحل الباطل عن أهله.

وكما يمكث الماء في الأرض ويخرج نباتها، وكما يبقى خالص الذهب والفضة حين يدخلان النار، فكذلك يبقى الحق وثوابه لصاحبه.

وقال القتبي في قوله: فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً قال: هذا مثل ضربه الله تعالى للحق والباطل.

يقول الحق: الباطل وإن ظهر على الحق في بعض الأحوال وعلا، فإن الله سيمحقه ويبطله، ويجعل العاقبة للحق وأهله، مثل مطر سال في الأودية بقدرها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً أي: عالياً على الماء كما يعلو الباطل تارة على الحق.

ومن جواهر الأرض التي تدخل الكور، توقدون عليها، يعني: الذهب والفضة للحلية.

أَوْ مَتاعٍ يعني: الشبه والحديد والآنك يكون للآنية، له خبث يعلوها مثل زبد الماء.

فأما الزبد، فيذهب جفاء يتعلق بأصول الشجر، وكنبات الوادي، وكذلك خبث الفلز يعني: الجوهر يقذفه، فهذا مثل الباطل.

وأما ما ينفع الناس وينبت المرعى، فيمكث في الأرض.

فكذلك الصفر من الفلز يبقى صالحاً فهو مثل الحق.

ثم قال: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ على وجه التقديم والتأخير.

يعني: هكذا يضرب الله المثل للحق والباطل.

ويقال: معناه هكذا يبيّن الله الحق من الباطل فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ على معنى التقديم والتأخير، وقد ذكرناه من قبل كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ يعني: يبيّن الله الأشباه، ويوضح الطريق، ويقيم الحجة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

فإِذا جاء المَقْدُور الواقعُ، أسلم المَرْءُ إِليه، وال مُعَقِّباتٌ على هذا التأويل: الحَفَظَةُ على العِبَادِ أَعمالهم، والحَفَظَةُ لهم أيضاً قاله الحسن «١» ، وروى فيه عن عثمانَ بْنِ عَفَّان حديثاً عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وهذا أقوى التأويلات في الآية، وعبارةُ البخاريِّ: مُعَقِّباتٌ:

ملائكةٌ حَفَظَةٌ يَعْقُبُ الأَوَّلُ منها الآخِرَ.

انتهى.

وقالَتْ فرقةٌ: الضمير في «له» عائدٌ على اسم اللَّه المتقدِّم ذكره، أي: للَّه معقِّبات يحفظون عَبْده، والضمير في قوله: يَدَيْهِ وما بعده من الضمائر عائدٌ على العَبْد، ثم ذكر سبحانه أنه لا يغيِّر هذه الحالة مِنَ الحفْظِ للعبدِ حتَّى يغير العبد ما بنَفْسِهِ، وال مُعَقِّباتٌ: الجماعاتُ التي يَعْقَب بعضُها بعضاً، وهي الملائكة، وينظر هذا إلى قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يَتَعَاقَبُ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بالنَّهَارِ ...

» «٢» الحديث، وفي قراءة أُبيِّ بْنِ كَعْب: «مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ/ وَرَقِيبٌ مِنْ خَلْفِهِ» ، وقرأ ابن «٣» عباس: «وَرُقَبَاءُ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ بِأَمْرِ اللَّهِ» ، وقوله: يَحْفَظُونَهُ: أي: يحرسونه ويذبُّون عنه، ويحفظونَ أيضاً أعماله، ثم أخبر تعالى أَنه إِذا أَراد بقومٍ سوءاً، فلا مردَّ له، ولا حِفْظَ منه.

وقوله سبحانه: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ ...

الآية: قد تقدَّم في أول البَقَرة تفسيرُهُ، والظاهر أنَّ الخوف إِنما هو من صَوَاعِقِ البَرْق، والطَّمَع في الماء الذي يكونُ معه، وهو قول الحسن «٤» ، والسَّحابَ: جمع سحابة ولذلك جمع الصفة، والثِّقالَ:

معناه: بحملِ الماءِ، قاله قتادة ومجاهد «٥» ، والعربُ تصفها بذلك، وروى أبو هريرة أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ، قَالَ: «سُبْحَانَ مَنْ يسبّح الرّعد بحمده» «٦» ، وقال ابن أبي

زكرياء: مَنْ قَالَ إِذا سَمِعَ الرعْدَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وبِحَمْدِهِ، لَمْ تُصِبْهُ صَاعِقَةٌ.

ت: وعن عبد اللَّه بن عُمَرَ، قال: كان رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ وَالصَّواعِقَ، قَالَ: «اللَّهُمَّ، لاَ تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ، وَلاَ تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ، وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِك» «١» ، رواه الترمذيُّ والنسائيُّ والحَاكِمُ في «المستدرك» ، ولفظهم واحد انتهى من «السلاح» ، قال الداوديّ: وعن ابن عَبَّاس، قال: مَنْ سمع الرعْدَ، فقال: «سُبْحَانَ الذي يُسَبِّح الرعْد بحَمْده، والملائِكَةُ مِنْ خيفته، وهو على كلِّ شيء قدير» ، فإِن أصابته صاعقةٌ، فعليَّ ديته، انتهى.

وقوله سبحانه: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ ...

الآية: قال ابن جُرَيْج: كان سبَبُ نزولها قصَّةَ أَرْبَدَ، وعَامِرِ بن الطّفيل، سألا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنْ يجعلَ الأمْرَ بَعْده لعامِرِ بْنِ الطُّفَيْل، ويدخلا في دِينِهِ، فأبَى عليه السلام ثم تآمرا في قتل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ عَامِرٌ لأَرْبَدَ: أَنا أَشْغَلُه لَكَ بالحديثِ، واضربه أَنْتَ بالسَّيْف، فجعل عامرٌ يحدِّثه، وأَرْبَدُ لاَ يَصْنَعُ شيئاً، فلما انصرفا، قَالَ له عَامِرٌ: وَاللَّهِ، يَا أَرْبَدُ، لاَ خِفْتُكَ أبداً، وَلَقَدْ كُنْتُ أخافُكَ قبل هذا، فقال له أَرْبَدُ: واللَّهِ، لَقَدْ أردتُّ إِخراج السَّيْفِ، فَمَا قَدَرْتُ على ذلك، ولَقَدْ كُنْتُ أَراك بَيْنِي وبينه، أفأضربك، فمضيا للحشد على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فأصابت أربد صاعقة، فقتلته، والْمِحالِ:

القوَّة والإِهلاك.

ت: وفي «صحيح البخاري» : الْمِحالِ: العقوبة.

وقوله عز وجل: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ: الضمير في «له» عائدٌ على اسم اللَّهِ عزَّ وجلَّ.

قال ابنُ عبّاس: ودَعْوَةُ الْحَقِّ: «لا إله إِلا اللَّه» «٢» ، يريد: وما كان من الشريعة في معناها.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ اللَّهُ ﴾ إنَّما جاءَ السُّؤالُ والجَوابُ مِن جِهَةٍ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يُنْكِرُونَ أنَّ اللَّهَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، فَلَمّا لَمْ يُنْكِرُوا،كانَ كَأنَّهم أجابُوا.

ثُمَّ ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ تَوَلَّيْتُمُوهم فَعَبَدْتُمُوهم وهم لا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ نَفْعًا ولا ضَرًّا، فَكَيْفَ لِغَيْرِهِمْ ؟

ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا لِلَّذِي يَعْبُدُ الأصْنامَ والَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكَ والمُؤْمِنَ ﴿ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " تَسْتَوِي " بِالتّاءِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " يَسْتَوِي " بِالياءِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: التَّأْنِيثُ حَسَنٌ، لِأنَّهُ فِعْلُ مُؤَنَّثٍ، والتَّذْكِيرُ سائِغٌ، لِأنَّهُ تَأْنِيثٌ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ.

ويَعْنِي بِالظُّلُماتِ والنُّورِ: الشِّرْكَ والإيمانَ.

﴿ أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: أجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ، فَتَشابَهَ خَلْقُ اللَّهِ بِخَلْقِ هَؤُلاءِ ؟

وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، والمَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ عَلى هَذا، بَلْ إذا فَكَّرُوا عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ هو المُنْفَرِدُ بِالخَلْقِ، وغَيْرُهُ لا يَخْلُقُ شَيْئًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: قُلْ ذَلِكَ وبَيِّنْهُ بِما أُخْبِرْتَ بِهِ مِنَ الدَّلالَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وقَدْ ذَكَرْنا في (يُوسُفَ:٣٩) مَعْنى الواحِدِ القَهّارِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَسالَتْ أودِيَةٌ بِقَدَرِها فاحْتَمَلَ السَيْلُ زَبَدًا رابِيًا ومِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أو مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الحَقَّ والباطِلَ فَأمّا الزَبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ الناسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأمْثالَ ﴾ صَدْرُ هَذِهِ الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى الكَفَرَةِ بِهِ، ثُمَّ لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ جَعَلَهُ مِثالًا لِلْحَقِّ والباطِلِ، والإيمانِ والكُفْرِ والشَكِّ في الشَرْعِ واليَقِينِ بِهِ.

"ماءً": يُرِيدُ بِهِ المَطَرَ، و"الأودِيَةُ": ما بَيْنَ الجِبالِ مِنَ الِانْخِفاضِ والخَنادِقِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "بِقَدَرِها" يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِما قَدَّرَ لَها مِنَ الماءِ ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِقَدْرِ ما تَحْمِلُهُ عَلى قَدْرِ صِغَرِها وكِبَرِها وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "بِقَدَرِها" بِفَتْحِ الدالِّ، وقَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ بِسُكُونِها.

و"الزَبَدُ": ما يَحْمِلُهُ السَيْلُ مِن غُثاءٍ ونَحْوِهُ وما يَرْمِي بِهِ ضِفَّتَيْهِ مِنَ الحَبابِ المُلْتَبِكِ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ: والبَحْرُ حِينَ تَهُبُّ الرِيحُ شامِيَّةً ∗∗∗ فَباطِلٌ ويَرْمِي العِبْرَ بِالزَبَدِ و"الرابِي": المُنْتَفِخُ الَّذِي قَدْ رَبا، ومِنهُ الرَبْوَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَمِمّا" خَبَرُ ابْتِداءٍ، والِابْتِداءُ قَوْلُهُ: "زَبَدٌ" و"مِثْلَهُ" نَعْتٌ لِـ "الزَبَدُ"، والمَعْنى: ومِنَ الأشْياءِ الَّتِي تُوقِدُونَ عَلَيْها ابْتِغاءَ الحُلِيِّ -وَهِيَ الذَهَبُ والفِضَّةُ- ابْتِغاءَ الِاسْتِمْتاعِ بِما في المَرافِقِ -وَهِيَ الحَدِيدُ والرَصاصُ والنُحاسُ ونَحْوُها مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تُوقِدُونَ عَلَيْها، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّ مِن هَذِهِ أيْضًا -إذا أُحْمِي عَلَيْها- يَكُونُ زَبَدٌ مُماثِلٌ لِلزَّبَدِ الَّذِي يَحْمِلُهُ السَيْلُ، ثُمَّ ضَرَبَ تَعالى ذَلِكَ مِثالًا لِلْحَقِّ والباطِلِ، أيْ أنَّ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُهُ الأرْضُ فَيَقَعُ النَفْعُ بِهِ هو كالحَقِّ، والزَبَدَ الَّذِي يَجْفُو ويَنْفِشُ ويَذْهَبُ هو كالباطِلِ، وكَذَلِكَ ما يَخْلُصُ مِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ والحَدِيدِ ونَحْوِها هو كالحَقِّ، وما يَذْهَبُ في الدُخانِ هو كالباطِلِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فِي النارِ ﴾ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: كائِنًا كَذا، قالَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ: ومَنَعُوا أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: "يُوقِدُونَ" لِأنَّهم زَعَمُوا أنَّهُ لَيْسَ يُوقَدُ عَلى شَيْءٍ إلّا وهو في النارِ، وتَعْلِيقُ حَرْفِ الجَرِّ بِـ "يُوقِدُونَ" يَتَضَمَّنُ تَخْصِيصَ حالٍ مِن حالٍ أُخْرى.

وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ إلى تَعَلُّقِهِ بِـ "يُوقِدُونَ"، وقالَ: قَدْ يُوقَدُ عَلى شَيْءٍ ولَيْسَ في النارِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأوقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِينِ  ﴾ فَذَلِكَ البِناءُ الَّذِي أمَرَ بِهِ يُوقَدُ عَلَيْهِ ولَيْسَ في النارِ لَكِنْ يُصِيبُهُ لَهَبُها.

وقَوْلُهُ: "جُفاءً" مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ: "جَفَأتِ القِدْرُ" إذا غَلَتْ حَتّى خَرَجَ زَبَدُها وذَهَبَ.

وقَرَأ رُؤْبَةُ: "جُفالًا" مِن قَوْلِهِمْ: "جَفَلَتِ الرِيحُ السَحابَ" إذا حَمَلَتْهُ وفَرَّقَتْهُ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا تُعْتَبَرُ قِراءَةُ الأعْرابِ في القُرْآنِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ما يَنْفَعُ الناسَ ﴾ يُرِيدُ الخالِصَ مِنَ الماءِ ومِن تِلْكَ الأحْجارِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعُ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمُ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ: "تُوقِدُونَ" بِالتاءِ، أيْ أنْتُمْ أيُّها المُوقِدُونَ، وهي صِفَةٌ لِجَمِيعِ أنْواعِ الناسِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ، وطَلْحَةُ، ويَحْيى، وأهْلُ الكُوفَةِ "يُوقِدُونَ" بِالياءِ، عَلى الإشارَةِ إلى الناسِ.

و"جُفاءً" مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ السَماءِ ﴾ يُرِيدُ بِهِ الشَرْعَ والدِينَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَسالَتْ أودِيَةٌ ﴾ يُرِيدُ بِهِ القُلُوبَ، أيْ: أخَذَ النَبِيلُ بِحَظِّهِ والبَلِيدُ بِحَظِّهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ لا يَصِحُّ واللهُ أعْلَمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِأنَّهُ يَنْحُو إلى أقْوالِ أصْحابِ الرُمُوزِ، وقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ الغَزالِيُّ وأهْلُ ذَلِكَ الطَرِيقِ، ولا وجْهَ لِإخْراجِ اللَفْظِ عن مَفْهُومِ كَلامِ العَرَبِ بِغَيْرِ عِلَّةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، واللهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ بِرَحْمَتِهِ، وإنَّ صَحَّ هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَإنَّما قَصَدَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الحَقَّ والباطِلَ ﴾ مَعْناهُ: الحَقُّ الَّذِي يَتَقَرَّرُ في القُلُوبِ، والباطِلُ: الَّذِي يَعْتَرِيها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة ﴿ أنزل من السماء ماء ﴾ استئناف ابتدائي أفاد تسجيل حرمان المشركين من الانتفاع بدلائل الاهتداء التي من شأنها أن تهدي من لم يطبع الله على قلبه فاهتدى بها المؤمنون.

وجيء في هذا التسجيل بطريقة ضرب المثل بحالي فريقين في تلقي شيء واحد انتفع فريق بما فيه من منافع وتعلق فريق بما فيه من مضار.

وجيء في ذلك التمثيل بحالة فيها دلالة على بديع تصرف الله تعالى ليحصل التخلص من ذكر دلائل القدرة إلى ذكر عبَر الموعظة، فالمركب مستعمل في التشبيه التمثيلي بقرينة قوله: ﴿ كذلك يضرب الله الحق ﴾ الخ.

شبه إنزال القرآن الذي به الهدى من السماء بإنزال الماء الذي به النفع والحياة من السماء.

وشبه ورود القرآن على أسماع الناس بالسيل يمر على مختلف الجهات فهو يَمرّ على التّلال والجبال فلا يستقر فيها ولكنه يمضي إلى الأودية والوهاد فيأخذ منه كُلّ بقدر سعته.

وتلك السيول في حال نزولها تحمل في أعاليها زَبَداً، وهو رغوة الماء التي تربو وتطفو على سطح الماء، فيذهب الزبد غير منتفع به ويبقى الماء الخالص الصافي ينتفع به الناس للشراب والسقي.

ثم شُبهت هيئة نزول الآيات وما تحتوي عليه من إيقاظ النظر فيها فينتفع به من دخل الإيمان قلوبهم على مقادير قوة إيمانهم وعملهم، ويمر على قلوب قوم لا يشعرون به وهم المنكرون المعرضون، ويخالط قلوبَ قوم فيتأملونه فيأخذون منه ما يثير لهم شبهات وإلحاداً.

كقولهم: ﴿ هل ندلّكم على رجل ينبئكم إذا مُزّقتم كلّ ممزّق إنكم لفي خلق جديد ﴾ .

ومنه الأخذ بالمتشابه قال تعالى: ﴿ فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ﴾ [سورة آل عمران: 7].

شبه ذلك كله بهيئة نزول الماء فانحدَارِه على الجبال والتلال وسيلانه في الأودية على اختلاف مقاديرها، ثم ما يدفع من نفسه زبداً لا ينتفع به ثم لم يلبث الزبد أن ذهب وفني والماء بقي في الأرض للنفع.

ولما كان المقصود التشبيه بالهيئة كلها جيء في حكاية ما ترتب على إنزال الماء بالعطف بفاء التفريع في قوله: فسالت } وقوله: ﴿ فاحتمل ﴾ فهذا تمثيل صالح لتجزئة التشبيهات التي تركب منها وهو أبلغ التمثيل.

وعلى نحو هذا التمثيل وتفسيره جاء ما يبينه من التمثيل الذي في قول النبي صلى الله عليه وسلم «مثَل ما بعثني الله به من الهُدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكان منها نقيّة قبلتْ الماء فأنبتت الكلأ والعُشْبَ الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناسَ فشربوا وسقَوا وزرعوا، وأصاب منها طائفةً أخرى إنما هي قيعَان لا تمسك ماء ولا نتنبت كلأ، مثلَ منْ فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعَلِم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هُدى الله الذي أرسلتُ به».

والأودية: جمع الوادي، وهو الحفير المتسع الممتد من الأرض الذي يجري فيه السيل.

وتقدم في سورة براءة عند قوله تعالى: ﴿ ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم ﴾ [سورة التوبة: 121].

والقَدَر بفتحتين: التقدير، فقوله: بقدرها } في موضع الحال من ﴿ أودية ﴾ ، وذكره لأنه من مواضع العبرة، وهو أن كانت أخاديد الأودية على قَدْر ما تحتمله من السيول بحيث لا تفيض عليها وهو غالب أحوال الأودية.

وهذا الحال مقصود في التمثيل لأنه حال انصراف الماء لنفععٍ لا ضرّ معه، لأنّ من السيول جواحف تجرف الزرع والبيوت والأنعام.

وأيضاً هو دال على تفاوت الأودية في مقادير المياه.

ولذلك حظ من التشبيه وهو اختلاف الناس في قابلية الانتفاع بما نزل من عند الله كاختلاف الأودية في قبول الماء على حسب ما يسيل إليها من مصاب السيول، وقد تم التمثيل هنا.

وجملة ﴿ ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زيد مثله ﴾ معترضة بين جملة ﴿ فاحتمل ﴾ الخ وجملة ﴿ فأما الزبد ﴾ الخ.

وهذا تمثيل آخر ورد استطراداً عقب ذكر نظيره يفيد تقريب التمثيل لقوم لم يشاهدوا سيول الأودية من سكان القرى مثل أهل مكّة وهم المقصود، فقد كان لهم في مكة صواغون كما دل عليه حديث الإذخر، فقرب إليهم تمثيل عدم انتفاعهم بما انتفع به غيرهم بمَثَل ما يصهْر من الذهب والفضة في البواتق فإنه يقذف زبداً ينتفي عنه وهو الخَبث وهو غير صالح لشيء في حين صلاح معدنه لاتخاذه حلية أو متاعاً.

وفي الحديث «كما ينفي الكير خبث الحديد».

فالكلام من قبيل تعدّد التشبيه القريب، كقوله تعالى: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ ثم قوله: ﴿ أو كصيب من السماء ﴾ [سورة البقرة: 19].

وأقرب إلى ما هنا قولُ لبيد: فتنازعَا سَبطا يَطير ظِلالُه *** كدُخان مُشْعَلَة يَشِبّ ضرامها مشمُولَةٍ غُلثت بنابتتِ عَرفَج *** كدُخان نار سَاطع إسنامها وأفاد ذلك في هذه الآية قوله: زبد مثله}.

وتقديم المسند على المسند إليه في هذه الجملة للاهتمام بالمسند لأنّه موضع اعتبار أيضاً ببديع صنع الله تعالى إذ جعل الزبد يطفو على أرقّ الأجسام وهو الماء وعلى أغلظها وهو المعدن فهو ناموس من نواميس الخلقة، فبالتقديم يقع تشويق السامع إلى ترقب المسند إليه.

وهذا الاهتمام بالتشبيه يشبه الاهتمام بالاستفهام في قول النبي صلى الله عليه وسلم في وصف جهنم «فإذا فيها كلاليبُ مثل حَسك السعدان هل رأيتم حسك السعدان».

وعدل عن تسمية الذهب والفضة إلى الموصولية بقوله تعالى: ﴿ ومما توقدون عليه في النار ﴾ لأنها أخصر وأجمع، ولأن الغرض في ذكر الجملة المجعولة صلة، فلو ذكرت بكيفية غير صلة كالوصفية مثلاً لكانت بمنزلة الفضلة في الكلام ولطال الكلام بذكر اسم المَعْدنين مع ذكر الصلة إذ لا مَحيد عن ذكر الوقود لأنه سبب الزبد، فكان الإتيان بالموصول قضاءً لحق ذكر الجملة مع الاختصار البديع.

ولأنّ في العدول عن ذكر اسم الذهب والفضة إعراضاً يؤذن بقلة الاكتراث بهما ترفعاً عن وَلع النّاس بهما فإن اسميهما قد اقترنا بالتعظيم في عرف النّاس.

و ﴿ من ﴾ في قوله: ﴿ ومما توقدون ﴾ ابتدائية.

و ﴿ ابتغاء حلية أو متاع ﴾ مفعول لأجله متعلق ب ﴿ توقدون ﴾ .

ذكر لإيضاح المراد من الصلة ولإدماج ما فيه من منة تسخير ذلك للناس.

لشدة رغبتهم فيهما.

والحلية: ما يتحلى به، أي يتزين وهو المصوغ.

والمتاع: ما يتمتع به وينتفع، وذلك المسكوك الذي يَتعامل به الناس من الذهب والفضة.

وقرأ الجمهور ﴿ توقدون ﴾ بفوقية في أوله على الخطاب، وقرأه حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف بتحتية على الغيبة.

وجملة ﴿ كذلك يضرب الله الحق والباطل ﴾ معترضة، هي فذلكة التمثيل ببيان الغرض منه، أي مثل هذه الحالة يكون ضَرْب مثل للحق والباطل.

فمعنى ﴿ يضرب ﴾ يبيّن ويُمثل.

وقد تقدم معنى يضرب عند قوله تعالى: ﴿ إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ﴾ في سورة البقرة (26).

فحُذف مضاف في قوله: يضرب الله الحق } ، والتقدير: يضرب الله مَثَلَ الحق والباطل، دلالة فعل ﴿ يضرب ﴾ على تقدير هذا المضاف.

وحذف الجار من ﴿ الحق ﴾ لتنزيل المضاف إليه منزلة المضاف المحذوف.

وقد علم أن الزبد مثَل للباطل وأن الماء مثَل للحق، فارتقى عند ذلك إلى ما في المثلين من صفتي البقاء والزوال ليتوصل بذلك إلى البشارة والنذارة لأهل الحق وأهل الباطل بأن الفريق الأول هو الباقي الدائم، وأن الفريق الثاني زائل بائد، كقوله: ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أنّ الأرض يرثها عباديَ الصالحون إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين ﴾ [الأنبياء: 105، 106]، فصار التشبيه تعريضاً وكناية عن البشارة والنذارة، كما دل عليه قوله عقب ذلك ﴿ للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له ﴾ [الرعد: 18] الخ كما سيأتي قريباً.

فجملة فأما الزبد } معطوفة على جملة ﴿ فاحتمل السيل زبداً رابيا ﴾ مفرّعةٌ على التمثيل.

وافتتحت ب ﴿ أما ﴾ للتوكيد وصَرْف ذهن السامع إلى الكلام لما فيه من خفي البشارة والنذارة، ولأنه تمام التمثيل.

والتقدير: فذهب الزبد جُفاء ومكُث ما ينفع الناس في الأرض.

والجُفاء: الطريح المرميُّ، وهذا وعيد للمشركين بأنهم سيبيدون بالقتل ويبقى المؤمنون.

وعبر عن الماء بما ينفع الناس للإيماء إلى وجه بناء الخبر وهو البقاء في الأرض تعريضاً للمشركين بأن يعرضوا أحوالهم على مضمون هذه الصلة ليعلموا أنهم ليسوا ما ينفع الناس، وهذه الصلة موازنة للوصف في قوله تعالى: ﴿ إن الأرض يرثها عبادي الصالحون ﴾ [سورة الأنبياء: 105].

واكتفي بذكر وجه شبه النافع بالماء وغير النافع بالزبد عن ذكر وجه شَبَه النافع بالذهب أو الفضة وغير النافع بزبدهما استغناء عنه.

وجملة كذلك يضرب الله الأمثال } مستأنفة تذييلية لما في لفظ ﴿ الأمثال ﴾ من العموم.

فهو أعم من جملة ﴿ كذلك يضرب الله الحق والباطل ﴾ لدلالتها على صنف من المثل دون جميع أصنافه فلما أعقب بمثل آخر وهو ﴿ فأما الزبد فيذهب جفاء ﴾ جيء بالتنبيه إلى الفائدة العامة من ضرب الأمثال.

وحصل أيضاً توكيد جملة ﴿ كذلك يضرب الله الحق والباطل ﴾ لأن العام يندرج فيه الخاص.

فإشارة ﴿ كذلك ﴾ إلى التمثيل السابق في جملة ﴿ أنزل من السماء ماء ﴾ أي مثل ذلك الضَرْب البديع يضرب الله الأمثال، وهو المقصود بهذا التذييل.

والإشارة للتنويه بذلك المثل وتنبيه الأفهام إلى حكمته وحكمة التمْثيل، وما فيه من المواعظ والعبر، وما جمعه من التمثيل والكناية التعريضية، وإلى بلاغة القرآن وإعجازه، وذلك تبهيج للمؤمنين وتحدّ للمشركين، وليعلم أن جملة ﴿ فأما الزبد فيذهب جفاء ﴾ لم يؤت بها لمجرد تشخيص دقائق القدرة الإلهية والصنع البديع بل ولضرب المثَل، فيعلمَ لممثّل له بطريق التعريض بالمشركين والمؤمنين، فيكون الكلام قد تم عند قوله: ﴿ كذلك يضرب الله الأمثال ﴾ كما في شأن التذييل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِما قَدَّرَ لَها مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ.

الثّانِي: يَعْنِي: الصَّغِيرُ مِنَ الأوْدِيَةِ سالَ بِقَدْرِ صِغَرِهِ، والكَبِيرُ مِنها سالَ بِقَدْرِ كِبَرِهِ.

وَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْقُرْآنِ وما يَدْخُلُ مِنهُ في القُلُوبِ، فَشَبَّهَ القُرْآنَ بِالمَطَرِ لِعُمُومِ خَيْرِهِ وبَقاءِ نَفْعِهِ، وشَبَّهَ القُلُوبَ بِالأوْدِيَةِ يَدْخُلُ فِيها مِنَ القُرْآنِ مِثْلُ ما يَدْخُلُ في الأوْدِيَةِ مِنَ الماءِ بِحَسَبِ سِعَتِها وضِيقِها.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ أيْ قُرْآنًا ﴿ فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها ﴾ قالَ: الأوْدِيَةُ قُلُوبُ العِبادِ.

﴿ فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا ﴾ الرّابِي: المُرْتَفِعُ.

وَهو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْحَقِّ والباطِلِ، فالحَقُّ مُمَثَّلٌ بِالماءِ الَّذِي يَبْقى في الأرْضِ فَيُنْتَفَعُ بِهِ، والباطِلُ مُمَثَّلٌ بِالزَّبَدِ الَّذِي يَذْهَبُ جُفاءً لا يُنْتَفَعُ بِهِ.

ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا ثانِيًا بِالنّارِ فَقالَ ﴿ وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ ﴾ يَعْنِي الذَّهَبَ والفِضَّةَ.

﴿ أوْ مَتاعٍ ﴾ يَعْنِي الصُّفْرَ والنُّحاسَ.

﴿ زَبَدٌ مِثْلُهُ ﴾ يَعْنِي أنَّهُ إذا سُبِكَ بِالنّارِ كانَ لَهُ خَبَثٌ كالزَّبَدِ الَّذِي عَلى الماءِ يَذْهَبُ فَلا يُنْتَفَعُ بِهِ كالباطِلِ، ويَبْقى صَفْوَةٌ فَيُنْتَفَعُ بِهِ كالحَقِّ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَذْهَبُ جُفاءً ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي مُنْشَقًّا قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

الثّانِي: جافِيًا عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: مَرْمِيًّا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

وَحَكى أبُو عُبَيْدَةَ أنَّهُ سَمِعَ رُؤْبَةَ يَقْرَأُ: جِفالًا.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ أجْفَلَتِ القِدْرُ إذا قَذَفَتْ بِزَبَدِها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال: قالوا يا رسول الله، إنا نكون عندك على حال، فإذا فارقناك كنا على غيره، فنخاف أن يكون ذلك النفاق.

قال: كيف أنتم وربكم؟

قالوا: الله ربنا في السر والعلانية.

قال: كيف أنتم ونبيكم؟

قالوا: أنت نبينا في السر والعلانية.

قال: ليس ذاكم بالنفاق.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ هل يستوي الأعمى والبصير ﴾ قال: المؤمن والكافر.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور ﴾ قال: أما الأعمى والبصير، فالكافر والمؤمن.

وأما الظلمات والنور، فالهدى والضلال.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم ﴾ قال: ﴿ خلقوا كخلقه ﴾ فحملهم ذلك على أن شكوا في الأوثان.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه ﴾ قال: ضربت مثلاً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله تعالى ﴿ أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه ﴾ قال: فأخبرني ليث بن أبي سليم، عن ابن محمد، عن حذيفة بن اليمان، عن أبي بكر إما حضر ذلك حذيفة من النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر، وإما حدثه إياه أبو بكر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل.

قال أبو بكر: يا رسول الله، وهل الشرك إلا ما عُبِدَ من دون الله، أو ما دعي مع الله؟!...

قال: ثكلتك أمك....

الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل، ألا أخبرك بقول يذهب صغاره وكباره؟

أو قال: لصغيره وكبيره؟

قال: بلى.

قال: تقول كل يوم ثلاث مرات:اللهم اني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، واستغفرك لما لا أعلم.

والشرك، أن تقول أعطاني الله وفلان والند، أن يقول الإِنسان: لولا فلان، قتلني فلان» .

وأخرج البخاري في الأدب المفرد، عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: انطلقت مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أبا بكر، للشرك فيكم أخفى من دبيب النمل، فقال أبو بكر رضي الله عنه وهل الشرك إلا من جعل مع الله إلهاً آخر؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، للشرك فيكم أخفى من دبيب النمل، ألا أدلك على شيء إذا قلته ذهب قليله وكثيره؟

قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، واستغفرك لما لا أعلم» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

فقال: ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ ﴾ وهي جمع وادي، وهو كل مفرج بين جبال وآكام وتلال.

يجتمع إليه ماء المطر فيسيل فيه، هذا قول عامة أهل اللغة (١) (٢) (٣) قال أبو علي الفارسي (٤) ﴿ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ ﴾ اتساع، والمراد في: سال الوادي، وجرى النهر، ماؤهما، فحذف المضاف، قال: والأودية جمع نادر في فاعل، ولا يعلم فاعلًا جمع على أفعله، ويشبه أن يكون ذلك، ليتعاقب فاعل وفعيل على الشيء الواحد، كعالم وعليم، وشاهد وشهيد، ووال وولي، ألا ترى أنهم جمعوا فاعلًا أيضًا على فعلاء، كشاعر وشعراء، مثل فقيه وفقهاء، فجعلوا فاعلًا كفعيل في التكسير، كجريب وأجربة، وقالوا: يتيم وأيتام، وشريف وأشراف، كما قالوا: صاحب وأصحاب وطائر وأطيار، فلذلك جمع وادٍ على أودية (٥) وقال غيره: نظير واد وأودية، ناد وأندية للمجالس.

وقوله تعالى: ﴿ بِقَدَرِ ﴾ القَدَر والقَدْر، مبلغ الشيء يقال: كم قَدْر هذه الدراهم؟

وقدرها ومقدارها، أي: كم (٦) ﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ  ﴾ وفي مواضع.

قال مجاهد (٧) وقال ابن جريج (٨) وقال ابن الأنباري والزجاج (٩) (١٠) ﴿ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ ﴾ ، بقدرها من الماء، لأن القدر معناه الهنداز (١١) قال أبو علي (١٢) قال ابن عباس في رواية عطاء (١٣) ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾ يريد قرآنًا، وهو مثل ضربه الله، ﴿ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ قال: يريد بالأودية قلوب العباد، قال ابن الأنباري: شبه نزول القرآن الجامع للهدى والبيان بنزول المطر، إذ نفع نزول القرآن يعم كعموم نفع نزول المطر، وشبه الأودية بالقلوب؛ إذ الأودية يستكن فيه الماء كما يستكن الإيمان والقرآن في قلوب المؤمنين، ونحو هذا قال الفراء (١٤) وقال صاحب النظم: الماء هاهنا إن شاء الله الإيمان والحق، فهؤلاء الذين سمينا جعلوا الماء مثلًا للإيمان والقرآن، والأودية مثلًا للقلوب.

والباقون من المفسرين وأهل المعاني سكتوا عن بيان الممثل والممثل به، وجعلوا ابتداء المثل من قوله: ﴿ فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا ﴾ ، قال ابن عباس (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) قال ابن عباس وغيره من المفسرين (١٩) ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ﴾ ، قرئ (٢٠) (٢١) ﴿ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ ﴾ ، ويجوز أن يكون خطابًا عامًا يراد به الكافة، كأنه ومما توقدون عليه أيها الموقدون، ومن قرأ بالياء فلأن ذكر الغيبة قد تَقَدّم في قوله: [ ﴿ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ ﴾ ويجوز أن يراد به] (٢٢) (٢٣) ﴿ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ ﴾ فكما أن الناس يعم المؤمن والكافر، كذلك الضمير في يوقدون (٢٤) (٢٥) (٢٦) قال أبو علي (٢٧) ﴿ فىِ النَّارِ ﴾ متعلقًا بتوقدون؛ لأنه قد يوقد على ما ليس في النار، كقوله: ﴿ فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ  ﴾ فهذا إيقاد على ما ليس في النار، وإن كان يلحقه وهجها ولهيبها، يريد أن هذه الجواهر تدخل النار فيوقد عليها.

وقوله تعالى: ﴿ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ ﴾ قال الزجاج (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ زَبَدٌ مِثْلُهُ ﴾ زبد مثل زبد الماء الذي يحمله السيل.

وقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ﴾ كما ذكر من هذه الأشياء يضرب الله مثل الحق والباطل، قال صاحب النظم: هذا كلام فرّق به بين الكلام الأول وبين تمامه؛ لأن قوله: ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ﴾ هو من الكلام الأول، ثم لما تم ذلك رجع إلى تمام قوله: ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ﴾ ، فقال: ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴾ والتأويل: كذلك يضرب الله الأمثال للحق والباطل، فاختصر الكلام اختصارًا على ما سبق من ذكر الحق والباطل، اعتماداً على بيانه في آخر الآية، وهو قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴾ ، وأنشد قول ذي الرمة (٣٠) فأضْحَتْ مَغَانِيها قِفَارًا رُسُومُها ...

كأن لم سِوَى أهْلٍ من الوَهِل تؤهلُ المعنى: كأن لم تؤهل سوى أهل من الوحش، ففرق بين لم، وتؤهل، ومعنى قوله: ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ﴾ الجفاء (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) وتلخيص معنى الآية على ما ذكره المفسرون وأهل المعاني (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) وقال أبو إسحاق (٤١) (٤٢) (٤٣) (١) "تهذيب اللغة" (ودي) 4/ 3865، و"اللسان" (ودي) 8/ 4803.

(٢) "تهذيب اللغة" (ودي) 4/ 3865.

(٣) (كالسيل) ساقط من (ج).

(٤) "الحجة" 2/ 340 (بتصرف).

(٥) إلى هنا انتهى النقل عن "الحجة" 2/ 340 بتصرف.

(٦) في (ب): (لم).

ولعله خطأ.

(٧) الطبري 13/ 136، وأبو عبيد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي هاشم وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 105، القرطبي 9/ 305.

(٨) الطبري 13/ 137، وابن جريج عن ابن عباس، القرطبي 9/ 305، وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس كما في "الدر" 4/ 103.

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 145.

(١٠) في: (أ)، (ج) ساقط (أن).

(١١) الهنداز: سبق التعريف به، وهو معرب، وأصله بالفارسية أنْدازاه، يقال: أعطاه بلا حساب ولا هنْداز.

(١٢) "الحجة" 2/ 340.

(١٣) القرطبي 9/ 305.

(١٤) "معاني القرآن" 2/ 61.

(١٥) الطبري 13/ 135، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 103.

(١٦) لم أجده في مظانه، وانظر: "اللسان" (زبد) 3/ 1803.

(١٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 145.

(١٨) أبو عبيدة "مجاز القرآن" 1/ 328.

(١٩) الطبري 13/ 134، والثعلبي 7/ 130 ب، و"زاد المسير" 4/ 322، والقرطبي 9/ 305، وابن كثير 2/ 557 - 558.

(٢٠) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر (توقدون) بالتاء، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم (يوقدون) بالياء وروى علي بن نصر عن أبيه عن أبي عمرو بالتاء والباء والغالب التاء وانظر: "السبعة" ص 358، و"الإتحاف" 270، و"زاد المسير" 4/ 321، و"البحر المحيط" 5/ 381.

(٢١) من هنا يبدأ القتل عن "الحجة" 5/ 16 باختصار.

(٢٢) في (ج): (أم جعلوا لله شركاء خلقوا، ويراد به).

(٢٣) في (ب): (جمع).

(٢٤) إلى هنا انتهى النقل عن "الحجة" 5/ 16 باختصار.

(٢٥) الفِلْزُ والفِلَزُّ، والفُلُزُّ: نحاس أبيض تصنع منه القدور وغيرها، وقيل: هو جميع == جواهر الأرض من الذهب والفضة والنحاس وأشباه ذلك.

انظر: "تهذيب اللغة" (فلز) 3/ 2828، و"اللسان" (فلز) 6/ 3460.

(٢٦) الطبري 13/ 134، والثعلبي 7/ 131 أ، و"زاد المسير" 4/ 322، والقرطبي 9/ 305، وابن كثير 2/ 558، و"البحر المحيط" 5/ 381.

(٢٧) "الحجة" 5/ 16، و"البحر المحيط" 5/ 382.

(٢٨) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 145.

(٢٩) "تهذيب اللغة" (متع) 4/ 3334.

(٣٠) "ديوانه" 1465، وفيه (من الوحش) بدل (من الوهل).

"خزانة الأدب" 9/ 5، و"الخصائص" 2/ 401، و"الدرر" 5/ 63.انظر: "تأويل مشكل القرآن" ص 207، و"شرح شواهد المغني" للسيوطي ص 233.

(٣١) "تهذيب اللغة" (جفأ) 1/ 619، و"الزاهر" 2/ 89.

(٣٢) "تهذيب اللغة" (جفأ) 1/ 619.

(٣٣) "معاني الفراء" 2/ 62 بنحوه، و"تهذيب اللغة" (جفأ) 1/ 619.

(٣٤) القماش: ما يجمع من هنا وهناك.

(٣٥) الدقائق: فتات كل شيء.

(٣٦) "فعلت وأفعلت" ص 8، ونقله في "التهذيب" 1/ 619 عن الفراء.

(٣٧) "زاد المسير" 4/ 322، القرطبي 9/ 305.

(٣٨) في (أ)، (ج): (عن).

(٣٩) في (أ)، (ج): (الأشوب) بألف.

(٤٠) "مشكل القرآن وغريبه" ص 233.

(٤١) "معاني القرآن وإعرابه " 3/ 145.

(٤٢) في (ج): بزيادة هذا: (وكمثل هذا خبث الحديد).

(٤٣) في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 146: (الذمي لا ينتفع به).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ الآية: هذا مثل ضربه الله للحق وأهله والباطل وحزبه، فمثل الحق وأهله بالماء الذي ينزل من السماء فتسيل به الأودية، وينتفع به أهل الأرض، وبالذهب والفضة والحديد والصفر النحاس وغيرها من المعادن التي ينتفع بها الناس، وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله وزواله بالزبد الذي يربى به السيل ويريد تلك المعادن التي يطفو فوقها إذا أذيبت، وليس في الزبد منفعة، وليس له دوام ﴿ بِقَدَرِهَا ﴾ يحتمل أن يريد ما قدر لها من الماء، ويحتمل أن يريد بقدر ما تحتمله على قدر صغرها وكبرها ﴿ زَبَداً رَّابِياً ﴾ الزبد ما يحمله السيل من غثاء ونحوه، والرابي المنتفخ الذي ربا ومنه الربوة ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ ﴾ المجرور في موضع خبر المقدم، والمبتدأ زبدٌ مثله: أي ينشأ من الأشياء التي يوقد عليها زبد السيل ﴿ ابتغآء حِلْيَةٍ أَوْ متاع ﴾ الذي يوقد عليه ابتغاء الحلي: هو الذهب والفضة، والذي يوقد عليه ابتغاء متاع هو الحديد والرصاص والنحاس والصفر وشبه ذلك، والمتاع ما يستمتع الناس به في مرافقهم وحوائجهم ﴿ يَضْرِبُ الله الحق والباطل ﴾ أي يضرب أمثال الحق والباطل ﴿ جُفَآءً ﴾ يجفاه السيل، أي يرمي به ﴿ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض ﴾ يريد الخالص من الماء ومن تلك الأحجار.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وزرع ونخيل صنوان وغير ﴾ بالرفع فيهن: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحفص والمفضل.

الآخرون بالجر فيهن عطفاً على ﴿ أعناب ﴾ .

﴿ يسقي ﴾ بالياء المثناة من تحت على تقدير يسقى كله أو للتغليب: ابن عامر وعاصم ويزيد ورويس.

الباقون بتاء التأنيث لقوله: ﴿ جنات ﴾ ﴿ ويفضل ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالنون على ونحن نفضل ﴿ أئذا ﴾ بهمزتين ﴿ إنا ﴾ بهمزة واحدة على أيذا بقلب الثانية ياء والباقي كما مر: نافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آئذا إنا ﴾ بالمد والباقي مثله: زيد وقالون إذا بهمزة واحدة أئنا بهمزتين: ابن عامر.

هشام يدخل بينهما مدة إذا بهمزة واحدة ﴿ آينا ﴾ بهمزة ممدودة ثم ياء: يزيد ﴿ أيذا أينا ﴾ بهمزة ثم ياء فيهما: ابن كثير مثله ولكن بالمد أو عمرو ﴿ أئذا آئنا ﴾ بهمزتين فيهما: عاصم وحمزة وخلف ﴿ هادي ﴾ ﴿ وافى ﴾ ﴿ وإلى ﴾ ﴿ باقي ﴾ في الوقف: يعقوب وابن كثير غير ابن فليح وزمعة، وروى ابن شنبوذ عن قنبل بالياء في الوقف وعن البزي بغير ياء ﴿ المتعالي ﴾ في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق سهل وعباس في الوصل.

الوقوف: ﴿ المر ﴾ كوفي ﴿ آيات الكتاب ﴾ ط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ وأنهارا ﴾ ط ﴿ النهار ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ بماء واحد ﴾ ز قف لمن قرأ ﴿ ونفضل ﴾ بالنون ﴿ في الأكل ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ط ﴿ بربهم ﴾ ط ﴿ في أعناقهم ﴾ ج ﴿ النار ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ المثلات ﴾ ط ﴿ على ظلمهم ﴾ ج لتنافي الجملتين ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ وما تزداد ﴾ ط ﴿ بمقدار ﴾ ه ﴿ المتعال ﴾ ه ﴿ بالنهار ﴾ ه ﴿ من أمر الله ﴾ ط ﴿ ما بأنفسهم ﴾ ط ﴿ فلا مرد له ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ وال ﴾ ه.

التفسير: ﴿ تلك ﴾ الآيات التي في هذه السورة آيات السورة العجيبة الكاملة في بابها ﴿ والذي أنزل إليك من ربك ﴾ أي القرآن كله هو ﴿ الحق ﴾ الذي لا محيد عنه والمراد أنه لا تنحصر الحقية في هذه السورة وحدها.

ثم أخذ في تفصيل الحق فبدأ بالدلالة على صحة المبدأ والمعاد فقال: ﴿ الله ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ الذي ﴾ أو الموصول صفة المبتدأ، وقوله: ﴿ يدبر الأمر يفصل الآيات ﴾ خبر بعد خبر.

والعمد بفتحتين جمع عمود وهو ما يعمد به الشيء شبه الأسطوانة.

وقوله: ﴿ ترونها ﴾ كلام مستأنف على سبيل الاستشهاد أي وأنتم ترونها مرفوعة بلا عماد.

وقال الحسن: في الآية تقديم وتأخير تقديره رفع السموات ترونها مرفوعة بغير عمد وفيه تكلف.

وقيل: ترونها صفة للعمد.

ثم زعم من تمسك بالمفهوم أن للسموات عمدا لكنا لا نراها وما تلك العمد؟

قال بعض الظاهريين: هي جبل من زبرجد محيط بالدنيا يمسى جبل قاف.

ولا يخفى سقوط هذا القول لأن كل جسم لو كان يلزم أن يكون معتمداً على شيء فذلك الجبل أيضاً كان متعمداً على شيء فذلك الجبل أيضا كان معتمداً على شيء وتسلسل.

وقال بعض من ترقى في حضيض الصورة إلى ذروة عالم المعقول: إن تلك العمد هي قدرة الله  وحفظه الذي أوقفها في الجوّ العالي.

ونحن لا نرى ذلك التدبير ولا نعرف كيفية ذلك الإمساك.

أما قوله: ﴿ كل يجري لأجل مسمى ﴾ فعن ابن عباس أن للشمس مائة وثمانين منزلاً في مائة وثمانين يوماً، إنها تعود مرة أخرى إلى واحد واحد منها في أمثال تلك الأيام ومجموع تلك الأيام سنة تامة.

أقول: إن صح عنه فلعله أراد تصاعدها في دائرة نصف النهار وتنازلها عنها في أيام السنة، وأراد نزولها في فلكها الخارج المركز من الأوج إلى الحضيض، ثم صعودها من الحضيض إلى الأوج فإن لها بحسب كل جزء من تلك الأجزاء في كل يوم من أيام السنة تعديلاً خاصاً زائداً أو ناقصاً كما برهن عليه أهل النجوم.

وأما القمر فسيره في منازله مشهور.

وقال سائر المفسرين: المراد كونهما متحركين إلى يوم القيامة وبعد ذلك تنقطع الحركات وتنتهي المسيرات كقوله: { ﴿ وأجل مسمى عنده  ﴾ واللام للتاريخ كما تقول: كتبت لثلاث خلون.

وإنما قال في سورة لقمان ﴿ إلى أجل مسمى  ﴾ موافقة لقبيل ذلك ومن يسلم وجهه إلى الله والقياس لله كما في قوله: ﴿ أسلمت وجهي لله  ﴾ ﴿ يدبر الأمر ﴾ إجمال بعد التفصيل أي أمر العالم العلوي والعالم السفلي من أعلى العرش إلى ما تحت الثرى بحيث لا يشغله شأن عن شأن، لأن تدبيره لعالم الأرواح كتدبيره لعالم الأشباح، وتدبيره للكبير كتدبيره للصغير لا يختلف بالنسبة إلى قدرته أحوال شيء من ذلك في الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة وتبديل الصور والأعراض وتغيير الأشكال والأوضاع ﴿ يفصل الآيات ﴾ الدالة على وحدانيته وقدرته، ويحتمل أن يراد بتدبير الأمر تدبير عالم الملكوت، ويكون معنى تفصيل الآيات إنزال الكتب وبعث الرسل وتكليف العباد الذي هو أثر ذلك العالم في العالم السفلي.

ويجوز أن يكون تدبير الأمر إشارة إلى القضاء، وتفصيل الآيات إشارة إلى القدر.

وقوله: ﴿ لعلكم بلقاء ربكم توقنون ﴾ على كل التفاسير إشارة إلى إثبات المعاد لأن المقر بتبيره وتقديره على الأنهاج المذكور لا بد أن يعترف باقتداره على الإعادة والجزاء.

ولما ذكر الدلائل السماوية أتبعها الدلائل الأرضية فقال: ﴿ وهو الذي مد الأرض ﴾ قال الأصم: أي بسطها إلى ما لا يدرك منتهاه، وهذا الامتداد الظاهر لحس البصر لا ينافي كريتها لتباعد أطرافها ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ أي جبالاً ثوابت في أحيازها غير منتقلة عن أماكنها.

وكيفية تكوّن الجبال على بسيط الأرض لا يعلم تفصيلها إلا موجدها.

وزعمت الفلاسفة أنها من تأثير المسوات في الأجزاء الأرضية القابلة لذلك الأثر بعد امتزاجها بالأجزاء المائية وغيرها، وقد يعين على ذلك نزول الأمطال وهبوب الرياح وهذا إن صح فعلم إجمالي.

وزعم بعضهم أن البحار كانت في جانب الشمال مدة كون حضيض الشمس هناك، وحين انتقل الحضيض إلى الجنوب انجذبت المياه إلى ذلك الجانب لأن الشمس تصير في الحضيض أقرب إلى الأرض فتوجب شدة السخونة الجاذبة للرطوبات فصار الطين اللزج حجراً وحدثت الجبال والأغوار بحسب المواضع المرتفعة والمنخفضة وبإعانة من السموات والآثار العلوية.

وبالجملة فالأسباب تنتهي لا محالة إلى مسبب لا سبب له وهو الله  .

ومن الدلائل الدالة على وجود الصانع ووحدانيته جريان الأنهار العظيمة على وجه الأرض الكائنة فيها من احتباس الأبخرة، وأكثر ذلك أنما يتكّون في الجبال فلذا قرن الجبال بالأنهار في القرآن كثيراً كقوله: ﴿ وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتاً  ﴾ وقد يحصل فيها معادن الفلزات ومواضع الجواهر ومكامن الأجسام المائعة من النفظ والقير والكبريت وغيرها، وكل ذلك دليل على وجود فاعل مختار ومدبر قهار.

ثم يحدث على الأرض بتربية المياه وتغذيتها أنواع النبات فللك قال: ﴿ ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ﴾ وللمفسرين فيه قولان: الأول أنه حين مد الأرض خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوّعت فيكون كل زوجين بالنسبة إلى ذلك النوع كآدم وحواء بالإضافة إلى الإنسان.

القول الثاني: إنه أراد بالزوجين الأسود والأبيض والحلو والحامض والصغير والكبير وما أشبه ذلك من الاختلاف الصنفي.

ووصف الزوجين بالاثنين للتأكيد مثل نفخة واحدة.

أما قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ فقد مر تفسيره في "الأعراف" وإنما ذكر هذا الإنعام في أثناء الدلائل الأرضية لأن النور والظلمة إنما يحدثان في الجوّ الذي يسميه الحكماء كرة النسيم وكرة البحار وليس فيما وراء ذلك ضياء ولا ظلام.

فتعاقب الليل والنهار من جملة الأحداث السفلية وإن كان سببها طلوع الشمس وغروبها في الأفق.

ويحتمل أن يقال: إن هذا دليل سماوي وإنه  عاد مرة أخرى إلى الدليل السماوي ثم إلى الدليل الأرضي وذلك قوله: ﴿ وفي الأرض قطع متجاورات ﴾ أي بقاع مختلفة مع كونها متجاورة ومتلاصقة طيبة إلى سبخة، وصلبة إلى رخوة، وصالحة للزرع لا للشجر إلى أخرى على خلافها، وفي هذا دلالة ظاهرة على أنها بجعل فاعل مختار موقع لأفعاله على حسب إرادته، وكذا الكروم والزروع والنخيل الكائنة في هذه القطع مختلفة الطباع متخالفة الثمار في اللون والطعم والشكل وهي تسقى بماء واحد، فدل ذلك على أن هذه الاختلافات لا تستند إلى الطبيعة فقط ولكنها بتقدير العزيز العليم.

وإنما ذكر الزرع بين الأعناب والنخيل لأنها كثيراً ما تكون كذلك في الوجود كقوله ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً  ﴾ والصنوان جمع صنو وهي النخلة لها رأسان وأصلهما واحد.

وعن ابن الأعرابي: الصنو المثل ومنه قوله  "عم الرجل صنو أبيه" .

فمعنى الآية على هذا أن أشجار النخيل قد تكون متماثلة وقد لا تكون، والأكل الثمر الذي يؤكل.

قاله الزجاج.

وعن غيره أنه عام في جميع المطعومات.

وإنما ختم الآية السابقة بقوله: ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ وهذه بقوله: ﴿ لقوم يعقلون ﴾ لأن المقام الأوّل يحتاج إلى التفكر لأن الفلاسفة يسندون الحوادث السفلية إلى الآباء الأثيرية والأمهات العنصرية، لكن العاقل إذا تفكر في اختصاص كل ممتزج بحيز معين وشكل معين وطبيعة وخاصية مخالفتين لغيره علم أن كل هذه الاختلافات لا تستند إلى أشعة كواكب معدودة ولا إلى طبائع عناصر محصورة كما أشير إلى ذلك بقوله: ﴿ وفي الأرض قطع ﴾ الآية.

ولئن سلم أن الاتصالات الفلكية واختلافات الفواعل والقوابل قد ترتقي إلى حد يظهر منها هذه الآثار فلا بد لكل سبب من الانتهاء إلى مسبب لا سبب فوقه وليس ذلك إلا الله وحده، فهذا مقام لا يجحده إلا عادم عقل بل فاقد حس.

والحاصل أن التفكر في الآيات يوجب عقلية ما جعلت الآيات دليلاً عليه فهو الأوّل المؤدي إلى الثاني والله ولي التوفيق.

ثم عاد  إلى ذكر المعاد فقال: ﴿ وإن تعجب ﴾ قال ابن عباس: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم إياك بعدما كانوا حكموا أنك من الصادقين، فهذا أعجب.

أو إن تعجب من عبادتهم الأصنام بعد الدلائل الدالة على التوحيد، أو إن تعجب يا محمد فقد عجبت في موضع العجب لأنهم اعترفوا بأنه  رفع السموات بغير عمد وسخر الشمس والقمر على وفق مصالح العباد وأظهر الغرائب والعجائب في عالم الخلق، ثم أنكروا الإعادة التي هي أهون وأسهل.

قال المتكلمون: موضع العجب هو الذي لا يعرف سببه وذلك في حقه  محال، فالمراد وإن تعجب ﴿ فعجب ﴾ عندك ﴿ قولهم ﴾ وإن سلم أن المراد عجب عند الله كما قرىء في الصافات ﴿ بل عجبت  ﴾ بضم التاء فتأويله أنه محمول على النهاية لا على البداية أي منكر عند الله ما قالوه فإن الإنسان إذا تعجب من شيء أنكره.

قال في الكشاف ﴿ أئذا كنا ﴾ إلى آخر قولهم، يجوز أن يكون في محل الرفع بدلاً من قولهم، وأن يكون منصوباً بالقول.

وإذا نصب بما دل عليه قوله: ﴿ أئنا لفي خلق جديد ﴾ وهو نبعث أو نحشر.

ثم حكم عليهم بأمور ثلاثة: الأول ﴿ أولئك الذي كفروا بربهم ﴾ يعني أولئك الكاملون المتمادون في كفرهم وذلك أن إنكار البعث لا يكون إلا عن إنكار القدرة أو عن إنكار كمالها بأن يقال: إنه موجب بالذات لا فاعل بالاختيار فلا يمكنه إيجاد الحيوان إلا بواسطة الأبوين وتأثير الطبائع والأفلاك او إنكار العلم بأن يقال: إنه غير عالم بالجزيئات فلا يمكنه تمييز المطيع عن العاصي، أو تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو، أو إنكار الصدق كما إذا قيل: إنه أخبر عنه ولكنه لا يفعل لأن الكذب جائز عليه كما لا يكذب أحدنا بناء على مصلحة عامة أو خاصة وكل واحدة من هذه العقائد كفر فضلاً عن جميعها.

والثاني: ﴿ وأولئك الأغلال في أعناقهم ﴾ قال الأصم: المراد بذلك كفرهم.

وذلتهم وانقيادهم للأصنام.

يقال للرجل هذا غل في عنقك للعمل الرديء إذا كان لازماً له وهو مصر على فعله.

وقال آخرون: هو من جملة الوعيد.

ولا بد من تجوّز على القولين: أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأن المراد أنه سيحصل هذا المعنى.

والظاهر أنه حاصل في الحال ويؤيد القول الثاني قوله: ﴿ إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل ﴾ والأول قوله: ﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً  ﴾ والثالث: ﴿ وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ وربما يستدل الأشاعرة به أن الصيغة للحصر فيدل على أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، ويمكن أن يناقش في إفادتها الحصر.

ثم إنه  كان يهددهم تارة بعذاب الآخرة وكانوا ينكرون البعث لذلك كما تقدم، ويخوفهم تارة أخرى بعذاب الدنيا فيستعجلونه به زعماً منهم أنه كلام لا أصل له وإلى هذا أشير بقوله: ﴿ ويستعجلونك بالسيئة ﴾ بالعذاب والعقوبة التي تسوءهم.

﴿ قيل ﴾ تمام ﴿ الحسنة ﴾ وهي العافية والإحسان إليهم بالإهمال والتأخير ﴿ وقد خلت من قبلهم المثلات ﴾ أي عقوبات أمثالهم من المكذبين فما لهم لا يعتبرون بها؟

وأصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه لأن العقاب مماثل للمعاقب عليه ومنه "المثلة" بالضم والسكون لتقبيح الصورة بقطع الأنف والأذن وسمل العين ونحو ذلك، وذلك أنه ليس تغييراً كلياً لا يماثل الصورة الأولى وإنما ذلك تغيير تبقى الصورة معه قبيحة.

﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ﴾ قالت الأشاعرة: فيه دلالة على جواز العفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبة لأن قوله: ﴿ على ظلمهم ﴾ حال منهم، ومن المعلوم أن الإنسان حال اشتغاله بالظلم لا يكون تائباً لكن الآية دلت على أنه  يغفر الذنوب قبل الاشتغال بالتوبة ترك العمل بها في حق الكافر فيبقى معمولاً بها في حق أهل الكبائر.

لا يقال: إن المراد من هذه المغفرة تأخير العقاب إلى الآخرة ليقع جواباً عن استعجالهم.

أو ألمراد غفران الصغائر لمجتنب الكبائر، أو غفران الكبائر بشرط التوبة فإن تاب وإلا فهو شديد العقاب لأنا نقول: تأخير العقاب إلى الآخرة لا يسمى مغفرة وإلا كان غافراً للكفار.

وأيضاً إنه  مدح نفسه بهذا والتمدح إنما يحصل بالتفضل لا بأداء الواجب.

وعندكم يجب غفران الصغائر لمن اجتنب الكبائر..

وجواب الباقي ما مر عن النبي  : "لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحداً العيش ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد" قال أهل النظم: إن الكفار طعنوا في نبوته بسبب الطعن في الحشر والنشور، ثم طعنوا في نبوّته بسبب استبطاء نزول العذاب، ثم طعنوا في نبوّته بسبب عدم الاعتداد بمعجزاته وذلك قوله: ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد تقدم مثل هذا في "الأنعام" في تفسير قوله: ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه  ﴾ ويجيء مثل هذه بعينها في هذه السورة.

قيل: وليس بتكرار محض لأن المراد بالأول آية مما اقترحوا نحو ما في قوله: ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر  ﴾ الآيات وبالثاني آية ما لأنهم لم يهتدوا إلى أن القرآن آية فوق كل آية وأنكروا سائر آياته  ، أو لعلهم ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر المعجزات فأجاب  تسلية لرسوله ﴿ إنما أنت منذر ﴾ ما عليك إلا الإتيان بما يصح به دعوى إنذارك ورسالتك ﴿ ولكل قوم هاد ﴾ من الأنبياء يدعوهم إلى الله بوجه من الهداية والإرشاد يليق بزمانه وبأمته.

ولم يجعل الأنبياء شرعاً في المعجزات فعلى هذا التقدير المنذر النبي والهادي نبي إلا أن الأول محمد والثاني نبي كل زمان.

وقيل: المنذر محمد والهادي هو الله  قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك.

والمعنى أنهم إن جحدوا كون القرآن معجزاً فلا يضيقن قلبك بسببه فما عليك إلا الإنذار.

وأما الهداية فمن الله.

وقيل: المنذر النبي والهادي هو علي.

روي عن ابن عباس أن رسول الله  وضع يده على صدره فقال: أنا المنذر وأومأ إلى منكب علي فقال: وأنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون بعدي قاله في التفسير الكبير.

ثم أكد المعاني المذكورة في الآيات السابقة بقوله: ﴿ الله يعلم ﴾ لأنه إذا كان عالماً بجميع المعلومات قدر على تمييز أجزاء بدن كل مكلف من غيره فلا يستنكر منه البعث، ويكون نزول العذاب مفوّضاً إلى عمله فلا يجوز استعجاله به، وكذا إنزال الآيات يكون موكولاً إلى تدبيره فإن علم أن المكلفين اقترحوها لأجل الاسترشاد ومزيد البيان أظهرها الله  لهم وإلا فلا، وفيه أن إعطاءه كل منذر آيات خلاف آيات غيره أمر مدبر بالعلم النافذ مقدر بالحكمة الربانية.

وعلى القول الثاني فيه أن من هذه قدرته وهذاعلمه وهو القادر وحده على هدايتهم بأي طريق شاء، وعلى هذا احتمل أن يكون ﴿ الله ﴾ خبر مبتدأ محذوف والجملة مفسرة لـ ﴿ هاد ﴾ أي هو الله.

ثم ابتدأ فقيل: ﴿ يعلم ﴾ ﴿ ما تحمل كل أنثى ﴾ قال في الكشاف: لفظة "ما" في ﴿ ما تحمل ﴾ و ﴿ ما تغيض ﴾ و ﴿ ما تزداد ﴾ إما أن تكون مصدرية والمعنى يعلم حمل كل أنثى ويعلم غيض الأرحام وازديادها أو غيوض ما فيها وزيادته على أن الفعلين غير متعديين فأسند الفعل إلى الأرحام وهو لما فيها.

والازدياد "افتعال" من زاد فأبدلت التاء دالاً، وإنه يتعدى ولا يتعدى كثلاثيه.

أو موصولة والمراد يعلم ما تحمله من الولد ذكورته وأنوثته وتخاطيط أعضائه وسائر أحواله من السعادة وضدها ومن العلم وضده إلى غير ذلك، ويعلم ما تغيضه الأرحام أي تنقصه كقوله: ﴿ وغيض الماء  ﴾ وما تزداده من العدد فقد يكون واحداً وأكثر، ومن الخلقة فقد يكون تماماً أو مخدجاً، ومن المدة فقد يكون أقل من تسعة أشهر أو أزيد إلى سنتين عند أبي حنيفة، وإلى أربع عند الشافعي، وإلى خمس عند مالك، ومن دم الحيض.

قال ابن عباس: كلما سال الحيض يوماً زاد في مدة الحمل يوماً ليحصل الجبر ويعتدل الأمر.

ثم بين كمال علمه ونفاذ أمره بقوله: ﴿ وكل شيء عنده بمقدار ﴾ واحد لا يتجاوزه في طرفي التفريط والإفراط، والمراد بالعندية العلم كما يقال: هذه المسألة عند الشافعي كذا.

وذلك أنه  خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة حسب مشيئته الأزلية وإرادته السرمدية.

وقال حكماء الإسلام: وضع أسباباً كلية وأودع فيها قوى وخواص وحرك الأجرام بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية معينة ومناسبات معلومة مقدّرة، ومن جملتها أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ أي هو عالم بما غاب عن الحسن وبما حضر له، أو بما غاب عن ا لخلق وبما شهدوه أو بالمعدومات وبالموجودات ﴿ الكبير ﴾ في ذاته لا بحسب الحجمية بل بالرتبة والشرف لأنه أجل الموجودات ﴿ المتعال ﴾ المنزه عن كل ما يجوزعليه في ذاته في صفاته وفي أفعاله.

ثم زاد في التأكيد فقال: ﴿ سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ﴾ أي مستوفى علمه هذان لأنه يعلم السر كما يعلم الجهر لا يتفاوت في علمه أحد الحالين ﴿ و ﴾ سواء عنده ﴿ من هو مستخف بالليل وسارب ﴾ على أن ﴿ سارب ﴾ معطوف على ﴿ من ﴾ لا على ﴿ متسخف ﴾ ليتناول معنى الاستواء شخصين: أحدهما مستخف والآخر سارب.

وإلا فلم يتناول إلا واحداً هو مستخف وسارب إلا أن يكون "من" في معنى الاثنين حتى كأنه قيل: سواء منكم اثنان متسخف بالليل وسارب ﴿ بالنهار ﴾ وفي المستخفي والسارب قولان: أحدهما أن المستخفي هو المستتر الطالب للخفاء في ظلمة الليل، والسارب من يضطرب في الطرقات ظاهراً بالنهار يبصره كل أحد.

يقال: سرب في الأرض سروباً أي ذهب في سربه بالفتح والسكون وهو الطريق ويؤديه قول مجاهد: معناه سواء من يقدم على القبائح في ظلمات الليالي ومن يأتي بها في النهار الظاهر على سبيل التوالي.

وثانيهما نقل الواحدي عن الأخفش وقطرب: المستخفي الظاهر من قولهم: "اختفيت الشيء" أي استخرجته، والسارب المتواري الداخل سرباً بفتحتين ومنه انسرب الوحش إذا دخل في كناسه.

وهذا وإن صح من حيث اللغة لكن قرينتي الليل والنهار إنما تساعدان القول الأول، ولهذا أطبق أكثر المفسرين عليه.

ثم ذكر ما يجري في الظاهر مجرى السبب لاستواء علمه بحال المسر والمعلن فقال: ﴿ له ﴾ أي لمن أسر ومن جهر ومن استخفى ومن سرب ﴿ معقبات ﴾ جماعات من الملائكة تعقب في حفظه وكلاءته.

والأصل معتقبات فأدغمت، أو هو على أصله من عقبه بالتشديد إذا جاء على عقبه لأن بعضهم يعقب بعضاً، أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه.

والتأنيث للمبالغة نحو "نسابة" و"علامة"، أو لأنه جمع معقبة أي ملائكة معقبة أو جماعة معقبة.

وقوله: ﴿ من أمر الله ﴾ ليس من صلة الحفظ لأنه قدرة للملك ولا لأحد من الخلق على أن يحفظوا أحداً من قضاء الله وإنما هو صفة أخرى كأنه قيل: له معقبات من أمر الله يحفظونه، أو له معقبات يحفظونه، ثم بين سبب الحفظ فقال: ﴿ من أمر الله ﴾ أي من أجل أن الله أمرهم بحفظه فمن بمعنى الباء وقرأ به عليّ وابن عباس وغيرهما، ويجوز أن يكون صلة على معنى يحفظونه من بأس الله إذا أذنب بدعائهم له ومسألتهم ربهم أن يمهله رجاء أن يتوب.

قال ابن جريج: هو مثل قوله  : ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد  ﴾ صاحب اليمين يكتب الحسنات والذي عن يساره يكتب السيئات.

وقال مجاهد: ما من عبد إلا وله ملك يحفظه من الجن والإنس والهوام في نومه ويقظته.

وقيل: المراد يحفظونه من جميع المهالك من بين يديه ومن خلفه لأن كلاّ من المستخفي والسارب إذا سعى في مهماته فإنما يحذر من الجهتين.

وما الفائدة في تسليط هؤلاء على ابن آدم؟

قال علماء الشريعة: إن الشياطين يدعون إلى المعاصي والشرور وهؤلاء الملائكة يدعون إلى الخيرات والطاعات بالإلهامات الحسنة والإخطارات الشريفة.

وإذا علم ابن آدم أن معه ملائكة يحصون عليه أفعاله وأقواله استحيا منهم وكان ذلك له رادعاً قوياً، وقد مر في هذا الباب كلام في "الأنعام" في قوله: { ﴿ ويرسل عليكم حفظةً ﴾ فليتذكر {الآية: 61].

وللآية تفسير آخر منقول عن ابن عباس وختاره أبو مسلم الأصفهاني قال: المعقبات الحرس وأعوان الملوك، والجملة وهي قوله: ﴿ له معقبات ﴾ صفة للمستخفي والسارب أو حال منه لكونه نكرة موصوفة أي يستوي في علم الله السر والجهر، والمستخفي بظلمة الليل والسارب بالنهار مستظهراً بالمعاونين والأنصار.

والمقصود بعث الأمراء والسلاطين على أن يطلبوا الخلاص عن المكاره بعصمة الله لا بالحرس والأعوان ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿ وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ﴾ ممن يلي أمرهم ويدفع عنهم.

قالت الأشاعرة: في هذا الكلام دلالة على أن العبد غير مستقل في الفعل لأنه إذا كفر العبد فلا شك أنه  حكم بكونه مستحقاً للذم في الدنيا والعقاب في الآخرة، فلو كان العبد مستقلاً لحصل الإيمان وكان راداً لقضاء الله  .

وقالت المعتزلة: هذا معارض بما تقدم عليه من كلام الله وهو قوله: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ لأنه لو ابتدأ بالعبد أول ما يبلغ بالضلال والخذلان كان ذلك من أعظم العقاب مع أنه ما كان منه تغيير.

قالوا: وفيه دليل على أنه لا يعاقب أطفال المشركين بذنوب آبائهم لأنهم لم يغيروا ما بأنفسهم من نعمة فيغير الله ما بهم من النعمة إلى العقاب.

أجابت الأشاعرة بأن هذا راجع إلى قوله: ﴿ ويستعجلونك ﴾ بين الله  بذلك أنه لا ينزل بهم عذاب الاستئصال إلا والمعلوم منهم الإصرار على الكفر حتى قالوا: إذا كان المعلوم أن فيهم من يؤمن أو في أعقابهم من يؤمن فإنه لا يستأصلهم.

ورد بأن هذا خلاف الظاهر وقد صرح بذلك في سورة الأنفال في قوله: ﴿ ذلك بأن لله لم يك مغيراً  ﴾ الآية.

والحق أن ترتب النقمة على تغيير النعمة لا ينافي استناد تغيير النعمة إليه فإنه مبدأ المبادىء وانتهاء الوسائط وسبب الأسباب.

التأويل: ﴿ المر ﴾ الألف الله لا إله إلا هو الحي القيوم، اللام له مقاليد السموات والأرض، الميم مالك يوم الدين، الراء رب العالمين من الأزل إلى الأبد أقسم بهذه الأمور أن الذي أنزل على عبده محمد هو الحق، وأنه حبل الله الذي به يوصل المؤمن من هبوط عالم الطبيعة إلى ذروة عالم الحقيقة لأنه ﴿ الله الذي رفع السموات ﴾ المحسوسة ﴿ بغير عمد ﴾ فكما أنه رفع السموات بقدرته فكذلك رفع الدرجات برحمته، أو كما أنه رفع السموات المحسوسة بعمد القدرة كذلك يرفع سموات القلوب بجذبة العناية، وسخر شمس الروح وقمر القلب أو النفس لتدبير مصالح العالم الصغير.

وإنما تظهر هذه الغرائب والعجائب لحصول كمال الإيقان بالرجوع إلى الله والفناء فيه بل البقاء به.

ومن حسن تدبيره أنه مد أرض البشرية وجعل فيها رواسي من الأوصاف الروحانية وأنهاراً من منابع العناية، ﴿ ومن كل الثمرات ﴾ وهي الملكات والأخلاق ﴿ جعل فيها زوجين اثنين ﴾ ملكة روحانية حميدة وأخرى نفسانية وذميمة.

فالأولى نورانية كالنهار والأخرى ظلمانية كالليل، يغلب هذه تارة وتلك أخرى وهذا معنى قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ وفي أرض الإنسانية ﴿ قطع متجاورات ﴾ هي النفس والقلب والروح السر والخفي حيوانية وملكوتية روحانية وجبروتية وعظموتية ﴿ وجنات ﴾ هي هذه الأعيان المتسعدة لقبول الفيض عند بلوغها ﴿ من أعناب ﴾ هي ثمرة النفس من الصفات التي هي أصل الإسكار كالغفلة والحمق والسهو واللهو ﴿ وزرع ﴾ هو ثمرة القلب فإن القلب كالأرض الطيبة التي منها غذاء الروح ﴿ ونخيل ﴾ هو الروح ذو الأخلاق الحميدة كالكرم والجود والشجاعة والقناعة والحياء والتواضع والشفقة ﴿ صنوان ﴾ هو السر الجبروتي الكاشف عن أسرار الجبروت بين الرب والعبد فإنه إذا حكى السر للعبد كان المحكى مثالاً لما عليه الوجود ﴿ وغير صنوان ﴾ هو الخفي الواقف على أسرار العظموت التي لا مثل لها ولا أمثال ولا تحكى لعبده كما قال { ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ وكما قال: بين المحبين سر ليس يفشيه *** ﴿ يسقى بماء واحد ﴾ هو ماء القدرة والحكمة ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى ﴾ أي ما في استعداد كل مستعد من الفضائل، أو ما في كل ذرّة من ذرّات المكونات من الخواص والطبائع، أو ما في كل منها من الآيات الدالة على موجدها ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ ﴿ وما تغيض الأرحام وما تزداد ﴾ أي ما يظهر من تلك الآيات الاستعدادات في جانبي التفريط والإفراط، والمراد ما ينقص من أرحام الموجودات أو المعدومات فمهما أوجد شيء نقص من رحم العدم واحد وزاد في رحم الوجود واحد وبالعكس في جانب الإعدام.

مستخف بليل العدم وظاهر النهار الوجود له أي لله معقبات من العلم والقدرة من بين يدي المعلوم ومن خلفه أي في حالتي عدمه ووجوده من أزله إلى أبده ﴿ يحفظونه من أمر الله ﴾ أي لأجل أمره حتى لا يخرج من قبضة تدبيره ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم ﴾ من الوجود والعدم ﴿ حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ من استدعاء الوجود أو العدم بلسان استحقاق الوجود أو العدم كما تقتضيه حكمته وتدبيره.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ ﴾ .

أمره أن يسألهم: من رب السماوات والأرض؟

ثم أمره أن يجيب هو لهم؛ فيقول الله وهو في الظاهر دعوى، أكثر ما في هذه الآية دعوى، وبعضه حجاج، وهو قوله: ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً ﴾ ، وقوله: ﴿ خَلَقُواْ كَخَلْقِه ﴾ لأنهم يقرون بهذا؛ لا يخلقون كخلقه؛ ولا يملكون دفع الضر؛ ولا جَرّ النفع.

وقوله: ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

﴿ قُلِ ﴾ إنما أمره أن يسألهم من رب السماوات والأرض، ولم يقل من ربكم فإنما [أمره أن يسألهم] ما لا يتجاسرون أن يقولوا الأصنام التي يعبدونها هي أرباب السماوات والأرض فلا بد أن يقروا الله رب السماوات والأرض، فإذا أقروا بهذا أنه رب السماوات والأرض قد دخل ما في السماوات والأرض في ربوبيته، إذ السماوات والأرض، إنما خلقهما لأهلهما؛ فإذا كان ربَّ السماوات والأرض - كان ربَّ ما فيهما.

وقال بعضهم: ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ ﴾ أمره أن يسألهم ثم يسبقهم بالإجابة؛ لأنه هو السابق بكل خير، وهم يجيبون له أنه رب السماوات والأرض.

دليله: حرف أبي وابن مسعود وحفصة؛ حيث قرءوا (من رب السماوات والأرض قالوا الله) يدل إنه أمره أن يسبقهم بالإجابة، كما كان هو السابق على كل خير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ﴾ .

يقول - والله أعلم - إذا أقررتم أن رب السماوات والأرض هو الله؛ وهو الإله؛ فكيف اتخذتم من دونه هذه الأصنام آلهة أرباباً وعبدتموها أو كيف جعلتم من ليس هو رب السماوات والأرض - أولى ممن أقررتم بالعبادة له أنه ربهما؟

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً ﴾ إذ لا يملكون نفعاً لأنفسهم، ولا دفع الضر عنها؛ فكيف يملكون نفع غيره أو دفع ضرّ عن غيره؟

فعرفهم أنهم لا يملكون ذلك؛ وأن الله هو المالك؛ فكيف تركتم عبادة من يملك ذلك؛ وعبدتم من لا يملك؟.

فيخرج تأويله على وجهين: أحدهما: يقول: لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرّاً، فكيف اتخذتم دون الله آلهة؟.

والثاني: لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرّاً مع وجود الحاجة فيها؛ فكيف تعبدون على رجاء النفع لكم بقولكم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ﴾ أي: تعلمون أن الأصنام التي تعبدونها أنها عمي لا تبصر شيئاً؛ والله هو البصير؛ فكيف تركتم عبادة من يبصر؛ وعبدتم من لا يبصر؟

هل يستوي ذلك؟

أي: لا يستوي.

أو يقول [لهم]: إنكم بعبادتكم الأصنام طمعتم شفاعتهم عند الله؛ وهم عمي وأنتم بصراء؛ فهل رأيتم أعمى يقود بصيراً في الشاهد؟

أو هل رأيتم من لا يبصر يكون دليلا لبصير؟

فإذا لم تروا ذلك؛ فكيف طمعتم من الأصنام ذلك.

وقال أهل التأويل: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ﴾ : الأعمى: الكافر: والبصير: المؤمن.

﴿ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ وَٱلنُّورُ ﴾ .

الظلمات: الكفر، والنور: الإيمان.

ووجه قولهم؛ حيث شبهوا الكفر بالظلمة، والإيمان بالنور؛ لأن الظلمة تحجب وتستر كل شيء، والنور يرفع ذلك الحجاب وذلك الستر؛ فالإيمان له دلائل وحجج؛ ترفع تلك الحجب والستر؛ فينور له كل شيء.

والكفر ليس له حجج ودلائل ترفع ذلك؛ فهو ظلمة لم يضيء له شيئاً، والإيمان نور؛ حيث أضاء له، ونور كل شيء له بالدلائل والحجج التي ذكرنا.

فصار الكافر كالأعمى لا يبصر شيئاً؛ لأنه في الظلمة، والمؤمن كالبصير؛ لأن معه الدلائل والحجج.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ﴾ .

أي: بل جعلوا لله شركاء في العبادة؛ بعد ما علموا أنهم لا يملكون لهم نفعاً إن عبدوها ولا ضرّاً إن تركوا العبادة لها.

وقوله: ﴿ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ﴾ .

أي: خلق هؤلاء الأصنام؛ التي عبدوها وأشركوها في ألوهيته؛ كخلق الله؛ فتشابه عليهم خلقه من خلق الأصنام؛ أي: عرفوا أنها لم تخلق شيئاً كما خلق الله؛ فكيف أشركوا هذه الأصنام في عبادة الله وألوهيته؛ وهم كأنهم قد أقروا أن الله هو خالق كل شيء؟

وهذا ينقض على المعتزلة قولهم؛ حيث قالوا: إن الله لم يخلق أفعال العباد ولا يقدر على خلقها؛ فإذا كان الله لم يخلقها؛ فهم خلقوها - على زعمهم - فيكون موضع تشابه الخلق عليهم - على قولهم - فيدل على بطلان قولهم وفساد مذهبهم.

والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ في السماوات والأرض ﴿ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ .

أي: كل شيء دونه تحت قدرته وقهره وسلطانه، والأصنام التي تبعدونها مقهورة مغلوبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً...

﴾ إلى آخر ما ذكر من الأمثال؛ إلى قوله ﴿ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: هذا مثل ضربه الله لليقين والشك؛ فاحتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها: فأمّا الشك فلا ينفع منه عمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله، وهو قوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً ﴾ \[وهو الشك\]، ﴿ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ وهو اليقين، وكما يجعل الحلي في النار فيؤخذ خالصه ويترك خبيثه في النار؛ كذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك؛ وهو قول ابن عباس  .

وقال قتادة: قوله: ﴿ أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ الصغير بصغره والكبير بكبره.

﴿ فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً ﴾ يقول: رابيا ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً ﴾ والجفاء: ما يتعلق بالشجر من الزبد، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض؛ فضرب المثل للحق والباطل.

يقول - والله أعلم - كما اضمحل هذا الزبد؛ الذي ظهر فوق الماء؛ فصار جفاء لا ينتفع به ولا ترجى بركته، كذلك يضمحل الباطل عن أهله؛ كما اضمحل هذا الزبد؛ وكما مكث هذا الماء في الأرض، وقر قرارها فأمرعت ورجيت بركته كذلك، وأخرجت له نباتها؛ كذلك يبقى الحق لأهله؛ كما بقي هذا الماء في الأرض.

﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ ﴾ يقول: يبقى خالص هذا الذهب والفضة حين أدخل في النار؛ وذهب خبثه؛ كذلك يبقى الحق لأهله.

﴿ أَوْ مَتَاعٍ ﴾ يعني هذا الحديد والصفر الذي ينتفع به؛ وفيه منافع؛ يقول: ما بقي خالص هذا الحديد وهذا الصفر؛ حين أدخل النار وذهب خبثه؛ كذلك يبقى الحق لأهله كما بقي خالصهما.

وقال الكلبي: قوله: ﴿ نَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً ﴾ وهو القرآن؛ فاحتمله القلوب بأهوائها؛ ذو اليقين على قدر يقينه، وذو الشك على قدر شكه؛ فاحتملت الأهواء باطلا كثيراً وجفاء: فالماء هو الحق، والأودية هي القلوب، والسيل الأهواء، والزبد الباطل، والحق المتاع والحلية.

قال: ﴿ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ فالزبد وخبث الحديد وخبث المتاع: هو الباطل؛ من أصاب من هذا شيئاً لم ينتفع به، فكذلك الباطل يوم القيامة لا ينتفع بباطله.

وأمّا الحلية والماء والمتاع: فهو الحق؛ من أصاب شيئاً منه انتفع به، وكذلك صاحب الحق يوم القيامة ينتفع بالحق.

أما الحلية: فالذهب والفضة، وأما المتاع: فالصفر والحديد والرصاص والنحاس، ونحوه، ليس شيء من هذا ينتفع به حتى يدخل النار؛ فيميز صفوه من خبثه.

وقال الحسين بن واقد: وهو قول مقاتل؛ ضرب الله مثل الكفر والإيمان؛ ومثل الحق والباطل، فقال: ﴿ أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ ، سال الوادي الكبير على قدر كبره؛ والصغير على قدر صغره؛ فاحتمل السيل زبداً رابياً أي: عالياً، ثم قال: ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ ﴾ ؛ الذهب والفضة، ثم قال: ﴿ أَوْ مَتَاعٍ ﴾ الشَّبَهُ والحديد والصفر والرصاص، ﴿ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ﴾ أي: للسيل زبد مثله لا ينتفع به؛ [والماء ينتفع به]، وللحلي والمتاع أيضاً زبد مثل زبد السيل؛ إذا أدخل النار؛ وهو خبثه لا ينتفع به والحلي والمتاع ما خلص منهما ينتفع به فمثل الأودية مثل القلوب ومثل السيل مثل الأهواء ومثل الماء والحلي والمتاع الذي ينتفع به مثل [الحق، ومثل زبد الماء وخبث الحلي والمتاع الذي لا ينتفع به مثل] الباطل فكما ينتفع بالماء وما خلص من الحلي والمتاع الذي ينتفع به أهله في الدنيا؛ فكذلك الحق ينفع أهله في الآخرة؛ وكما لا ينفع الزبد؛ وخبث الحلي؛ وخبث المتاع أهله في الدنيا؛ فكذلك الباطل لا ينفع أهله في الآخرة ﴿ كَذٰلِكَ ﴾ أي: هكذا يضرب الله الأمثال، أي: يبين الله ما ذكر من مثل الحق والباطل، ﴿ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً ﴾ قال: يعني يابساً؛ فلا ينتفع به، ﴿ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ ﴾ من الماء؛ ﴿ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ فيسقون ويزرعون عليه ويتنفعون به.

فهذه ثلاثة أمثال ضربها الله في مثل واحد؛ يقول: هكذا يبين الله الأمثال والأشباه ﴿ لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ﴾ أي: أجابوا ﴿ لِرَبِّهِمُ ﴾ في الدنيا؛ بالإيمان والتوحيد ﴿ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ لهم؛ وهي الجنة في الآخرة.

ضرب الله مثل الإيمان والحق؛ ووصفهما بالثبات والقرار والطيب؛ بالأرض الطيبة مرة؛ وشجرة طيبة ثانياً، وضرب مثل الكفر والباطل؛ بالأرض الخبيثة؛ والشجرة الخبيثة، ووصفهما بالخبث والذهاب؛ فقال: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ  تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ...

 ﴾ وقال: ﴿ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ  ﴾ وقال: ﴿ وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ...

﴾ الآية [الأعراف: 58] وضرب مثل المؤمن مرة بالبصير والسميع، ومثل الكافر بالأعمى والأصم؛ فقال: ﴿ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً  ﴾ وضرب مثل الكفر؛ مرة بالظلمات؛ ومرة بالرماد والموت، ومثل الإيمان بالنور والضياء والحياة؛ ونحوه.

فهذه الأمثال التي ضرب الله - عز وجل - تخرج كلها مخرج الدعوى في الظاهر؛ إذ ليس فيها بيان الحق منها؛ وبيان المحق من غير المحق؛ سوى أن فيها: هل يستوي ذا مع ذا؟

لا يستوى على ما ذكر، وهل يستوي الطيب والخبيث؛ أو البصير والسميع [أو] الأصم والأعمى؛ أو الميت [و] الحي؛ أو الظلمات والنور؟

وأمثاله، هذا كله غير مستوٍ.

وكل أهل الأديان وإن - اختلفت مذاهبهم - يقول كل: أنا الذي عليه هو الحق؛ والباطل هو الذي عليه غيري، وينفي كل عن نفسه العمى والصمم؛ وكونه في ظلمة؛ ويدعي كونه في النور؛ ونحوه.

فليس في نفس الأمثال التي ضربت بيان الحق من الباطل والمحق من غيره؛ فذلك يعرف بغيرها بالدلائل والحجج والبراهين؛ وهو ما ذكر ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ...

﴾ الآية [العنكبوت: 43] فبالدلائل والحجج والبراهين يعرف الحق من الباطل والمحق من غير المحق؛ فللإيمان والحق دلائل وحجج ويعرف ذوو العقول - بالعقول - حسنه وطيبه، وما يعقب من ثمرته، ويبين قبح الكفر والباطل لذوي العقول بالعقول، واستخباثهم الباطل؛ وما يعقبه لأهله من الخبث والقبح والشرّ.

وقال القتبي: ﴿ زَبَداً رَّابِياً ﴾ أي: عالياً على الماء ﴿ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ ﴾ أي: حلي أو متاع آنية يعني من فِلزّ الأرض وجواهرها؛ مثل الرصاص والحديد؛ ونحوه، والذهب والفضة؛ حيث تعلوها - إذا أذيبت - مثل زبد الماء.

والجُفاء ما رمى به الوادي إلى جنباته؛ يقال: أجفأت القدر بِزَبدها: إذا ألقت زبدها عنها.

وقال أبو عوسجة: ﴿ رَّابِياً ﴾ : أي: مرتفعاً فوق ظهر الماء؛ وهو واحد، ويقال: زبد الماء: إذا صار له زبد ﴿ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ ﴾ هو من الحلي؛ من الذهب والفضة؛ مما يتحلى به؛ ﴿ فَيَذْهَبُ جُفَآءً ﴾ أي: باطلا لا ينتفع به، وأما الجفاء: فهو إظهار التهاون بالإنسان؛ وقلة الاكتراث له؛ والاستخفاف به.

وقال: الجفاء هو الغثاء، ويقال: قد أجفأ الوادي: إذا علاه ذلك ثم جرى به الماء.

قال أبو عوسجة: والغثاء - عندي -: ما حمله السيل؛ من العيدان والبعر؛ وما يشبه ذلك.

وقال القتبي: قوله: ﴿ فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىٰ  ﴾ أي: يبساً.

قال أبو عبيد: الجفاء الجمود، ويذهب إلى أن الزبد يجمد ويجتمع على الماء، ثم يذهب بمائها.

وقال الفراء يذهب جُفاء: أي: يذهب سريعاً كما جاء.

وقال الشيخ - رحمه الله -: ويشبه أن يكون المثل الذي ضرب بالماء هو للدين وهو أن الدين الحق الذي أنزل من السماء واحد؛ لكن الناس اتخذوا أدياناً متفرقة، ومذاهب مختلفة؛ كقوله: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ  ﴾ فالدين الذي أمر بسلوكه واتباعه واحد؛ وهو كالماء الذي أنزل من السماء واحد صاف؛ وهو الأصل؛ فحذف منه أشياء لا يعبأ به ولا يكترث؛ فعلى ذلك السبل.

أو أن يكون وجه ضرب مثله بالماء؛ وهو أن الماء إذا أنزل من السماء أنزل [طيباً عذباً]، لكن اختلف ألوانه وطعومه باختلاف جواهر الأرض؛ بعضه خرج مالحاً أجاجاً، وبعضه مرّاً لا ينتفع به؛ وبعضه عذب، وذلك على اختلاف جواهر الأرض، وإلا كان المنزّل من السماء كله عذب طيب؛ فالذي ينتفع به واحد؛ وهو العذب.

فعلى ذلك الدين الذي ينتفع به - واحد؛ والبواقي لا ينتفع بها كالمياه المرة والمالحة، أو يكون غير هذا؛ ونحن لا نعرفه والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ضرب الله مثلًا لتلاشي الباطل وبقاء الحق بماء مطر نازل من السماء حتى سالت به الأودية، كلٌّ حسب حجمه صغرًا وكبرًا، فحمل السيل الغُثَاء والرَّغْوَة مرتفعًا فوق الماء، وضرب مثلًا آخر لهما ببعض ما يوقد الناس عليه من المعادن النفيسة ابتغاء صهرها وصنع ما يتزين الناس به، بمثل هذين المثلين يضرب الله مثل الحق والباطل، فالباطل مثل الغُثَاء والزَّبَد الطافي على الماء، ومثل ما ينفيه صهر المعدن من الصدأ، والحق مثل الماء الصافي الذي يشرب منه، وينبت الثمار والكلأ والعشب، ومثل ما بقي من المعدن بعد صهره فينتفع الناس به، كما ضرب الله هذين المثلين يضرب الله الأمثال للناس؛ ليتضح الحق من الباطل.

<div class="verse-tafsir" id="91.dqZzE"

مزيد من التفاسير لسورة الرعد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 20%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر