الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ٢٥ من سورة الرعد
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 71 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢٥ من سورة الرعد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
هذا حال الأشقياء وصفاتهم ، وذكر مآلهم في الدار الآخرة ومصيرهم إلى خلاف ما صار إليه المؤمنون ، كما أنهم اتصفوا بخلاف صفاتهم في الدنيا ، فأولئك كانوا يوفون بعهد الله ويصلون ما أمر الله به أن يوصل ، وهؤلاء ( ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض ) كما ثبت في الحديث : " آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان " وفي رواية : " وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر " .
ولهذا قال : ( أولئك لهم اللعنة ) وهي الإبعاد عن الرحمة ، ( ولهم سوء الدار ) وهي سوء العاقبة والمآل ، ومأواهم جهنم وبئس القرار .
وقال أبو العالية في قوله : ( والذين ينقضون عهد الله ) الآية ، قال : هي ست خصال في المنافقين إذا كان فيهم الظهرة على الناس أظهروا هذه الخصال : إذا حدثوا كذبوا ، وإذا وعدوا أخلفوا ، وإذا ائتمنوا خانوا ، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه ، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل ، وأفسدوا في الأرض .
وإذا كانت الظهرة عليهم أظهروا الثلاث الخصال : إذا حدثوا كذبوا ، وإذا وعدوا أخلفوا ، وإذا ائتمنوا خانوا .
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره و أما الذين ينقضون عهد الله , ونقضهم ذلك، خلافهم أمر الله, وعملهم بمعصيته (23) (من بعد ميثاقه) ، يقول: من بعد ما وثّقوا على أنفسهم لله أن يعملوا بما عهد إليهم (24) (ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل) ، (25) يقول: ويقطعون الرحم التي أمرهم الله بوصلها(ويفسدون في الأرض) ، فسادهم فيها: عملهم بمعاصي الله ( (26) أولئك لهم اللعنة) ، يقول: فهؤلاء لهم اللعنة, وهي البعد من رحمته، والإقصاء من جِنانه (27) (ولهم سوء الدار) يقول: ولهم ما يسوءهم في الدار الآخرة .
* * * 20349- حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله, لأن الله يقول: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ [سورة الحج:31]، ونقض العهد، وقطيعة الرحم, لأن الله تعالى يقول: (أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار) ، يعني: سوء العاقبة .
20350- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج قال: قال ابن جريج, في قوله: (ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل) ، قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا لم تمش إلى ذي رحمك برجلك ولم تعطه من مالك فقد قطعته " .
20351- حدثني محمد بن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة, عن عمرو بن مرة, عن مصعب بن سعد قال: سألت أبي عن هذه الآية: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [سورة الكهف:103 ، 104]، أهم الحرورية؟
قال: لا ولكن الحرورية (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار)، فكان سعدٌ يسميهم الفاسقين .
(28) 20352- حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا شعبة, عن عمرو بن مرة قال: سمعت مصعب بن سعد قال: كنت أمسك على سعدٍ المصحف, فأتى على هذه الآية, ثم ذكر نحو حديث محمد بن جعفر .
(29) ---------------------------- الهوامش : (23) انظر تفسير" النقض" فيما سلف 9 : 363 / 10 : 125 / 14 : 22 .
(24) انظر تفسير" الميثاق" فيما سلف ص : 419 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(25) انظر تفسير" الوصل" فيما سلف 1 : 415 وهذا ص : 420 ، تعليق : 1 .
(26) انظر تفسير" الفساد في الأرض" فيما سلف من فهارس اللغة ( فسد ) .
(27) انظر تفسير" اللعنة" فيما سلف 15 : 467 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(28) الأثر : 20351 -" مصعب بن سعد بن أبي وقاص" ، تابعي ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 18776 .
رواه البخاري في صحيحه من طريق محمد بن بشار ، عن محمد بن جعفر ، مطولا ( الفتح 8 : 323 ) وسيأتي مطولا في التفسير 17 : 27 ( بولاق ) في تفسير آية سورة الكهف .
رواه الحاكم في المستدرك 2 : 370 ، من طريق" إسحاق ، عن جرير ، عن منصور ، عن مصعب بن سعد" ، وقال :" هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه" .
ووافقه الذهبي .
ثم انظر تخريجه في غير المطبوع من الكتب ، في الدر المنثور 4 : 253 .
وسيأتي بإسناد آخر في الذي يليه .
(29) الأثر : 20352 - هو مكرر الذي قبله من رواية أبي داود الطيالسي ، عن شعبة .
قوله تعالى : والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاعقوله تعالى : والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه لما ذكر الموفين بعهده ، والمواصلين لأمره ، وذكر ما لهم ذكر عكسهم .
نقض الميثاق : ترك أمره .
وقيل : إهمال عقولهم ، فلا يتدبرون بها ليعرفوا الله تعالى .ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل أي من الأرحام .
والإيمان بجميع الأنبياء .ويفسدون في الأرض أي بالكفر وارتكاب المعاصيأولئك لهم اللعنة أي الطرد والإبعاد من الرحمة .ولهم سوء الدار أي سوء المنقلب ، وهو جهنم .
وقال سعد بن أبي وقاص : والله الذي لا إله إلا هو !
إنهم الحرورية .
لما ذكر حال أهل الجنة ذكر أن أهل النار بعكس ما وصفهم به، فقال عنهم: { والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ } أي: من بعد ما أكده عليهم على أيدي رسله، وغلظ عليهم، فلم يقابلوه بالانقياد والتسليم، بل قابلوه بالإعراض والنقص، { وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ } فلم يصلوا ما بينهم وبين ربهم بالإيمان والعمل الصالح، ولا وصلوا الأرحام ولا أدوا الحقوق، بل أفسدوا في الأرض بالكفر والمعاصي، والصد عن سبيل الله وابتغائها عوجا، { أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ } أي: البعد والذم من الله وملائكته وعباده المؤمنين، { وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } وهي: الجحيم بما فيها من العذاب الأليم.
( والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ) هذا في الكفار .
( ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ) أي : يؤمنون ببعض الأنبياء ويكفرون ببعض .
وقيل : يقطعون الرحم .
( ويفسدون في الأرض ) أي : يعملون بالمعاصي ( أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ) يعني : النار ، وقيل : سوء المنقلب لأن منقلب الناس دورهم .
«والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض» بالكفر والمعاصي «أولئك لهم اللعنة» البعد من رحمة الله «ولهم سوء الدار» العاقبة السيئة في الدار الآخرة وهي جهنم.
أما الأشقياء فقد وُصِفوا بضد صفات المؤمنين، فهم الذين لا يوفون بعهد الله بإفراده سبحانه بالعبادة بعد أن أكدوه على أنفسهم، وهم الذين يقطعون ما أمرهم الله بوصله مِن صلة الأرحام وغيرها، ويفسدون في الأرض بعمل المعاصي، أولئك الموصوفون بهذه الصفات القبيحة لهم الطرد من رحمة الله، ولهم ما يسوءهم من العذاب الشديد في الدار الآخرة.
وبعد أن ذكر - سبحانه صفات هؤلاء الأوفياء ، وما أعد لهم من ثواب جزيل ، أتبع ذلك ببيان سوء عاقبة الناقضين لعهودهم ، القاطعين لما امر الله بوصله .
المفسدين فى الأرض فقال - تعالى - ( والذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ ) .ونقض العهد : إبطاله وعدم الوفاء به .وقوله : ( مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ ) زيادة فى تشنيع النقض : أى : ينقضون عهد الله تعالى ولا يوفون به .
من بعد أن أكدوا التزامهم به وقبولهم لهم .وقوله : ( وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ ) أى : ويقطعون كل ما أوجب الله - تعالى - وصله ، ويدخل فيه وصل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالاتباع والموالاة ، ووصل المؤمنين بالمعاونة ، والمحبة ، ووصل أولى الأرحام بالمودة والتعاطف ، فالجملة الكريمة بيان لحال هؤلاء الأشقياء بأنهم كانوا على الضد من أولئك الأوفياء الأخيار الذين كانوا يصلون ما أمر الله به أن يوصل .وقوله : ( وَيُفْسِدُونَ فِي الأرض ) بيان لصفة ثالثة من صفاتهم القبيحة .أى : أنهم كانوا يفسدون فى الأرض عن طريق حربهم لدعوة الحق ، واعتدائهم على المؤمنين ، وغير ذلك من الأمور التى كانوا يقترفونها مع أن الله - تعالى - قد حرمها ونهى عنها .وقوله - تعالى - : ( أولئك لَهُمُ اللعنة وَلَهُمْ سواء الدار ) إخبار عن العذاب الشديد الذى سيلقونه فى آخرتهم .
أى : أولئك الموصوفون بتلك الصفات الذميمة ( لهم ) من الله - تعالى - ( اللعنة ) والطرد من رحمته .( ولهم ) فوق ذلك ، الدار السيئة وهى جهنم التى ليس فيها إلا ما يسوء الصائر إليها .
اعلم أنه تعالى لما ذكر صفات السعداء وذكر ما ترتب عليها من الأحوال الشريفة العالية أتبعها بذكر حال الأشقياء، وذكر ما يترتب عليها من الأحوال المخزية المكروهة، وأتبع الوعد بالوعيد والثواب بالعقاب، ليكون البيان كاملاً فقال: ﴿ والذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ ميثاقه ﴾ وقد بينا أن عهد الله ما ألزم عباده بواسطة الدلائل العقلية والسمعية لأنها أوكد من كل عهد وكل يمين إذ الأيمان إنما تفيد التوكيد بواسطة الدلائل الدالة على أنها توجب الوفاء بمقتضاها، والمراد من نقض هذه العهود أن لا ينظر المرء في الأدلة أصلاً، فحينئذ لا يمكنه العمل بموجبها أو بأن ينظر فيها ويعلم صحتها ثم يعاند فلا يعمل بعمله أو بأن ينظر في الشبهة، فيعتقد خلاف الحق والمراد من قوله: ﴿ مِن بَعْدِ ميثاقه ﴾ أي من بعد أن وثق الله تلك الأدلة وأحكمها، لأنه لا شيء أقوى مما دل الله على وجوبه في أن ينفع فعله ويضر تركه.
فإن قيل: إذا كان العهد لا يكون إلا مع الميثاق فما فائدة اشتراطه تعالى بقوله: ﴿ مِن بَعْدِ ميثاقه ﴾ .
قلنا: لا يمتنع أن يكون المراد بالعهد هو ما كلف الله العبد، والمراد بالميثاق الأدلة المؤكدة لأنه تعالى قد يؤكد إليك العهد بدلائل أخرى سواء كانت تلك المؤكدة دلائل عقلية أو سمعية.
ثم قال تعالى: ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ وذلك في مقابلة قوله: ﴿ والذين يَصِلُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ فجعل من صفات هؤلاء القطع بالضد من ذلك الوصل، والمراد به قطع كل ما أوجب الله وصله ويدخل فيه وصل الرسول بالموالاة والمعاونة ووصل المؤمنين، ووصل الأرحام، ووصل سائر من له حق، ثم قال: ﴿ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرض ﴾ وذلك الفساد هو الدعاء إلى غير دين الله وقد يكون بالظلم في النفوس والأموال وتخريب البلاد، ثم إنه تعالى بعد ذكر هذه الصفات قال: ﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللعنة ﴾ واللعنة من الله الإبعاد من خيري الدنيا والآخرة إلى ضدهما من عذاب ونقمة: ﴿ وَلَهُمْ سُوء الدار ﴾ لأن المراد جهنم، وليس فيها إلا ما يسوء الصائر إليها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِن بَعْدِ ميثاقه ﴾ من بعد ما أوثقوه به من الاعتراف والقبول ﴿ سُوء الدار ﴾ يحتمل أن يراد سوء عاقبة الدنيا، لأنه في مقابلة عقبى الدار، ويجوز أن يراد بالدار جهنم، وبسوئها عذابها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي مُقابَلِي الأوَّلِينَ.
﴿ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ﴾ مِن بَعْدِ ما أوْثَقُوهُ بِهِ مِنَ الإقْرارِ والقَبُولِ.
﴿ وَيَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ ﴾ بِالظُّلْمِ وتَهْيِيجِ الفِتَنِ.
﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ ﴾ عَذابُ جَهَنَّمَ أوْ سُوءُ عاقِبَةِ الدُّنْيا لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ عُقْبى الدّارِ.
<div class="verse-tafsir"
{والذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ ميثاقه} من بعد ما أوثقوه به من الاعتراف والقبول {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرض} بالكفر والظلم {أولئك لَهُمُ اللعنة} الإبعاد من الرحمة {وَلَهُمْ سُوءُ الدار} يحتمل أن يراد سوء عاقبة الدنيا لأنه في مقابلة عقبى الدار وأن يراد بالدار جهنم وبسوئها عذابها
﴿ والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ ﴾ أُرِيدَ بِهِمْ مَن يُقابِلُ الأوَّلِينَ ويُعانِدُهم بِالِاتِّصافِ بِنَقائِضِ أوْصافِهِمْ ﴿ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ﴾ الِاعْتِرافِ بِهِ قِيلَ: المُرادُ بِالعَهْدِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ وبِالمِيثاقِ ما هو اسْمُ آلَةٍ أعْنِي ما يُوَثَّقُ بِهِ الشَّيْءُ وأُرِيدَ بِهِ الِاعْتِرافُ بِقَوْلِ: ﴿ بَلى ﴾ وقَدْ يُسَمّى العَهْدُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ مِيثاقًا لِتَوْثِيقِهِ بَيْنَ المُتَعاهِدَيْنِ وفَسَّرَ الإمامُ عَهْدَ اللَّهِ تَعالى بِما ألْزَمَهُ عِبادَهُ بِواسِطَةِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ لِأنَّ ذَلِكَ أوْكَدُ كُلِّ عَهْدٍ وكُلِّ أيْمانٍ إذِ الأيْمانُ إنَّما تُفِيدُ التَّوْكِيدَ بِواسِطَةِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّها تُوجِبُ الوَفاءَ بِمُقْتَضاها ثُمَّ قالَ: والمُرادُ مِن نَقْضِها أنْ لا يَنْظُرَ المَرْءُ فِيها فَلا يُمْكِنُهُ حِينَئِذٍ العَمَلُ بِمُوجِبِها أوْ بِأنْ يَنْظُرَ ويَعْلَمَ صِحَّتَها ثُمَّ يُعانِدُ فَلا يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ أوْ بِأنْ يَنْظُرَ في الشُّبَهِ فَلا يَعْتَقِدُ الحَقَّ والمُرادُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ﴾ مِن بَعْدِ أنْ أوْثَقَ إلَيْهِ تِلْكَ الأدِلَّةَ وأحْكامَها لِأنَّهُ لا شَيْءَ أقْوى مِمّا دَلَّ اللَّهُ تَعالى عَلى وُجُوبِهِ في أنَّهُ يَنْفَعُ فِعْلُهُ ويَضُرُّ تَرْكُهُ.
وأوْرَدَ أنَّهُ إذا كانَ العَهْدُ لا يَكُونُ إلّا بِالمِيثاقِ فَما فائِدَةُ ﴿ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ﴾ وأجابَ بِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُفارَقَةَ مَن تَمَكَّنَ مِن مَعْرِفَتِهِ بِالحَلِفِ لِمَن لَمْ يَتَمَكَّنْ أوَّلًا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الأدِلَّةَ المُؤَكَّدَةَ لِأنَّهُ يُقالُ: قَدْ تُؤُكِّدَ إلَيْكَ بِدَلائِلَ أُخْرى سَواءً كانَتْ عَقْلِيَّةً أوْ سَمْعِيَّةً.
اهَـ.
ولا يَخْفى أنَّهُ إذا أُرِيدَ بِالعَهْدِ ذَلِكَ القَوْلُ وبِالمِيثاقِ الِاعْتِرافُ بِهِ لَمْ يَحْتَجْ إلى القِيلِ والقالِ وحَمَلَ بَعْضُهُمُ العَهْدَ هُنا عَلى سائِرِ ما وصّى اللَّهُ تَعالى بِهِ عِبادَهُ كالعَهْدِ فِيما سَبَقَ والمِيثاقِ عَلى الإقْرارِ والقَبُولِ والآيَةُ كَما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ ﴿ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ﴾ مِنَ الإيمانِ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ المُجْتَمِعِينَ عَلى الحَقِّ حَيْثُ يُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ ويَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ومِن حُقُوقِ الأرْحامِ ومُوالاةِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِنَفْيِ الخَشْيَةِ والخَوْفِ عَنْهم صَرِيحًا لِدَلالَةِ النَّقْضِ والقَطْعِ عَلى ذَلِكَ وأمّا عَدَمُ التَّعَرُّضِ لِنَفْيِ الصَّبْرِ المَذْكُورِ فَلِأنَّهُ إنَّما اعْتَبَرَ تَحَقُّقَهُ في ضِمْنِ الحَسَناتِ المَعْدُودَةِ لِيَقَعْنَ مُعْتَدًّا بِهِنَّ فَلا وجْهَ لِنَفْيِهِ عَمَّنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحَسَناتِ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ لا سِيَّما بَعْدَ تَقْيِيدِهِ بِكَوْنِهِ ابْتِغاءَ وجْهِهِ تَعالى كَما لا وجْهَ لِنَفْيِ الصَّلاةِ والإنْفاقِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ إعْطاءُ الزَّكاةِ مِمَّنْ لا يَحُومُ حَوْلَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى فَضْلًا عَنْ فُرُوعِ الشَّرائِعِ وإنْ أُرِيدَ بِالإنْفاقِ ما يَشْمَلُ ذَلِكَ وغَيْرَهُ فَنَفْيُهُ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ قَطْعِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِوَصْلِهِ بَلْ قَدْ يُقالُ بِانْدِراجِ نَفْيِ الصَّلاةِ أيْضًا تَحْتَ ذَلِكَ وأمّا دَرْءُ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ فانْتِفاؤُهُ عَنْهم ظاهِرٌ مِمّا سَبَقَ ولَحِقَ فَإنَّ مَن يُجازِي إحْسانَهُ عَزَّ وجَلَّ بِنَقْضِ عَهْدِهِ سُبْحانَهُ ومُخالَفَةِ الأمْرِ ويُباشِرُ الفَسادَ حَسْبَما يَحْكِيهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ ﴾ بِالظُّلْمِ لِأنْفُسِهِمْ وغَيْرِهِمْ وتَهْيِيجِ الفِتَنِ بِمُخالَفَةِ دَعْوَةِ الحَقِّ وإثارَةِ الحَرْبِ عَلى المُسْلِمِينَ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنهُ الدَّرْءُ المَذْكُورُ عَلى أنَّهُ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأنَّ لَهُ دَخْلًا في الإفْضاءِ إلى العُقُوبَةِ الَّتِي يُنْبِئُ عَنْها قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أُولَئِكَ ﴾ ..
إلَخْ أيْ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ القَبائِحِ لَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿ اللَّعْنَةُ ﴾ أيِ الإبْعادُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ ولَهُمْ ﴾ مَعَ ذَلِكَ ﴿ سُوءُ الدّارِ ﴾ .
(25) .
أيْ سُوءُ عاقِبَةِ الدّارِ والمُرادُ بِها الدُّنْيا وسُوءُ عاقِبَتِها عَذابُ جَهَنَّمَ أوْ جَهَنَّمُ نَفْسُها ولَمْ يَقُلْ: سُوءُ عاقِبَةِ الدّارِ تَفادِيًا أنْ يَجْعَلَها عاقِبَةً حَيْثُ جَعَلَ العاقِبَةَ المُطْلَقَةَ هي الجَنَّةُ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالدّارِ جَهَنَّمُ وبِسُوئِها عَذابُها والأوَّلُ أوْجَهُ لِرِعايَةِ التَّقابُلِ ولِأنَّ المُبادَرَ إلى الفَهْمِ مِنَ الدّارِ الدُّنْيا بِقَرِينَةِ السّابِقِ ولِأنَّها الحاضِرَةُ في أذْهانِهِمْ ولِما ذُكِرَ مِنَ النُّكْتَةِ السَّرِيَّةِ وذَلِكَ لِأنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ يُشْعِرُ بِعَلِيَّةِ الصِّلَةِ لَهُ ولا يَخْفى أنَّهُ لا دَخْلَ لَهُ في ذَلِكَ عَلى أكْثَرِ التَّفاسِيرِ فَإنَّ مَجازاةَ السَّيِّئَةِ بِمِثْلِها مَأْذُونٌ فِيها ودَفْعِ الكَلامِ السَّيِّئِ بِالحُسْنى وكَذا الإعْطاءُ عِنْدَ المَنعِ والعَفْوُ عِنْدَ الظُّلْمِ والوَصْلُ عِنْدَ القَطْعِ لَيْسَ مِمّا يُورِثُ تَرْكُهُ تَبِعَةً وأمّا ما اعْتُبِرَ انْدِراجُهُ تَحْتَ الصِّلَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الإخْلالِ بِبَعْضِ الحُقُوقِ المَندُوبَةِ فَلا ضَيْرَ في ذَلِكَ لِأنَّ اعْتِبارَهُ مِن حَيْثُ أنَّهُ مِن مُسْتَتْبَعاتِ الإخْلالِ بِالعَزائِمِ كالكُفْرِ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وعُقُوقِ الوالِدَيْنِ وتَرْكِ سائِرِ الحُقُوقِ الواجِبَةِ وقُيِّدَ بِالأكْثَرِ لِأنَّهُ عَلى الكَثِيرِ مِمّا ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِهِ المَدْخَلِيَّةُ ظاهِرَةٌ وقِيلَ: إنَّهُ سَلَكَ في وصْفِ الكَفَرَةِ وذَمِّهِمْ وذِكْرِ ما لَهم مِن مَآلِهِمْ ما لَمْ يَسَلُكْ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ ومَدْحِهِمْ وشَرْحِ ما أُعِدَّ لَهم وما يَنْتَهِي إلَيْهِ أمْرُهم فَأتى في أحَدِهِما بَمَوْصُولاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ وصِلاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ ولَمْ يُؤْتَ بِنَحْوِ ذَلِكَ في الآخَرِ تَنْبِيهًا عَلى مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ قَوْلًا وفِعْلًا وعَدَمِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ أضْدادِهِمْ فَإنَّهم أنْجاسٌ يُتَمَضْمَضُ مِن ذِكْرِهِمْ هَذا مَعَ الجَزْمِ بِأنَّ مُقْتَضى الحالِ هو هَذا وقِيلَ: إنَّ المَسْلَكَيْنِ مِن آثارِ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ فَتَأمَّلْ وتَكْرِيرُ ( لَهم ) لِلتَّأْكِيدِ والإيذانِ بِاخْتِلافِهِما واسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما في الثُّبُوتِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ يعني: يعلم أن القرآن الذي أنزل من الله تعالى هو الحق كَمَنْ هُوَ أَعْمى يعني: كمن هو لا يعلم.
ويقال: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أن ما ذكر من المثل حق كمن لا يعلم.
وهذا كقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة: 26] يعني: المثل.
ويقال: أَفَمَنْ يَعْلَمُ يقول: أفمن يرغب في الحق أي يعلم، أن ما أنزل إليك من ربك هو الحق كَمَنْ هُوَ أَعْمى يعني: كمن لا يرغب فيه ثم قال: إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ يعني: يتعظ بما أنزل إليك من القرآن ذوو العقول من الناس، وهم المؤمنون.
ثم وصفهم فقال تعالى: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ يعني: العهد الذي بينهم وبين الله تعالى، والعهد الذي بينهم وبين الناس وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ يعني: الميثاق الذي أخذ عليهم يوم الميثاق.
ويقال: يعني: الميثاق الذي أخذ على أهل الكتاب في كتابهم.
قوله: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ يعني: يصلون الأرحام ولا يقطعونها، وقال: يعني: الإيمان بجميع الأنبياء وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ يعني: يمتنعون عما نهاهم الله تعالى عنه، والخشية من الله: الامتناع عن المحرمات والمعاصي وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ يعني: شدّة الحساب.
قوله: وَالَّذِينَ صَبَرُوا يعني: صبروا عن المعاصي، وصبروا عن أداء الفرائض، وصبروا على المصائب والشدائد، وصبروا على أذى الكفار والمنافقين ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ يعني: صبروا على ما ذكر ابتغاء مرضاة الله تعالى وَأَقامُوا الصَّلاةَ يعني: أتموها بركوعها وسجودها في مواقيتها وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ يعني: من الأموال سِرًّا وَعَلانِيَةً يعني: يتصدقون في الأحوال كلها، ظاهراً وباطناً.
ويقال: مرة يتصدقون سراً مخافة الرياء، ومرة يتصدقون علانية لكي يقتدى بهم.
ويقال: يتصدقون صدقة التطوع في السر، ويتصدّقون صدقة الفريضة في العلانية وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ يقول: يدفعون بالكلام الحسن السيئة.
يعني: الكلام القبيح، فهذا كله صفة ذوي الألباب، وهم الذين استجابوا لربهم.
ثم بيّن ثوابهم ومرجعهم في الآخرة فقال: أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ يعني: هؤلاء لهم الجنة، وهم المهاجرون والأنصار، ومن كان في مثل حالهم إلى يوم القيامة.
ثم قال تعالى: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ يعني: ومن آمن وأطاع الله تعالى مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ يدخلون أيضاً جنات عدن وهذا كقوله: أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور: 21] وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ويسلمون عليهم، ويقولون لهم: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ على أمر الله تعالى وطاعته فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ يعني: نعم العاقبة الجنة.
فقد بيّن حال الذين استجابوا لربهم، والذين يعلمون أن الذى أُنزِلَ إليك هو الحق.
ثم بيّن حال الذين لم يستجيبوا له، وهم الذين ينقضون الميثاق، فقال تعالى: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ يعني: من بعد تأكيده وتغليظه، يعني: بعد إقرارهم بالتوحيد يوم الميثاق وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ يعني: الأرحام.
ويقال: الإيمان بالنبيّين وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالدعاء إلى عِبادة غير الله تعالى أي عبادة الأوثان م أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللعنة يعني: يلعنهم في الدنيا والآخرة وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ يعني: سوء المرجع.
ويقال: لَهُمُ اللَّعْنَةُ.
يعني: هم مطرودون من رحمة الله تعالى في الدنيا والآخرة، وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ يعني: عذاب النار في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
عن واوٍ، وقيل: أصل.
انتهى.
وقوله: مَا يَنْفَعُ النَّاسَ: يريد الخالِصَ من الماء ومِنْ تلك الأحجار.
وقوله سبحانه: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى: ابتداء كلام، والْحُسْنى:
الجنة.
وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا: هم الكفرة، وسُوءُ الْحِسابِ: هو التقصِّي على المحاسَب، وأَلاَّ يقع في حسابِهِ من التجاوُزِ شَيْءٌ قاله شَهْرُ بن حوشب والنّخعيّ وفرقد السبخيّ وغيرهم «١» .
أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣)
وقوله سبحانه: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى ...
المعنى: أسواءٌ مَنْ هداه اللَّه، فَعَلِمَ صدْقَ نبوَّتك، وآمن بك كمن هو أعمَى البصيرةِ باقٍ على كُفْره روي أنَّ هذه الآية نزلَتْ في حمزةَ بْنِ عَبْدِ المطَّلب، وأَبِي جَهْل، وهي بَعْدَ هذا مثَالٌ في جميع العالم، إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ: «إِنما» في هذه الآية: حاصرة، أي: إِنما يتذكَّر، فيؤمن ويراقب اللَّه مَنْ له لُبٌّ، ثم أخذ في وصفهم، فقال: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ...
الآية: قال الثعلبيُّ: قال عبد اللَّهِ بنُ المبارَكِ: هذه ثمانِ خِلاَلٍ مسيِّرةٌ إِلى ثمانيةِ أبوابِ الجنةِ «٢» ، وقال أبو بَكْرٍ الوَرَّاقُ: هذه ثمانِ جُسُورٍ، فمن أراد القربة مِنَ اللَّه عَبَرَهَا.
انتهى.
وباقي الآية ألفاظها واضحَة، وأنوارها لِذَوِي البصائر لائحة.
وَيَدْرَؤُنَ: يدفعون.
قال الغَزَالِيُّ: لما ذَكَرَ هذه الآيةَ: والذي آثر غُرُورَ الدنيا على نعيمِ الآخرةِ، فليس من
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ (البَقَرَةِ:٢٧) .
وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في كُفّارِ أهْلِ الكِتابِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ﴾ أيْ: عَلَيْهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِمْ وأقامُوا الصَلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ويَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدارِ ﴾ ﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ ﴾ ﴿ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدارِ ﴾ الصَبْرُ لِوَجْهِ اللهِ يَدْخُلُ في الرَزايا والأسْقامِ والعِباداتِ، وعَنِ الشَهَواتِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
وَ"ابْتِغاءَ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أو عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، و"الوَجْهُ" في هَذِهِ الآيَةِ ظاهِرُهُ الجِهَةُ الَّتِي تُقْصَدُ عِنْدَهُ تَعالى بِالحَسَناتِ لِتَقَعَ عَلَيْها المَثُوبَةُ، وهَذا كَما تَقُولُ: خَرَجَ الجَيْشُ لِوَجْهِ كَذا، وهَذا أظْهَرُ ما فِيهِ، مَعَ احْتِمالِ غَيْرِهِ، و"إقامَةُ الصَلاةِ" هي الإتْيانُ بِها عَلى كَمالِها، والصَلاةُ هُنا هي المَفْرُوضَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأنْفَقُوا" يُرِيدُ بِهِ مُواساةَ المُحْتاجِ، و"السِرُّ" هو فِيما أُنْفِقَ تَطَوُّعًا، و العَلانِيَةُ فِيما أُنْفِقَ مِنَ الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ، لِأنَّ التَطَوُّعَ كُلَّهُ الأفْضَلُ فِيهِ التَكَتُّمُ.
وقَوْلُهُ ﴿ وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَيِّئَةَ ﴾ أيْ: ويَدْفَعُونَ مَن رَأوا مِنهُ مَكْرُوهًا بِالَّتِي هي أحْسَنُ، وقِيلَ: يَدْفَعُونَ بِقَوْلِ "لا إلَهَ إلّا اللهُ" شِرْكَهُمْ، وقِيلَ: يَدْفَعُونَ بِالسَلامِ غَوائِلَ الناسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِالجُمْلَةِ لا يُكافِئُونَ الشَرَّ بِالشَرِّ، وهَذا بِخِلافِ خُلُقِ الجاهِلِيَّةِ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الأنْصارِ ثُمَّ هي عامَّةٌ -بَعْدَ ذَلِكَ- في كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِفاتِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ عُقْبى الدارِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عُقْبى دارِ الدُنْيا، ثُمَّ فَسَّرَ "العُقْبى" بِقَوْلِهِ: ﴿ جَنّاتُ عَدْنٍ ﴾ إذِ العُقْبى تَعُمُّ حالَةَ الخَيْرِ وحالَةَ الشَرِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: عُقْبى دارِ الآخِرَةِ لِدارِ الدُنْيا، أيِ: العُقْبى الجَنَّةُ في الدارِ الآخِرَةِ هي لَهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "جَنّاتُ عَدْنٍ"، وقَرَأ النَخَعِيُّ: "جَنَّةُ عَدْنٍ يُدْخَلُونَها" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ، و"جَنّاتُ" بَدَلٌ مِن "عُقْبى" وتَفْسِيرٌ لَها.
و"عَدْنٍ" هي مَدِينَةُ الجَنَّةِ ووَسَطُها، ومِنها "جَنّاتُ الإقامَةِ"، مِن "عَدَنَ في المَكانِ" إذا أقامَ فِيهِ طَوِيلًا، ومِنهُ المَعادِنُ، وجَنّاتُ عَدْنٍ يُقالُ: هي سَكَنُ الأنْبِياءِ والشُهَداءِ والعُلَماءِ فَقَطْ، قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ، ويُرْوى أنَّ لَها خَمْسَةَ آلافِ بابٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَمَن صَلَحَ ﴾ أيْ: مَن عَمِلَ صالَحًا وآمَنَ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، ويُحْتَمَلُ: أيْ مَن صَلَحَ لِذَلِكَ بِقَدَرِ اللهِ تَعالى وسابِقِ عِلْمِهِ، وحَكى الطَبَرِيُّ في صِفَةِ دُخُولِ المَلائِكَةِ أحادِيثَ لَمْ نُطَوِّلْ بِها لِضَعْفِ أسانِيدِها، والمَعْنى: يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ، فَحَذَفَ "يَقُولُونَ" تَخْفِيفًا وإيجازًا لِدَلالَةِ ظاهِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ، والمَعْنى: هَذا بِما صَبَرْتُمْ، والمَعْنى في ﴿ عُقْبى الدارِ ﴾ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ المَعْنَيَيْنِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَنِعْمَ" بِكَسْرِ النُونِ وسُكُونِ العَيْنِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ بِفَتْحِ النُونِ وكَسْرِ العَيْنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ﴿ عُقْبى الدارِ ﴾ أيْ: أنْ أُعْقِبُوا الجَنَّةَ مِن جَهَنَّمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ مَبْنِيٌّ عَلى حَدِيثٍ ورَدَ وهُوَ: « "أنَّ كُلَّ رَجُلٍ في الجَنَّةِ فَقَدْ كانَ لَهُ مَقْعَدٌ مَعْرُوفٌ في النارِ فَصَرَفَهُ اللهُ عنهُ إلى النَعِيمِ، فَيُعْرَضُ عَلَيْهِ، ويُقالُ لَهُ: هَذا مَكانُ مَقْعَدِكَ فَبَدَّلَكَ اللهُ مِنهُ الجَنَّةَ بِإيمانِكَ وطاعَتِكَ وصَبْرِكَ"».
<div class="verse-tafsir"
هذا شرح حال أضداد الذين يوفون بعهد الله، وهو ينظر إلى شرح مجمل قوله: ﴿ كمن هو أعمى ﴾ [سورة الرعد: 19].
والجملة معطوفة على جملة ﴿ الذين يوفون ﴾ [الرعد: 20].
ونقض العهد: إبطاله وعدم الوفاء به.
وزيادة من بعد ميثاقه} زيادة في تشنيع النقض، أي من بعد توثيق العهد وتأكيده.
وتقدم نظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وما يضلّ به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض ﴾ في أوائل سورة البقرة: 26 27).
وجملة أولئك لهم اللعنة } خبر عن ﴿ والذين ينقضون ﴾ وهي مقابل جملة ﴿ أولئك لهم عقبى الدار ﴾ .
والبعد عن الرحمة والخزيُ وإضافة سوء الدار كإضافة عقبى الدار.
والسوء ضد العقبى كما تقدم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ يَصِلُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الرَّحِمُ الَّتِي أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِوَصْلِها.
﴿ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ في قَطْعِها ﴿ وَيَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ ﴾ في المُعاقَبَةِ عَلَيْها، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: صِلَةُ مُحَمَّدٍ ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: الإيمانُ بِالنَّبِيِّينَ والكُتُبِ كُلِّها، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنْ يَصِلُوا الإيمانَ بِالعَمَلِ.
﴿ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ فِيما أمَرَهم بِوَصْلِهِ.
﴿ وَيَخافُونَ سُوءَ الحِسابِ ﴾ في تَرْكِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَدْفَعُونَ المُنْكَرَ بِالمَعْرُوفِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: يَدْفَعُونَ الشَّرَّ بِالخَيْرِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: يَدْفَعُونَ الفُحْشَ بِالسَّلامِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: يَدْفَعُونَ الظُّلْمَ بِالعَفْوِ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.
الخامِسُ: يَدْفَعُونَ سَفَهَ الجاهِلِ بِالحِلْمِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
السّادِسُ: يَدْفَعُونَ الذَّنْبَ بِالتَّوْبَةِ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
السّابِعُ: يَدْفَعُونَ المَعْصِيَةَ بِالطّاعَةِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ بِما صَبَرْتُمْ عَلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: بِما صَبَرْتُمْ عَلى الفَقْرِ في الدُّنْيا، قالَهُ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ.
الثّالِثُ: بِما صَبَرْتُمْ عَلى الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وهو مَأْثُورٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
الرّابِعُ: بِما صَبَرْتُمْ عَنْ فُضُولِ الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ، وهو مَعْنى قَوْلِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ.
السّادِسُ: بِما صَبَرْتُمْ عَمّا تُحِبُّونَهُ حِينَ فَقَدْتُمُوهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ سابِعًا: بِما صَبَرْتُمْ عَلى عَدَمِ اتِّباعِ الشَّهَواتِ.
﴿ فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَنِعْمَ عُقْبى الجَنَّةِ عَنِ الدُّنْيا، قالَهُ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ.
الثّانِي: فَنِعْمَ عُقْبى الجَنَّةِ مِنَ النّارِ، وهو مَأْثُورٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ والذين صبروا ﴾ يعني على أمر الله ﴿ ابتغاء وجه ربهم ﴾ يعني ابتغاء رضا ربهم ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ يعني وأتموها ﴿ وأنفقوا مما رزقناهم ﴾ يعني من الأموال ﴿ سراً وعلانية ﴾ يعني في حق الله وطاعته ﴿ ويدرؤون ﴾ يعني يدفعون ﴿ بالحسنة السيئة ﴾ يعني يردون معروفاً على من يسيء إليه ﴿ أولئك لهم عقبى الدار ﴾ يعني دار الجنة.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الضحاك- رضي الله عنه ﴿ ويدرؤون بالحسنة السيئة ﴾ قال: يدفعون بالحسنة السيئة.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويدرؤون بالحسنة السيئة ﴾ قال: يدفعون الشر بالخير، لا يكافئون الشر بالشر، ولكن يدفعونه بالخير.
أما قوله تعالى: ﴿ جنات عدن ﴾ أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة قصراً يقال له عدن، حوله البروج والمروج له خمسة آلاف باب، عند كل باب خمسة آلاف حيرة، لا يدخله أو لا يسكنه إلا نبي أو صديق أو شهيد أو امام عادل» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه قال: قرأ عمر رضي الله عنه على المنبر ﴿ جنات عدن ﴾ فقال: أيها الناس، هل تدرون ما جنات عدن؟
قصر في الجنة له عشرة آلاف باب، على كل باب خمسة وعشرون ألفاً من الحور العين، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد.
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ، عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ جنات عدن ﴾ قال: بطنان الجنة، يعني وسطها.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه قال: ﴿ جنات عدن ﴾ وما يدريك ما جنات عدن؟..
قال: قصر من ذهب، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ جنات عدن ﴾ قال: مدينة وسط الجنة، فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد، والجنات حولها.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه أن عمر قال لكعب: ما عدن؟
قال: هو قصر في الجنة، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل.
وأخرج ابن مردويه، عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جنة عدن قضيب غرسه الله بيده، ثم قال له: كن فكان» .
أما قوله تعالى: ﴿ يدخلونها ومن صلح من آبائهم ﴾ الآية.
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: يدخل الرجل الجنة فيقول: أين أمي، أين ولدي، أين زوجتي،؟؟...
فيقال: لم يعملوا مثل عملك.
فيقول: كنت أعمل لي ولهم، ثم قرأ ﴿ جنات عدن يدخلونها ومن صلح ﴾ يعني من آمن بالتوحيد بعد هؤلاء ﴿ من آباءهم وأزواجهم وذرياتهم ﴾ يدخلون معهم ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ﴾ قال: يدخلون عليهم على مقدار كل يوم من أيام الدنيا ثلاث مرات، معهم التحف من الله ما ليس لهم في جنات عدن، ويقولون لهم: ﴿ سلام عليكم بما صبرتم ﴾ يعني على أمر الله تعالى ﴿ فنعم عقبى الدار ﴾ يعني دار الجنة.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ومن صلح من آبائهم ﴾ قال: من آمن في الدنيا.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مجلز رضي الله عنه في الآية قال: علم الله تعالى أن المؤمن يحب أن يجمع الله تعالى له أهله وشمله في الدنيا، فأحب أن يجمعهم له في الآخرة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ جنات عدن يدخلونها ومن صلح...
﴾ حتى ختم الآية قال: إنه لفي خيمة من درة مجوفة، ليس فيها صدع ولا وصل، طولها في الهواء ستون ميلاً، في كل زاوية منها أهل ومال.
لها أربعة آلاف مصراع من ذهب، يقوم على كل باب منها سبعون ألفاً من الملائكة، مع كل ملك هدية من الرحمن ليس مع صاحبه مثلها، لا يصلون إليه إلا بإذن بينه وبينهم حجاب.
وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: أخس أهل الجنة منزلاً يوم القيامة له قصر من درة جوفاء، فيها سبعة آلاف غرفة، لكل غرفة سبعون ألف باب، يدخل عليه من كل باب سبعون ألفاً من الملائكة بالتحية والسلام.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن أبي عمران الجوني رضي الله عنه- في قوله: ﴿ سلام عليكم بما صبرتم ﴾ قال: على دينكم ﴿ فنعم عقبى الدار ﴾ قال: فنعم ما أعقبكم الله تعالى من الدنيا الجنة.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ سلام عليكم بما صبرتم ﴾ قال: صبروا على فضول الدنيا.
وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن نصر الحارثي رضي الله عنه ﴿ سلام عليكم بما صبرتم ﴾ قال: على الفقر في الدنيا.
وأخرج أحمد والبزار وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حيان وأبو الشيخ والحاكم وصححه، وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في شعب الإِيمان، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول من يدخل الجنة من خلق الله تعالى، فقراء المهاجرين الذين تسد بهم الثغور وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله تعالى لمن يشاء من الملائكة: ائتوهم فحيوهم.
فتقول الملائكة: ربنا نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم؟!...
قال الله تعالى: إن هؤلاء عبادي كانوا يعبدونني في الدنيا ولا يشركون بي شيئاً، وتسد بهم الثغور وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب ﴿ سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ﴾ » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: إن المؤمن ليكون متكئاً على أريكته إذا دخل الجنة، وعنده سماطان من خدم، وعند طرف السماطين باب مبوّب، فيقبل الملك فيستأذن، فيقول أقصى الخدم للذي يليه: ملك يستأذن، ويقول الذي يليه للذي يليه: ملك يستأذن، حتى يبلغ المؤمن فيقول: ائذنوا له.
فيقول أقربهم إلى المؤمن: ائذنوا.
ويقول الذي يليه للذي يليه: ائذنوا، حتى تبلغ أقصاهم الذي عند الباب فيفتح له، فيدخل فيسلم عليه ثم ينصرف.
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه، عن أنس- رضي الله عنه-: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأتي أحداً كل عام، فإذا تفوّه الشعب، سلم على قبور الشهداء، فقال: ﴿ سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ﴾ » .
وأخرج ابن جرير عن محمد بن إبراهيم رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول ﴿ سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ﴾ وأبو بكر وعمر وعثمان» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ﴾ الآية مفسرة في سورة البقرة بتمامها (١) (١) عند قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ والذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله ﴾ إلى آخر الآية أوصاف مضافة كما تقدم وقيل: إنها في الخوارج، والأظهر أنها في الكفار ﴿ سواء الدار ﴾ يحتمل أن يراد بها الدنيا والآخرة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وزرع ونخيل صنوان وغير ﴾ بالرفع فيهن: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحفص والمفضل.
الآخرون بالجر فيهن عطفاً على ﴿ أعناب ﴾ .
﴿ يسقي ﴾ بالياء المثناة من تحت على تقدير يسقى كله أو للتغليب: ابن عامر وعاصم ويزيد ورويس.
الباقون بتاء التأنيث لقوله: ﴿ جنات ﴾ ﴿ ويفضل ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي وخلف.
الباقون بالنون على ونحن نفضل ﴿ أئذا ﴾ بهمزتين ﴿ إنا ﴾ بهمزة واحدة على أيذا بقلب الثانية ياء والباقي كما مر: نافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد ﴿ آئذا إنا ﴾ بالمد والباقي مثله: زيد وقالون إذا بهمزة واحدة أئنا بهمزتين: ابن عامر.
هشام يدخل بينهما مدة إذا بهمزة واحدة ﴿ آينا ﴾ بهمزة ممدودة ثم ياء: يزيد ﴿ أيذا أينا ﴾ بهمزة ثم ياء فيهما: ابن كثير مثله ولكن بالمد أو عمرو ﴿ أئذا آئنا ﴾ بهمزتين فيهما: عاصم وحمزة وخلف ﴿ هادي ﴾ ﴿ وافى ﴾ ﴿ وإلى ﴾ ﴿ باقي ﴾ في الوقف: يعقوب وابن كثير غير ابن فليح وزمعة، وروى ابن شنبوذ عن قنبل بالياء في الوقف وعن البزي بغير ياء ﴿ المتعالي ﴾ في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق سهل وعباس في الوصل.
الوقوف: ﴿ المر ﴾ كوفي ﴿ آيات الكتاب ﴾ ط ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ وأنهارا ﴾ ط ﴿ النهار ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ بماء واحد ﴾ ز قف لمن قرأ ﴿ ونفضل ﴾ بالنون ﴿ في الأكل ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ط ﴿ بربهم ﴾ ط ﴿ في أعناقهم ﴾ ج ﴿ النار ﴾ ج ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ المثلات ﴾ ط ﴿ على ظلمهم ﴾ ج لتنافي الجملتين ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ط ﴿ هاد ﴾ ه ﴿ وما تزداد ﴾ ط ﴿ بمقدار ﴾ ه ﴿ المتعال ﴾ ه ﴿ بالنهار ﴾ ه ﴿ من أمر الله ﴾ ط ﴿ ما بأنفسهم ﴾ ط ﴿ فلا مرد له ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ وال ﴾ ه.
التفسير: ﴿ تلك ﴾ الآيات التي في هذه السورة آيات السورة العجيبة الكاملة في بابها ﴿ والذي أنزل إليك من ربك ﴾ أي القرآن كله هو ﴿ الحق ﴾ الذي لا محيد عنه والمراد أنه لا تنحصر الحقية في هذه السورة وحدها.
ثم أخذ في تفصيل الحق فبدأ بالدلالة على صحة المبدأ والمعاد فقال: ﴿ الله ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ الذي ﴾ أو الموصول صفة المبتدأ، وقوله: ﴿ يدبر الأمر يفصل الآيات ﴾ خبر بعد خبر.
والعمد بفتحتين جمع عمود وهو ما يعمد به الشيء شبه الأسطوانة.
وقوله: ﴿ ترونها ﴾ كلام مستأنف على سبيل الاستشهاد أي وأنتم ترونها مرفوعة بلا عماد.
وقال الحسن: في الآية تقديم وتأخير تقديره رفع السموات ترونها مرفوعة بغير عمد وفيه تكلف.
وقيل: ترونها صفة للعمد.
ثم زعم من تمسك بالمفهوم أن للسموات عمدا لكنا لا نراها وما تلك العمد؟
قال بعض الظاهريين: هي جبل من زبرجد محيط بالدنيا يمسى جبل قاف.
ولا يخفى سقوط هذا القول لأن كل جسم لو كان يلزم أن يكون معتمداً على شيء فذلك الجبل أيضاً كان متعمداً على شيء فذلك الجبل أيضا كان معتمداً على شيء وتسلسل.
وقال بعض من ترقى في حضيض الصورة إلى ذروة عالم المعقول: إن تلك العمد هي قدرة الله وحفظه الذي أوقفها في الجوّ العالي.
ونحن لا نرى ذلك التدبير ولا نعرف كيفية ذلك الإمساك.
أما قوله: ﴿ كل يجري لأجل مسمى ﴾ فعن ابن عباس أن للشمس مائة وثمانين منزلاً في مائة وثمانين يوماً، إنها تعود مرة أخرى إلى واحد واحد منها في أمثال تلك الأيام ومجموع تلك الأيام سنة تامة.
أقول: إن صح عنه فلعله أراد تصاعدها في دائرة نصف النهار وتنازلها عنها في أيام السنة، وأراد نزولها في فلكها الخارج المركز من الأوج إلى الحضيض، ثم صعودها من الحضيض إلى الأوج فإن لها بحسب كل جزء من تلك الأجزاء في كل يوم من أيام السنة تعديلاً خاصاً زائداً أو ناقصاً كما برهن عليه أهل النجوم.
وأما القمر فسيره في منازله مشهور.
وقال سائر المفسرين: المراد كونهما متحركين إلى يوم القيامة وبعد ذلك تنقطع الحركات وتنتهي المسيرات كقوله: { ﴿ وأجل مسمى عنده ﴾ واللام للتاريخ كما تقول: كتبت لثلاث خلون.
وإنما قال في سورة لقمان ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ موافقة لقبيل ذلك ومن يسلم وجهه إلى الله والقياس لله كما في قوله: ﴿ أسلمت وجهي لله ﴾ ﴿ يدبر الأمر ﴾ إجمال بعد التفصيل أي أمر العالم العلوي والعالم السفلي من أعلى العرش إلى ما تحت الثرى بحيث لا يشغله شأن عن شأن، لأن تدبيره لعالم الأرواح كتدبيره لعالم الأشباح، وتدبيره للكبير كتدبيره للصغير لا يختلف بالنسبة إلى قدرته أحوال شيء من ذلك في الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة وتبديل الصور والأعراض وتغيير الأشكال والأوضاع ﴿ يفصل الآيات ﴾ الدالة على وحدانيته وقدرته، ويحتمل أن يراد بتدبير الأمر تدبير عالم الملكوت، ويكون معنى تفصيل الآيات إنزال الكتب وبعث الرسل وتكليف العباد الذي هو أثر ذلك العالم في العالم السفلي.
ويجوز أن يكون تدبير الأمر إشارة إلى القضاء، وتفصيل الآيات إشارة إلى القدر.
وقوله: ﴿ لعلكم بلقاء ربكم توقنون ﴾ على كل التفاسير إشارة إلى إثبات المعاد لأن المقر بتبيره وتقديره على الأنهاج المذكور لا بد أن يعترف باقتداره على الإعادة والجزاء.
ولما ذكر الدلائل السماوية أتبعها الدلائل الأرضية فقال: ﴿ وهو الذي مد الأرض ﴾ قال الأصم: أي بسطها إلى ما لا يدرك منتهاه، وهذا الامتداد الظاهر لحس البصر لا ينافي كريتها لتباعد أطرافها ﴿ وجعل فيها رواسي ﴾ أي جبالاً ثوابت في أحيازها غير منتقلة عن أماكنها.
وكيفية تكوّن الجبال على بسيط الأرض لا يعلم تفصيلها إلا موجدها.
وزعمت الفلاسفة أنها من تأثير المسوات في الأجزاء الأرضية القابلة لذلك الأثر بعد امتزاجها بالأجزاء المائية وغيرها، وقد يعين على ذلك نزول الأمطال وهبوب الرياح وهذا إن صح فعلم إجمالي.
وزعم بعضهم أن البحار كانت في جانب الشمال مدة كون حضيض الشمس هناك، وحين انتقل الحضيض إلى الجنوب انجذبت المياه إلى ذلك الجانب لأن الشمس تصير في الحضيض أقرب إلى الأرض فتوجب شدة السخونة الجاذبة للرطوبات فصار الطين اللزج حجراً وحدثت الجبال والأغوار بحسب المواضع المرتفعة والمنخفضة وبإعانة من السموات والآثار العلوية.
وبالجملة فالأسباب تنتهي لا محالة إلى مسبب لا سبب له وهو الله .
ومن الدلائل الدالة على وجود الصانع ووحدانيته جريان الأنهار العظيمة على وجه الأرض الكائنة فيها من احتباس الأبخرة، وأكثر ذلك أنما يتكّون في الجبال فلذا قرن الجبال بالأنهار في القرآن كثيراً كقوله: ﴿ وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتاً ﴾ وقد يحصل فيها معادن الفلزات ومواضع الجواهر ومكامن الأجسام المائعة من النفظ والقير والكبريت وغيرها، وكل ذلك دليل على وجود فاعل مختار ومدبر قهار.
ثم يحدث على الأرض بتربية المياه وتغذيتها أنواع النبات فللك قال: ﴿ ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ﴾ وللمفسرين فيه قولان: الأول أنه حين مد الأرض خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوّعت فيكون كل زوجين بالنسبة إلى ذلك النوع كآدم وحواء بالإضافة إلى الإنسان.
القول الثاني: إنه أراد بالزوجين الأسود والأبيض والحلو والحامض والصغير والكبير وما أشبه ذلك من الاختلاف الصنفي.
ووصف الزوجين بالاثنين للتأكيد مثل نفخة واحدة.
أما قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ فقد مر تفسيره في "الأعراف" وإنما ذكر هذا الإنعام في أثناء الدلائل الأرضية لأن النور والظلمة إنما يحدثان في الجوّ الذي يسميه الحكماء كرة النسيم وكرة البحار وليس فيما وراء ذلك ضياء ولا ظلام.
فتعاقب الليل والنهار من جملة الأحداث السفلية وإن كان سببها طلوع الشمس وغروبها في الأفق.
ويحتمل أن يقال: إن هذا دليل سماوي وإنه عاد مرة أخرى إلى الدليل السماوي ثم إلى الدليل الأرضي وذلك قوله: ﴿ وفي الأرض قطع متجاورات ﴾ أي بقاع مختلفة مع كونها متجاورة ومتلاصقة طيبة إلى سبخة، وصلبة إلى رخوة، وصالحة للزرع لا للشجر إلى أخرى على خلافها، وفي هذا دلالة ظاهرة على أنها بجعل فاعل مختار موقع لأفعاله على حسب إرادته، وكذا الكروم والزروع والنخيل الكائنة في هذه القطع مختلفة الطباع متخالفة الثمار في اللون والطعم والشكل وهي تسقى بماء واحد، فدل ذلك على أن هذه الاختلافات لا تستند إلى الطبيعة فقط ولكنها بتقدير العزيز العليم.
وإنما ذكر الزرع بين الأعناب والنخيل لأنها كثيراً ما تكون كذلك في الوجود كقوله ﴿ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً ﴾ والصنوان جمع صنو وهي النخلة لها رأسان وأصلهما واحد.
وعن ابن الأعرابي: الصنو المثل ومنه قوله "عم الرجل صنو أبيه" .
فمعنى الآية على هذا أن أشجار النخيل قد تكون متماثلة وقد لا تكون، والأكل الثمر الذي يؤكل.
قاله الزجاج.
وعن غيره أنه عام في جميع المطعومات.
وإنما ختم الآية السابقة بقوله: ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ وهذه بقوله: ﴿ لقوم يعقلون ﴾ لأن المقام الأوّل يحتاج إلى التفكر لأن الفلاسفة يسندون الحوادث السفلية إلى الآباء الأثيرية والأمهات العنصرية، لكن العاقل إذا تفكر في اختصاص كل ممتزج بحيز معين وشكل معين وطبيعة وخاصية مخالفتين لغيره علم أن كل هذه الاختلافات لا تستند إلى أشعة كواكب معدودة ولا إلى طبائع عناصر محصورة كما أشير إلى ذلك بقوله: ﴿ وفي الأرض قطع ﴾ الآية.
ولئن سلم أن الاتصالات الفلكية واختلافات الفواعل والقوابل قد ترتقي إلى حد يظهر منها هذه الآثار فلا بد لكل سبب من الانتهاء إلى مسبب لا سبب فوقه وليس ذلك إلا الله وحده، فهذا مقام لا يجحده إلا عادم عقل بل فاقد حس.
والحاصل أن التفكر في الآيات يوجب عقلية ما جعلت الآيات دليلاً عليه فهو الأوّل المؤدي إلى الثاني والله ولي التوفيق.
ثم عاد إلى ذكر المعاد فقال: ﴿ وإن تعجب ﴾ قال ابن عباس: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم إياك بعدما كانوا حكموا أنك من الصادقين، فهذا أعجب.
أو إن تعجب من عبادتهم الأصنام بعد الدلائل الدالة على التوحيد، أو إن تعجب يا محمد فقد عجبت في موضع العجب لأنهم اعترفوا بأنه رفع السموات بغير عمد وسخر الشمس والقمر على وفق مصالح العباد وأظهر الغرائب والعجائب في عالم الخلق، ثم أنكروا الإعادة التي هي أهون وأسهل.
قال المتكلمون: موضع العجب هو الذي لا يعرف سببه وذلك في حقه محال، فالمراد وإن تعجب ﴿ فعجب ﴾ عندك ﴿ قولهم ﴾ وإن سلم أن المراد عجب عند الله كما قرىء في الصافات ﴿ بل عجبت ﴾ بضم التاء فتأويله أنه محمول على النهاية لا على البداية أي منكر عند الله ما قالوه فإن الإنسان إذا تعجب من شيء أنكره.
قال في الكشاف ﴿ أئذا كنا ﴾ إلى آخر قولهم، يجوز أن يكون في محل الرفع بدلاً من قولهم، وأن يكون منصوباً بالقول.
وإذا نصب بما دل عليه قوله: ﴿ أئنا لفي خلق جديد ﴾ وهو نبعث أو نحشر.
ثم حكم عليهم بأمور ثلاثة: الأول ﴿ أولئك الذي كفروا بربهم ﴾ يعني أولئك الكاملون المتمادون في كفرهم وذلك أن إنكار البعث لا يكون إلا عن إنكار القدرة أو عن إنكار كمالها بأن يقال: إنه موجب بالذات لا فاعل بالاختيار فلا يمكنه إيجاد الحيوان إلا بواسطة الأبوين وتأثير الطبائع والأفلاك او إنكار العلم بأن يقال: إنه غير عالم بالجزيئات فلا يمكنه تمييز المطيع عن العاصي، أو تمييز أجزاء بدن زيد عن أجزاء بدن عمرو، أو إنكار الصدق كما إذا قيل: إنه أخبر عنه ولكنه لا يفعل لأن الكذب جائز عليه كما لا يكذب أحدنا بناء على مصلحة عامة أو خاصة وكل واحدة من هذه العقائد كفر فضلاً عن جميعها.
والثاني: ﴿ وأولئك الأغلال في أعناقهم ﴾ قال الأصم: المراد بذلك كفرهم.
وذلتهم وانقيادهم للأصنام.
يقال للرجل هذا غل في عنقك للعمل الرديء إذا كان لازماً له وهو مصر على فعله.
وقال آخرون: هو من جملة الوعيد.
ولا بد من تجوّز على القولين: أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأن المراد أنه سيحصل هذا المعنى.
والظاهر أنه حاصل في الحال ويؤيد القول الثاني قوله: ﴿ إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل ﴾ والأول قوله: ﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً ﴾ والثالث: ﴿ وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ وربما يستدل الأشاعرة به أن الصيغة للحصر فيدل على أن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، ويمكن أن يناقش في إفادتها الحصر.
ثم إنه كان يهددهم تارة بعذاب الآخرة وكانوا ينكرون البعث لذلك كما تقدم، ويخوفهم تارة أخرى بعذاب الدنيا فيستعجلونه به زعماً منهم أنه كلام لا أصل له وإلى هذا أشير بقوله: ﴿ ويستعجلونك بالسيئة ﴾ بالعذاب والعقوبة التي تسوءهم.
﴿ قيل ﴾ تمام ﴿ الحسنة ﴾ وهي العافية والإحسان إليهم بالإهمال والتأخير ﴿ وقد خلت من قبلهم المثلات ﴾ أي عقوبات أمثالهم من المكذبين فما لهم لا يعتبرون بها؟
وأصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه لأن العقاب مماثل للمعاقب عليه ومنه "المثلة" بالضم والسكون لتقبيح الصورة بقطع الأنف والأذن وسمل العين ونحو ذلك، وذلك أنه ليس تغييراً كلياً لا يماثل الصورة الأولى وإنما ذلك تغيير تبقى الصورة معه قبيحة.
﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ﴾ قالت الأشاعرة: فيه دلالة على جواز العفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبة لأن قوله: ﴿ على ظلمهم ﴾ حال منهم، ومن المعلوم أن الإنسان حال اشتغاله بالظلم لا يكون تائباً لكن الآية دلت على أنه يغفر الذنوب قبل الاشتغال بالتوبة ترك العمل بها في حق الكافر فيبقى معمولاً بها في حق أهل الكبائر.
لا يقال: إن المراد من هذه المغفرة تأخير العقاب إلى الآخرة ليقع جواباً عن استعجالهم.
أو ألمراد غفران الصغائر لمجتنب الكبائر، أو غفران الكبائر بشرط التوبة فإن تاب وإلا فهو شديد العقاب لأنا نقول: تأخير العقاب إلى الآخرة لا يسمى مغفرة وإلا كان غافراً للكفار.
وأيضاً إنه مدح نفسه بهذا والتمدح إنما يحصل بالتفضل لا بأداء الواجب.
وعندكم يجب غفران الصغائر لمن اجتنب الكبائر..
وجواب الباقي ما مر عن النبي : "لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحداً العيش ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد" قال أهل النظم: إن الكفار طعنوا في نبوته بسبب الطعن في الحشر والنشور، ثم طعنوا في نبوّته بسبب استبطاء نزول العذاب، ثم طعنوا في نبوّته بسبب عدم الاعتداد بمعجزاته وذلك قوله: ﴿ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد تقدم مثل هذا في "الأنعام" في تفسير قوله: ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ ويجيء مثل هذه بعينها في هذه السورة.
قيل: وليس بتكرار محض لأن المراد بالأول آية مما اقترحوا نحو ما في قوله: ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر ﴾ الآيات وبالثاني آية ما لأنهم لم يهتدوا إلى أن القرآن آية فوق كل آية وأنكروا سائر آياته ، أو لعلهم ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر المعجزات فأجاب تسلية لرسوله ﴿ إنما أنت منذر ﴾ ما عليك إلا الإتيان بما يصح به دعوى إنذارك ورسالتك ﴿ ولكل قوم هاد ﴾ من الأنبياء يدعوهم إلى الله بوجه من الهداية والإرشاد يليق بزمانه وبأمته.
ولم يجعل الأنبياء شرعاً في المعجزات فعلى هذا التقدير المنذر النبي والهادي نبي إلا أن الأول محمد والثاني نبي كل زمان.
وقيل: المنذر محمد والهادي هو الله قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك.
والمعنى أنهم إن جحدوا كون القرآن معجزاً فلا يضيقن قلبك بسببه فما عليك إلا الإنذار.
وأما الهداية فمن الله.
وقيل: المنذر النبي والهادي هو علي.
روي عن ابن عباس أن رسول الله وضع يده على صدره فقال: أنا المنذر وأومأ إلى منكب علي فقال: وأنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون بعدي قاله في التفسير الكبير.
ثم أكد المعاني المذكورة في الآيات السابقة بقوله: ﴿ الله يعلم ﴾ لأنه إذا كان عالماً بجميع المعلومات قدر على تمييز أجزاء بدن كل مكلف من غيره فلا يستنكر منه البعث، ويكون نزول العذاب مفوّضاً إلى عمله فلا يجوز استعجاله به، وكذا إنزال الآيات يكون موكولاً إلى تدبيره فإن علم أن المكلفين اقترحوها لأجل الاسترشاد ومزيد البيان أظهرها الله لهم وإلا فلا، وفيه أن إعطاءه كل منذر آيات خلاف آيات غيره أمر مدبر بالعلم النافذ مقدر بالحكمة الربانية.
وعلى القول الثاني فيه أن من هذه قدرته وهذاعلمه وهو القادر وحده على هدايتهم بأي طريق شاء، وعلى هذا احتمل أن يكون ﴿ الله ﴾ خبر مبتدأ محذوف والجملة مفسرة لـ ﴿ هاد ﴾ أي هو الله.
ثم ابتدأ فقيل: ﴿ يعلم ﴾ ﴿ ما تحمل كل أنثى ﴾ قال في الكشاف: لفظة "ما" في ﴿ ما تحمل ﴾ و ﴿ ما تغيض ﴾ و ﴿ ما تزداد ﴾ إما أن تكون مصدرية والمعنى يعلم حمل كل أنثى ويعلم غيض الأرحام وازديادها أو غيوض ما فيها وزيادته على أن الفعلين غير متعديين فأسند الفعل إلى الأرحام وهو لما فيها.
والازدياد "افتعال" من زاد فأبدلت التاء دالاً، وإنه يتعدى ولا يتعدى كثلاثيه.
أو موصولة والمراد يعلم ما تحمله من الولد ذكورته وأنوثته وتخاطيط أعضائه وسائر أحواله من السعادة وضدها ومن العلم وضده إلى غير ذلك، ويعلم ما تغيضه الأرحام أي تنقصه كقوله: ﴿ وغيض الماء ﴾ وما تزداده من العدد فقد يكون واحداً وأكثر، ومن الخلقة فقد يكون تماماً أو مخدجاً، ومن المدة فقد يكون أقل من تسعة أشهر أو أزيد إلى سنتين عند أبي حنيفة، وإلى أربع عند الشافعي، وإلى خمس عند مالك، ومن دم الحيض.
قال ابن عباس: كلما سال الحيض يوماً زاد في مدة الحمل يوماً ليحصل الجبر ويعتدل الأمر.
ثم بين كمال علمه ونفاذ أمره بقوله: ﴿ وكل شيء عنده بمقدار ﴾ واحد لا يتجاوزه في طرفي التفريط والإفراط، والمراد بالعندية العلم كما يقال: هذه المسألة عند الشافعي كذا.
وذلك أنه خصص كل حادث بوقت معين وحالة معينة حسب مشيئته الأزلية وإرادته السرمدية.
وقال حكماء الإسلام: وضع أسباباً كلية وأودع فيها قوى وخواص وحرك الأجرام بحيث يلزم من حركاتها المقدرة بالمقادير المخصوصة أحوال جزئية معينة ومناسبات معلومة مقدّرة، ومن جملتها أفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ أي هو عالم بما غاب عن الحسن وبما حضر له، أو بما غاب عن ا لخلق وبما شهدوه أو بالمعدومات وبالموجودات ﴿ الكبير ﴾ في ذاته لا بحسب الحجمية بل بالرتبة والشرف لأنه أجل الموجودات ﴿ المتعال ﴾ المنزه عن كل ما يجوزعليه في ذاته في صفاته وفي أفعاله.
ثم زاد في التأكيد فقال: ﴿ سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ﴾ أي مستوفى علمه هذان لأنه يعلم السر كما يعلم الجهر لا يتفاوت في علمه أحد الحالين ﴿ و ﴾ سواء عنده ﴿ من هو مستخف بالليل وسارب ﴾ على أن ﴿ سارب ﴾ معطوف على ﴿ من ﴾ لا على ﴿ متسخف ﴾ ليتناول معنى الاستواء شخصين: أحدهما مستخف والآخر سارب.
وإلا فلم يتناول إلا واحداً هو مستخف وسارب إلا أن يكون "من" في معنى الاثنين حتى كأنه قيل: سواء منكم اثنان متسخف بالليل وسارب ﴿ بالنهار ﴾ وفي المستخفي والسارب قولان: أحدهما أن المستخفي هو المستتر الطالب للخفاء في ظلمة الليل، والسارب من يضطرب في الطرقات ظاهراً بالنهار يبصره كل أحد.
يقال: سرب في الأرض سروباً أي ذهب في سربه بالفتح والسكون وهو الطريق ويؤديه قول مجاهد: معناه سواء من يقدم على القبائح في ظلمات الليالي ومن يأتي بها في النهار الظاهر على سبيل التوالي.
وثانيهما نقل الواحدي عن الأخفش وقطرب: المستخفي الظاهر من قولهم: "اختفيت الشيء" أي استخرجته، والسارب المتواري الداخل سرباً بفتحتين ومنه انسرب الوحش إذا دخل في كناسه.
وهذا وإن صح من حيث اللغة لكن قرينتي الليل والنهار إنما تساعدان القول الأول، ولهذا أطبق أكثر المفسرين عليه.
ثم ذكر ما يجري في الظاهر مجرى السبب لاستواء علمه بحال المسر والمعلن فقال: ﴿ له ﴾ أي لمن أسر ومن جهر ومن استخفى ومن سرب ﴿ معقبات ﴾ جماعات من الملائكة تعقب في حفظه وكلاءته.
والأصل معتقبات فأدغمت، أو هو على أصله من عقبه بالتشديد إذا جاء على عقبه لأن بعضهم يعقب بعضاً، أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه.
والتأنيث للمبالغة نحو "نسابة" و"علامة"، أو لأنه جمع معقبة أي ملائكة معقبة أو جماعة معقبة.
وقوله: ﴿ من أمر الله ﴾ ليس من صلة الحفظ لأنه قدرة للملك ولا لأحد من الخلق على أن يحفظوا أحداً من قضاء الله وإنما هو صفة أخرى كأنه قيل: له معقبات من أمر الله يحفظونه، أو له معقبات يحفظونه، ثم بين سبب الحفظ فقال: ﴿ من أمر الله ﴾ أي من أجل أن الله أمرهم بحفظه فمن بمعنى الباء وقرأ به عليّ وابن عباس وغيرهما، ويجوز أن يكون صلة على معنى يحفظونه من بأس الله إذا أذنب بدعائهم له ومسألتهم ربهم أن يمهله رجاء أن يتوب.
قال ابن جريج: هو مثل قوله : ﴿ عن اليمين وعن الشمال قعيد ﴾ صاحب اليمين يكتب الحسنات والذي عن يساره يكتب السيئات.
وقال مجاهد: ما من عبد إلا وله ملك يحفظه من الجن والإنس والهوام في نومه ويقظته.
وقيل: المراد يحفظونه من جميع المهالك من بين يديه ومن خلفه لأن كلاّ من المستخفي والسارب إذا سعى في مهماته فإنما يحذر من الجهتين.
وما الفائدة في تسليط هؤلاء على ابن آدم؟
قال علماء الشريعة: إن الشياطين يدعون إلى المعاصي والشرور وهؤلاء الملائكة يدعون إلى الخيرات والطاعات بالإلهامات الحسنة والإخطارات الشريفة.
وإذا علم ابن آدم أن معه ملائكة يحصون عليه أفعاله وأقواله استحيا منهم وكان ذلك له رادعاً قوياً، وقد مر في هذا الباب كلام في "الأنعام" في قوله: { ﴿ ويرسل عليكم حفظةً ﴾ فليتذكر {الآية: 61].
وللآية تفسير آخر منقول عن ابن عباس وختاره أبو مسلم الأصفهاني قال: المعقبات الحرس وأعوان الملوك، والجملة وهي قوله: ﴿ له معقبات ﴾ صفة للمستخفي والسارب أو حال منه لكونه نكرة موصوفة أي يستوي في علم الله السر والجهر، والمستخفي بظلمة الليل والسارب بالنهار مستظهراً بالمعاونين والأنصار.
والمقصود بعث الأمراء والسلاطين على أن يطلبوا الخلاص عن المكاره بعصمة الله لا بالحرس والأعوان ولذلك ختم الآية بقوله: ﴿ وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ﴾ ممن يلي أمرهم ويدفع عنهم.
قالت الأشاعرة: في هذا الكلام دلالة على أن العبد غير مستقل في الفعل لأنه إذا كفر العبد فلا شك أنه حكم بكونه مستحقاً للذم في الدنيا والعقاب في الآخرة، فلو كان العبد مستقلاً لحصل الإيمان وكان راداً لقضاء الله .
وقالت المعتزلة: هذا معارض بما تقدم عليه من كلام الله وهو قوله: ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ لأنه لو ابتدأ بالعبد أول ما يبلغ بالضلال والخذلان كان ذلك من أعظم العقاب مع أنه ما كان منه تغيير.
قالوا: وفيه دليل على أنه لا يعاقب أطفال المشركين بذنوب آبائهم لأنهم لم يغيروا ما بأنفسهم من نعمة فيغير الله ما بهم من النعمة إلى العقاب.
أجابت الأشاعرة بأن هذا راجع إلى قوله: ﴿ ويستعجلونك ﴾ بين الله بذلك أنه لا ينزل بهم عذاب الاستئصال إلا والمعلوم منهم الإصرار على الكفر حتى قالوا: إذا كان المعلوم أن فيهم من يؤمن أو في أعقابهم من يؤمن فإنه لا يستأصلهم.
ورد بأن هذا خلاف الظاهر وقد صرح بذلك في سورة الأنفال في قوله: ﴿ ذلك بأن لله لم يك مغيراً ﴾ الآية.
والحق أن ترتب النقمة على تغيير النعمة لا ينافي استناد تغيير النعمة إليه فإنه مبدأ المبادىء وانتهاء الوسائط وسبب الأسباب.
التأويل: ﴿ المر ﴾ الألف الله لا إله إلا هو الحي القيوم، اللام له مقاليد السموات والأرض، الميم مالك يوم الدين، الراء رب العالمين من الأزل إلى الأبد أقسم بهذه الأمور أن الذي أنزل على عبده محمد هو الحق، وأنه حبل الله الذي به يوصل المؤمن من هبوط عالم الطبيعة إلى ذروة عالم الحقيقة لأنه ﴿ الله الذي رفع السموات ﴾ المحسوسة ﴿ بغير عمد ﴾ فكما أنه رفع السموات بقدرته فكذلك رفع الدرجات برحمته، أو كما أنه رفع السموات المحسوسة بعمد القدرة كذلك يرفع سموات القلوب بجذبة العناية، وسخر شمس الروح وقمر القلب أو النفس لتدبير مصالح العالم الصغير.
وإنما تظهر هذه الغرائب والعجائب لحصول كمال الإيقان بالرجوع إلى الله والفناء فيه بل البقاء به.
ومن حسن تدبيره أنه مد أرض البشرية وجعل فيها رواسي من الأوصاف الروحانية وأنهاراً من منابع العناية، ﴿ ومن كل الثمرات ﴾ وهي الملكات والأخلاق ﴿ جعل فيها زوجين اثنين ﴾ ملكة روحانية حميدة وأخرى نفسانية وذميمة.
فالأولى نورانية كالنهار والأخرى ظلمانية كالليل، يغلب هذه تارة وتلك أخرى وهذا معنى قوله: ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ وفي أرض الإنسانية ﴿ قطع متجاورات ﴾ هي النفس والقلب والروح السر والخفي حيوانية وملكوتية روحانية وجبروتية وعظموتية ﴿ وجنات ﴾ هي هذه الأعيان المتسعدة لقبول الفيض عند بلوغها ﴿ من أعناب ﴾ هي ثمرة النفس من الصفات التي هي أصل الإسكار كالغفلة والحمق والسهو واللهو ﴿ وزرع ﴾ هو ثمرة القلب فإن القلب كالأرض الطيبة التي منها غذاء الروح ﴿ ونخيل ﴾ هو الروح ذو الأخلاق الحميدة كالكرم والجود والشجاعة والقناعة والحياء والتواضع والشفقة ﴿ صنوان ﴾ هو السر الجبروتي الكاشف عن أسرار الجبروت بين الرب والعبد فإنه إذا حكى السر للعبد كان المحكى مثالاً لما عليه الوجود ﴿ وغير صنوان ﴾ هو الخفي الواقف على أسرار العظموت التي لا مثل لها ولا أمثال ولا تحكى لعبده كما قال { ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ وكما قال: بين المحبين سر ليس يفشيه *** ﴿ يسقى بماء واحد ﴾ هو ماء القدرة والحكمة ﴿ الله يعلم ما تحمل كل أنثى ﴾ أي ما في استعداد كل مستعد من الفضائل، أو ما في كل ذرّة من ذرّات المكونات من الخواص والطبائع، أو ما في كل منها من الآيات الدالة على موجدها ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ﴾ ﴿ وما تغيض الأرحام وما تزداد ﴾ أي ما يظهر من تلك الآيات الاستعدادات في جانبي التفريط والإفراط، والمراد ما ينقص من أرحام الموجودات أو المعدومات فمهما أوجد شيء نقص من رحم العدم واحد وزاد في رحم الوجود واحد وبالعكس في جانب الإعدام.
مستخف بليل العدم وظاهر النهار الوجود له أي لله معقبات من العلم والقدرة من بين يدي المعلوم ومن خلفه أي في حالتي عدمه ووجوده من أزله إلى أبده ﴿ يحفظونه من أمر الله ﴾ أي لأجل أمره حتى لا يخرج من قبضة تدبيره ﴿ إن الله لا يغير ما بقوم ﴾ من الوجود والعدم ﴿ حتى يغيروا ما بأنفسهم ﴾ من استدعاء الوجود أو العدم بلسان استحقاق الوجود أو العدم كما تقتضيه حكمته وتدبيره.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ أي: أجابوا ربهم فيما دعاهم إليه، وإنما دعاهم إلى السبب الذي يوجب لهم دار السلام وهي الجنة بقوله: [ ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ دعاهم إلى دار السلام ومكن لهم من الإجابة له والرد، فمن أجابه فيما دعاه كان له دار السلام]، والحسنى الذي ذكر، ومن رد دعاءه كان له النار ودار الهوان؛ فأيهما اختار، فله الموعود الذي وعد؛ إن اختار إجابته إلى ما دعاه؛ فله النعيم الدائم الذي وعد ودار السلام؛ وإن اختار الرد وترك الإجابة، فله ما وعد من العذاب الدائم والهوان.
والأمثال التي ذكر أنها ﴿ لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ هو هكذا للمؤمنين؛ لأنهم هم المنتفعون بها، وكذلك ما ذكر من القرآن أنه هدى ورحمة للمؤمنين، وأمّا على أهل الكفر؛ فهو عمى وضلال.
وكذلك قوله: ﴿ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ﴾ وأمّا قلوب الكفرة فما ذكر: ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ ﴾ و ﴿ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضاً ﴾ وأمثاله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ ﴾ .
أي: ضِعْفه معه؛ لافتدوا به، يذكر هذا - والله أعلم - أن الذي كان يمنعهم عن الإجابة إلى ما دعاهم إليه - رغبتهم في هذه الدنيا؛ وميلهم إليها؛ يتمنون - لما يحل فيهم من العذاب والشدائد - أن يكون لهم ما في الأرض جميعاً أن يفتدوا به.
﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ ﴾ .
أي: يحاسبون حساباً يسوءهم؛ لأن حسناتهم التي عملوها وطمعوا الإنتفاع بها - لم تنفعهم بل صارت كالسراب الذي ذكر: ﴿ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ﴾ ولم يتجاوز عن سيئاتهم ﴿ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ ﴾ أي: الذي يأوون إليه؛ هو جهنم وبئس المهاد؛ لما يسوءهم ذلك والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: من يعلم الحق حقّاً كمن هو يعمى عنه ولا يعلم؟
أو من يعلم الحقّ أنه حق؛ كمن يعلمه باطلاً؟
ليسا بسواء؛ كقوله: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ .
[أي] إنما يتذكر - بالتذكير أولو الألباب وذوو العقول؛ الذين ينتفعون بعقولهم ولُبّهم.
ثم بين من هم فقال: ﴿ ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل عهد الله عهد خلقه؛ يوفون بما في خلقتهم [من العهد]؛ إذ في خلقة كل أحد - دلالة وحدانيته، وشهادة ألوهيته؛ فوفوا ذلك العهد.
ويحتمل: عهد الله ما جرى على ألسن الرسل، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم؛ وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ...
﴾ الآية [آل عمران: 81] ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ ﴾ الآية [آل عمران: 187].
﴿ وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ ﴾ .
العهد والميثاق واحد، وسمي العهد ميثاقاً؛ لأنه يوثق المرء، ويمنعه عن الاشتغال بغيره.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ الصلات التي أمر الله بها أن توصل على جهات ومراتب: أما ما بينه وبين المؤمنين: ألاَّ يحب لهم إلا ما يحب ولا يصحبهم إلا بما يحب هو أن يصحب، وأما فيما بينه وبين محارمه: أن يؤوي ويحفظ الحقوق التي جعل الله لبعضهم على بعض؛ ولا يضيعها.
وأما فيما بينه وبين الرسل: فهو أن من حقهم أن يوصل الإيمان بالنبيين جميعاً؛ والكتب كلها.
هذا والله أعلم الصلة التي أمر الله أن يوصل بها.
﴿ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ إما في التقصير فيما أمر أن يوصل، وإما بالتفريط في ذلك، وترك الصلة.
﴿ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ ﴾ أي: شدة الحساب؛ حين لم تنفعهم حسناتهم؛ ولا يتجاوز عن شيء من سيئاتهم؛ فذلك يسوءهم.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم أن الصبر: هو كف النفس وحبسها عما تهواه؛ على ما تكره ويثقل عليها.
ثم يحتمل كفها وحبسها عن الجذع في المصائب، وعلى أداء ما افترض الله عليهم وأمرهم بها، أو كفوا أنفسهم وحبسوها عن المعاصي، يكون الصبر على الوجوه الثلاثة التي ذكرنا.
والله أعلم.
[وقوله: ﴿ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ يحتمل وجهين.
يحتمل: ابتغاء رضوان الله.
ويحتمل: ابتغاء وجه يكون لهم عند الله]، وهو المنزلة والرفعة، ولذلك سمي الرفيع وذو المنزلة: وجيهاً كقوله: ﴿ وَجِيهاً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ أي: ذو منزلة ورفعة في الدنيا والآخرة.
وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ ﴾ أي: ثمَّ الجهة التي أمر الله أن يتوجه إليها، فعلى ذلك هذا ﴿ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ أي: ابتغاء المنزلة والرفعة التي عند ربهم؛ أو ابتغاء رضوان الله ومرضاته والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .
أي: داموا على إقامتها؛ ليس أنهم أقاموا مرة ثم تركوها؛ ولكن داموا على إقامتها، وعلى ذلك قوله: ﴿ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ ﴾ أي: دوموا على إقامتها.
ويحتمل قوله: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ أي: جعلوها قائمة أبداً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ .
يحتمل كل نفقة: الصدقة والزكاة وما ينفق على عياله وولده، ﴿ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ أي: ينفق في كل وقت؛ سرّاً من الناس وعلانية منهم أي: ينفق على جهل من الناس؛ وعلى علم منهم؛ ينفقون على كل حال؛ لا يمنعهم علم الناس بذلك عن الإنفاق، بعد أن يكون ابتغاء وجه ربهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ ﴾ .
أي: يدفعون بالحسنة السيئة، ثم يحتمل وجهين: أحدهما: يدفعون بالإحسان إليهم العداوة التي كانت بينهم؛ كقوله: ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ...
﴾ الآية [فصلت: 34].
والثاني: يدرءون الإساءة التي كانت لهم إليهم بالخير إليهم والمعروف، ولا يكافئون بالسيئ السيئ؛ وبالشر الشر؛ ولكن يدفعون بالخير.
وقال بعضهم: في قوله: ﴿ وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ ﴾ أي: إذا سُفه عليهم حلموا، والسفه سيئة؛ والحلم حسنة.
﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ ﴾ .
أي: عقبى أولئك الذين صبروا؛ على ما ذكر؛ من وفاء العهد والصلة التي أمروا بها أن يصلوا؛ والصبر على أداء ما أمر به وافترض عليهم؛ والانتهاء عما نهى عنه - الدار التي دعاهم إليها بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ ﴾ .
والثاني: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ ﴾ أي: عقبى حسناتهم دار الجنة، وأولئك لهم عقبى هذه الدار الجنة، أو عاقبتهم دار الجنة.
ثم نَعَتَ تلك الدار؛ فقال: ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ﴾ .
عدن: قال أهل التأويل: عدن: هو بطان الجنة؛ وهو وسطها، وقال بعضهم: عدن هو الإقامة؛ أي: جنات يقيمون فيها؛ يقال: عدن: أي: أقام.
وقوله: - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ﴾ .
فإن قيل: كيف خص بالذكر الآباء والأزواج والذرية؛ وهم قد دخلوا في قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ﴾ وفي قوله: ﴿ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ فما معنى تخصيصهم بالذكر؟
هذا يحتمل وجوهاً: أحدها: أنهم أسلموا؛ فاخترموا؛ أي: ماتوا كما أسلموا؛ ولم يكن لهم مما ذكر من الخيرات والحسنات؛ فأخبر أن هؤلاء [يدخلونها - أيضا -] ويلحقون بأولئك.
والثاني: لم يبلغوا الدرجة التي بلغ أولئك؛ فأخبر - عز وجل - أنه يبلغهم درجة أولئك ويلحقهم به؛ كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ...
﴾ الآية [الطور: 21] يضم بعضهم إلى بعض في الآخرة كما كانوا في الدنيا، يضم كل ذي قرين في الدنيا قرينه إليه في الآخرة.
وفي قوله: ﴿ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ ﴾ وما ذكر دلالة أن صلاح غيره وإن قرب منه لا ينفعه؛ حتى يكون في نفسه صلاح، حيث قال: ﴿ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ...
﴾ إلى آخر ما ذكر؛ وهو ما قال لنوح: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾ دل هذا أن صلاح والده أو قريبه لا يجدي له نفعاً في الآخرة والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ ﴾ .
هذا يحتمل أن يكون لمقامهم ومنازلهم أبواب؛ فيدخل عليهم من كل باب ملك.
والثاني: يحتمل أن [يكون] يأتي كل ملك بتحفة [غير التحفة] التي أتى بها الآخر على اختلاف خيراتهم وقدر أعمالهم.
﴿ مِّن كُلِّ بَابٍ ﴾ أي: من كل نوع من التحف.
وفيه وجهان: أحدهما: أن الملائكة يكونون خدم أهل الجنة، وفي ذلك تفضيل [البشر] عليهم.
أو أن يكون على حق المصاحبة؛ لما أحبوا هم أهل الخير من البشر في الدنيا؛ لخيرهم؛ فجعل الله بينهم الرفقة، والصحبة في الآخرة والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ﴾ كقوله: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ ﴾ هو ما ذكرنا في قوله أولئك لهم عقبى الدار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ ﴾ العهد قد ذكرناه في غير موضع، وكذلك النقض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
كل حرف من هذه الحروف يقتضي معنى الحرف الآخر؛ إذا نقضوا العهد، والميثاق: قد قطعوا ما أمر الله به أن يوصل؛ وسعوا في الأرض بالفساد، وإذا قطعوا ما أمر الله به أن يوصل: نقضوا العهد؛ وسعوا في الأرض بالفساد؛ إلا أن يقال: إن نقض العهد يكون بالاعتقاد؛ وذلك يكون [بينهم وبين ربهم]، وكذلك قطع ما أمر الله به أن يوصل إذا كان الأمر الذي أمر به صلة الإيمان بالنبيين والكتب جميعاً؛ فإن كان صلة الأرحام؛ فهو فعل؛ والسعي في الأرض بالفساد فعل أيضاً؛ من زناً أو سرقة أو قطع الطريق، وغير ذلك من المعاصي [ما كان، فهو الإفساد في الأرض والله أعلم.
والإفساد في الأرض يحتمل: منعهم الناس [من] الإيمان به وتصديقه أو غيره من المعاصي] أو قطع الطريق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ يحتمل ما أمر الله به أن يوصل: ما ذكرنا من وصل الإيمان ببعض الرسل بالكل وبجميع الكتب، ويحتمل: صلة الأرحام التي فرض عليهم صلتهم؛ قطعوا ذلك.
أو أمرهم أن يصلوا أعمالهم بما اعتقدوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ ﴾ .
اللعنة: هي الطرد - في اللغة - والإبعاد؛ كأنهم طردوا وأبعدوا عن رحمة الله في الآخرة، أو طردوا وأبعدوا من هداية الله وإرشاده في الدنيا.
﴿ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ ﴾ .
قد ذكرنا أنهم دعوا إلى دار؛ وحذروا عن دار: دعوا إلى دار السلام؛ فإن أجابوا فلهم الحسنى؛ على ما ذكر، وحذروا عن دار الهوان؛ [فإن لم يحذروا فلهم] دار السوء والهوان.
أو سماها سوء الدار؛ لما يسوء مقامهم فيها، أو ذكر لأهل النار سوء الدار مقابل ما ذكر لأهل الجنة: حسن المآب وحسن الثواب والحسنى.
<div class="verse-tafsir"
والذين ينكثون عهد الله من بعد توكيده، ويقطعون ما أمر الله بوصله من الأرحام، أولئك البعداء الأشقياء لهم الطرد من رحمة الله، ولهم سوء العاقبة وهو النار.
<div class="verse-tafsir" id="91.ezE0v"