الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ٢٢ من سورة الرعد
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 94 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢٢ من سورة الرعد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
( والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم ) أي : عن المحارم والمآثم ، ففطموا نفوسهم عن ذلك لله عز وجل; ابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه ( وأقاموا الصلاة ) بحدودها ومواقيتها وركوعها وسجودها وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي ، ( وأنفقوا مما رزقناهم ) أي : على الذين يجب عليهم الإنفاق لهم من زوجات وقرابات وأجانب ، من فقراء ومحاويج ومساكين ، ( سرا وعلانية ) أي : في السر والجهر ، لم يمنعهم من ذلك حال من الأحوال ، في آناء الليل وأطراف النهار ، ( ويدرءون بالحسنة السيئة ) أي : يدفعون القبيح بالحسن ، فإذا آذاهم أحد قابلوه بالجميل صبرا واحتمالا وصفحا وعفوا ، كما قال تعالى : ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) [ فصلت : 34 ، 35 ] ; ولهذا قال مخبرا عن هؤلاء السعداء المتصفين بهذه الصفات الحسنة بأن لهم عقبى الدار.
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: والذين صبروا على الوفاء بعهد الله، وترك نقض الميثاق وصلة الرحم(ابتغاء وجه ربهم) ، ويعني بقوله: (ابتغاء وجه ربهم) ، طلب تعظيم الله, وتنـزيهًا له أن يُخالَفَ في أمره أو يأتي أمرًا كره إتيانه فيعصيه به(وأقاموا الصلاة) ، يقول: وأدُّوا الصلاة المفروضة بحدودها في أوقاتها(وأنفقوا مما رزقناهم سرًّا وعلانية) يقول: وأدَّوا من أموالهم زكاتها المفروضة وأنفقوا منها في السبل التي أمرهم الله بالنفقة فيها(سرًّا) في خفاء " وعلانية " في الظاهر .
كما:- 20335- حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: (وأقاموا الصلاة) يعني الصلوات الخمس(وأنفقوا مما رزقناهم سرًّا وعلانية) .
يقول الزكاة .
20336- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد " الصبر "، الإقامة.
قال، وقال " الصبر " في هاتين, فصبرٌ لله على ما أحبَّ وإن ثقل على الأنفس والأبدان, وصبرٌ عمَّا يكره وإن نازعت إليه الأهواء.
فمن كان هكذا فهو من الصابرين .
وقرأ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ .
[سورة الرعد:24] * * * وقوله: (ويدرءون بالحسنة السيئة) ، يقول: ويدفعون إساءة من أساء إليهم من الناس, بالإحسان إليهم.
(10) كما:- 20337- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (ويدرءون بالحسنة السيئة) ، قال: يدفعون الشر بالخير, لا يكافئون الشرّ بالشر، ولكن يدفعونه بالخير .
* * * وقوله: (أولئك لهم عقبى الدار) يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفنا صفتهم، هم الذين (لهم عقبى الدار), يقول: هم الذين أعقبهم الله دارَ الجنان، من دارهم التي لو لم يكونوا مؤمنين كانت لهم في النار, فأعقبهم الله من تلك هذه .
(11) * * * وقد قيل: معنى ذلك: أولئك الذين لهم عقِيبَ طاعتهم ربَّهم في الدنيا، دارُ الجنان .
-------------------- الهوامش : (10) انظر تفسير" الدرء" فيما سلف 2 : 22 ، 225 / 7 : 382 .
(11) انظر تفسير" العاقبة" فيما سلف 15 : 356 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
قوله تعالى : والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم قيل : " الذين " مستأنف ; لأن صبروا ماض فلا ينعطف على " يوفون " وقيل : هو من وصف من تقدم ، ويجوز الوصف تارة بلفظ الماضي ، وتارة بلفظ المستقبل ; لأن المعنى من يفعل كذا فله كذا ; ولما كان الذين يتضمن الشرط ، والماضي في الشرط كالمستقبل جاز ذلك ; ولهذا قال : الذين يوفون ثم قال : والذين صبروا ثم عطف عليه فقال : ويدرءون بالحسنة السيئة .
قال ابن زيد : صبروا على طاعة الله ، وصبروا عن معصية الله .
وقال عطاء : صبروا على الرزايا والمصائب والحوادث والنوائب .
وقال أبو عمران الجوني : صبروا على دينهم ابتغاء وجه اللهوأقاموا الصلاة أدوها بفروضها وخشوعها في مواقيتها .وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يعني الزكاة المفروضة ، عن ابن عباس ، وقد مضى القول في هذا في " البقرة " وغيرهاويدرءون بالحسنة السيئة أي يدفعون بالعمل الصالح السيئ من الأعمال ، قاله ابن عباس .
ابن زيد : يدفعون الشر بالخير .
سعيد بن جبير : يدفعون المنكر بالمعروف .
الضحاك : يدفعون الفحش بالسلام .
جويبر : يدفعون الظلم بالعفو .
ابن شجرة : يدفعون الذنب بالتوبة .
القتبي : يدفعون سفه الجاهل بالحلم ; فالسفه السيئة ، والحلم الحسنة .
وقيل : إذا هموا بسيئة رجعوا عنها واستغفروا .
وقيل : يدفعون الشرك بشهادة أن لا إله إلا الله ; فهذه تسعة أقوال معناها كلها متقارب ، والأول يتناولها بالعموم ; ونظيره : إن الحسنات يذهبن السيئات ومنه قوله - عليه السلام - لمعاذ : وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن .أولئك لهم عقبى الدار أي عاقبة الآخرة ، وهي الجنة بدل النار ، والدار غدا داران : الجنة [ ص: 272 ] للمطيع ، والنار للعاصي ; فلما ذكر وصف المطيعين فدارهم الجنة لا محالة .
وقيل : عني بالدار دار الدنيا ; أي لهم جزاء ما عملوا من الطاعات في دار الدنيا .
{ وَالَّذِينَ صَبَرُوا } على المأمورات بالامتثال، وعن المنهيات بالانكفاف عنها والبعد منها، وعلى أقدار الله المؤلمة بعدم تسخطها.
ولكن بشرط أن يكون ذلك الصبر { ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ } لا لغير ذلك من المقاصد والأغراض الفاسدة فإن هذا هو الصبر النافع الذي يحبس به العبد نفسه، طلبا لمرضاة ربه، ورجاء للقرب منه، والحظوة بثوابه، وهو الصبر الذي من خصائص أهل الإيمان، وأما الصبر المشترك الذي غايته التجلد ومنتهاه الفخر، فهذا يصدر من البر والفاجر، والمؤمن والكافر، فليس هو الممدوح على الحقيقة.
{ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ } بأركانها وشروطها ومكملاتها ظاهرا وباطنا، { وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً } دخل في ذلك النفقات الواجبة كالزكوات والكفارات والنفقات المستحبة وأنهم ينفقون حيث دعت الحاجة إلى النفقة، سرا وعلانية، { وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ } أي: من أساء إليهم بقول أو فعل، لم يقابلوه بفعله، بل قابلوه بالإحسان إليه.
فيعطون من حرمهم، ويعفون عمن ظلمهم، ويصلون من قطعهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، وإذا كانوا يقابلون المسيء بالإحسان، فما ظنك بغير المسيء؟!{ أُولَئِكَ } الذين وصفت صفاتهم الجليلة ومناقبهم الجميلة { لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ }
( والذين صبروا ) على طاعة الله ، وقال ابن عباس : على أمر الله عز وجل .
وقال عطاء : على المصائب والنوائب .
وقيل : عن الشهوات .
وقيل : عن المعاصي .
( ابتغاء وجه ربهم ) طلب تعظيمه أن يخالفوه .
( وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ) يعني يؤدون الزكاة .
( ويدرءون بالحسنة السيئة ) روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : يدفعون بالصالح من العمل السيئ من العمل ، وهو معنى قوله : ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) ( هود - 114 ) .
وجاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها ، السر بالسر والعلانية بالعلانية " .
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة ، أنبأنا محمد بن أحمد بن الحارث ، أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي ، أنبأنا عبد الله بن محمود ، أنبأنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، عن ابن لهيعة ، حدثني يزيد بن أبي حبيب ، حدثنا أبو الخير ، أنه سمع عقبة بن عامر رضي الله عنه يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل كانت عليه درع ضيقة قد خنقته ، ثم عمل حسنة ، فانفكت عنه حلقة ، ثم عمل أخرى فانفكت أخرى ، حتى يخرج إلى الأرض " .
وقال ابن كيسان : معنى الآية : يدفعون الذنب بالتوبة .
وقيل : لا يكافئون الشر بالشر ، ولكن يدفعون الشر بالخير .
وقال القتيبي : معناه : إذا سفه عليهم حلموا ، فالسفه : السيئة ، والحلم : الحسنة .
وقال قتادة : ردوا عليهم معروفا ، نظيره قوله تعالى : ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ) ( الفرقان - 63 ) .
وقال الحسن : إذا حرموا أعطوا ، وإذا ظلموا عفوا ، وإذا قطعوا وصلوا .
قال عبد الله بن المبارك : هذه ثمان خلال مشيرة إلى ثمانية أبواب الجنة .
( أولئك لهم عقبى الدار ) يعني الجنة ، أي : عاقبتهم دار الثواب .
ثم بين ذلك فقال : ( جنات عدن ) .
«والذين صبروا» على الطاعة والبلاء وعن المعصية «ابتغاء» طلب «وجه ربهم» لا غيره من أعراض الدنيا «وأقاموا الصلاة وأنفقوا» في الطاعة «مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءُون» يدفعون «بالحسنة السيئة» كالجهل بالحلم والأذى بالصبر «أولئك لهم عُقبى الدار» أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة، وهي.
وهم الذين صبروا على الأذى وعلى الطاعة، وعن المعصية طلبًا لرضا ربهم، وأدَّوا الصلاة على أتمِّ وجوهها، وأدَّوا من أموالهم زكاتهم المفروضة، والنفقات المستحبة في الخفاء والعلن، ويدفعون بالحسنة السيئة فتمحوها، أولئك الموصوفون بهذه الصفات لهم العاقبة المحمودة في الآخرة.
ثم أضاف - سبحانه - إلى الصفات السابقة لأولى الألباب صفات أخرى حميدة فقال : ( وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابتغاء وَجْهِ رَبِّهِمْ ) أى : أن من صفاتهم أنهم صبروا على طاعة الله ، وصبروا عن معصيته ، وصبروا على المصائب وآلامها ، صبرا غايته رضا ربهم وخالقهم ، لا رضا أحد سواء .أى : أن صبرهم فى كل مجال يحمد فيه الصبر لم يكن من أجل الرياء أو المباهاة أو المجاملة أو غير ذلك ، وإنما كان صبرهم من أجل رضا الله - تعالى - وطلب ثوابه .وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : ( وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ) فيما يصبر عليه من المصائب فى النفوس والأموال ومشاق التكليف ( ابتغاء وَجْهِ رَبِّهِمْ ) لا ليقال ما أصبره وأحمله للنوازل ، وأوقره عند الزلازل ، ولا لئلا يعاب بالجزع ، ولئلا يشمت به الاعداء ، كقوله :وتجلدى للشامتين أريهم ...
أنى لريب الدهر لا أتزعزعولا لأنه لا طائل تحت الهلع ، ولا مرد فيه للفائت .وكل عمل له وجوه يعمل عليها ، فعلى المؤمن أن ينوى منها ما به كان حسنا عند الله - تعالى - وإلا لم يستحق به ثوابا؛ وكان فعلا كلا فعل .( وَأَقَامُواْ الصلاة ) أى : أدوها فى أوقاتها كاملة الأركان والسنن والأذكار ، بخشوع وإخلاص .
( وَأَنْفَقُواْ ) بسخاء وطيب نفس ( مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ) أى : مما أعطيناهم من عطائنا الواسع العميم .
( سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ) أى : ينفقون مما رزقناهم سرا .
حيث يحسن السر ، كإعطاء من لم يتعود الأخذ من غيره ، وينفقون ( علانية ) حيث تحسن العلانية ، كأن ينفقوا بسخاء فى مجال التنافس فى الخير ، ليقتدى بهم غيرهم ( وَيَدْرَءُونَ بالحسنة السيئة ) والدرء : الدفع والطرد .
يقال : درأه درءاً ، إذا دفعه .أى : أن من صفات أولى الألباب - أيضا - أنهم يدفعون بالعمل الصالح العمل السئ ، كما فى قوله - صلى الله عليه وسلم - " وأتبع السيئة الحسنة تمحها " أو أنهم يدعفون سيئة من أساء إليهم بالإِحسان إليه ، أو بالعفو عنه ، متى كان هذا الإِحسان أو العفو لا يؤدى إلى مفسدة .قال صاحب الظلال ما ملخصه : " وفى الآية إشارة خفية إلى مقابلة السيئة بالحسنة ، عندما يكون فى هذا درء السيئة ودفعها لا إطماعها واستعلاؤها ، فأما حين تحتاج السيئة إلى القمع ، ويحتاج الشر إلى الدفع ، فلا مكان لمقابلتهما بالحسنة ، لئلا ينتفش الشر ويتجرأ ويستعلى .ودرء السيئة بالحسنة يكون غالبا فى المعاملة الشخصية بين المتماثلين فأما فى دين الله فلا .إن المستعملى الغاشم لا يجدى معه إلى الدفع الصارم ، والمفسدون فى الأرض لا يجدى معهم إلا الأخذ الحاسم ، والتوجيهات القرآنية متروكة لتدبر المواقف ، واستشارة الألباب ، والتصرف بما يرجح أنه الخير والصواب .
"وجملة ( أولئك لَهُمْ عقبى الدار ) بيان الجزاء الحسن ، الذى أعده الله - تعالى - لهؤلاء الأخيار .والعقبى : مصدر كالعاقبة ، وهى الشئ الذى يقع عقب شئ آخر .والمراد بالدار : الدنيا .
وعقباها الجنة .
وقيل المراد بالدار : الدار الآخرة .
وعقباها الجنة للطائعين ، والنار للعاصين .أى : أولئك الموصوفون بتلك الصفات الكريمة ، لهم العاقبة الحسنة وهى الجنة .
والجملة الكريمة خبر عن ( الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله .
.
.
) وما عطف عليها .
اعلم أنه تعالى لما شبه المؤمن والكافر والإيمان والكفر بالأعمى والبصير والظلمات والنور ضرب للإيمان والكفر مثلاً آخر فقال: ﴿ أَنَزَلَ مِنَ السماء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ ومن حق الماء أن يستقر في الأودية المنخفضة عن الجبال والتلال بمقدار سعة تلك الأودية وصغرها، من حق الماء إذا زاد على قدر الأودية أن ينبسط على الأرض ومن حق الزبد الذي يحتمله الماء فيطفو ويربو عليه أن يتبدد في الأطراف ويبطل، سواء كان ذلك الزبد ما يجري مجرى الغليان من البياض أو ما يحفظ بالماء من الأجسام الخفيفة، ولما ذكر تعالى هذا الزبد الذي لا يظهر إلا عند اشتداد جري الماء ذكر الزبد الذي لا يظهر إلا بالنار، وذلك لأن كل واحد من الأجساد السبعة إذا أذيب بالنار لابتغاء حلية أو متاع آخر من الأمتعة التي يحتاج إليها في مصالح البيت، فإنه ينفصل عنها نوع من الزبد والخبث، ولا ينتفع به بل يضيع ويبطل ويبقى الخالص.
فالحاصل: أن الوادي إذا جرى طفا عليه زبد، وذلك الزبد يبطل ويبقى الماء.
والأجساد السبعة إذا أذيبت لأجل اتخاذ الحلي أو لأجل اتخاذ سائر الأمتعة انفصل عنها خبث وزبد فيبطل ويبقى ذلك الجوهر المنتفع به، فكذا هاهنا أنزل من سماء الكبرياء والجلالة والإحسان ماء وهو القرآن، والأودية قلوب العباد وشبه القلوب بالأودية، لأن القلوب تستقر فيها أنوار علوم القرآن، كما أن الأودية تستقر فيها المياه النازلة من السماء، وكما أن كل واحد فإنما يحصل فيه من مياه الأمطار ما يليق بسعته أو ضيقه، فكذا هاهنا كل قلب إنما يحصل فيه من أنوار علوم القرآن ما يليق بذلك القلب من طهارته وخبثه وقوة فهمه وقصور فهمه، وكما أن الماء يعلوه زبد الأجساد السبعة المذابة يخالطها خبث، ثم إن ذلك الزبد والخبث يذهب ويضيع ويبقى جوهر الماء وجوهر الأجساد السبعة، كذا هاهنا بيانات القرآن تختلط بها شكوك وشبهات، ثم إنها بالآخرة تزول وتضيع ويبقى العلم والدين والحكمة والمكاشفة في العاقبة، فهذا هو تقرير هذا المثل ووجه انطباق المثل على الممثل به، وأكثر المفسرين سكتوا عن بيان كيفية التمثيل والتشبيه.
المسألة الثانية: في المباحث اللفظية التي في هذه الآية في لفظ الأودية أبحاث: البحث الأول: الأودية جمع واد وفي الوادي قولان: القول الأول: أنه عبارة عن الفضاء المنخفض عن الجبال والتلال الذي يجري فيه السيل، هذا قول عامة أهل اللغة.
والقول الثاني: قال السهروردي يسمى الماء وادياً إذا سال قال: ومنه سمي الودى ودياً لخروجه وسيلانه، وعلى هذا القول فالوادي اسم للماء السائل كالمسيل.
والأول هو القول المشهور إلا أن على هذا التقدير يكون قوله: ﴿ سَالَتْ أَوْدِيَةٌ ﴾ مجازاً فكان التقدير: سالت مياه الأودية إلا أنه حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
البحث الثاني: قال أبو علي الفارسي رحمه الله: الأودية جمع واد ولا نعلم فاعلاً جمع على أفعلة قال: ويشبه أن يكون ذلك لتعاقب فاعل وفعيل على الشيء الواحد كعالم وعليم، وشاهد وشهيد، وناصر ونصير، ثم إن وزن فاعل يجمع على أفعال كصاحب وأصحاب، وطائر وأطيار، ووزن فعيل يجمع على أفعلة، كجريب وأجربة ثم لما حصلت المناسبة المذكورة بين فاعل وفعيل لا جرم يجمع الفاعل جمع الفعيل.
فيقال: واد وأودية ويجمع الفعيل على جمع الفاعل فيقال: يتيم وأيتام وشريف وأشراف هذا ما قاله أبو علي الفارسي رحمه الله.
وقال غيره: نظير واد وأودية، ناد وأندية للمجالس.
البحث الثالث: إنما ذكر لفظ أودية على سبيل التنكير، لأن المطر لا يأتي إلا على طريق المناوبة بين البقاع فتسيل بعض أودية الأرض دون بعض.
أما قوله تعالى: ﴿ بِقَدَرِهَا ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: قال الواحدي: القدر والقدر مبلغ الشيء يقال كم قدر هذه الدراهم وكم قدرها ومقدارها؟
أي كم تبلغ في الوزن، فما يكون مساوياً لها في الوزن فهو قدرها.
البحث الثاني: ﴿ سَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ أي من الماء، فإن صغر الوادي قل الماء، وإن اتسع الوادي كثر الماء.
أما قوله: ﴿ فاحتمل السيل زَبَدًا رَّابِيًا ﴾ ففيه بحثان: البحث الأول: قال الفراء: يقال أزبد الوادي إزباداً، والزبد الاسم، وقوله: ﴿ رَّابِيًا ﴾ قال الزجاج: طافياً عالياً فوق الماء.
وقال غيره: زائداً بسبب انتفاخه، يقال: ربا يربو إذا زاد.
أما قوله تعالى: ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النار ابتغاء حِلْيَةٍ أَوْ متاع زَبَدٌ مّثْلُهُ ﴾ فاعلم أنه تعالى لما ضرب المثل بالزبد الحاصل من الماء، أتبعه بضرب المثل بالزبد الحاصل من النار، وفيه مباحث: البحث الأول: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿ يُوقِدُونَ ﴾ بالياء، واختاره أبو عبيدة لقوله: ﴿ يَنفَعُ الناس ﴾ وأيضاً فليس هاهنا مخاطب.
والباقون بالتاء على الخطاب، وعلى هذا التقدير ففيه وجهان.
الأول: أنه خطاب للمذكورين في قوله: ﴿ قُلْ أفاتخذتم مّن دُونِهِ أَوْلِيَاء ﴾ والثاني: أنه يجوز أن يكون خطاباً عاماً يراد به الكافة، كأنه قال: ومما توقدون عليه في النار أيها الموقدون.
البحث الثاني: الإيقاد على الشيء على قسمين: أحدهما: أن لا يكون ذلك الشيء في النار، وهو كقوله تعالى: ﴿ فَأَوْقِدْ لِى ياهامان عَلَى الطين ﴾ والثاني: أن يوقد على الشيء ويكون ذلك الشيء في النار فإن من أراد تذويب الأجساد السبعة جعلها في النار، فلهذا السبب قال هاهنا: ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النار ﴾ .
البحث الثالث: في قوله: ﴿ ابتغاء حِلْيَةٍ ﴾ قال أهل المعاني: الذي يوقد عليه لابتغاء حلية الذهب والفضة، والذي يوقد عليه لابتغاء الأمتعة الحديد والنحاس والرصاص، والأسرب يتخذ منها الأواني والأشياء التي ينتفع بها، والمتاع كل ما يتمتع به وقوله: ﴿ زَبَدٌ مّثْلُهُ ﴾ أي زبد مثل زبد الماء الذي يحمله السيل.
ثم قال تعالى: ﴿ وكذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل ﴾ والمعنى كذلك يضرب الله الأمثال للحق والباطل.
ثم قال: ﴿ أَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس ﴾ قال الفراء: الجفاء الرمي والاطراح يقال: جفا الوادي غثاءه يجفوه جفاء إذا رماه، والجفاء اسم للمجتمع منه المنضم بعضه إلى بعض وموضع جفاء نصب على الحال، والمعنى: أن الزبد قد يعلو على وجه الماء ويربو وينتفخ إلا أنه بالآخرة يضمحل ويبقى الجوهر الصافي من الماء ومن الأجساد السبعة، فكذلك الشبهات والخيالات قد تقوى وتعظم إلا أنها بالآخرة تبطل وتضمحل وتزول ويبقى الحق ظاهراً لا يشوبه شيء من الشبهات، وفي قراءة رؤبة بن العجاج جفالاً، وعن أبي حاتم لا يقرأ بقراءة رؤبة لأنه كان يأكل الفار.
أما قوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبّهِمُ الحسنى ﴾ ففيه وجهان: الأول: أنه تم الكلام عند قوله: ﴿ كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال ﴾ ثم استأنف الكلام بقوله: ﴿ لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبّهِمُ الحسنى ﴾ ومحله الرفع بالابتداء وللذين خبره وتقديره لهم الخصلة الحسنى والحالة الحسنى.
الثاني: أنه متصل بما قبله والتقدير: كأنه قال الذي يبقى هو مثل المستجيب والذي يذهب جفاء مثل من لا يستجيب ثم بين الوجه في كونه مثلاً وهو أنه لمن يستجيب الحسنى وهو الجنة، ولمن لا يستجيب أنواع الحسرة والعقوبة، وفيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير: كذلك يضرب الله الأمثال للذين استجابوا لربهم الاستجابة الحسنى، فيكون الحسنى صفة لمصدر محذوف.
واعلم أنه تعالى ذكر هاهنا أحوال السعداء وأحوال الأشقياء، أما أحوال السعداء فهي قوله: ﴿ لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبّهِمُ الحسنى ﴾ والمعنى أن الذين أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والعدل والنبوة وبعث الرسل والتزام الشرائع الواردة على لسان رسوله فلهم الحسنى.
قال ابن عباس: الجنة، وقال أهل المعاني: الحسنى هي المنفعة العظمى في الحسن، وهي المنفعة الخالصة عن شوائب المضرة الدائمة الخالية عن الانقطاع المقرونة بالتعظيم والإجلال.
ولم يذكر الزيادة هاهنا لأنه تعالى قد ذكرها في سورة أخرى، وهو قوله: ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ ﴾ وأما أحوال الأشقياء، فهي قوله: ﴿ والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ ﴾ فلهم أنواع أربعة من العذاب والعقوبة.
فالنوع الأول؛ قوله: ﴿ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ ﴾ والافتداء جعل أحد الشيئين بدلاً من الآخر، ومفعول لافتدوا به محذوف تقديره: لافتدوا به أنفسهم أي جعلوه فداء أنفسهم من العذاب، والكناية في به عائدة إلى ما في قوله: ﴿ مَّا فِي الأرض ﴾ .
واعلم أن هذا المعنى حق، لأن المحبوب بالذات لكل إنسان هو ذاته، وكل ما سواه فإنما يحبه لكونه وسيله إلى مصالح ذاته، فإذا كانت النفس في الضرر والألم والتعب وكان مالكاً لما يساوي عالم الأجساد والأرواح فإنه يرضى بأن يجعله فداء لنفسه، لأن المحبوب بالعرض لابد وأن يكون فداء لما يكون محبوباً بالذات.
والنوع الثاني: من أنواع العذاب الذي أعده الله لهم هو قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوء الحساب ﴾ قال الزجاج: ذاك لأن كفرهم أحبط أعمالهم.
وأقول هاهنا حالتان: فكل ما شغلك بالله وعبوديته ومحبته فهي الحالة السعيدة الشريفة العلوية القدسية، وكل ما شغلك بغير الله فهي الحالة الضارة المؤذية الخسيسة، ولا شك أن هاتين الحالتين يقبلان الأشد والأضعف والأقل والأزيد، ولا شك أن المواظبة على الأعمال المناسبة لهذه الأحوال توجب قوتها ورسوخها لما ثبت في المعقولات أن كثرة الأفعال توجب حصول الملكات الراسخة، ولا شك أنه لما كانت كثرة الأفعال توجب حصول تلك الملكات الراسخة وكل واحدة من تلك الأفعال حتى اللمحة واللحظة والخطور بالبال والالتفات الضعيف فإنه يوجب أثراً ما في حصول تلك الحالة في النفس فهذا هو الحساب، وعند التأمل في هذه الفصول يتبين للإنسان صدق قوله: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ ﴾ .
إذا ثبت هذا فالسعداء هم الذين استجابوا لربهم في الإعراض عما سوى الله وفي الإقبال بالكلية على عبودية الله تعالى ولا جرم حصل لهم الحسنى.
وأما الأشقياء فهم الذين لم يستجيبوا لربهم، فلهذا السبب وجب أن يحصل لهم سوء الحساب، والمراد بسوء الحساب أنهم أحبوا الدنيا وأعرضوا عن المولى فلما ماتوا بقوا محرومين عن معشوقهم الذي هو الدنيا وبقوا محرومين عن الفوز بخدمة حضرة المولى.
والنوع الثالث: قوله تعالى: ﴿ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ وذلك لأنهم كانوا غافلين عن الاستسعاد بخدمة حضرة المولى عاكفين على لذات الدنيا، فإذا ماتوا فارقوا معشوقهم فيحترقون على مفارقتها وليس عندهم شيء آخر يجبر هذه المصيبة، فلذلك قال: ﴿ مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ ثم إنه تعالى وصف هذا المأوى فقال: ﴿ وَبِئْسَ المهاد ﴾ ولا شك أن الأمر كذلك.
ثم قال تعالى: ﴿ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ الحق كَمَنْ هُوَ أعمى ﴾ فهذا إشارة إلى المثل المتقدم ذكره وهو أن العالم بالشيء كالبصير، والجاهل به كالأعمى، وليس أحدهما كالآخر، لأن الأعمى إذا أخذ يمشي من غير قائد، فالظاهر أنه يقع في البئر وفي المهالك، وربما أفسد ما كان على طريقه من الأمتعة النافعة، أما البصير فإنه يكون آمناً من الهلاك والإهلاك.
ثم قال: ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الألباب ﴾ والمراد أنه لا ينتفع بهذه الأمثلة إلا أرباب الألباب الذين يطلبون من كل صورة معناها، ويأخذون من كل قشرة لبابها ويعبرون بظاهر كل حديث إلى سره ولبابه.
<div class="verse-tafsir"
دخلت همزة الإنكار على الفاء في قوله ﴿ أَفَمَن يَعْلَمُ ﴾ لإنكار أن تقع شبهة بعد ما ضرب من المثل في أنّ حال من علم ﴿ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ الحق ﴾ فاستجاب، بمعزل من حال الجاهل الذي لم يستبصر فيستجيب: كبعد ما بين الزبد والماء والخبث والإبريز ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُو الألباب ﴾ أي الذين عملوا على قضيات عقولهم، فنظروا واستبصروا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ﴾ مِنَ الرَّحِمِ ومُوالاةِ المُؤْمِنِينَ والإيمانِ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَنْدَرِجُ في ذَلِكَ مُراعاةُ جَمِيعِ حُقُوقِ النّاسِ.
﴿ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ وعِيدَهُ عُمُومًا.
﴿ وَيَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ ﴾ خُصُوصًا فَيُحاسِبُونَ أنْفُسَهم قَبْلَ أنْ يُحاسَبُوا.
﴿ والَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ عَلى ما تَكْرَهُهُ النَّفْسُ ويُخالِفُهُ الهَوى.
﴿ ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ طَلَبًا لِرِضاهُ لا لِجَزاءٍ وسُمْعَةٍ ونَحْوِهِما.
﴿ وَأقامُوا الصَّلاةَ ﴾ المَفْرُوضَةَ.
﴿ وَأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ ﴾ بَعْضَهُ الَّذِي وجَبَ عَلَيْهِمْ إنْفاقُهُ.
﴿ سِرًّا ﴾ لِمَن لَمْ يُعْرَفْ بِالمالِ.
﴿ وَعَلانِيَةً ﴾ لِمَن عُرِفَ بِهِ.
﴿ وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ﴾ ويَدْفَعُونَها بِها فَيُجازُونَ الإساءَةَ بِالإحْسانِ، أوْ يَتْبَعُونَ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ فَتَمْحُوَها.
﴿ أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ ﴾ عاقِبَةُ الدُّنْيا وما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَآلُ أهْلِها وهي الجَنَّةُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المَوْصُولاتِ إنْ رُفِعَتْ بِالِابْتِداءِ وإنْ جُعِلَتْ صِفاتٍ لِأُولِي الألْبابِ فاسْتِئْنافٌ بِذِكْرِ ما اسْتَوْجَبُوا بِتِلْكَ الصِّفاتِ.
<div class="verse-tafsir"
وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢)
{والذين صبروا} مطلق فيما يصبر عليه من المصائب في النفوس والأَموال ومشاق التكاليف {ابتغاء وجه الله} لا ليقال ما أصبره وأحمله للنوازل وأوقره عند الزلازل ولا لئلا يعاب في الجزع {وأقاموا الصلاة} داوموا على إقامتها {وأنفقوا من ما رَزَقْنَاهُمْ} أي من الحلال وإن كان الحرام رزقاً عندنا {سِرّا وَعَلاَنِيَةً} يتناول النوافل لأَنها في السر أفضل والفرائض لأَن المجاهرة بها افضل نفيا للتهمة {ويدرؤون بالحسنة السيئة} ويدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيء غيرهم وإذا حرموا أعطوا وإذا ظلموا عفوا وإذا قطعوا أو صلوا وإذا أذنبوا تابوا وإذا هربوا أنابوا وإذا رأوا منكراً أمروا بتغييره فهذه ثمانية أعمال تشير إلى ثمانية أبواب الجنة {أولئك لَهُمْ عقبى الدار} عاقبة الدنيا وهي الجنة لأَنها
الرعد (٢٣ _ ٢٧)
التي أرادها الله أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع اهلها
﴿ والَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ عَلى كُلِّ ما تَكْرَهُهُ النَّفْسُ مِنَ المَصائِبِ المالِيَّةِ والبَدَنِيَّةِ وما يُخالِفُهُ هَوى النَّفْسِ كالِانْتِقامِ ونَحْوِهِ ويَدْخُلُ فِيما ذُكِرَ التَّكالِيفُ ﴿ ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ طَلَبًا لِرِضاهُ تَعالى مِن غَيْرِ أنْ يَنْظُرُوا إلى جانِبِ الخَلْقِ رِياءً أوْ سُمْعَةً ولا إلى جانِبِ أنْفُسِهِمْ زِينَةً وعُجْبًا وقِيلَ: المُرادُ طالِبِينَ ذَلِكَ فَنُصِبَ ﴿ ابْتِغاءَ ﴾ عَلى الحالِيَّةِ وعَلى الأوَّلِ هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ والكَلامُ في مِثْلِ الوَجْهِ مَنسُوبًا إلَيْهِ تَعالى شَهِيرٌ.
وفِي البَحْرِ إنَّ الظّاهِرَ مِنهُ ها هُنا جِهَةُ اللَّهِ تَعالى أيِ الجِهَةُ الَّتِي تُقْصَدُ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ بِالحَسَناتِ لِيَقَعَ عَلَيْها المَثُوبَةُ كَما يُقالُ: خَرَجَ زَيْدٌ لِوَجْهِ كَذا وفِيهِ أيْضًا أنَّهُ جاءَتِ الصِّلَةُ هُنا بِلَفْظِ الماضِي وفِيما تَقَدَّمَ بِلَفْظِ المُضارِعِ عَلى سَبِيلِ التَّفَنُّنِ في الفَصاحَةِ لِأنَّ المُبْتَدَأ في مَعْنى اسْمِ الشَّرْطِ والماضِي كالمُضارِعِ في اسْمِ الشَّرْطِ فَكَذَلِكَ فِيما أشْبَهَهُ: ولِذا قالَ النَّحْوِيُّونَ: إذا وقَعَ الماضِي صِلَةً أوْ صِفَةً لِنَكِرَةٍ عامَّةٍ احْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِ المُضِيُّ وإنَّ يُرادُ بِهِ الِاسْتِقْبالُ فَمِنَ الأوَّلِ ﴿ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ ﴾ ومِنَ الثّانِي ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ﴾ ويَظْهَرُ أيْضًا أنَّ اخْتِصاصَ هَذِهِ الصِّلَةِ بِالماضِي وما تَقَدَّمَ بِالمُضارِعِ أنَّ ما تَقَدَّمَ قُصِدَ بِهِ الِاسْتِصْحابُ: والِالتِباسُ وأمّا هَذِهِ فَقَدَ قُصِدَ بِها تَقَدُّمُها عَلى ذَلِكَ لِأنَّ حُصُولَ تِلْكَ الصِّلاتِ إنَّما هي مُتَرَتِّبَةٌ عَلى حُصُولِ الصَّبْرِ وتَقَدُّمِهِ عَلَيْها ولِذا لَمْ يَأْتِ صِلَةٌ في القُرْآنِ إلّا بِصِيغَةِ الماضِي إذْ هو شَرْطٌ في حُصُولِ التَّكالِيفِ وإيقاعِها وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ حَيْثُ كانَ الصَّبْرُ مَلاكَ الأمْرِ في كُلِّ ما ذُكِرَ مِنَ الصِّلاتِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ أُورِدَ بِصِيغَةِ الماضِي اعْتِناءً بِشَأْنِهِ ودَلالَةً عَلى وُجُوبِ تَحَقُّقِهِ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا بُدَّ مِنهُ إمّا في نَفْسِ الصِّلاتِ كَما فِيما عَدا الأُولى والرّابِعَةِ والخامِسَةِ أوْ في إظْهارِ أحْكامِها كَما في الصِّلاتِ الثَّلاثِ المَذْكُوراتِ فَإنَّها وإنِ اسْتَغْنَتْ عَنِ الصَّبْرِ في أنْفُسِها حَيْثُ لا مَشَقَّةَ عَلى النَّفْسِ في الِاعْتِرافِ بِالرُّبُوبِيَّةِ والخَشْيَةِ والخَوْفِ لَكِنَّ إظْهارَ أحْكامِها والجَرْيَ عَلى مُوجِبِها غَيْرُ خالٍ عَنِ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ وهو لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ والأوْلى عَلى ما قِيلَ الِاقْتِصارُ في التَّعْلِيلِ عَلى الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ وعُطِفَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وأقامُوا الصَّلاةَ ﴾ وكَذا ما بَعْدَهُ عَلى ذَلِكَ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِن بابِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ والمُرادُ بِالصَّلاةِ قِيلَ الصَّلاةُ المَفْرُوضَةُ وقِيلَ مُطْلَقًا وهو أوْلى ومَعْنى إقامَتِها إتْمامُ أرْكانِها وهَيْئاتِها ﴿ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ ﴾ بَعْضَ ما أعْطَيْناهم وهو الَّذِي وجَبَ عَلَيْهِمْ إنْفاقُهُ كالزَّكاةِ وما يُنْفَقُ عَلى العِيالِ والمَمالِيكِ أوْ ما يَشْمَلُ ذَلِكَ والَّذِي نُدِبَ سِرًّا حَيْثُ يَحْسُنُ السِّرُّ كَما في إنْفاقِ مِن لا يُعْرَفُ بِالمالِ إذا خَشِيَ التُّهْمَةَ في الإظْهارِ أوْ مَن عُرِفَ بِهِ لَكِنْ لَوْ أظْهَرَهُ رُبَّما أدْخَلَهُ الرِّياءَ والخُيَلاءَ وكَما في الإعْطاءِ لِمَن تَمْنَعُهُ المُرُوءَةُ مِنَ الأخْذِ ظاهِرًا وعَلانِيَةً حَيْثُ تَحْسُنُ العَلانِيَةُ كَما إذا كانَ الأمْرُ عَلى خِلافِ ما ذُكِرَ وقالَ بَعْضُهم: إنَّ الأوَّلَ مَخْصُوصٌ بِالتَّطَوُّعِ والثّانِي بِأداءِ الواجِبِ وعَنِ الحَسَنِ أنَّ كِلا الأمْرَيْنِ في الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ فَإنْ لَمْ يُتَّهَمْ بِتَرْكِ أداءِ الزَّكاةِ فالأوْلى أداؤُها سِرًّا وإلّا فالأوْلى أداؤُها عَلانِيَةً: وقِيلَ: السِّرُّ ما لا يُؤَدِّيهِ بِنَفْسِهِ والعَلانِيَةُ ما لا يُؤَدِّيهِ إلى الإمامِ والأوَّلُ الحَمْلُ عَلى العُمُومِ ولَعَلَّ تَقْدِيمَ السِّرِّ لِلْإشارَةِ إلى فَضْلِ صَدَقَتِهِ وجاءَ في الصَّحِيحِ عَدا المُتَصَدِّقَ سِرًّا مِنَ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعالى في ظِلِّهِ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ﴾ أيْ يَدْفَعُونَ الشَّرَّ بِالخَيْرِ ويُجازُونَ الإساءَةَ بِالإحْسانِ عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ يَرُدُّونَ مَعْرُوفًا عَلى مَن يُسِيءُ إلَيْهِمْ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا ﴾ وقالَ الحَسَنُ: إذا حُرِمُوا أعْطَوْا وإذا ظُلِمُوا عَفَوْا وإذا قُطِعُوا وصَلُوا وقِيلَ: يُتْبِعُونَ السَّيِّئَةَ بِالحَسَنَةِ فَتَمْحُوها وفي الحَدِيثِ «أنَّ مُعاذًا قالَ: أوْصِنِي يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: إذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فاعْمَلْ بِجَنْبِها حَسَنَةً تَمْحُها السِّرُّ بِالسِّرِّ والعَلانِيَةُ بِالعَلانِيَةِ» وعَنِ ابْنِ كَيْسانَ يَدْفَعُونَ بِالتَّوْبَةِ مَعَرَّةَ الذَّنْبِ وقِيلَ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ شِرْكَهم وقِيلَ: بِالصَّدَقَةِ العَذابَ وقِيلَ: إذا رَأوْا مُنْكَرًا أمَرُوا بِتَغْيِيرِهِ وقِيلَ وقِيلَ: ويُفْهِمُ صَنِيعُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ اخْتِيارَ الأوَّلِ فَهم كَما قِيلَ: .
يَجْزُونَ مِن ظُلْمِ أهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً ومِن إساءَةِ أهْلِ السُّوءِ إحْسانا وهَذا بِخِلافِ خُلُقِ بَعْضِ الجَهَلَةِ: .
جَرِيءٌ مَتى يُظْلَمْ يُعاقِبْ بِظُلْمِهِ ∗∗∗ سَرِيعًا وإنْ لا يُبْدَ بِالظُّلْمِ يَظْلِمِ وقالَ في الكَشْفِ: الأظْهَرُ التَّعْمِيمُ أيْ يَدْرَؤُونَ بِالجَمِيلِ السَّيِّئَ سَواءً كانَ لِأذاهم أوْ لا مَخْصُوصًا بِهِمْ أوْ لا طاعَةً أوْ مَعْصِيَةً مَكْرُمَةً أوْ مَنقَصَةً ولَعَلَّ الأمْرَ كَما قالَ وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى المَنصُوبِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِالحَسَنَةِ ﴿ أُولَئِكَ ﴾ أيِ المَنعُوتُونَ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ والمَلَكاتِ الجَمِيلَةِ ولَيْسَ المُرادُ بِهِمْ أُناسًا بِأعْيانِهِمْ وإنْ كانَتِ الآيَةُ نازِلَةً عَلى ما قِيلَ في الأنْصارِ واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجُمْلَةُ الظَّرْفِيَّةُ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَهم عُقْبى الدّارِ ﴾ .
(22) .
أيْ عاقِبَةُ الدُّنْيا وما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَآلُ أمْرِ أهْلِها وهي الجَنَّةُ فَتَعْرِيفُ الدّارِ لِلْعَهْدِ والعاقِبَةُ المُطْلَقَةُ تُفَسَّرُ بِذَلِكَ وفُسِّرَتْ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ وفَسَّرَها الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا بِالجَنَّةِ إلّا أنَّهُ قالَ: لِأنَّها الَّتِي أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ تَكُونَ عاقِبَةَ الدُّنْيا ومَرْجِعَ أهْلِها وفِيهِ عَلى ما قِيلَ شائِبَةُ اعْتِزالٍ.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالدّارِ الآخِرَةُ أيْ لَهُمُ العُقْبى الحَسَنَةُ في الدّارِ الآخِرَةِ وقِيلَ: الجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُ اسْمِ الإشارَةِ و ﴿ عُقْبى ﴾ فاعِلُ الِاسْتِقْرارِ وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ فِيهِ قَصْرٌ حَتّى يَرِدَ أنَّ بَعْضَ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لَيْسَ مِنَ العَزائِمِ الَّتِي يُخِلُّ إخْلالُها بِالوُصُولِ إلى حُسْنِ العاقِبَةِ.
وقالَ بَعْضُهم: إنَّ المُرادَ مَآلُ أُولَئِكَ الجَنَّةُ مِن غَيْرِ تَخَلُّلٍ بِدُخُولِ النّارِ فَلا بَأْسَ لَوْ قِيلَ بِالقَصْرِ ولا يَلْزَمُ عَدَمُ دُخُولِ الفاسِقِ المُعَذَّبِ الجَنَّةَ والقَوْلُ إنَّهُ مَوْصُوفٌ بِتِلْكَ الصِّفاتِ في الجُمْلَةِ كَما تَرى والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولاتِ المُتَعاطِفَةِ إنْ رُفِعَتْ بِالِابْتِداءِ أوِ اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ أوْ بَيانِيٌّ في جَوابِ ما بالُ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ إنْ جُعِلَتِ المَوْصُولاتُ المُتَعاطِفَةُ صِفاتٍ لِأُولِي الألْبابِ عَلى طَرِيقَةِ المَدْحِ مِن غَيْرِ أنْ يُقْصَدَ أنْ يَكُونَ لِلصِّلاتِ المَذْكُورَةِ مَدْخَلٌ في التَّذَكُّرِ والأوَّلُ أوْجَهُ لِما في الكَشْفِ مِن رِعايَةِ التَّقابُلِ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ وحَسُنَ العَطْفُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَنْقُضُونَ ﴾ وجَرْيُهُما عَلى اسْتِئْنافِ الوَصْفِ لِلْعالِمِ ومَن هو كَأعْمى.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى يعني: للذين أجابوا ربهم بالطاعات في الدنيا، لهم الجنة في الآخرة.
ثم قال: وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ يعني: لم يجيبوه، ولم يطيعوه في الدنيا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً يوم القيامة وَمِثْلَهُ مَعَهُ يعني: وضعفه معه لَافْتَدَوْا بِهِ يقول: لفادوا به أنفسهم مِن العذاب، ولو فادوا به لا يقبل منهم أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ يعني: شديد العقاب.
ويقال: سُوءُ الْحِسابِ المناقشة في الحساب.
وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال: أتدرون ما سوء الحساب؟
قالوا لا.
قال هو الذنب يحاسب عليه العبد ثم لا يغفر له.
وعن الحسن أنه سئل عن سوء الحساب قال: يؤخذ العبد بذنوبه كلها فلا يغفر له منها ذنب.
ثم قال: وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ أي: مصيرهم ومرجعهم إلى جهنم وَبِئْسَ الْمِهادُ يعني: الفراش من النار، ويقال: بئس موضع القرار في النار.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: وَالَّذِينَ: يراد به ما عُبِدَ من دون اللَّه، والضَّمير في يَدْعُونَ لكفَّار قريشٍ وغيرهم، ومعنى الكَلاَمِ: والذين يدعونهم الكفَّارُ في حوائجهم ومنافعهم لا يجيبونهم بِشَيْءٍ إِلاَّ، ثُمَّ مَثَّلَ سبحانه مثالاً لإِجابتهم بالذي يَبْسُطُ كَفَّيْهِ نحو الماء، ويشير إِليه بالإِقبال إِلى فيه، فلا/ يبلغ فَمَهُ أَبداً، فكذلك إِجابة هؤلاء والانتفاعُ بهم لا يَقَعُ.
وقوله: هُوَ: يريد به الماءَ، وهو البالغُ، والضمير في بِبالِغِهِ للفم، ويصحُّ أنْ يكون هو يراد به الفم، وهو البالغ أيضا، والضمير في بِبالِغِهِ للماء لأن الفم لا يَبْلُغ الماء أبداً على تلك الحال، ثم أخبر سبحانه عن دعاءِ الكافرين أنه في انتلاف وضلالٍ لا يفيد.
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (١٧) لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٨)
وقوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...
الآية: تنبيهٌ على قدرته وعظمته سبحانه، وتسخيرِ الأشياءِ له، والطَّعْنِ على الكفَّار التارِكِينَ للسّجود، ومَنْ:
تَقَعُ على الملائكةِ عموماً، و «سُجُودُهُمْ» : طوع، وأما أهْلُ الأرض، فالمؤمنون داخلُونَ في مَنْ، وسجودُهم أيضاً طَوْع، وأما سجودُ الكَفَرة، فهو الكَرْه، وذلك على معنيين، فإِن جعلنا السجُودَ هذه الهيئة المعهودَةَ، فالمراد من الكَفَرَة مَنْ أسلم، خَوْفَ سيفِ الإِسلام كما قاله قتادة «١» ، وإِن جعلنا السُّجود الخضُوعَ والتذلُّل، حَسَب ما هو في اللغة، فيدخلُ الكفَّار أجمعون في مَنْ لأنه ليس من كافرٍ إِلا ويلحقه من التذلُّل والاستكانة لقدرة اللَّه تعالى أنواعٌ أكثر من أنْ تحصَى بحسب رَزَايَاهُ، واعتباراته.
وقوله سبحانه: وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ: إِخبار عن أنّ الظّلال لها سجود لله
تعالى كقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ ...
الآية [النحل: ٤٨] ، وقال مجاهد: ظلُّ الكافر يسجُدُ طوعاً، وهو كاره «١» ورُوِيَ أن الكافر إِذا سَجَد لصنمه، فإِن ظلَّه يسجُدُ للَّهِ حينئذٍ، وباقي الآية بيِّن، ثم مَثَّل الكفَّار والمؤمنين بقوله:
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ، وشبه الكافر بالأعمى، والكُفْرَ بالظلماتِ، وشبه المؤمنَ بالبصيرِ، والإِيمان بالنور.
وقوله سبحانه: قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ: لفظ عامٌّ يراد به الخصوصُ كما تقدم ذكره في غير هذا الموضع.
وقوله سبحانه: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَآءً: يريد به المَطَرَ، فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها:
«الأودية» : ما بين الجبالِ مِنَ الانخفاض والخَنَادِقِ، وقوله: بِقَدَرِها: يحتمل أنْ يريد بما قُدِّرَ لها من الماءِ، ويحتمل أنْ يريد بقَدْر ما تحمله على قَدْر صغرها وكِبَرها.
ت: وقوله: فَاحْتَمَلَ بمعنى: حمل، كاقتدر وقدر قاله [ص] .
والزَّبَدُ ما يحمله السيْلُ من غُثَاء ونحوه، و «الرابِي» : المنتفخ الذي قَدْ ربا، ومنه الرَّبْوَة.
وقوله سبحانه: وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ: المعنَى:
ومن الأشياء التي توقِدُونَ عليها ابتغاءَ الحُلِيِّ، وهي الذَهَبُ والفضَّة، أو ابتغاء الاستمتاع بها في المرافِقِ، وهي الحديدُ والرَّصَاصُ والنُّحَاسُ ونحوها من الأشياء التي تُوقِدُونَ عليها، فأخبر تعالَى أنَّ من هذه أَيضاً إِذا أحمي علَيْها يكونُ لها زَبَدَ مماثِلٌ للزَّبَد الذي يحملُه السَّيْل، ثم ضرب سبحانه ذلك مثَلاً للحقِّ والباطِلِ، أي: إِن الماء الذي/ تشربه الأرْضُ من السيل، فيقَعُ النفْعُ به هو كالحَقِّ، والزَّبَد الذي يخمد وينفش ويَذْهَب هو كالبَاطِلِ، وكذلك ما يخلص من الذَّهَبَ والفضَّة والحديد ونحوه هو كالحَقِّ، وما يذهَبُ في الدُّخَان هو كالبَاطِلِ.
وقوله: جُفاءً: مصدر من قولهم: «أَجْفَأَتِ القدْرُ» إِذا غلَتْ حتى خَرَجَ زَبَدُها وذهب.
وقال ص: جُفاءً: حال، أي: مضمحلاًّ متلاشيا، أبو البقاء: وهمزته منقلبة
قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ﴾ : " في هَذا العَهْدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ما عاهَدَهم عَلَيْهِ حِينَ اسْتَخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ.
والثّانِي: ما أمَرَهم بِهِ وفَرَضَهُ عَلَيْهِمْ.
وفي الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ، عَزَّ وجَلَّ، أنْ يُوصَلَ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ قَدْ نَسَبْناها إلى قائِلِها في أوَّلِ سُورَةِ (البَقَرَةِ:٢٧)، وقَدْ ذَكَرْنا سُوءَ الحِسابِ آنِفًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ ﴾ ﴿ أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهم ويَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ اسْتَجابُوا ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ دَعاهُمُ اللهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ فَأجابُوهُ إلى ما دَعاهم إلَيْهِ مِنِ اتِّباعِ دِينِهِ.
و"الحُسْنى": هي الجَنَّةُ، ويَدْخُلُ في هَذا النَصْرُ في الدُنْيا ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ البِشاراتِ الَّتِي تَكُونُ لِلْمُؤْمِنِ وكُلُّ ما يَخْتَصُّ بِهِ المُؤْمِنُونَ مِن نِعَمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا ﴾ هُمُ: الكَفَرَةُ.
و ﴿ سُوءَ الحِسابِ ﴾ هو التَقَصِّي عَلى المُحاسِبِ، وأنْ لا يَقَعَ في حِسابِهِ مِنَ التَجاوُزِ.
قالَهُ حَوْشَبٌ، وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ، وَفَرْقَدٌ السَبْخِيُّ وغَيْرُهُ.
و"المَأْوى)" حَيْثُ يَأْوِي الإنْسانُ ويَسْكُنُ، و"المِهادُ" ما يُفْتَرَشُ ويُلْبَسُ بِالجُلُوسِ والرُقادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن يَعْلَمُ ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَقْرِيرِ، والمَعْنى: أيَسْتَوِي مَن هَداهُ اللهُ تَعالى فَآمَنَ بِكَ وعَلِمَ صِدْقَ نُبُوَّتِكَ ومَن لَمْ يَهْتَدِ ولا رُزِقَ بَصِيرَةً فَبَقِيَ عَلى كُفْرِهِ؟
فَمَثَّلَ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ بِالعَمى، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وقِيلَ: في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وأبِي جَهْلٍ، وهي -بَعْدَ هَذا- مِثالٌ في جَمِيعِ العالَمِ.
و"إنَّما" في هَذِهِ الآيَةِ حاصِرَةٌ، أيْ: إنَّما يَتَذَكَّرُ فَيُؤْمِنُ ويُراقِبُ اللهَ مَن لَهُ لُبٌّ وتَحْصِيلٌ.
ثُمَّ أخَذَ تَبارَكَ وتَعالى في وصْفِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَسَّرَهم لِلْإيمانِ فَقالَ: ﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ بِعَهْدِ اللهِ ﴾ اسْمُ لِلْجِنْسِ، أيْ بِجَمِيعِ عُهُودِهِ، وهي أوامِرُهُ ونَواهِيهُ الَّتِي وصّى بِها عَبِيدَهُ، ويَدْخُلُ في هَذِهِ الألْفاظِ التِزامُ جَمِيعِ الفُرُوضِ وتَجَنُّبُ جَمِيعِ المَعاصِي.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ جِنْسَ المَواثِيقِ، أيْ: إذا عَقَدُوا في طاعَةِ اللهِ عَهْدًا لَمْ يَنْقُضُوهُ، قالَ قَتادَةُ: وتَقَدَّمَ اللهُ إلى عِبادِهِ في نَقْضِ المِيثاقِ ونَهى عنهُ في بِضْعٍ وعِشْرِينَ آيَةً، ويَحْتَمِلُ أنْ يُشِيرَ إلى مِيثاقٍ مُعَيَّنٍ وهو الَّذِي أخَذَهُ اللهُ عَلى عِبادِهِ وقْتَ مَسْحِهِ عَلى ظَهْرِ أبِيهِمْ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ.
ووَصْلُ ما أمَرَ اللهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ظاهِرَهُ في القَراباتِ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الطاعاتِ، وسُوءُ الحِسابِ هو أنْ يَتَقَصّى، ولا تَقَعُ فِيهِ مُسامَحَةٌ ولا تَغَمُّدٌ.
<div class="verse-tafsir"
يجوز أن تكون الّذين يوفون الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله وَلاَ يِنقُضُونَ الميثاق * والذين يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابتغاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصلاة وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَءُونَ بالحسنة السيئة أولئك لَهُمْ عقبى الدار * جنات } ابتداء كلام فهو استئناف ابتدائي جاء لمناسبة ما أفادت الجملة التي قبلها من إنكار الاستواء بين فريقين.
ولذلك ذكر في هذه الجمل حال فريقين في المحامد والمساوي ليظهر أن نفي التسوية بينهما في الجملة السابقة ذلك النفي المرادَ به تفضيل أحد الفريقين على الآخر هو نفي مُؤيد بالحجة، وبذلك يصير موقع هذه الجملة مفيداً تعليلاً لنفي التسوية المقصود منه تفضيل المؤمنين على المشركين، فيكون قوله: ﴿ الذين يوفون ﴾ مسنداً إليه وكذلك ما عطف عليه.
وجُملة ﴿ أولئك لهم عقبى الدار ﴾ مسنداً.
واجتلاب اسم الإشارة ﴿ أولئك لهم عقبى الدار ﴾ للتنبيه على أن المشار إليهم جديرون بما بعد اسم الإشارة من أجْل الأوصاف التي قبل اسم الإشارة، كقوله تعالى: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ في أول سورة البقرة (5).
ونظير هذه الجملة قوله تعالى: ﴿ الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شرّ مكاناً وأضل سبيلا ﴾ [سورة الفرقان: 34] من قوله: ﴿ ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا ﴾ [سورة الفرقان: 33].
وقد ظهر بهذه الجملة كلها وبموقعها تفضيل الذين يعلمون أن ما أنزل حق بما لهم من صفات الكمال الموجبة للفضل في الدنيا وحسن المصير في الآخرة وبما لأضدادهم من ضد ذلك في قوله: ﴿ والذين ينقضون عهد الله ﴾ إلى قوله: ﴿ ولهم سوء الدار ﴾ [سورة الرعد: 25].
والوفاء بالعهد: أن يحقّق المرء ما عاهد على أن يعمله.
ومعنى العهد: الوعد الموثّق بإظهار العزم على تحقيقه من يمين أو تأكيد.
ويجوز أن يكون الذين يوفون بعهد الله } نعتاً لقوله: ﴿ أولوا الألباب ﴾ وتكون جملة ﴿ أولئك لهم عقبى الدار ﴾ نعتاً ثانياً.
والإتيان باسم الإشارة للغرض المذكور آنفاً.
وعهد الله مصدر مضاف لمفعوله، أي ما عاهدوا الله على فعله، أو من إضافة المصدر إلى فاعله، أي ما عهد الله به إليهم.
وعلى كلا الوَجهين فالمراد به الإيمان الذي أخذه الله على الخلق المشار إليه بقوله: ﴿ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني ﴾ [سورة يس: 60 61]، وذلك عهد الله لهم بأن يعبدوه ولا يعبدوا غيره، فحصل العهد باعتبار إضافته إلى مفعوله وإلى فاعله.
وذلك أمر أودعه الله في فطرة البشر فنشأ عليه أصلهم وتقلّده ذريته، واستمر اعترافهم لله بأنه خالقهم.
وذلك من آثار عهد الله.
وطرأ عليهم بعد ذلك تحريف عهدهم فأخذوا يتناسون وتشتبه الأمور على بعضهم فطرأ عليهم الإشراك لتفريطهم النظر في دلائل التوحيد، ولأنه بذلك العهد قد أودع الله في فطرة العقول السليمة دلائل الوحدانية لمن تأمل وأسلم للدليل، ولكن المشركين أعرضوا وكابروا ذلك العهد القائم في الفطرة، فلا جرم أن كان الإشراك إبطالاً للعهد ونقضاً له، ولذلك عطفت جملة ولا ينقضون الميثاق } على جملة ﴿ يوفون بعهد الله ﴾ .
والتعريف في ﴿ الميثاق ﴾ يحمل على تعريف الجنس فيستغرق جميع المواثيق وبذلك يكون أعم من عهد الله فيشمل المواثيق الحاصلة بين الناس من عهود وأيمان.
وباعتبار هذا العموم حصلت مغايرة ما بينه وبين عهد الله.
وتلك هي مسوغة عطف ﴿ ولا ينقضون الميثاق ﴾ على ﴿ يوفون بعهد اللَّه ﴾ مع حصول التأكيد لمعنى الأولى بنفي ضدها، وتعريضاً بالمشركين لاتصافهم بضد ذلك الكمال، فعطفُ التأكيد باعتبار المغايرة بالعموم والخصوص.
والميثاق والعهد مترادفان.
والإيفاء ونفي النقض متحداً المعنى.
وابتدئ من الصفات بهذه الخصلة لأنها تنبئ عن الإيمان والإيمان أصل الخيرات وطريقها، ولذلك عطف على ﴿ يوفون بعهد الله ﴾ قوله: ﴿ ولا ينقضون الميثاق ﴾ تحذيراً من كل ما فيه نقضه.
وهذه الصلات صفات لأولي الألباب فعطفها من باب عطف الصفات للموصوف الواحد، وليس من عطف الأصناف.
وذلك مِثل العطف في قول الشاعر الذي أنشده الفراء في معاني القرآن: إلى الملك القرم وابن الهمام *** وليث الكتيبة في المزدحم فالمعنى: الذين يتصفون بمضمون كل صلة من هذه الصلات كلما عرض مقتض لاتّصافهم بها بحيث إذا وجد المقتضي ولم يتصفوا بمقتضاه كانوا غير متصفين بتلك الفضائل، فمنها ما يستلزم الاتصاف بالضد، ومنها ما لا يسْتلزم إلا التفريط في الفضل.
وأعيد اسم الموصول هذا وما عطف عليه من الأسماء الموصولة، للدلالة على أنها صلاتها خصال عظيمة تقتضي الاهتمام بذكر من اتصف بها، ولدفع توهم أن عقبى الدار لا تتحقق لهم إلا إذا جمعوا كل هذه الصفات.
فالمراد ب ﴿ الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ ما يصدق على الفريق الذين يوفون بعهد الله.
ومناسبة عطفه أنّ وصْلَ ما أمر الله به أن يوصل أثر من آثار الوفاء بعهد الله وهو عهد الطاعة الداخل في قوله: ﴿ وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ﴾ في سورة يس (61).
والوصل: ضم شيء لشيء.
وضده القطع.
ويطلق مجازاً على القُرب وضده الهجر.
واشتهر مجازاً أيضاً في الإحسان والإكرام ومنه قولهم، صلة الرحم، أي الإحسان لأجل الرحم، أي لأجل القرابة الآتية من الأرحام مباشرة أو بواسط، وذلك النسب الجائي من الأمهات.
وأطلقت على قرابة النسب من جانب الآباء أيضاً لأنها لا تخلو غالباً من اشتراك في الأمهات ولو بَعِدْنَ.
وما أمر الله به أن يوصل} عام في جميع الأواصر والعلائق التي أمر الله بالمودة والإحسان لأصحابها.
فمنها آصرة الإيمان، ومنها آصرة القرابة وهي صلة الرحم.
وقد اتفق المفسرون على أنها مراد الله هنا، وقد تقدم مثله عند قوله تعالى: ﴿ وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ في سورة البقرة (26، 27).
وإنما أطنب في التعبير عنها بطريقة اسم الموصول ما أمر الله به أن يوصل} لما في الصلة من التعريض بأن واصلها آتتٍ بما يرضي الله لينتقل من ذلك إلى التعريض بالمشركين الذين قطعوا أواصر القرابة بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ومَن معه من المؤمنين وأساءوا إليهم في كل حال وكتبوا صحيفة القطيعة مع بني هاشم.
وفيها الثناء على المؤمنين بأنهم يصلون الأرحام ولم يقطعوا أرحام قومهم المشركين إلا عندما حاربوهم وناووهم.
وقوله: ﴿ أن يوصل ﴾ بدل من ضمير ﴿ به ﴾ ، أي ما أمر الله بوصله.
وجيء بهذا النظم لزيادة تقرير المقصود وهو الأرحام بعد تقريره بالموصولية.
والخشية: خوف بتعظيم المخوف منه وتقدمت في قوله تعالى: ﴿ وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ﴾ في سورة البقرة (45).
وتطلق على مطلق الخوف.
والخوف: ظن وقوع المضرة من شيء.
وتقدم في قوله تعالى: ﴿ إلا أن يخافا ألاّ يقيما حدود الله ﴾ في سورة البقرة (229).
وسوء الحساب} ما يحفّ به مما يسوء المحاسَب، وقد تقدم آنفاً، أي يخافون وقوعه عليهم فيتركون العمل السيّء.
وجاءت الصلات ﴿ الذين يوفون ﴾ و ﴿ الذين يصلون ﴾ وما عطف عليهما بصيغة المضارع في تلك الأفعال الخمسة لإفادة التجدد كناية عن الاستمرار.
وجاءت صلة ﴿ والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم ﴾ وما عطف عليها وهو ﴿ وأقاموا الصلاة وأنفقوا ﴾ بصيغة المضيّ لإفادة تحقق هذه الأفعال الثلاثة لهم وتمكنها من أنفسهم تنويهاً بها لأنها أصول لفضائل الأعمال.
فأما الصبر فلأنه ملاك استقامة الأعمال ومصدرها فإذا تخلق به المؤمن صدرت عنها لحسنات والفضائل بسهولة، ولذلك قال تعالى: ﴿ إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ﴾ [سورة العصر: 2 3].
وأما الصلاة فلأنها عماد الدين وفيها ما في الصبر من الخاصية لقوله تعالى: ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ وقوله تعالى: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ [سورة البقرة: 45].
وأما الإنفاق فأصله الزكاة، وهي مقارنة للصلاة كلما ذكرت، ولها الحظ الأوفى من اعتناء الدين بها، ومنها النفقات والعطايا كلها، وهي أهم الأعمال، لأن بذل المال يشق على النفوس فكان له من الأهمية ما جعله ثانياً للصلاة.
ثم أعيد أسلوب التعبير بالمضارع في المعطوف على الصلة وهو قوله: ويدرءون بالحسنة السيئة} لاقتضاء المقام إفادة التجدد إيماء إلى أن تجدد هذا الدرء ما يُحرص عليه لأن الناس عرضة للسيئات على تفاوت، فوُصف لهم دواء ذلك بأن يدعوا السيّئات بالحسنات.
والقول في عطف ﴿ والذين صبروا ﴾ وفي إعادة اسم الموصول كالقول في ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ .
والصبر: من المحامد.
وتقدم في قوله تعالى: ﴿ واستعينوا بالصبر ﴾ في سورة البقرة (45).
والمراد الصبر على مشاق أفعال الخير ونصر الدين.
وابتغاء وجه ربهم } مفعول لأجله ل ﴿ صبروا ﴾ .
والابتغاء: الطلب.
ومعنى ابتغاء وجه الله ابتغاء رضاه كأنه فعل فعلاً يطلبُ به إقباله عند لقائه، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ﴾ في آخر سورة البقرة (272).
والمعنى أنهم صبروا لأجل أن الصبر مأمور به من الله لا لغرض آخر كالرياء ليقال ما أصبره على الشدائد ولاتّقاء شماتة الأعداء.
والسر والعلانية تقدم وجه ذكرهما في قوله تعالى: ﴿ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية ﴾ أواخر سورة البقرة (274).
والدرء: الدفع والطرد.
وهو هنا مستعار لإزالة أثر الشيء فيكون بعد حصول المدفُوع وقبلَ حصوله بأن يُعِدّ ما يمنع حصوله، فيصدق ذلك بأن يُتبع السيّئة إذا صدرت منه بفعل الحسنات فإن ذلك كطرد السيئة.
قال النبي: يا معاذ اتّق الله حيث كنت وأتبع السيئة الحسنة تمْحُها.
وخاصة فيما بينه وبين ربه.
ويصدق بأن لا يقابل من فعل معه سيّئة بمثله بل يقابل ذلك بالإحسان، قال تعالى: ﴿ ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ﴾ [سورة فصلت: 34] بأن يصل من قطعه ويعطي من حرمه ويعفو عمن ظلمه وذلك فيما بين الأفراد وكذلك بين الجماعات إذ لم يفض إلى استمرار الضر.
قال تعالى في ذلك: ﴿ إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ﴾ [سورة الأنفال: 3].
ويصدق بالعدول عن فعل السيئة بعد العزم فإن ذلك العدول حسنة دَرَأت السيّئة المعزوم عليه.
قال النبي عليه الصلاة والسلام: من همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له حسنة.
فقد جمع يدرءون } جميعَ هذه المعاني ولهذا لم يعقب بما يقتضي أن المراد معاملة المُسيء بالإحسان كما أُتبع في قوله: ﴿ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن ﴾ في سورة فصلت (34).
وكما في قوله ﴿ ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون ﴾ في سورة المؤمنون (96).
وجملة أولئك لهم عقبى الدار } خبر عن ﴿ الذين يوفون بعهد الله ﴾ .
ودل اسم الإشارة على أن المشار إليهم جديرون بالحكم الوارد بعد اسم الإشارة لأجل ما وصف به المشار إليهم من الأوصاف، كما في قوله: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ في أول سورة البقرة (5).
ولهم عقبى الدار} جملة خبراً عن اسم الإشارة.
وقدم المجرور على المبتدأ للدلالة على القصر، أي لهم عقبى الدار لا للمتصفين بإضداد صفاتهم، فهو قصر إضافي.
والعقبى: العاقبة، وهي الشيء الذي يعقُب، أي يقع عقب شيء آخر.
وقد اشتهر استعمالها في آخرة الخير، قال تعالى: ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ [سورة القصص: 83].
ولذلك وقعت هنا في مقابلة ضدها في قوله: ﴿ ولهم سوء الدار ﴾ [سورة غافر: 52].
وأما قوله: ﴿ وعقبى الكافرين النار ﴾ [سورة الرعد: 35] فهو مشاكلة كما سيأتي في آخر السورة عند قوله: ﴿ وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار ﴾ [سورة الرعد: 42].
وانظر ما ذكرته في تفسير قوله تعالى: ﴿ ومن تكون له عاقبة الدار ﴾ في سورة القصص (37) فقد زدته بياناً.
وإضافتها إلى الدار} من إضفة الصفة إلى الموصوف.
والمعنى: لهم الدار العاقبة، أي الحسنة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى ﴾ فِيها تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الجَنَّةُ، رَواهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ .
الثّانِي: أنَّها الحَياةُ والرِّزْقُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثالِثًا: أنْ تَكُونَ مُضاعَفَةَ الحَسَناتِ.
﴿ والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ ﴾ في ﴿ سُوءُ الحِسابِ ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنْ يُؤاخَذُوا بِجَمِيعِ ذُنُوبِهِمْ فَلا يُعْفى لَهم عَنْ شَيْءٍ مِنها، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ.
وَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: مَن نُوقِشَ الحِسابَ هَلَكَ.
الثّانِي: أنَّهُ المُناقَشَةُ في الأعْمالِ، قالَهُ أبُو الجَوْزاءِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ التَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الرّابِعُ: هو أنْ لا تُقْبَلَ حَسَناتُهم فَلا تُغْفَرُ سَيِّئاتُهم.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنْ يَكُونَ سُوءُ الحِسابِ ما أفْضى إلَيْهِ حِسابُهم مِنَ السُّوءِ وهو العِقابُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ﴾ فعليكم بالوفاء بالعهد ولا تنقضوا الميثاق، فإن الله قد نهى عنه وقدم فيه أشد التقدمة، وذكره في بضع وعشرين آية، نصيحة لكم وتقدمة إليكم وحجة عليكم، وإنما تعظم الأمور بما عظمها الله عند أهل الفهم وأهل العقل وأهل العلم بالله، وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقول في خطبته «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» .
وأخرج الخطيب وابن عساكر، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن البر والصلة، ليخففان سوء العذاب يوم القيامة» ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ يعني، من إيمان بالنبيين وبالكتب كلها ﴿ ويخشون ربهم ﴾ يعني، يخافون في قطيعة ما أمر الله به أن يوصل.
﴿ ويخافون سوء الحساب ﴾ يعني شدة الحساب.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، كان يقول: «اتقوا الله وصلوا الأرحام، فإنه أبقى لكم في الدنيا وخير لكم في الآخرة» وذكر لنا أن رجلاً من خثعم، أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة فقال: «أنت الذي تزعم أنك رسول الله؟
قال: نعم.
قال: فأي الأعمال أحب إلى الله؟
قال: الايمان بالله.
قال: ثم ماذا؟
قال: صلة الرحم» وكان عبد الله بن عمرو يقول: إن الحليم ليس من ظلم ثم حلم، حتى إذا هيجه قوم اهتاج، ولكن الحليم من قدر ثم عفا، وإن الوصول ليس من وصل ثم وصل، فتلك مجازاة، ولكن الوصول من قطع ثم وصل وعطف على من لا يصله.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن جرير في قوله: ﴿ ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا لم تمش إلى ذي رحمك برجلك، ولم تعطه من مالك، فقد قطعته» .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ قال في رواية عطاء (١) (٢) (٣) ﴿ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ أي: طلب تعظيم الله.
وقوله تعالى: ﴿ وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ﴾ قال ابن عباس (٤) (٥) قال لمعاذ بن جبل "إذا عملت سيئة فأعمل بجنبها حسنة تمحها" (٦) وقال ابن زيد (٧) (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ قال ابن عباس (١٠) (١١) (١) "تنوير المقباس" ص 157، القرطبي 9/ 310، الثعلبي 7/ 132 ب.
(٢) الطبري 13/ 140، الثعلبي 7/ 132 ب.
(٣) الثعلبي 7/ 132 ب، القرطبي 9/ 310.
(٤) "زاد المسير" 4/ 324، القرطبي 9/ 311، الثعلبي 7/ 133 أ.
(٥) الثعلبي 7/ 132 ب، و"زاد المسير" 4/ 325.
(٦) أخرجه أحمد في "المسند" 5/ 169، إلا أنه قال: "فأتبعها" وفي 5/ 177، وقال: "فأعمل حسنة" من حديث أبي ذر، ونحوه في الترمذي (1987) كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في معاشرة الناس، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي.
وأخرجه سعيد بن منصور 3/ 64، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" 4/ 217، 218.
(٧) الثعلبي 7/ 132 ب، الطبري 13/ 141، القرطبي 9/ 311.
(٨) الثعلبي 7/ 132 ب.
(٩) "مشكل القرآن وغريبه" ص 233، والثعلبي 7/ 132 ب، و"زاد المسير" 4/ 325.
(١٠) "زاد المسير" 4/ 325، و"تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 305.
(١١) "اللسان" (عقب) 5/ 3022، و"تهذيب اللغة" (عقب) 3/ 2507.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبِّهِمُ الحسنى ﴾ الذين استجابوا هم المؤمنون، وهذا استئناف كلام، والحسنى: الجنة، وإعرابها مبتدأ وخبرها: للذين استجابوا، والذين استجابوا مبتدأ وخبره لو أن لهم ما في الأرض الآية فيوقف على الأمثال، وعلى الحسنى، وقيل: للذين استجابوا يتعلق بيضرب، والحسنى مصدر من معنى استجابوا: أي استجابوا الاستجابة الحسنى، والذين لم يستجيبوا معطوف على الذين استجابوا، والمعنى: يضرب الله الأمثال للطائفتين، وعلى هذا إنما يوقف على: والذين لم يستجيبوا له ﴿ سواء الحساب ﴾ أي المناقشة والاستقصاء.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وزرع ونخيل صنوان وغير ﴾ بالرفع فيهن: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحفص والمفضل.
الآخرون بالجر فيهن عطفاً على ﴿ أعناب ﴾ .
﴿ يسقي ﴾ بالياء المثناة من تحت على تقدير يسقى كله أو للتغليب: ابن عامر وعاصم ويزيد ورويس.
الباقون بتاء التأنيث لقوله: ﴿ جنات ﴾ ﴿ ويفضل ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي وخلف.
الباقون بالنون على ونحن نفضل ﴿ أئذا ﴾ بهمزتين ﴿ إنا ﴾ بهمزة واحدة على أيذا بقلب الثانية ياء والباقي كما مر: نافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آئذا إنا ﴾ بالمد والباقي مثله: زيد وقالون إذا بهمزة واحدة أئنا بهمزتين: ابن عامر.
هشام يدخل بينهما مدة إذا بهمزة واحدة ﴿ آينا ﴾ بهمزة ممدودة ثم ياء: يزيد ﴿ أيذا أينا ﴾ بهمزة ثم ياء فيهما: ابن كثير مثله ولكن بالمد أو عمرو ﴿ أئذا آئنا ﴾ بهمزتين فيهما: عاصم وحمزة وخلف ﴿ هادي ﴾ ﴿ وافى ﴾ ﴿ وإلى ﴾ ﴿ باقي ﴾ في الوقف: يعقوب وابن كثير غير ابن فليح وزمعة، وروى ابن شنبوذ عن قنبل بالياء في الوقف وعن البزي بغير ياء ﴿ المتعالي ﴾ في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق سهل وعباس في الوصل.
الوقوف: ﴿ المر ﴾ كوفي ﴿ آيات الكتاب ﴾ ط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ وأنهارا ﴾ ط ﴿ النهار ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ بماء واحد ﴾ ز قف لمن قرأ ﴿ ونفضل ﴾ بالنون ﴿ في الأكل ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ط ﴿ بربهم ﴾ ط ﴿ في أعناقهم ﴾ ج ﴿ النار ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ المثلات ﴾ ط ﴿ على ظلمهم ﴾ ج لتنافي الجملتين ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ وما تزداد ﴾ ط ﴿ بمقدار ﴾ ه ﴿ المتعال ﴾ ه ﴿ بالنهار ﴾ ه ﴿ من أمر الله ﴾ ط ﴿ ما بأنفسهم ﴾ ط ﴿ فلا مرد له ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ وال ﴾ ه.
التفسير: ﴿ تلك ﴾ الآيات التي في هذه السورة آيات السورة العجيبة الكاملة في بابها ﴿ والذي أنزل إليك من ربك ﴾ أي القرآن كله هو ﴿ الحق ﴾ الذي لا محيد عنه والمراد أنه لا تنحصر الحقية في هذه السورة وحدها.
ثم أخذ في تفصيل الحق فبدأ بالدلالة على صحة المبدأ والمعاد فقال: ﴿ الله ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ الذي ﴾ أو الموصول صفة المبتدأ، وقوله: ﴿ يدبر الأمر يفصل الآيات ﴾ خبر بعد خبر.
والعمد بفتحتين جمع عمود وهو ما يعمد به الشيء شبه الأسطوانة.
وقوله: ﴿ ترونها ﴾ كلام مستأنف على سبيل الاستشهاد أي وأنتم ترونها مرفوعة بلا عماد.
وقال الحسن: في الآية تقديم وتأخير تقديره رفع السموات ترونها مرفوعة بغير عمد وفيه تكلف.
وقيل: ترونها صفة للعمد.
ثم زعم من تمسك بالمفهوم أن للسموات عمدا لكنا لا نراها وما تلك العمد؟
قال بعض الظاهريين: هي جبل من زبرجد محيط بالدنيا يمسى جبل قاف.
ولا يخفى سقوط هذا القول لأن كل جسم لو كان يلزم أن يكون معتمداً على شيء فذلك الجبل أيضاً كان متعمداً على شيء فذلك الجبل أيضا كان معتمداً على شيء وتسلسل.
وقال بعض من ترقى في حضيض الصورة إلى ذروة عالم المعقول: إن تلك العمد هي قدرة الله وحفظه الذي أوقفها في الجوّ العالي.
ونحن لا نرى ذلك التدبير ولا نعرف كيفية ذلك الإمساك.
أما قوله: ﴿ كل يجري لأجل مسمى ﴾ فعن ابن عباس أن للشمس مائة وثمانين منزلاً في مائة وثمانين يوماً، إنها تعود مرة أخرى إلى واحد واحد منها في أمثال تلك الأيام ومجموع تلك الأيام سنة تامة.
أقول: إن صح عنه فلعله أراد تصاعدها في دائرة نصف النهار وتنازلها عنها في أيام السنة، وأراد نزولها في فلكها الخارج المركز من الأوج إلى الحضيض، ثم صعودها من الحضيض إلى الأوج فإن لها بحسب كل جزء من تلك الأجزاء في كل يوم من أيام السنة تعديلاً خاصاً زائداً أو ناقصاً كما برهن عليه أهل النجوم.
وأما القمر فسيره في منازله مشهور.
وقال سائر المفسرين: المراد كونهما متحركين إلى يوم القيامة وبعد ذلك تنقطع الحركات وتنتهي المسيرات كقوله: { ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ واللام للتاريخ كما تقول: كتبت لثلاث خلون.
وإنما قال في سورة لقمان ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ موافقة لقبيل ذلك ومن يسلم وجهه إلى الله والقياس لله كما في قوله: ﴿ أسلمت وجهي لله ﴾ ﴿ يدبر الأمر ﴾ إجمال بعد التفصيل أي أمر العالم العلوي والعالم السفلي من أعلى العرش إلى ما تحت الثرى بحيث لا يشغله شأن عن شأن، لأن تدبيره لعالم الأرواح كتدبيره لعالم الأشباح، وتدبيره للكبير كتدبيره للصغير لا يختلف بالنسبة إلى قدرته أحوال شيء من ذلك في الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة وتبديل الصور والأعراض وتغيير الأشكال والأوضاع ﴿ يفصل الآيات ﴾ الدالة على وحدانيته وقدرته، ويحتمل أن يراد بتدبير الأمر تدبير عالم الملكوت، ويكون معنى تفصيل الآيات إنزال الكتب وبعث الرسل وتكليف العباد الذي هو أثر ذلك العالم في العالم السفلي.
ويجوز أن يكون تدبير الأمر إشارة إلى القضاء، وتفصيل الآيات إشارة إلى القدر.
وقوله: ﴿ لعلكم بلقاء ربكم توقنون ﴾ على كل التفاسير إشارة إلى إثبات المعاد لأن المقر بتبيره وتقديره على الأنهاج المذكور لا بد أن يعترف باقتداره على الإعادة والجزاء.
ولما ذكر الدلائل السماوية أتبعها الدلائل الأرضية فقال: ﴿ وهو الذي مد الأرض ﴾ قال الأصم: أي بسطها إلى ما لا يدرك منتهاه، وهذا الامتداد الظاهر لحس البصر لا ينافي كريتها لتباعد أطرافها ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ أي جبالاً ثوابت في أحيازها غير منتقلة عن أماكنها.
وكيفية تكوّن الجبال على بسيط الأرض لا يعلم تفصيلها إلا موجدها.
وزعمت الفلاسفة أنها من تأثير المسوات في الأجزاء الأرضية القابلة لذلك الأثر بعد امتزاجها بالأجزاء المائية وغيرها، وقد يعين على ذلك نزول الأمطال وهبوب الرياح وهذا إن صح فعلم إجمالي.
وزعم بعضهم أن البحار كانت في جانب الشمال مدة كون حضيض الشمس هناك، وحين انتقل الحضيض إلى الجنوب انجذبت المياه إلى ذلك الجانب لأن الشمس تصير في الحضيض أقرب إلى الأرض فتوجب شدة السخونة الجاذبة للرطوبات فصار الطين اللزج حجراً وحدثت الجبال والأغوار بحسب المواضع المرتفعة والمنخفضة وبإعانة من السموات والآثار العلوية.
وبالجملة فالأسباب تنتهي لا محالة إلى مسبب لا سبب له وهو الله .
ومن الدلائل الدالة على وجود الصانع ووحدانيته جريان الأنهار العظيمة على وجه الأرض الكائنة فيها من احتباس الأبخرة، وأكثر ذلك أنما يتكّون في الجبال فلذا قرن الجبال بالأنهار في القرآن كثيراً كقوله: ﴿ وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتاً ﴾ وقد يحصل فيها معادن الفلزات ومواضع الجواهر ومكامن الأجسام المائعة من النفظ والقير والكبريت وغيرها، وكل ذلك دليل على وجود فاعل مختار ومدبر قهار.
ثم يحدث على الأرض بتربية المياه وتغذيتها أنواع النبات فللك قال: ﴿ ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ﴾ وللمفسرين فيه قولان: الأول أنه حين مد الأرض خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوّعت فيكون كل زوجين بالنسبة إلى ذلك النوع كآدم وحواء بالإضافة إلى الإنسان.
القول الثاني: إنه أراد بالزوجين الأسود والأبيض والحلو والحامض والصغير والكبير وما أشبه ذلك من الاختلاف الصنفي.
ووصف الزوجين بالاثنين للتأكيد مثل نفخة واحدة.
أما قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ فقد مر تفسيره في "الأعراف" وإنما ذكر هذا الإنعام في أثناء الدلائل الأرضية لأن النور والظلمة إنما يحدثان في الجوّ الذي يسميه الحكماء كرة النسيم وكرة البحار وليس فيما وراء ذلك ضياء ولا ظلام.
فتعاقب الليل والنهار من جملة الأحداث السفلية وإن كان سببها طلوع الشمس وغروبها في الأفق.
ويحتمل أن يقال: إن هذا دليل سماوي وإنه عاد مرة أخرى إلى الدليل السماوي ثم إلى الدليل الأرضي وذلك قوله: ﴿ وفي الأرض قطع متجاورات ﴾ أي بقاع مختلفة مع كونها متجاورة ومتلاصقة طيبة إلى سبخة، وصلبة إلى رخوة، وصالحة للزرع لا للشجر إلى أخرى على خلافها، وفي هذا دلالة ظاهرة على أنها بجعل فاعل مختار موقع لأفعاله على حسب إرادته، وكذا الكروم والزروع والنخيل الكائنة في هذه القطع مختلفة الطباع متخالفة الثمار في اللون والطعم والشكل وهي تسقى بماء واحد، فدل ذلك على أن هذه الاختلافات لا تستند إلى الطبيعة فقط ولكنها بتقدير العزيز العليم.
وإنما ذكر الزرع بين الأعناب والنخيل لأنها كثيراً ما تكون كذلك في الوجود كقوله ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً ﴾ والصنوان جمع صنو وهي النخلة لها رأسان وأصلهما واحد.
وعن ابن الأعرابي: الصنو المثل ومنه قوله "عم الرجل صنو أبيه" .
فمعنى الآية على هذا أن أشجار النخيل قد تكون متماثلة وقد لا تكون، والأكل الثمر الذي يؤكل.
قاله الزجاج.
وعن غيره أنه عام في جميع المطعومات.
وإنما ختم الآية السابقة بقوله: ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ وهذه بقوله: ﴿ لقوم يعقلون ﴾ لأن المقام الأوّل يحتاج إلى التفكر لأن الفلاسفة يسندون الحوادث السفلية إلى الآباء الأثيرية والأمهات العنصرية، لكن العاقل إذا تفكر في اختصاص كل ممتزج بحيز معين وشكل معين وطبيعة وخاصية مخالفتين لغيره علم أن كل هذه الاختلافات لا تستند إلى أشعة كواكب معدودة ولا إلى طبائع عناصر محصورة كما أشير إلى ذلك بقوله: ﴿ وفي الأرض قطع ﴾ الآية.
ولئن سلم أن الاتصالات الفلكية واختلافات الفواعل والقوابل قد ترتقي إلى حد يظهر منها هذه الآثار فلا بد لكل سبب من الانتهاء إلى مسبب لا سبب فوقه وليس ذلك إلا الله وحده، فهذا مقام لا يجحده إلا عادم عقل بل فاقد حس.
والحاصل أن التفكر في الآيات يوجب عقلية ما جعلت الآيات دليلاً عليه فهو الأوّل المؤدي إلى الثاني والله ولي التوفيق.
ثم عاد إلى ذكر المعاد فقال: ﴿ وإن تعجب ﴾ قال ابن عباس: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم إياك بعدما كانوا حكموا أنك من الصادقين، فهذا أعجب.
أو إن تعجب من عبادتهم الأصنام بعد الدلائل الدالة على التوحيد، أو إن تعجب يا محمد فقد عجبت في موضع العجب لأنهم اعترفوا بأنه رفع السموات بغير عمد وسخر الشمس والقمر على وفق مصالح العباد وأظهر الغرائب والعجائب في عالم الخلق، ثم أنكروا الإعادة التي هي أهون وأسهل.
قال المتكلمون: موضع العجب هو الذي لا يعرف سببه وذلك في حقه محال، فالمراد وإن تعجب ﴿ فعجب ﴾ عندك ﴿ قولهم ﴾ وإن سلم أن المراد عجب عند الله كما قرىء في الصافات ﴿ بل عجبت ﴾ بضم التاء فتأويله أنه محمول على النهاية لا على البداية أي منكر عند الله ما قالوه فإن الإنسان إذا تعجب من شيء أنكره.
قال في الكشاف ﴿ أئذا كنا ﴾ إلى آخر قولهم، يجوز أن يكون في محل الرفع بدلاً من قولهم، وأن يكون منصوباً بالقول.
وإذا نصب بما دل عليه قوله: ﴿ أئنا لفي خلق جديد ﴾ وهو نبعث أو نحشر.
ثم حكم عليهم بأمور ثلاثة: الأول ﴿ أولئك الذي كفروا بربهم ﴾ يعني أولئك الكاملون المتمادون في كفرهم وذلك أن إنكار البعث لا يكون إلا عن إنكار القدرة أو عن إنكار كمالها بأن يقال: إنه موجب بالذات لا فاعل بالاختيار فلا يمكنه إيجاد الحيوان إلا بواسطة الأبوين وتأثير الطبائع والأفلاك او إنكار العلم بأن يقال: إنه غير عالم بالجزيئات فلا يمكنه تمييز المطيع عن العاصي، أو تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو، أو إنكار الصدق كما إذا قيل: إنه أخبر عنه ولكنه لا يفعل لأن الكذب جائز عليه كما لا يكذب أحدنا بناء على مصلحة عامة أو خاصة وكل واحدة من هذه العقائد كفر فضلاً عن جميعها.
والثاني: ﴿ وأولئك الأغلال في أعناقهم ﴾ قال الأصم: المراد بذلك كفرهم.
وذلتهم وانقيادهم للأصنام.
يقال للرجل هذا غل في عنقك للعمل الرديء إذا كان لازماً له وهو مصر على فعله.
وقال آخرون: هو من جملة الوعيد.
ولا بد من تجوّز على القولين: أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأن المراد أنه سيحصل هذا المعنى.
والظاهر أنه حاصل في الحال ويؤيد القول الثاني قوله: ﴿ إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل ﴾ والأول قوله: ﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً ﴾ والثالث: ﴿ وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ وربما يستدل الأشاعرة به أن الصيغة للحصر فيدل على أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، ويمكن أن يناقش في إفادتها الحصر.
ثم إنه كان يهددهم تارة بعذاب الآخرة وكانوا ينكرون البعث لذلك كما تقدم، ويخوفهم تارة أخرى بعذاب الدنيا فيستعجلونه به زعماً منهم أنه كلام لا أصل له وإلى هذا أشير بقوله: ﴿ ويستعجلونك بالسيئة ﴾ بالعذاب والعقوبة التي تسوءهم.
﴿ قيل ﴾ تمام ﴿ الحسنة ﴾ وهي العافية والإحسان إليهم بالإهمال والتأخير ﴿ وقد خلت من قبلهم المثلات ﴾ أي عقوبات أمثالهم من المكذبين فما لهم لا يعتبرون بها؟
وأصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه لأن العقاب مماثل للمعاقب عليه ومنه "المثلة" بالضم والسكون لتقبيح الصورة بقطع الأنف والأذن وسمل العين ونحو ذلك، وذلك أنه ليس تغييراً كلياً لا يماثل الصورة الأولى وإنما ذلك تغيير تبقى الصورة معه قبيحة.
﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ﴾ قالت الأشاعرة: فيه دلالة على جواز العفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبة لأن قوله: ﴿ على ظلمهم ﴾ حال منهم، ومن المعلوم أن الإنسان حال اشتغاله بالظلم لا يكون تائباً لكن الآية دلت على أنه يغفر الذنوب قبل الاشتغال بالتوبة ترك العمل بها في حق الكافر فيبقى معمولاً بها في حق أهل الكبائر.
لا يقال: إن المراد من هذه المغفرة تأخير العقاب إلى الآخرة ليقع جواباً عن استعجالهم.
أو ألمراد غفران الصغائر لمجتنب الكبائر، أو غفران الكبائر بشرط التوبة فإن تاب وإلا فهو شديد العقاب لأنا نقول: تأخير العقاب إلى الآخرة لا يسمى مغفرة وإلا كان غافراً للكفار.
وأيضاً إنه مدح نفسه بهذا والتمدح إنما يحصل بالتفضل لا بأداء الواجب.
وعندكم يجب غفران الصغائر لمن اجتنب الكبائر..
وجواب الباقي ما مر عن النبي : "لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحداً العيش ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد" قال أهل النظم: إن الكفار طعنوا في نبوته بسبب الطعن في الحشر والنشور، ثم طعنوا في نبوّته بسبب استبطاء نزول العذاب، ثم طعنوا في نبوّته بسبب عدم الاعتداد بمعجزاته وذلك قوله: ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد تقدم مثل هذا في "الأنعام" في تفسير قوله: ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ ويجيء مثل هذه بعينها في هذه السورة.
قيل: وليس بتكرار محض لأن المراد بالأول آية مما اقترحوا نحو ما في قوله: ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر ﴾ الآيات وبالثاني آية ما لأنهم لم يهتدوا إلى أن القرآن آية فوق كل آية وأنكروا سائر آياته ، أو لعلهم ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر المعجزات فأجاب تسلية لرسوله ﴿ إنما أنت منذر ﴾ ما عليك إلا الإتيان بما يصح به دعوى إنذارك ورسالتك ﴿ ولكل قوم هاد ﴾ من الأنبياء يدعوهم إلى الله بوجه من الهداية والإرشاد يليق بزمانه وبأمته.
ولم يجعل الأنبياء شرعاً في المعجزات فعلى هذا التقدير المنذر النبي والهادي نبي إلا أن الأول محمد والثاني نبي كل زمان.
وقيل: المنذر محمد والهادي هو الله قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك.
والمعنى أنهم إن جحدوا كون القرآن معجزاً فلا يضيقن قلبك بسببه فما عليك إلا الإنذار.
وأما الهداية فمن الله.
وقيل: المنذر النبي والهادي هو علي.
روي عن ابن عباس أن رسول الله وضع يده على صدره فقال: أنا المنذر وأومأ إلى منكب علي فقال: وأنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون بعدي قاله في التفسير الكبير.
ثم أكد المعاني المذكورة في الآيات السابقة بقوله: ﴿ الله يعلم ﴾ لأنه إذا كان عالماً بجميع المعلومات قدر على تمييز أجزاء بدن كل مكلف من غيره فلا يستنكر منه البعث، ويكون نزول العذاب مفوّضاً إلى عمله فلا يجوز استعجاله به، وكذا إنزال الآيات يكون موكولاً إلى تدبيره فإن علم أن المكلفين اقترحوها لأجل الاسترشاد ومزيد البيان أظهرها الله لهم وإلا فلا، وفيه أن إعطاءه كل منذر آيات خلاف آيات غيره أمر مدبر بالعلم النافذ مقدر بالحكمة الربانية.
وعلى القول الثاني فيه أن من هذه قدرته وهذاعلمه وهو القادر وحده على هدايتهم بأي طريق شاء، وعلى هذا احتمل أن يكون ﴿ الله ﴾ خبر مبتدأ محذوف والجملة مفسرة لـ ﴿ هاد ﴾ أي هو الله.
ثم ابتدأ فقيل: ﴿ يعلم ﴾ ﴿ ما تحمل كل أنثى ﴾ قال في الكشاف: لفظة "ما" في ﴿ ما تحمل ﴾ و ﴿ ما تغيض ﴾ و ﴿ ما تزداد ﴾ إما أن تكون مصدرية والمعنى يعلم حمل كل أنثى ويعلم غيض الأرحام وازديادها أو غيوض ما فيها وزيادته على أن الفعلين غير متعديين فأسند الفعل إلى الأرحام وهو لما فيها.
والازدياد "افتعال" من زاد فأبدلت التاء دالاً، وإنه يتعدى ولا يتعدى كثلاثيه.
أو موصولة والمراد يعلم ما تحمله من الولد ذكورته وأنوثته وتخاطيط أعضائه وسائر أحواله من السعادة وضدها ومن العلم وضده إلى غير ذلك، ويعلم ما تغيضه الأرحام أي تنقصه كقوله: ﴿ وغيض الماء ﴾ وما تزداده من العدد فقد يكون واحداً وأكثر، ومن الخلقة فقد يكون تماماً أو مخدجاً، ومن المدة فقد يكون أقل من تسعة أشهر أو أزيد إلى سنتين عند أبي حنيفة، وإلى أربع عند الشافعي، وإلى خمس عند مالك، ومن دم الحيض.
قال ابن عباس: كلما سال الحيض يوماً زاد في مدة الحمل يوماً ليحصل الجبر ويعتدل الأمر.
ثم بين كمال علمه ونفاذ أمره بقوله: ﴿ وكل شيء عنده بمقدار ﴾ واحد لا يتجاوزه في طرفي التفريط والإفراط، والمراد بالعندية العلم كما يقال: هذه المسألة عند الشافعي كذا.
وذلك أنه خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة حسب مشيئته الأزلية وإرادته السرمدية.
وقال حكماء الإسلام: وضع أسباباً كلية وأودع فيها قوى وخواص وحرك الأجرام بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية معينة ومناسبات معلومة مقدّرة، ومن جملتها أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ أي هو عالم بما غاب عن الحسن وبما حضر له، أو بما غاب عن ا لخلق وبما شهدوه أو بالمعدومات وبالموجودات ﴿ الكبير ﴾ في ذاته لا بحسب الحجمية بل بالرتبة والشرف لأنه أجل الموجودات ﴿ المتعال ﴾ المنزه عن كل ما يجوزعليه في ذاته في صفاته وفي أفعاله.
ثم زاد في التأكيد فقال: ﴿ سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ﴾ أي مستوفى علمه هذان لأنه يعلم السر كما يعلم الجهر لا يتفاوت في علمه أحد الحالين ﴿ و ﴾ سواء عنده ﴿ من هو مستخف بالليل وسارب ﴾ على أن ﴿ سارب ﴾ معطوف على ﴿ من ﴾ لا على ﴿ متسخف ﴾ ليتناول معنى الاستواء شخصين: أحدهما مستخف والآخر سارب.
وإلا فلم يتناول إلا واحداً هو مستخف وسارب إلا أن يكون "من" في معنى الاثنين حتى كأنه قيل: سواء منكم اثنان متسخف بالليل وسارب ﴿ بالنهار ﴾ وفي المستخفي والسارب قولان: أحدهما أن المستخفي هو المستتر الطالب للخفاء في ظلمة الليل، والسارب من يضطرب في الطرقات ظاهراً بالنهار يبصره كل أحد.
يقال: سرب في الأرض سروباً أي ذهب في سربه بالفتح والسكون وهو الطريق ويؤديه قول مجاهد: معناه سواء من يقدم على القبائح في ظلمات الليالي ومن يأتي بها في النهار الظاهر على سبيل التوالي.
وثانيهما نقل الواحدي عن الأخفش وقطرب: المستخفي الظاهر من قولهم: "اختفيت الشيء" أي استخرجته، والسارب المتواري الداخل سرباً بفتحتين ومنه انسرب الوحش إذا دخل في كناسه.
وهذا وإن صح من حيث اللغة لكن قرينتي الليل والنهار إنما تساعدان القول الأول، ولهذا أطبق أكثر المفسرين عليه.
ثم ذكر ما يجري في الظاهر مجرى السبب لاستواء علمه بحال المسر والمعلن فقال: ﴿ له ﴾ أي لمن أسر ومن جهر ومن استخفى ومن سرب ﴿ معقبات ﴾ جماعات من الملائكة تعقب في حفظه وكلاءته.
والأصل معتقبات فأدغمت، أو هو على أصله من عقبه بالتشديد إذا جاء على عقبه لأن بعضهم يعقب بعضاً، أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه.
والتأنيث للمبالغة نحو "نسابة" و"علامة"، أو لأنه جمع معقبة أي ملائكة معقبة أو جماعة معقبة.
وقوله: ﴿ من أمر الله ﴾ ليس من صلة الحفظ لأنه قدرة للملك ولا لأحد من الخلق على أن يحفظوا أحداً من قضاء الله وإنما هو صفة أخرى كأنه قيل: له معقبات من أمر الله يحفظونه، أو له معقبات يحفظونه، ثم بين سبب الحفظ فقال: ﴿ من أمر الله ﴾ أي من أجل أن الله أمرهم بحفظه فمن بمعنى الباء وقرأ به عليّ وابن عباس وغيرهما، ويجوز أن يكون صلة على معنى يحفظونه من بأس الله إذا أذنب بدعائهم له ومسألتهم ربهم أن يمهله رجاء أن يتوب.
قال ابن جريج: هو مثل قوله : ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد ﴾ صاحب اليمين يكتب الحسنات والذي عن يساره يكتب السيئات.
وقال مجاهد: ما من عبد إلا وله ملك يحفظه من الجن والإنس والهوام في نومه ويقظته.
وقيل: المراد يحفظونه من جميع المهالك من بين يديه ومن خلفه لأن كلاّ من المستخفي والسارب إذا سعى في مهماته فإنما يحذر من الجهتين.
وما الفائدة في تسليط هؤلاء على ابن آدم؟
قال علماء الشريعة: إن الشياطين يدعون إلى المعاصي والشرور وهؤلاء الملائكة يدعون إلى الخيرات والطاعات بالإلهامات الحسنة والإخطارات الشريفة.
وإذا علم ابن آدم أن معه ملائكة يحصون عليه أفعاله وأقواله استحيا منهم وكان ذلك له رادعاً قوياً، وقد مر في هذا الباب كلام في "الأنعام" في قوله: { ﴿ ويرسل عليكم حفظةً ﴾ فليتذكر {الآية: 61].
وللآية تفسير آخر منقول عن ابن عباس وختاره أبو مسلم الأصفهاني قال: المعقبات الحرس وأعوان الملوك، والجملة وهي قوله: ﴿ له معقبات ﴾ صفة للمستخفي والسارب أو حال منه لكونه نكرة موصوفة أي يستوي في علم الله السر والجهر، والمستخفي بظلمة الليل والسارب بالنهار مستظهراً بالمعاونين والأنصار.
والمقصود بعث الأمراء والسلاطين على أن يطلبوا الخلاص عن المكاره بعصمة الله لا بالحرس والأعوان ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿ وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ﴾ ممن يلي أمرهم ويدفع عنهم.
قالت الأشاعرة: في هذا الكلام دلالة على أن العبد غير مستقل في الفعل لأنه إذا كفر العبد فلا شك أنه حكم بكونه مستحقاً للذم في الدنيا والعقاب في الآخرة، فلو كان العبد مستقلاً لحصل الإيمان وكان راداً لقضاء الله .
وقالت المعتزلة: هذا معارض بما تقدم عليه من كلام الله وهو قوله: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ لأنه لو ابتدأ بالعبد أول ما يبلغ بالضلال والخذلان كان ذلك من أعظم العقاب مع أنه ما كان منه تغيير.
قالوا: وفيه دليل على أنه لا يعاقب أطفال المشركين بذنوب آبائهم لأنهم لم يغيروا ما بأنفسهم من نعمة فيغير الله ما بهم من النعمة إلى العقاب.
أجابت الأشاعرة بأن هذا راجع إلى قوله: ﴿ ويستعجلونك ﴾ بين الله بذلك أنه لا ينزل بهم عذاب الاستئصال إلا والمعلوم منهم الإصرار على الكفر حتى قالوا: إذا كان المعلوم أن فيهم من يؤمن أو في أعقابهم من يؤمن فإنه لا يستأصلهم.
ورد بأن هذا خلاف الظاهر وقد صرح بذلك في سورة الأنفال في قوله: ﴿ ذلك بأن لله لم يك مغيراً ﴾ الآية.
والحق أن ترتب النقمة على تغيير النعمة لا ينافي استناد تغيير النعمة إليه فإنه مبدأ المبادىء وانتهاء الوسائط وسبب الأسباب.
التأويل: ﴿ المر ﴾ الألف الله لا إله إلا هو الحي القيوم، اللام له مقاليد السموات والأرض، الميم مالك يوم الدين، الراء رب العالمين من الأزل إلى الأبد أقسم بهذه الأمور أن الذي أنزل على عبده محمد هو الحق، وأنه حبل الله الذي به يوصل المؤمن من هبوط عالم الطبيعة إلى ذروة عالم الحقيقة لأنه ﴿ الله الذي رفع السموات ﴾ المحسوسة ﴿ بغير عمد ﴾ فكما أنه رفع السموات بقدرته فكذلك رفع الدرجات برحمته، أو كما أنه رفع السموات المحسوسة بعمد القدرة كذلك يرفع سموات القلوب بجذبة العناية، وسخر شمس الروح وقمر القلب أو النفس لتدبير مصالح العالم الصغير.
وإنما تظهر هذه الغرائب والعجائب لحصول كمال الإيقان بالرجوع إلى الله والفناء فيه بل البقاء به.
ومن حسن تدبيره أنه مد أرض البشرية وجعل فيها رواسي من الأوصاف الروحانية وأنهاراً من منابع العناية، ﴿ ومن كل الثمرات ﴾ وهي الملكات والأخلاق ﴿ جعل فيها زوجين اثنين ﴾ ملكة روحانية حميدة وأخرى نفسانية وذميمة.
فالأولى نورانية كالنهار والأخرى ظلمانية كالليل، يغلب هذه تارة وتلك أخرى وهذا معنى قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ وفي أرض الإنسانية ﴿ قطع متجاورات ﴾ هي النفس والقلب والروح السر والخفي حيوانية وملكوتية روحانية وجبروتية وعظموتية ﴿ وجنات ﴾ هي هذه الأعيان المتسعدة لقبول الفيض عند بلوغها ﴿ من أعناب ﴾ هي ثمرة النفس من الصفات التي هي أصل الإسكار كالغفلة والحمق والسهو واللهو ﴿ وزرع ﴾ هو ثمرة القلب فإن القلب كالأرض الطيبة التي منها غذاء الروح ﴿ ونخيل ﴾ هو الروح ذو الأخلاق الحميدة كالكرم والجود والشجاعة والقناعة والحياء والتواضع والشفقة ﴿ صنوان ﴾ هو السر الجبروتي الكاشف عن أسرار الجبروت بين الرب والعبد فإنه إذا حكى السر للعبد كان المحكى مثالاً لما عليه الوجود ﴿ وغير صنوان ﴾ هو الخفي الواقف على أسرار العظموت التي لا مثل لها ولا أمثال ولا تحكى لعبده كما قال { ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ وكما قال: بين المحبين سر ليس يفشيه *** ﴿ يسقى بماء واحد ﴾ هو ماء القدرة والحكمة ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى ﴾ أي ما في استعداد كل مستعد من الفضائل، أو ما في كل ذرّة من ذرّات المكونات من الخواص والطبائع، أو ما في كل منها من الآيات الدالة على موجدها ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ﴾ ﴿ وما تغيض الأرحام وما تزداد ﴾ أي ما يظهر من تلك الآيات الاستعدادات في جانبي التفريط والإفراط، والمراد ما ينقص من أرحام الموجودات أو المعدومات فمهما أوجد شيء نقص من رحم العدم واحد وزاد في رحم الوجود واحد وبالعكس في جانب الإعدام.
مستخف بليل العدم وظاهر النهار الوجود له أي لله معقبات من العلم والقدرة من بين يدي المعلوم ومن خلفه أي في حالتي عدمه ووجوده من أزله إلى أبده ﴿ يحفظونه من أمر الله ﴾ أي لأجل أمره حتى لا يخرج من قبضة تدبيره ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم ﴾ من الوجود والعدم ﴿ حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ من استدعاء الوجود أو العدم بلسان استحقاق الوجود أو العدم كما تقتضيه حكمته وتدبيره.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ ﴾ .
أمره أن يسألهم: من رب السماوات والأرض؟
ثم أمره أن يجيب هو لهم؛ فيقول الله وهو في الظاهر دعوى، أكثر ما في هذه الآية دعوى، وبعضه حجاج، وهو قوله: ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً ﴾ ، وقوله: ﴿ خَلَقُواْ كَخَلْقِه ﴾ لأنهم يقرون بهذا؛ لا يخلقون كخلقه؛ ولا يملكون دفع الضر؛ ولا جَرّ النفع.
وقوله: ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
﴿ قُلِ ﴾ إنما أمره أن يسألهم من رب السماوات والأرض، ولم يقل من ربكم فإنما [أمره أن يسألهم] ما لا يتجاسرون أن يقولوا الأصنام التي يعبدونها هي أرباب السماوات والأرض فلا بد أن يقروا الله رب السماوات والأرض، فإذا أقروا بهذا أنه رب السماوات والأرض قد دخل ما في السماوات والأرض في ربوبيته، إذ السماوات والأرض، إنما خلقهما لأهلهما؛ فإذا كان ربَّ السماوات والأرض - كان ربَّ ما فيهما.
وقال بعضهم: ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ ﴾ أمره أن يسألهم ثم يسبقهم بالإجابة؛ لأنه هو السابق بكل خير، وهم يجيبون له أنه رب السماوات والأرض.
دليله: حرف أبي وابن مسعود وحفصة؛ حيث قرءوا (من رب السماوات والأرض قالوا الله) يدل إنه أمره أن يسبقهم بالإجابة، كما كان هو السابق على كل خير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ﴾ .
يقول - والله أعلم - إذا أقررتم أن رب السماوات والأرض هو الله؛ وهو الإله؛ فكيف اتخذتم من دونه هذه الأصنام آلهة أرباباً وعبدتموها أو كيف جعلتم من ليس هو رب السماوات والأرض - أولى ممن أقررتم بالعبادة له أنه ربهما؟
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً ﴾ إذ لا يملكون نفعاً لأنفسهم، ولا دفع الضر عنها؛ فكيف يملكون نفع غيره أو دفع ضرّ عن غيره؟
فعرفهم أنهم لا يملكون ذلك؛ وأن الله هو المالك؛ فكيف تركتم عبادة من يملك ذلك؛ وعبدتم من لا يملك؟.
فيخرج تأويله على وجهين: أحدهما: يقول: لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرّاً، فكيف اتخذتم دون الله آلهة؟.
والثاني: لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرّاً مع وجود الحاجة فيها؛ فكيف تعبدون على رجاء النفع لكم بقولكم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .
وقوله: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ﴾ أي: تعلمون أن الأصنام التي تعبدونها أنها عمي لا تبصر شيئاً؛ والله هو البصير؛ فكيف تركتم عبادة من يبصر؛ وعبدتم من لا يبصر؟
هل يستوي ذلك؟
أي: لا يستوي.
أو يقول [لهم]: إنكم بعبادتكم الأصنام طمعتم شفاعتهم عند الله؛ وهم عمي وأنتم بصراء؛ فهل رأيتم أعمى يقود بصيراً في الشاهد؟
أو هل رأيتم من لا يبصر يكون دليلا لبصير؟
فإذا لم تروا ذلك؛ فكيف طمعتم من الأصنام ذلك.
وقال أهل التأويل: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ﴾ : الأعمى: الكافر: والبصير: المؤمن.
﴿ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي ٱلظُّلُمَاتُ وَٱلنُّورُ ﴾ .
الظلمات: الكفر، والنور: الإيمان.
ووجه قولهم؛ حيث شبهوا الكفر بالظلمة، والإيمان بالنور؛ لأن الظلمة تحجب وتستر كل شيء، والنور يرفع ذلك الحجاب وذلك الستر؛ فالإيمان له دلائل وحجج؛ ترفع تلك الحجب والستر؛ فينور له كل شيء.
والكفر ليس له حجج ودلائل ترفع ذلك؛ فهو ظلمة لم يضيء له شيئاً، والإيمان نور؛ حيث أضاء له، ونور كل شيء له بالدلائل والحجج التي ذكرنا.
فصار الكافر كالأعمى لا يبصر شيئاً؛ لأنه في الظلمة، والمؤمن كالبصير؛ لأن معه الدلائل والحجج.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ﴾ .
أي: بل جعلوا لله شركاء في العبادة؛ بعد ما علموا أنهم لا يملكون لهم نفعاً إن عبدوها ولا ضرّاً إن تركوا العبادة لها.
وقوله: ﴿ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ﴾ .
أي: خلق هؤلاء الأصنام؛ التي عبدوها وأشركوها في ألوهيته؛ كخلق الله؛ فتشابه عليهم خلقه من خلق الأصنام؛ أي: عرفوا أنها لم تخلق شيئاً كما خلق الله؛ فكيف أشركوا هذه الأصنام في عبادة الله وألوهيته؛ وهم كأنهم قد أقروا أن الله هو خالق كل شيء؟
وهذا ينقض على المعتزلة قولهم؛ حيث قالوا: إن الله لم يخلق أفعال العباد ولا يقدر على خلقها؛ فإذا كان الله لم يخلقها؛ فهم خلقوها - على زعمهم - فيكون موضع تشابه الخلق عليهم - على قولهم - فيدل على بطلان قولهم وفساد مذهبهم.
والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ في السماوات والأرض ﴿ وَهُوَ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ ﴾ .
أي: كل شيء دونه تحت قدرته وقهره وسلطانه، والأصنام التي تبعدونها مقهورة مغلوبة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً...
﴾ إلى آخر ما ذكر من الأمثال؛ إلى قوله ﴿ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: هذا مثل ضربه الله لليقين والشك؛ فاحتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها: فأمّا الشك فلا ينفع منه عمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله، وهو قوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً ﴾ \[وهو الشك\]، ﴿ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ وهو اليقين، وكما يجعل الحلي في النار فيؤخذ خالصه ويترك خبيثه في النار؛ كذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك؛ وهو قول ابن عباس .
وقال قتادة: قوله: ﴿ أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ الصغير بصغره والكبير بكبره.
﴿ فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً ﴾ يقول: رابيا ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً ﴾ والجفاء: ما يتعلق بالشجر من الزبد، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض؛ فضرب المثل للحق والباطل.
يقول - والله أعلم - كما اضمحل هذا الزبد؛ الذي ظهر فوق الماء؛ فصار جفاء لا ينتفع به ولا ترجى بركته، كذلك يضمحل الباطل عن أهله؛ كما اضمحل هذا الزبد؛ وكما مكث هذا الماء في الأرض، وقر قرارها فأمرعت ورجيت بركته كذلك، وأخرجت له نباتها؛ كذلك يبقى الحق لأهله؛ كما بقي هذا الماء في الأرض.
﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ ﴾ يقول: يبقى خالص هذا الذهب والفضة حين أدخل في النار؛ وذهب خبثه؛ كذلك يبقى الحق لأهله.
﴿ أَوْ مَتَاعٍ ﴾ يعني هذا الحديد والصفر الذي ينتفع به؛ وفيه منافع؛ يقول: ما بقي خالص هذا الحديد وهذا الصفر؛ حين أدخل النار وذهب خبثه؛ كذلك يبقى الحق لأهله كما بقي خالصهما.
وقال الكلبي: قوله: ﴿ نَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً ﴾ وهو القرآن؛ فاحتمله القلوب بأهوائها؛ ذو اليقين على قدر يقينه، وذو الشك على قدر شكه؛ فاحتملت الأهواء باطلا كثيراً وجفاء: فالماء هو الحق، والأودية هي القلوب، والسيل الأهواء، والزبد الباطل، والحق المتاع والحلية.
قال: ﴿ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ فالزبد وخبث الحديد وخبث المتاع: هو الباطل؛ من أصاب من هذا شيئاً لم ينتفع به، فكذلك الباطل يوم القيامة لا ينتفع بباطله.
وأمّا الحلية والماء والمتاع: فهو الحق؛ من أصاب شيئاً منه انتفع به، وكذلك صاحب الحق يوم القيامة ينتفع بالحق.
أما الحلية: فالذهب والفضة، وأما المتاع: فالصفر والحديد والرصاص والنحاس، ونحوه، ليس شيء من هذا ينتفع به حتى يدخل النار؛ فيميز صفوه من خبثه.
وقال الحسين بن واقد: وهو قول مقاتل؛ ضرب الله مثل الكفر والإيمان؛ ومثل الحق والباطل، فقال: ﴿ أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ ، سال الوادي الكبير على قدر كبره؛ والصغير على قدر صغره؛ فاحتمل السيل زبداً رابياً أي: عالياً، ثم قال: ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ ﴾ ؛ الذهب والفضة، ثم قال: ﴿ أَوْ مَتَاعٍ ﴾ الشَّبَهُ والحديد والصفر والرصاص، ﴿ زَبَدٌ مِّثْلُهُ ﴾ أي: للسيل زبد مثله لا ينتفع به؛ [والماء ينتفع به]، وللحلي والمتاع أيضاً زبد مثل زبد السيل؛ إذا أدخل النار؛ وهو خبثه لا ينتفع به والحلي والمتاع ما خلص منهما ينتفع به فمثل الأودية مثل القلوب ومثل السيل مثل الأهواء ومثل الماء والحلي والمتاع الذي ينتفع به مثل [الحق، ومثل زبد الماء وخبث الحلي والمتاع الذي لا ينتفع به مثل] الباطل فكما ينتفع بالماء وما خلص من الحلي والمتاع الذي ينتفع به أهله في الدنيا؛ فكذلك الحق ينفع أهله في الآخرة؛ وكما لا ينفع الزبد؛ وخبث الحلي؛ وخبث المتاع أهله في الدنيا؛ فكذلك الباطل لا ينفع أهله في الآخرة ﴿ كَذٰلِكَ ﴾ أي: هكذا يضرب الله الأمثال، أي: يبين الله ما ذكر من مثل الحق والباطل، ﴿ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً ﴾ قال: يعني يابساً؛ فلا ينتفع به، ﴿ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ ﴾ من الماء؛ ﴿ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ فيسقون ويزرعون عليه ويتنفعون به.
فهذه ثلاثة أمثال ضربها الله في مثل واحد؛ يقول: هكذا يبين الله الأمثال والأشباه ﴿ لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ﴾ أي: أجابوا ﴿ لِرَبِّهِمُ ﴾ في الدنيا؛ بالإيمان والتوحيد ﴿ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ لهم؛ وهي الجنة في الآخرة.
ضرب الله مثل الإيمان والحق؛ ووصفهما بالثبات والقرار والطيب؛ بالأرض الطيبة مرة؛ وشجرة طيبة ثانياً، وضرب مثل الكفر والباطل؛ بالأرض الخبيثة؛ والشجرة الخبيثة، ووصفهما بالخبث والذهاب؛ فقال: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ...
﴾ وقال: ﴿ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾ وقال: ﴿ وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ...
﴾ الآية [الأعراف: 58] وضرب مثل المؤمن مرة بالبصير والسميع، ومثل الكافر بالأعمى والأصم؛ فقال: ﴿ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ﴾ وضرب مثل الكفر؛ مرة بالظلمات؛ ومرة بالرماد والموت، ومثل الإيمان بالنور والضياء والحياة؛ ونحوه.
فهذه الأمثال التي ضرب الله - عز وجل - تخرج كلها مخرج الدعوى في الظاهر؛ إذ ليس فيها بيان الحق منها؛ وبيان المحق من غير المحق؛ سوى أن فيها: هل يستوي ذا مع ذا؟
لا يستوى على ما ذكر، وهل يستوي الطيب والخبيث؛ أو البصير والسميع [أو] الأصم والأعمى؛ أو الميت [و] الحي؛ أو الظلمات والنور؟
وأمثاله، هذا كله غير مستوٍ.
وكل أهل الأديان وإن - اختلفت مذاهبهم - يقول كل: أنا الذي عليه هو الحق؛ والباطل هو الذي عليه غيري، وينفي كل عن نفسه العمى والصمم؛ وكونه في ظلمة؛ ويدعي كونه في النور؛ ونحوه.
فليس في نفس الأمثال التي ضربت بيان الحق من الباطل والمحق من غيره؛ فذلك يعرف بغيرها بالدلائل والحجج والبراهين؛ وهو ما ذكر ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ...
﴾ الآية [العنكبوت: 43] فبالدلائل والحجج والبراهين يعرف الحق من الباطل والمحق من غير المحق؛ فللإيمان والحق دلائل وحجج ويعرف ذوو العقول - بالعقول - حسنه وطيبه، وما يعقب من ثمرته، ويبين قبح الكفر والباطل لذوي العقول بالعقول، واستخباثهم الباطل؛ وما يعقبه لأهله من الخبث والقبح والشرّ.
وقال القتبي: ﴿ زَبَداً رَّابِياً ﴾ أي: عالياً على الماء ﴿ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ ﴾ أي: حلي أو متاع آنية يعني من فِلزّ الأرض وجواهرها؛ مثل الرصاص والحديد؛ ونحوه، والذهب والفضة؛ حيث تعلوها - إذا أذيبت - مثل زبد الماء.
والجُفاء ما رمى به الوادي إلى جنباته؛ يقال: أجفأت القدر بِزَبدها: إذا ألقت زبدها عنها.
وقال أبو عوسجة: ﴿ رَّابِياً ﴾ : أي: مرتفعاً فوق ظهر الماء؛ وهو واحد، ويقال: زبد الماء: إذا صار له زبد ﴿ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ ﴾ هو من الحلي؛ من الذهب والفضة؛ مما يتحلى به؛ ﴿ فَيَذْهَبُ جُفَآءً ﴾ أي: باطلا لا ينتفع به، وأما الجفاء: فهو إظهار التهاون بالإنسان؛ وقلة الاكتراث له؛ والاستخفاف به.
وقال: الجفاء هو الغثاء، ويقال: قد أجفأ الوادي: إذا علاه ذلك ثم جرى به الماء.
قال أبو عوسجة: والغثاء - عندي -: ما حمله السيل؛ من العيدان والبعر؛ وما يشبه ذلك.
وقال القتبي: قوله: ﴿ فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىٰ ﴾ أي: يبساً.
قال أبو عبيد: الجفاء الجمود، ويذهب إلى أن الزبد يجمد ويجتمع على الماء، ثم يذهب بمائها.
وقال الفراء يذهب جُفاء: أي: يذهب سريعاً كما جاء.
وقال الشيخ - رحمه الله -: ويشبه أن يكون المثل الذي ضرب بالماء هو للدين وهو أن الدين الحق الذي أنزل من السماء واحد؛ لكن الناس اتخذوا أدياناً متفرقة، ومذاهب مختلفة؛ كقوله: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ ﴾ فالدين الذي أمر بسلوكه واتباعه واحد؛ وهو كالماء الذي أنزل من السماء واحد صاف؛ وهو الأصل؛ فحذف منه أشياء لا يعبأ به ولا يكترث؛ فعلى ذلك السبل.
أو أن يكون وجه ضرب مثله بالماء؛ وهو أن الماء إذا أنزل من السماء أنزل [طيباً عذباً]، لكن اختلف ألوانه وطعومه باختلاف جواهر الأرض؛ بعضه خرج مالحاً أجاجاً، وبعضه مرّاً لا ينتفع به؛ وبعضه عذب، وذلك على اختلاف جواهر الأرض، وإلا كان المنزّل من السماء كله عذب طيب؛ فالذي ينتفع به واحد؛ وهو العذب.
فعلى ذلك الدين الذي ينتفع به - واحد؛ والبواقي لا ينتفع بها كالمياه المرة والمالحة، أو يكون غير هذا؛ ونحن لا نعرفه والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وهم الذين صبروا على طاعة الله، وعلى ما قدره الله عليهم مما يسر أو يسوء، وصبروا عن معصيته طلبًا لمرضاة الله، وأدوا الصلاة على أكمل وجه، وبذلوا مما أعطينا هم من الأموال الحقوق الواجبة، وبذلوا منها تطوعًا خفية للبعد عن الرياء، وجهرًا ليتأسَّى بهم غيرهم، ويدفعون سوء من أساء إليهم بالإحسان إليه، أولئك المتصفون بهذه الصفات لهم العاقبة المحمودة يوم القيامة.
<div class="verse-tafsir" id="91.dyNV4"