الإسلام > القرآن > سور > سورة 13 الرعد > الآية ٦ من سورة الرعد
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 64 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٦ من سورة الرعد من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
يقول تعالى : ( ويستعجلونك ) أي : هؤلاء المكذبون ( بالسيئة قبل الحسنة ) أي : بالعقوبة ، كما أخبر عنهم في قوله : ( وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين ) [ الحجر : 6 - 8 ] وقال تعالى : ( ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ) [ العنكبوت : 53 ، 54 ] وقال : ( سأل سائل بعذاب واقع ) [ المعارج : 1 ] وقال : ( يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ) [ الشورى : 18 ] ( وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ) أي : حسابنا وعقابنا ، كما قال مخبرا عنهم : ( وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) [ الأنفال : 32 ] فكانوا يطلبون من الرسول أن يأتيهم بعذاب الله ، وذلك من شدة تكذيبهم وكفرهم وعنادهم .
قال الله تعالى : ( وقد خلت من قبلهم المثلات ) أي : قد أوقعنا نقمتنا بالأمم الخالية وجعلناهم مثلة وعبرة وعظة لمن اتعظ بهم .
ثم أخبر تعالى أنه لولا حلمه وعفوه [ وغفره ] لعاجلهم بالعقوبة ، كما قال تعالى : ( ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ) [ فاطر : 45 ] .
وقال تعالى في هذه الآية الكريمة : ( وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ) أي : إنه ذو عفو وصفح وستر للناس مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار .
ثم قرن هذا الحكم بأنه شديد العقاب ، ليعتدل الرجاء والخوف ، كما قال تعالى : ( فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين ) [ الأنعام : 147 ] وقال : ( إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم ) [ الأعراف : 167 ] وقال : ( نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم ) [ الحجر : 49 ، 50 ] إلى أمثال ذلك من الآيات التي تجمع الرجاء والخوف .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد ، عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب قال : لما نزلت هذه الآية : ( وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب ) قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " لولا عفو الله وتجاوزه ، ما هنأ أحدا العيش ولولا وعيده وعقابه ، لاتكل كل أحد " .
وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة الحسن بن عثمان أبي حسان الزيادي : أنه رأى رب العزة في النوم - ورسول الله صلى الله عليه وسلم - واقف بين يديه يشفع في رجل من أمته ، فقال له : ألم يكفك أني أنزلت عليك في سورة الرعد : ( وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ) ؟
قال : ثم انتبهت .
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (ويستعجلونك) يا محمد، (1) مشركو قومك بالبلاء والعقوبة قبل الرخاء والعافية, فيقولون: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [سورة الأنفال: 32] وهم يعلمون ما حَلَّ بمن خلا قبلهم من الأمم التي عصت ربها وكذبت رسلها من عقوبات الله وعظيم بلائه, (2) فمن بين أمة مسخت قردة وأخرى خنازير, ومن بين أمّة أهلكت بالرَّجْفة, وأخرى بالخسف, وذلك هو (المثلات) التي قال الله جل ثناؤه .(وقد خلت من قبلهم المثلات) .
و (المثلات)، العقوبات المنكِّلات, والواحدة منها: " مَثُلة " بفتح الميم وضم الثاء, ثم تجمع " مَثُلات "، كما واحدة " الصَّدُقَات "" صَدُقَة ", ثم تجمع " صَدُقَات " .
(3) وذكر أن تميمًا من بين العرب تضم الميم والثاء جميعًا من " المُثُلات ", فالواحدة على لغتهم منها: " مُثْلة ", ثم تجمع " مُثُلات ", مثل " غُرْفة " وغُرُفات, والفعل منه: " مَثَلْت به أمْثُلُ مَثْلا " بفتح الميم وتسكين الثاء, فإذا أردت أنك أقصصته من غيره, قلت: " أمثلته من صاحبه أُمْثِلُه إمْثالا وذلك إذا أقصصته منه .
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
*ذكر من قال ذلك: 20130- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: (وقد خلت من قبلهم المثلات)، وقائع الله في الأمم فيمن خلا قبلكم وقوله: (ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة)، وهم مشركو العرب استعجلوا بالشرّ قبل الخير, وقالوا: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ، [سورة الأنفال:32].
20131- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة) قال: بالعقوبة قبل العافية(وقد خلت من قبلهم المثلات) قال: العقوبات .
20132- حدثنا الحسن بن محمد قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبى نجيح, عن مجاهد, قوله: (المثلات) قال: الأمْثَال .
20133- حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد 20134- وحدثني المثنى: قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله .
20135- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (وقد خلت من قبلهم المثلات) قال: (المثلات)، الذي مَثَل الله به الأممَ من العذاب الذي عذَّبهم، (4) تولَّت المثلات من العذاب, قد خلت من قبلهم, وعرفوا ذلك, وانتهى إليهم ما مَثَلَ الله بهم حين عصَوه وعَصوا رُسُله .
20136- حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا سليم قال: سمعت الشعبي يقول في قوله: (وقد خلت من قبلهم المثلات) ، قال: القردة والخنازير هي المثلات .
* * * وقوله: (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) ، يقول تعالى ذكره: وإن ربك يا محمد لذو سترٍ على ذنوب من تاب من ذنوبه من الناس, فتاركٌ فضيحته بها في موقف القيامة, وصافحٌ له عن عقابه عليها عاجلا وآجلا(على ظلمهم)، يقول: على فعلهم ما فعلوا من ذلك بغير إذني لهم بفعله (5) (وإن ربك لشديد العقاب)، لمن هلك مُصِرًّا على معاصيه في القيامة، إن لم يعجِّل له ذلك في الدنيا, أو يجمعهما له في الدنيا والآخرة .
* * * قال أبو جعفر: وهذا الكلام، وإن كان ظاهره ظاهرَ خبرٍ, فإنه وعيدٌ من الله وتهديدٌ للمشركين من قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم, إن هم لم ينيبوا ويتوبوا من كفرهم قبل حُلول نقمة الله بهم .
* * * 20137- حدثني علي بن داود قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: (وإن ربك لذو مغفرة للناس) ، يقول: ولكنّ ربَّك .
------------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير" الاستعجال" فيما سلف 15 ، 33 ، 101 .
(2) انظر تفسير" خلا" فيما سلف 12 : 415 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .
(3) الصدقة" ، مهر المرأة ، وقد مضى آنفًا في سورة النساء ، آية : 4 في 7 : 552 ، ولم يشرحها كل الشرح هناك .
(4) في المطبوعة :" مثل الله في الأمم" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب .
(5) في المطبوعة :" بغير إذن" ، وأثبت ما في المخطوطة .
قوله : ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقابقوله تعالى : ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة أي لفرط إنكارهم وتكذيبهم يطلبون العذاب ; قيل هو قولهم : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء .
[ ص: 249 ] قال قتادة : طلبوا العقوبة قبل العافية ; وقد حكم سبحانه بتأخير العقوبة عن هذه الأمة إلى يوم القيامة .
وقيل : قبل الحسنة أي قبل الإيمان الذي يرجى به الأمان والحسنات .و " المثلات " ; الواحدة مثلة .
وروي عن الأعمش أنه قرأ " المثلات " بضم الميم وإسكان الثاء ; وهذا جمع مثلة ، ويجوز " المثلات " تبدل من الضمة فتحة لثقلها ، وقيل : يؤتى بالفتحة عوضا من الهاء .
وروي عن الأعمش أنه قرأ " المثلات " بفتح الميم وإسكان الثاء ; فهذا جمع مثلة ، ثم حذف الضمة لثقلها ; ذكره جميعه النحاس - رحمه الله - .
وعلى قراءة الجماعة واحده مثلة ، نحو صدقة وصدقة ; وتميم تضم الثاء والميم جميعا ، واحدها على لغتهم مثلة ، بضم الميم وجزم الثاء ; مثل : غرفة وغرفات ، والفعل منه مثلت به أمثل مثلا ، بفتح الميم وسكون الثاء .وإن ربك لذو مغفرة أي لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا ، وعن المذنبين إذا تابوا .
وقال ابن عباس : أرجى آية في كتاب الله تعالى وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم .
" وإن ربك لشديد العقاب " إذا أصروا على الكفر .
وروى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال : لما نزلت : وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لولا عفو الله ورحمته وتجاوزه لما هنأ أحدا عيش ولولا عقابه ووعيده وعذابه لاتكل كل أحد .
يخبر تعالى عن جهل المكذبين لرسوله المشركين به، الذين وعظوا فلم يتعظوا، وأقيمت عليهم الأدلة فلم ينقادوا لها، بل جاهروا بالإنكار، واستدلوا بحلم [الله] الواحد القهار عنهم، وعدم معاجلتهم بذنوبهم أنهم على حق، وجعلوا يستعجلون الرسول بالعذاب، ويقول قائلهم: { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } { و } الحال أنه { قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ } أي: وقائع الله وأيامه في الأمم المكذبين، أفلا يتفكرون في حالهم ويتركون جهلهم { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ } أي: لا يزال خيره إليهم وإحسانه وبره وعفوه نازلا إلى العباد، وهم لا يزال شرهم وعصيانهم إليه صاعدًا.
يعصونه فيدعوهم إلى بابه، ويجرمون فلا يحرمهم خيره وإحسانه، فإن تابوا إليه فهو حبيبهم لأنه يحب التوابين، ويحب المتطهرين وإن لم يتوبوا فهو طبيبهم، يبتليهم بالمصائب، ليطهرهم من المعايب { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم } { وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ } على من لم يزل مصرا على الذنوب، قد أبى التوبة والاستغفار والالتجاء إلى العزيز الغفار، فليحذر العباد عقوباته بأهل الجرائم، فإن أخذه أليم شديد.
قوله عز وجل : ( ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة ) الاستعجال : طلب تعجيل الأمر قبل مجيء وقته ، والسيئة ها هنا هي : العقوبة ، والحسنة : العافية .
وذلك أن مشركي مكة كانوا يطلبون العقوبة بدلا من العافية استهزاء منهم يقولون : " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم " ( الأنفال - 32 ) .
( وقد خلت من قبلهم المثلات ) أي : مضت من قبلهم في الأمم التي عصت ربها وكذبت رسلها العقوبات .
والمثلات جمع المثلة بفتح الميم وضم الثاء ، مثل : صدقة وصدقات .
( وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب ) .
ونزل في استعجالهم العذاب استهزاءً «ويستعجلونك بالسيئة» العذاب «قبل الحسنة» الرحمة «وقد خلت من قبلهم المثلات» جمع المثلة بوزن الثمرة أي عقوبات أمثالهم من المكذبين أفلا يعتبرون بها؟
«وإن ربك لذو مغفرة للناس على» مع «ظلمهم» وإلا لم يترك على ظهرها دابة «وإن ربك لشديد العقاب» لمن عصاه.
ويستعجلك المكذِّبون بالعقوبة التي لم أعاجلهم بها قبل الإيمان الذي يرجى به الأمان والحسنات، وقد مضت عقوبات المكذبين مِن قبلهم، فكيف لا يعتبرون بهم؟
وإن ربك -أيها الرسول- لَذو مغفرة لذنوبِ مَن تاب مِن ذنوبه من الناس على ظلمهم، يفتح لهم باب المغفرة، ويدعوهم إليها، وهم يظلمون أنفسهم بعصيانهم ربهم، وإن ربك لشديد العقاب على مَن أصرَّ على الكفر والضلال ومعصية الله.
ثم حكى - سبحانه - لوناً آخر من طغيانهم واستهزائهم برسولهم - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثلات .
.
.
) .والمراد بالسيئة : الحالة السيئة كالعقوبات والمصائب التى تسوء من تنزل به .والمراد بالحسنة : الحالة الحسنة كالعافية والسلامة .والمثلات : جمع مثلة - بفتح الميم وضم الثاء كسمرة ، وهى العقوبة الشديدة الفاضحة التى تنزل بالإِنسان فتجعله مثالاً لغيره فى الزجر والردع .والاستعجال : طلب حصول الشئ قبل حلول وقته .أى أن هؤلاء المشركين بلغ بهم الحال فى الطغيان ، أنهم كانوا إذا هددهم الرسول .
- صلى الله عليه وسلم - بعقاب الله إذا ما استمروا فى كفرهم ، سخروا منه ، وتهكمو به وقالوا له على سبيل الاستهزاء : ائتنا بما تعدنا به من عذاب إن كنت من الصادقين .وشبيه بهذا قوله - تعالى - : ( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ العذاب وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ .
يَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين ) وقوله - تعالى - ( وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) والجملة الكريمة تحكى لوناً عجيباً من ألوان توغلهم فى الجحود والضلال ، حيثي طلبوا من الرسول - صلى الله عليه وسلم - تعجيل العقوبة التى توعدهم بها ، بدل أن يطلبوا منه الدعاء لهم بالسلامة والأمان والخير والعافية .وجملة ( وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثلات ) فى موضع الحال ، لزيادة التعجب من جهلهم وطغيانهم ، لأن آثار الأقوام المهلكين بسبب كفرهم ما زالت ماثلة أمام أبصارهم ، وهم يرمون عليها فى أسفارهم ، فكان من الواجب عليهم - لو كانوا يعقلون - أن يعتبروا بها .وقوله - سبحانه - ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب ) بيان لرحمة الله - تعالى - بعباده ، ولشدة عقابه للمصرين على الكفر منهم أى : وإن ربك - أيها الرسول الكريم - لذو مغفرة عظيمة للناس مع ظلمهم لأنفسهم ، حيث أطاعوا فى ارتكاب الذنوب والمعاصى .ومن مظاهر هذه المغفرة أنه - سبحانه - لم يعاجلهم بالعقوبة .
بل صبر عليهم ، وأمهلهم ، لعلهم يتوبون إليه ويستغفرونه ، ويقلعون عن ذنوبهم .قال - تعالى - : ( وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ .
.
.
)وإن ربك - أيها الرسول الكريم - لشديد العقاب للمصرين على كفرهم وضلالهم ومعاصيهم .وقدم - سبحانه - مغفرته على عقوبته ، فى مقابل تعجل هؤلاء الكافرين للعذاب ، ليظهر الفارق الضخم بين الخر الذى تريده - سبحانه - لهم ، وبين الشر الذى يريدونه لأنفسهم بسبب انطماس بصائرهم .
.
.قال ابن كثير ما ملخصه : قوله - سبحانه - ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ ) .أى : إنه ذو عفو وصفح وستر للناس مع أنهم يظلمون ويخطئون بلليل والنهار .
ثم قرن هذا الحكم بأنه شديد العقاب ، ليعتدل الرجاء والخوف .
كما قال - تعالى - ( فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القوم المجرمين ) وقال - تعالى - ( نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغفور الرحيم .
وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ العذاب الأليم ) وعن سعيد بن المسيب قال : لما هذه الآية ( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ .
.
.
) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحداً العيش .
ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد " .
اعلم أنه صلى الله عليه وسلم كان يهددهم تارة بعذاب القيامة وتارة بعذاب الدنيا، والقوم كلما هددهم بعذاب القيامة أنكروا القيامة والبعث والحشر والنشر وهو الذي تقدم ذكره في الآية الأولى وكلما هددهم بعذاب الدنيا قالوا له: فجئنا بهذا العذاب وطلبوا منه إظهاره وإنزاله على سبيل الطعن فيه، وإظهار أن الذي يقوله كلام لا أصل له فلهذا السبب حكى الله عنهم أنهم يستعجلون الرسول بالسيئة قبل الحسنة والمراد بالسيئة هاهنا نزول العذاب عليهم كما قال الله تعالى عنهم في قوله: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً ﴾ وفي قوله: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعًا ﴾ إلى قوله: ﴿ أَوْ تُسْقِطَ السماء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا ﴾ وإنما قالوا ذلك طعناً منهم فيما ذكره الرسول، وكان صلى الله عليه وسلم يعدهم على الإيمان بالثواب في الآخرة وبحصول النصر والظفر في الدنيا فالقوم طلبوا منه نزول العذاب ولم يطلبوا منه حصول النصر والظفر فهذا هو المراد بقوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة ﴾ ومنهم من فسر الحسنة هاهنا بالإمهال والتأخير وإنما سموا العذاب سيئة لأنه يسوءهم ويؤذيهم.
أما قوله: ﴿ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثلات ﴾ فاعلم أن العرب يقولون: العقوبة مثلة ومثلة صدقة وصدقة، فالأولى لغة الحجاز، والثانية لغة تميم، فمن قال مثلة فجمعه مثلات، ومن قال مثلة فجمعه مثلات ومثلاث بإسكان التاء هكذا حكاه الفراء والزجاج، وقال ابن الأنباري رحمه الله: المثلة العقوبة المبينة في المعاقب شيئاً، وهو تغيير تبقى الصورة معه قبيحة، وهو من قولهم، مثل فلان بفلان إذا قبح صورته إما بقطع أذنه أو أنفه أو سمل عينيه أو بقر بطنه فهذا هو الأصل، ثم يقال للعار الباقي، والخزي اللازم مثلة.
قال الواحدي: وأصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه، ولما كان الأصل أن يكون العقاب مشابهاً للمعاقب ومماثلاً له لا جرم سمي بهذا الاسم.
قال صاحب الكشاف: قرئ (المثلات) بضمتين لاتباع الفاء العين، (والمثلات) بفتح الميم وسكون الثاء كما يقال: السمرة، والمثلات، بضم الميم وسكون الثاء تخفيف المثلات بضمتين، والمثلات جمع مثلة كركبة وركبات.
إذا عرفت هذا فنقول معنى الآية: ويستعجلونك بالعذاب الذي لم نعاجلهم به، وقد علموا ما نزل من عقوباتنا بالأمم الخالية فلم يعتبروا بها، وكان ينبغي أن يردعهم خوف ذلك عن الكفر اعتباراً بحال من سلف.
أما قوله: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ ﴾ فاعلم أن أصحابنا تمسكوا بهذه الآية على أنه تعالى قد يعفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبة، ووجه الاستدلال به أن قوله تعالى: ﴿ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ ﴾ أي حال اشتغالهم بالظلم كما أنه يقال: رأيت الأمير على أكله أي حال اشتغاله بالأكل فهذا يقتضي كونه تعالى غافراً للناس حال اشتغالهم بالظلم، ومعلوم أن حال اشتغال الإنسان بالظلم لا يكون تائباً فدل هذا على أنه تعالى قد يغفر الذنب قبل الاشتغال بالتوبة.
ثم نقول: ترك العمل بهذا الدليل في حق الكفر، فوجب أن يبقى معمولاً به في حق أهل الكبيرة وهو المطلوب، أو نقول: إنه تعالى لم يقتصر على قوله: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ ﴾ بل ذكر معه قوله: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب ﴾ فوجب أن يحمل الأول على أصحاب الكبائر، وأن يحمل الثاني على أحوال الكفار.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد: لذو مغفرة لأهل الصغائر لأجل أن عقوبتهم مكفرة ثم نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد: إن ربك لذو مغفرة إذا تابوا وأنه تعالى إنما لا يعجل العقاب إمهالاً لهم في الإتيان بالتوبة، فإن تابوا فهو ذو مغفرة لهم ويكون من هذه المغفرة تأخير العقاب إلى الآخرة بل نقول: يجب حمل اللفظ عليه لأن القوم لما طلبوا تعجيل العقاب، فالجواب المذكور فيه يجب أن يكون محمولاً على تأخير العقاب حتى ينطبق الجواب على السؤال ثم نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد: وإن ربك لذو مغفرة أنه تعالى إنما لا يعجل العقوبة إمهالاً لهم في الإتيان بالتوبة، فإن تابوا فهو ذو مغفرة، وإن عظم ظلمهم ولم يتوبوا فهو شديد العقاب.
والجواب عن الأول أن تأخير العقاب لا يسمى مغفرة، وإلا لوجب أن يقال: الكفار كلهم مغفور لهم لأجل أن الله تعالى أخر عقابهم إلى الآخرة، وعن الثاني: أنه تعالى تمدح بهذا والتمدح إنما يحصل بالتفضل.
أما بأداء الواجب فلا تمدح فيه وعندكم يجب غفران الصغائر وعن الثالث: أنا بينا أن ظاهر الآية يقتضي حصول المغفرة حال الظلم، وبينا أن حال حصول الظلم يمنع حصول التوبة، فسقطت هذه الأسئلة وصح ما ذكرناه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بالسيئة قَبْلَ الحسنة ﴾ بالنقمة قبل العافية، والإحسان إليهم بالإمهال.
وذلك أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالعذاب استهزاء منهم بإنذاره ﴿ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثلات ﴾ أي عقوبات أمثالهم من المكذبين، فما لهم لم يعتبروا بها فلا يستهزءوا والمثلة: العقوبة، بوزن السمرة.
والمثلة لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة، ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ [الشورى: 40] ويقال: أمثلت الرجل من صاحبه وأقصصته منه.
والمثال: القصاص.
وقرئ: ﴿ المُثُلات ﴾ بضمتين لإتباع الفاء العين.
و ﴿ المَثْلات ﴾ ، بفتح الميم وسكون الثاء، كما يقال: السمرة.
و ﴿ المُثْلات ﴾ بضم الميم وسكون الثاء، تخفيف ﴿ المُثُلات ﴾ بضمتين.
والمثلات جمع مثلة كركبة وركبات ﴿ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ ﴾ أي مع ظلمهم أنفسهم بالذنوب.
ومحله الحال، بمعنى ظالمين لأنفسهم وفيه أوجه.
أن يريد السيئات المكفرة لمجتنب الكبائر.
أو الكبائر بشرط التوبة.
أو يريد بالمغفرة الستر والإمهال.
وروي أنها لما نزلت قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحد العيش، ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد» .
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ ﴾ بِالعُقُوبَةِ قَبْلَ العافِيَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُمُ اسْتَعْجَلُوا ما هُدِّدُوا بِهِ مِن عَذابِ الدُّنْيا اسْتِهْزاءً.
﴿ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ ﴾ عُقُوباتُ أمْثالِهِمْ مِنَ المُكَذِّبِينَ فَما لَهم لَمْ يَعْتَبِرُوا بِها ولَمْ يُجَوِّزُوا حُلُولَ مِثْلِها عَلَيْهِمْ، والمَثُلَةُ بِفَتْحِ الثّاءِ وضَمِّها كالصَّدَقَةِ والصَّدُقَةِ، العُقُوبَةُ لِأنَّها مَثَلُ المُعاقَبِ عَلَيْهِ، ومِنهُ المِثالُ لِلْقِصاصِ وأمْثَلْتُ الرَّجُلَ مِن صاحِبِهِ إذا اقْتَصَصْتُهُ مِنهُ.
وقُرِئَ « المَثُلاتُ» بِالتَّخْفِيفِ و « المُثُلاتُ» بِإتْباعِ الفاءِ العَيْنَ و « المُثُلاتُ» بِالتَّخْفِيفِ بَعْدَ الإتْباعِ، و « المَثَلاتُ» بِفَتْحِ الثّاءِ عَلى أنَّها جَمْعُ مَثَلَةٍ كَرَكَبَةٍ وَرَكَباتٍ.
﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ ﴾ مَعَ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِ والعامِلُ فِيهِ المَغْفِرَةُ والتَّقْيِيدُ بِهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ العَفْوِ قَبْلَ التَّوْبَةِ، فَإنَّ التّائِبَ لَيْسَ عَلى ظُلْمِهِ، ومَن مَنَعَ ذَلِكَ خَصَّ الظُّلْمَ بِالصَّغائِرِ المُكَفَّرَةِ لِمُجْتَنِبِ الكَبائِرِ، أوْ أوَّلُ المَغْفِرَةِ بِالسَّتْرِ والإمْهالِ.
﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ ﴾ لِلْكَفّارِ أوْ لِمَن شاءَ، وعَنِ النَّبِيِّ : «لَوْلا عَفْوُ اللَّهِ وتَجاوُزُهُ لَما هَنَأ أحَدٌ العَيْشَ، ولَوْلا وعِيدُهُ وعِقابُهُ لاتَّكَلَ كُلُّ أحَدٍ» .
<div class="verse-tafsir"
{َويسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة} بالنقمة قبل العافية وذلك أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالعذاب استهزاء منهم بإنذاره {وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثلات} أي عقوبات أمثالهم من المكذبين فما لهم لم يعتبروا بها فلا يستهزءوا والمثلة العقوبة لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة وجزاء سيئة سيئة مثلها {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ} أي مع ظلمهم أنفسهم بالذنوب ومحله الحال أي ظالمين لأنفسهم قال السدي يعني المؤمنين وهي أرجى آية في كتاب الله حيث ذكر المغفرة مع الظلم وهو بدون التوبة فإن التوبة تزيلها وترفعها {وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب} على
الرعد (٧ _ ١٠)
الكافرين أو هما جميعاً في المؤمنين لكنه معلق بالمشيئة فيهما أي يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء
﴿ ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ ﴾ بِالعُقُوبَةِ الَّتِي هَدَّدُوا بِها عَلى الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا ﴿ قَبْلَ الحَسَنَةِ ﴾ أيِ العافِيَةِ والسَّلامَةِ مِنها والمُرادُ بِكَوْنِها قَبْلَها أنَّ سُؤالَها قَبْلَ سُؤالِها أوْ أنَّ سُؤالَها قَبْلَ انْقِضاءِ الزَّمانِ المُقَدَّرِ لَها وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هَؤُلاءِ مُشْرِكُو العَرَبِ اسْتَعْجَلُوا بِالشَّرِّ قَبْلَ الخَيْرِ فَقالُوا: ﴿ اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ .
﴿ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ ﴾ جَمْعُ مُثْلَةٍ كَسُمْرَةٍ وسَمُراتٍ وهي العُقُوبَةُ الفاضِحَةُ وفَسَّرَها ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِالعُقُوبَةِ المُسْتَأْصِلَةِ لِلْعُضْوِ كَقَطْعِ الأُذُنِ ونَحْوِهِ سُمِّيَتْ بِها لِما بَيْنَ العِقابِ والمُعاقَبِ بِهِ مِنَ المُماثَلَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها ﴾ أوْ هي مَأْخُوذَةٌ مِنَ المِثالِ بِمَعْنى القِصاصِ يُقالُ: أمْثَلْتُ الرَّجُلَ مِن صاحِبِهِ وأقْصَصْتُهُ بِمَعْنى واحِدٍ أوْ هي مِنَ المَثَلِ المَضْرُوبِ لِعِظَمِها.
والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ لِبَيانِ رَكاكَةِ رَأْيِهِمْ في الِاسْتِعْجالِ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ أيْ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِذَلِكَ مُسْتَهْزِئِينَ بِإنْذارِكَ مُنْكِرِينَ لِوُقُوعِ ما أنْذَرْتَهم إيّاهُ والحالُ أنَّهُ قَدْ مَضَتِ العُقُوباتُ الفاضِحَةُ النّازِلَةُ عَلى أمْثالِهِمْ مِنَ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ وقَرَأ مُجاهِدٌ والأعْمَشُ ( المَثَلاتُ ) بِفَتْحِ المِيمِ والثّاءِ وعِيسى بْنُ عَمْرٍو في رِوايَةِ الأعْمَشِ وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّهِما وهو لُغَةٌ أصْلِيَّةٌ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أتْبَعَ فِيهِ العَيْنَ لِلْفاءِ وابْنُ وثّابٍ بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ الثّاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وابْنُ مُصَرِّفٍ بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الثّاءِ وهي لُغَةُ الحِجازِيِّينَ ﴿ وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ ﴾ عَظِيمَةٍ ﴿ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ ﴾ أنْفُسَهم بِالذُّنُوبِ والمَعاصِي والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ النّاسِ والعامِلُ فِيها هو العامِلُ في صاحِبِها وهو مَغْفِرَةٌ أيْ أنَّهُ تَعالى لَغَفُورٌ لِلنّاسِ مَعَ كَوْنِهِمْ ظالِمِينَ: قِيلَ: وهَذِهِ الآيَةُ ظاهِرَةٌ في مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ وهو جَوازُ مَغْفِرَةِ الكَبائِرِ والصَّغائِرِ بِدُونِ تَوْبَةٍ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ المَغْفِرَةَ مَعَ الظُّلْمِ أيِ الذَّنْبِ ولا يَكُونُ مَعَهُ إلّا قَبْلَ التَّوْبَةِ لِأنَّ التّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنَ لا ذَنْبَ لَهُ وأوَّلَ ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ بِأنَّ المُرادَ مَغْفِرَةُ الصَّغائِرِ لِمُجْتَنِبِ الكَبائِرِ أوْ مَغْفِرَتُها لِمَن تابَ أوِ المُرادُ بِالمَغْفِرَةِ مَعْناها اللُّغَوِيُّ وهو السَّتْرُ بِالإمْهالِ وتَأْخِيرُ العِقابِ إلى الآخِرَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لا يُعَجِّلُ لِلنّاسِ العُقُوبَةَ وإنْ كانُوا ظالِمِينَ بَلْ يَسْتُرُ عَلَيْهِمْ بِتَأْخِيرِها واعْتُرِضَ التَّأْوِيلُ بِالتَّخْصِيصِ بِأنَّهُ تَخْصِيصٌ لِلْعامِّ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ وأُجِيبَ بِأنَّ الكُفْرَ قَدْ خُصَّ بِالإجْماعِ فَيَسْرِي التَّخْصِيصُ إلى ذَلِكَ وتُعُقِّبَ الأخِيرُ بِأنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ لِأنَّهُ كَما قالَ الإمامُ لا يُسَمّى مِثْلُهُ مَغْفِرَةً وإلّا لَصَحَّ أنْ يُقالَ: الكُفّارُ مَغْفُورُونَ ورُدَّ بِأنَّ المَغْفِرَةَ حَقِيقَتُها في اللُّغَةِ السَّتْرُ وكَوْنُهم مَغْفُورِينَ بِمَعْنى مُؤَخَّرٍ عَذابُهم إلى الآخِرَةِ لا مَحْذُورَ فِيهِ وهو المُناسِبُ لِاسْتِعْجالِهِمُ العَذابَ وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ أنَّ ذَلِكَ مُخالِفٌ لِلظّاهِرِ ولِاسْتِعْمالِ القُرْآنِ وذَكَرَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ أنَّهُ يَجِبُ تَأْوِيلُ الآيَةِ بِأحَدِ الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ لِأنَّها بِظاهِرِها كالحَثِّ عَلى الظُّلْمِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وعَدَ المَغْفِرَةَ البالِغَةَ مَعَ وُجُودِ الظُّلْمِ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ في الكَشْفِ فَقالَ: فِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ الأُسْلُوبَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى بَلِيغُ المَغْفِرَةِ لَهم مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ لِخِلافِها لِتَلَبُّسِهِمْ بِما العُقابُ أوْلى بِهِمْ عِنْدَهُ والظّاهِرُ أنَّ التَّأْوِيلَ بِناءً عَلى مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ وأمّا عَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ فَإنَّما يُؤَوَّلُ لَوْ عَمَّ الظُّلْمُ الكُفْرَ ثُمَّ قالَ: والتَّأْوِيلُ بِالسَّتْرِ والإمْهالِ أحْسَنُ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ ﴾ .
(6) .
لِتَحْقِيقِ الوَعِيدِ بِهِمْ وإنْ كانُوا تَحْتَ سَتْرِهِ وإمْهالِهِ فَفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ إمْهالٌ لا إهْمالٌ والمُرادُ بِالنّاسِ إمّا المَعْهُودُونَ وهُمُ المُسْتَعْجِلُونَ المَذْكُورُونَ قَبْلُ أوِ الجِنْسُ دَلالَةً عَلى كَثْرَةِ الهالِكِينَ لِتَناوُلِهِمْ وأضْرابِهِمْ وهَذا جارٍ عَلى المَذْهَبَيْنِ وكَذا اخْتارَ الطَّيِّبِيُّ هَذا التَّأْوِيلَ وقالَ هو الوَجْهُ والآيَةُ عَلى وزانِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ عَلى ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ وأنْتَ قَدْ سَمِعْتَ ما لَهُ وما عَلَيْهِ فَتَدَبَّرْ واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ إرادَةَ الجِنْسِ مِنَ النّاسِ وهو مُرادٌ أيْضًا في ( شَدِيدُ العِقابِ ) .
والتَّخْصِيصُ بِالكُفّارِ غَيْرُ مُخْتارٍ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ وإنَّ رَبَّكَ ﴾ ..
إلَخْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ لَوْلا عَفْوُ اللَّهِ تَعالى وتَجاوُزُهُ ما هَنَأ أحَدٌ العَيْشَ ولَوْلا وعِيدُهُ وعِقابُهُ لاتَّكَلَ كُلُّ أحَدٍ» <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ قال ابن عباس: «سألوا رسول الله أن يأتيهم العذاب استهزاءً منهم بذلك، فنزل» وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ يعني: بالعذاب قبل العافية وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ يعني: قد مضت من قبلهم العقوبات والنقمات قبل قريش فيمن هلك، وأصل المثلة: الشبه وما يعتبر به، وجمعه المثلات وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ يقول: تجاوز لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ يعني: على شركهم إن تابوا.
ويقال: بتأخير العذاب عنهم وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ لمن مات منهم على شركه.
<div class="verse-tafsir"
يحملُهُ العَرْش، بل العرشُ وَحَمَلَتُهُ محمُولُون بلُطْفِ قُدْرته، ومَقْهُورون في قَبْضته، كان اللَّه ولا شيءَ معه، كان سبَحَانه قَبْلَ أَنْ يخلق المكان والزمان، وهو الآن على ما عليه كان.
وقوله سبحانه: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ: تنبيهٌ على القُدْرة، وفي ضِمْن الشمسِ والقَمَر الكواكِبُ، ولذلك قال: كُلٌّ يَجْرِي أي: كلُّ ما هو في معنى الشَّمْسِ والقَمَرِ، و «الأجلُ المسمَّى» : هو انقضاء الدنيا، وفسادُ هذه البنْيَةِ.
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ: معناه: يُبْرمه وينفذه، وعبَّر بالتدبير، تقريباً للأفهام، وقال مجاهد:
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ: معناه يقضيه وحده.
ولَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ: أي: توقنون بالبعث.
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)
وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ: لما فرغَتْ آيات السماء، ذُكِرَتْ آيات الأرض، وال رَواسِيَ: الجبالُ الثابتة.
وقوله سبحانه: جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ: «الزَوْجِ» في هذه الآية: الصِّنْف والنَّوْع، وليس بالزوْجِ المعروفِ في المتلازمين الفَرْدَيْن من الحيوان وغيره ومنه قوله سبحانه: سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ ...
الآية [يس: ٣٦] ، ومنه: وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [ق: ٧] ، وهذه الآية تقتضِي أنَّ كلَّ ثمرةٍ، فموجودٌ منها نوعانِ، فإِن اتفق أنْ يوجد من ثمرةٍ أكْثَرُ من نوعَيْنِ، فغير ضارّ في معنى الآية، وقِطَعٌ: جَمْعُ قِطْعَة، وهي الأجزاء، وقيد منها في هذا المثال ما جَاوَرَ وقَرُبَ بعضه من بعض لأن اختلاف ذلك في الأكْلِ أَغربُ، وقرأ الجمهور «١» : «وَجَنَّاتٌ» - بالرفع- عطفاً على «قِطَعٌ» ، وقرأ نافع «٢» وغيره: «وَزَرْعٍ وَنَخِيلٍ صِنْوَانٌ وَغَيْرِ صنوان»
بالخفض في الكل- عطفاً على «أعناب» ، وقرأ ابن كثير وغيره: / «وزرعٌ» - بالرفع في الكل- عطفا على «قطع» ، وصِنْوانٌ: جمع صنْو، وهو الفرع يكونُ مع الآخَرِ في أصْلٍ واحدٍ، قال البراءُ بْنُ عازبٍ: «الصِّنْوَان» : المجتمع، وغَيْرُ الصِّنوان: المفترق فرداً فرداً «١» وفي «الصحيحِ» : «العَمُّ صِنْوُ الأَبِ» ، وإِنما نص على الصِّنْوان في هذه الآية لأنها بمثابة التجاوز في القطع تظهر فيها غرابةُ اختلاف الأَكْلِ، والْأُكُلِ- بضم الهمزة-: اسم ما يؤكل، والأكل المَصْدَر، وحكى الطبري «٢» عن ابن عبَّاس وغيره: قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ:
أي: واحدة سبخة، وأخرى عَذْبَة، ونحو هذا من القولِ «٣» ، وقال قتادة: المعنى: قُرًى مُتَجَاوِرَاتٌ «٤» .
قال ع «٥» : وهذا وجْهٌ من العبرة، كأنه قال: وفي الأرض قِطَعٌ مختلفاتٌ بتخصيصِ اللَّه لها بمعانٍ فهي تُسْقَى بماءٍ واحدٍ، ولكن تختلف فيما تُخْرِجُه، والذي يظهر من وصفه لها بالتجاوز أنها من تُرْبةٍ واحدةٍ، ونوعٍ واحدٍ، وموضِعُ العِبْرة في هذا أَبْيَنُ، وعلى المَعْنَى الأول قال الحَسَنُ: هذا مَثَلٌ ضربه اللَّه لقلوبِ بَني آدم: الأرضُ واحدةٌ، وينزل عليها ماءٌ واحدٌ من السَّماء، فتخرجُ هذه زهرةً وثمرةً، وتخرجُ هذه سبخةً وملحاً وخبثاً، وكذلك النَّاس خُلِقُوا من آدم، فنزلَتْ عليهم من السماء تذكرةٌ، فَرَقَّتْ قلوبٌ وَخَشَعَتْ، وقَسَتْ قلوبٌ ولَهَتْ.
قال الحسن: فو الله، ما جالَسَ أحدٌ القُرْآن إِلاَّ قَامَ عَنْه بزيادةٍ أو نقصانٍ، قال اللَّه تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً «٦» [الإسراء: ٨٢] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَعْجَبْ ﴾ أيْ: مِن تَكْذِيبِهِمْ وعِبادَتِهِمْ مالا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ بَعْدَما رَأوْا مِن تَأْثِيرِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في خَلْقِ الأشْياءِ، فَإنْكارِهِمُ البَعْثَ مَوْضِعُ عَجَبٍ.
وقِيلَ: المَعْنى وإنْ تَعْجَبْ بِما وقَفْتَ عَلَيْهِ مِنَ القِطَعِ المُتَجاوِراتِ وقُدْرَةِ رَبِّكَ في ذَلِكَ، فَعَجَبٌ جَحَدُهُمُ البَعْثَ، لِأنَّهُ قَدْ بانَ لَهم مِن خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ البَعْثَ أسْهَلُ في القُدْرَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أإذا كُنّا تُرابًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو " آيِذا كُنّا تُرابًا آيِنّا " جَمِيعًا بِالِاسْتِفْهامِ، غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرٍو يَمُدُّ الهَمْزَةَ ثُمَّ يَأْتِي بِالياءِ ساكِنَةً، وابْنُ كَثِيرٍ يَأْتِي بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ مَدٍّ.
وقَرَأ نافِعٌ " آيِذا " مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، واخْتُلِفَ عَنْهُ في المَدِّ، وقَرَأ " إنّا لَفي خَلْقٍ " مَكْسُورَةً عَلى الخَبَرِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ " أإذا كُنّا " " أإنّا " بِهَمْزَتَيْنِ فِيهِما.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " إذا كُنّا تُرابًا " مَكْسُورَةَ الألِفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، " آإنّا " يَهْمِزُ ثُمَّ يَمُدُّ ثُمَّ يَهْمِزُ عَلى وزْنِ: عاعِنّا.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أيْضًا " أإذا " بِهَمْزَتَيْنِ لا ألِفَ بَيْنَهُما.
والأغْلالُ جَمْعُ غُلٍّ، وفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أغْلالُ يَوْمِ القِيامَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّها الأعْمالُ الَّتِي هي أغْلالٌ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وأنْهارًا ومِن كُلِّ الثَمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَيْلَ النَهارَ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ﴿ وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وجَنّاتٌ مِن أعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٌ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ لَمّا فَرَغَتْ آياتُ السَماءِ ذَكَرَ آياتِ الأرْضِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ مَدَّ الأرْضَ ﴾ يَقْتَضِي أنَّها بَسِيطَةٌ لا كُرَوِيَّةٌ، وهَذا هو ظاهِرُ الشَرِيعَةِ.
والرَواسِي: الجِبالُ الثابِتَةُ، يُقالُ: "رَسا يَرْسُو" إذا ثَبَتَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: بِهِ خالِداتٌ ما يُرَمْنَ وهامِدٌ ∗∗∗ وأشْعَثُ أرْسَتْهُ الوَلِيدَةُ بِالفِهْرِ والزَوْجُ في هَذِهِ الآيَةِ هو الصِنْفُ والنَوْعُ، ولَيْسَ بِالزَوْجِ المَعْرُوفِ بِالمُتَلازِمِينَ الفَرْدَيْنِ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها ﴾ الآيَةَ، وَمِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ: " والأرْضَ مَدَدْناها " الآيَةَ في (ق)، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ كُلَّ ثَمَرَةٍ فَمَوْجُودٌ مِنها نَوْعانِ، فَإنِ اتَّفَقَ أنْ يُوجَدَ في ثَمَرَةٍ أكْثَرُ مِن نَوْعَيْنِ فَغَيْرُ ضارٍّ في مَعْنى الآيَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "يُغْشِي" بِسُكُونِ الغَيْنِ وتَخْفِيفِ الشِينِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ - بِفَتْحِ الغَيْنِ وتَشْدِيدِ الشِينِ، وكَفى ذِكْرُ الواحِدِ ذِكْرَ الآخَرِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
ويُشْبِهُ أنَّ الأزْواجَ الَّتِي يُرادُ بِها الأنْواعُ والأصْنافُ والأجْناسُ إنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ مِن حَيْثُ هي اثْنانِ اثْنانِ في كُلِّ ثَمَرَةٍ ذَكَرٌ أو أُنْثى، وأشارَ إلى ذَلِكَ الفَرّاءُ عِنْدَ المَهْدَوِيِّ، وحَكى عنهُ غَيْرُهُ ما يَقْتَضِي أنَّ المَعْنى تَمَّ في قَوْلِهِ: "الثَمَراتِ"، ثُمَّ ابْتَدَأ أنَّهُ جَعَلَ في الأرْضِ مِن كُلِّ ذَكَرٍ وأُنْثى زَوْجَيْنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ ﴾ جَمْعُ قِطْعَةٍ، وهي الأجْزاءُ، وقَيَّدَ مِنها في هَذا المِثالِ ما تَجاوَرَ وقَرُبَ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ لِأنَّ اخْتِلافَ ذَلِكَ في القُرْبِ أغْرَبُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَجَنّاتٌ" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى "قِطَعٌ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "وَجَنّاتٍ" بِالنَصْبِ بِإضْمارٍ فِعْلٍ، وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى "رَواسِيَ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "وَزَرْعٌ ونَخِيلٌ صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ" بِالرَفْعِ في الكُلِّ عَطْفًا عَلى "قِطَعٌ"، وقَرَأ الباقُونَ بِالخَفْضِ في الكُلِّ عَطْفًا عَلى "أعْنابٍ"، وجَعَلَ الجَنَّةَ مِنَ الأعْنابِ، ومَن رَفَعَ "الزَرْعَ" فالجَنَّةُ حَقِيقَةً هي الأرْضُ الَّتِي فِيها الأعْنابُ، وفي ذَلِكَ تَجَوُّزٌ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ مِنَ النَواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقًا أيْ نَخِيلَ جَنَّةٍ، إذْ لا يُوصَفُ بِالسَحَقِ إلّا النَخْلُ.
ومَن خَفَضَ الزَرْعَ فالجَنّاتُ مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ لا مِنَ الزَرْعِ وحْدَهُ، لِأنَّهُ لا يُقالُ لِلْمَزْرَعَةِ جَنَّةً إلّا إذا خالَطَتْها شَجَراتٌ.
و"صِنْوانٌ" جَمْعُ صِنْوٍ وهو الفَرْعُ يَكُونُ مَعَ الآخَرِ في أصْلٍ واحِدٍ، ورُبَّما كانَ أكْثَرَ مِن فَرْعَيْنِ، قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: الصِنْوانُ: المُجْتَمِعُ، وغَيْرُ الصِنْوانِ: المُتَفَرِّقُ فَرْدًا فَرْدًا، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "العَمُّ صِنْوُ الأبِ"،» ورُوِيَ «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أسْرَعَ إلَيْهِ العَبّاسُ في مُلاحاةٍ، فَجاءَ إلى النَبِيِّ فَقالَ: أرَدْتُ يا رَسُولَ اللهِ أنْ أقُولَ لِلْعَبّاسِ فَذَكَرْتُ مَكانَكَ مِنهُ فَسَكَتُّ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "يَرْحَمُكَ اللهُ يا عُمَرُ، العَمُّ صِنْوُ الأبِ"،» وجَمْعُ الصِنْوِ صِنْوانٌ، وهو جَمْعٌ مُكَسَّرٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وكَسْرَةُ الصادِ في الواحِدِ لَيْسَتِ الَّتِي في الجَمْعِ، وهو جارٍ مَجْرى فُلْكٍ، وتَقُولُ: صِنْوٌ وصِنْوانٌ في الجَمْعِ بِتَنْوِينِ النُونِ وإعْرابِهِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ القَوّاسِ -عن حَفْصٍ: "صُنْوانٌ" بِضَمِّ الصادِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هو مِثْلُ ذِئْبٍ وذُؤْبانٌ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُصَرِّفٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيِّ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وقَيْسٍ، وكَسْرُ الصادِ هي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: "صَنْوانٌ" بِفَتْحِ الصادِ، وهو اسْمُ جَمْعٍ لا جَمْعٌ، ونَظِيرُ هَذِهِ اللَفْظَةِ قَبْوُ وقَبْوانٌ، وإنَّما نُصَّ عَلى "الصِنْوانِ" في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّها بِمَثابَةِ التَجاوُرِ في القِطَعِ تَظْهَرُ فِيهِ غَرابَةُ اخْتِلافِ الأكْلِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وأهْلُ مَكَّةَ: "تُسْقى" بِالتاءِ، وأمالَ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ القافَ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "يُسْقى" بِالياءِ عَلى مَعْنى: يُسْقى ما ذُكِرَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُفَضِّلُ" بِالنُونِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَيُفَضِّلُ" بِالياءِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يُسْقى" و"يُفَضِّلُ" بِالياءِ فِيهِما، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وأبُو حَيْوَةَ: "وَيُفَضَّلُ" بِالياءِ وفَتْحِ الضادِ "بَعْضُها" بِالرَفْعِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وجَدْتُهُ كَذَلِكَ في لَفْظِ يَحْيى بْنِ يَعْمُرَ في مُصْحَفِهِ، وهو أوَّلُ مَن نَقَطَ المَصاحِفَ.
و"الأُكُلُ" اسْمُ ما يُؤْكَلُ، بِضَمِّ الهَمْزَةِ، والأكْلُ المَصْدَرُ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فِي الأُكُلِ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ والكافِ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا في البَقَرَةِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن غَيْرِ واحِدٍ - ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ-: ﴿ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ﴾ أيْ: واحِدَةٌ سَبْخَةٌ والأُخْرى عَذْبَةٌ ونَحْوَ هَذا مِنَ القَوْلِ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى: قُرًى مُتَجاوِراتٌ.
وهَذا وجْهٌ مِنَ العِبْرَةِ، كَأنَّهُ قالَ: وفي الأرْضِ قِطَعٌ مُخْتَلِفاتٌ بِتَخْصِيصِ اللهِ لَها بِمَعانٍ، فَهي تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ولَكِنْ تَخْتَلِفُ فِيما تُخْرِجُهُ، والَّذِي يَظْهَرُ مِن وصْفِهِ لَها بِالتَجاوُرِ إنَّما هو مِن تُرْبَةٍ واحِدَةٍ ونَوْعٍ واحِدٍ، والعِبْرَةُ في هَذا أُبْيَنُ، لِأنَّها مَعَ اتِّفاقِها في التُرْبَةِ والماءِ تُفَضِّلُ القُدْرَةُ والإرادَةُ بَعْضَ أُكُلِها عَلى بَعْضٍ، كَما قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ حِينَ سُئِلَ عن هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: « (الدَقَلُ والفارِسِيُّ والحُلْوُ والحامِضُ)،» وعَلى المَعْنى الأوَّلِ قالَ الحَسَنُ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِقُلُوبِ بَنِي آدَمَ، كانَتِ الأرْضُ في يَدِ الرَحْمَنِ طِينَةً واحِدَةً، فَسَطَّحَها فَصارَتْ قِطَعًا مُتَجاوِرَةً فَيَنْزِلُ عَلَيْها ماءٌ واحِدٌ مِنَ السَماءِ، فَتُخْرِجُ هَذِهِ زَهْرَةً وثَمَرَةً، وتُخْرِجُ هَذِهِ سَبْخَةً ومِلْحًا وخَبَثًا، فَكَذَلِكَ الناسُ خُلِقُوا مِن آدَمَ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَماءِ تَذْكِرَةٌ فَرَقَّتْ قُلُوبٌ وخَشَعَتْ، وقَسَتْ قُلُوبٌ، ولَهَتْ قُلُوبٌ، ووَجَفَتْ قُلُوبٌ، قالَ الحَسَنُ: فَوَ اللهِ ما جالَسَ أحَدٌ القُرْآنَ إلّا قامَ عنهُ بِزِيادَةٍ أو نُقْصانٍ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظالِمِينَ إلا خَسارًا ﴾ ، والتَفْضِيلُ في الأُكُلِ [يَشْمَلُ] الأذْواقَ والألْوانَ والمَلْمَسَ وغَيْرَ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
جملة ﴿ ويستعجلونك ﴾ عطفٌ على جملة ﴿ وإن تعجب ﴾ [الرعد: 5]، لأن كلتا الجملتين حكاية لغريب أحوالهم في المكابرة والعناد والاستخفاف بالوعيد.
فابتدأ بذكر تكذيبهم بوعيد الآخرة لإنكارهم البعث، ثم عطف عليه تكذيبهم بوعيد الدنيا لتكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم وفي الاستخفاف بوعيد نزول العذاب وعَدّهم إياه مستحيلاً في حال أنهم شاهدوا آثار العذاب النازل بالأمم قبلهم، وما ذلك إلا لذهولهم عن قدرة الله تعالى التي سيق الكلام للاستدلال عليها والتفريع عنها، فهم يستعجلون بنزوله بهم استخفافاً واستهزاء كقولهم: ﴿ فأمطر علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ﴾ [الأنفال: 32]، وقولهم: ﴿ أو تُسقِطَ السماءَ كما زعمتَ علينا كِسَفا ﴾ [الإسراء: 93].
والباء في بالسيئة } لتعدية الفعل إلى ما لم يكن يتعدى إليه.
وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ ما عندي ما تستعجلون به ﴾ في سورة الأنعام (57).
والسيئة: الحالة السيئة.
وهي هنا المصيبة التي تسوء من تحل به.
والحسنة ضدها، أي أنهم سألوا من الآيات ما فيه عذاب بسوء، كقولهم: ﴿ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطِر علينا حجارةً من السماء ﴾ [الأنفال: 32] دون أن يسألوا آية من الحسنات.
فهذه الآية نزلت حكاية لبعض أحوال سؤالهم الظّانين أنه تعجيز، والدالين به على التهكم بالعذاب.
وقبْليّة السيئة قبلية اعتبارية، أي مختارين السيئة دون الحسنة.
وسيأتي تحقيقه عند قوله تعالى: ﴿ قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة ﴾ في سورة النمل (46) فانظره.
وجملة وقد خلت من قبلهم المثلات} في موضع الحال.
وهو محل زيادة التعجيب لأن ذلك قد يعذرون فيه لو كانوا لم يروا آثار الأمم المعذبة مثل عاد وثمود.
والمَثُلات بفتح الميم وضم المثلثة: جمع مَثُلة بفتح الميم وضم الثاء كسَمُرة، وبضم الميم وسكون الثاء كعُرْفة: وهي العقوبة الشديدة التي تكون مثالاً تُمثل به العقوبات.
وجملة ﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ﴾ عطف على جملة ﴿ وقد خلت من قبلهم المثلات ﴾ .
وهذا كشف لغرورهم بتأخير العذاب عنهم لأنهم لمّا استهزأوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وتعرضوا لسؤال حلول العذاب بهم ورأوا أنه لم يعجل لهم حلوله اعترتهم ضراوة بالتكذيب وحسبوا تأخير العذاب عَجْزاً من المتوعد وكذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وهم يجهلون أن الله حليم يُمهل عباده لعلهم يرجعون، فالمغفرة هنا مستعملة في المغفرة الموقتة، وهي التجاوز عن ضراوة تكذيبهم وتأخير العذاب إلى أجل، كما قال تعالى: ﴿ ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحسبه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ﴾ [سورة النحل: 34].
وقرينة ذلك أن الكلام جار على عذاب الدنيا وهو الذي يقبل التأخير كما قال تعالى: ﴿ إنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون ﴾ [الدخان: 15]، أي عذاب الدنيا، وهو الجوع الذي أصيب به قريش بعد أن كان يطعمهم من جوع.
وعلى } في قوله: ﴿ على ظلمهم ﴾ بمعنى ﴿ مع ﴾ .
وسياق الآية يدل على أن المراد بالمغفرة هنا التجاوز عن المشركين في الدنيا بتأخير العقاب لهم إلى أجل أراده الله أو إلى يوم الحساب، وأن المراد بالعقاب في قوله: ﴿ وإن ربك لشديد العقاب ﴾ ضد تلك المغفرة وهو العقاب المؤجل في الدنيا أو عقاب يوم الحساب، فمحمل الظلم على ما هو المشهور في اصطلاح القرآن من إطلاقه على الشرك.
ويجوز أن يحمل الظلم على ارتكاب الذنوب بقرينة السياق كإطلاقه في قوله تعالى: ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ﴾ [سورة النساء: 160] فلا تعارض أصلاً بين هذا المحمل وبين قوله: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ [النساء: 48] كما هو ظاهر.
وفائدة هذه العلاوة إظهار شدة رحمة الله بعباده في الدنيا كما قال: ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى ﴾ [فاطر: 45].
وجملة وإن ربك لشديد العقاب} احتراس لئلا يحسبوا أن المغفرة المذكورة مغفرة دائمة تعريضاً بأن العقاب حال بهم من بعد.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي بِالعُقُوبَةِ قَبْلَ العافِيَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: بِالشَّرِّ قَبْلَ الخَيْرِ، وهو قَوْلٌ رَواهُ سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ.
الثّالِثُ: بِالكُفْرِ قَبْلَ الإجابَةِ.
رَواهُ القاسِمُ بْنُ يَحْيى.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: بِالقِتالِ قَبْلَ الِاسْتِرْشادِ.
﴿ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الأمْثالُ الَّتِي ضَرَبَها اللَّهُ تَعالى لَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّها العُقُوباتُ الَّتِي مَثَّلَ اللَّهُ تَعالى بِها الأُمَمَ الماضِيَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّها العُقُوباتُ المُسْتَأْصِلَةُ الَّتِي لا تَبْقى مَعَها باقِيَةٌ كَعُقُوباتِ عادٍ وثَمُودَ حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ والمَثُلاتُ: جَمْعُ مَثُلَةٍ.
﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَغْفِرُ لَهم ظُلْمَهُمُ السّالِفَ بِتَوْبَتِهِمْ في الآنِفِ، قالَهُ القاسِمُ بْنُ يَحْيى.
الثّانِي: يَغْفِرُ لَهم بِعَفْوِهِ عَنْ تَعْجِيلِ العَذابِ مَعَ ظُلْمِهِمْ بِتَعْجِيلِ المَعْصِيَةِ.
الثّالِثُ: يَغْفِرُ لَهم بِالإنْظارِ تَوَقُّعًا لِلتَّوْبَةِ.
﴿ وَإنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقابِ ﴾ فَرَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ «أنَّ النَّبِيَّ قالَ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: لَوْلا عَفْوُ اللَّهِ وتَجاوُزُهُ ما هَنَّأ أحَدٌ العَيْشَ، ولَوْلا وعِيدُهُ وعِقابُهُ لاتَّكَلَ كُلُّ أحَدٍ.
» ( <div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة ﴾ قال: بالعقوبة قبل العافية ﴿ وقد خلت من قبلهم المثلات ﴾ قال: وقائع الله في الأمم فيمن خلا قبلهم.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: ﴿ المثلات ﴾ ما أصاب القرون الماضية من العذاب.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقد خلت من قبلهم المثلات ﴾ قال: الأمثال.
وأخرج ابن جرير عن الشعبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقد خلت من قبلهم المثلات ﴾ قال: القردة والخنازير، هي المثلات.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس- رضي الله عنهما ﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب ﴾ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا عفو الله وتجاوزه، ما هنأ لأحد العيش، ولولا وعيده، وعقابه، لاتَّكَلَ كُلُّ أحد» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ﴾ ، قال ابن عباس (١) (٢) وقال أبو إسحاق (٣) ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ ﴾ قال المفسرون (٤) أن يأتيهم العذاب استهزاءً منهم بذلك، كما أخبر عنهم في آية أخرى بقوله ﴿ وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ ﴾ الآية، فالمراد بالسيئة هاهنا العقوبة المهلكة والعذاب، والحسنة هي العافية والرخاء، والله تعالى صرف عمن بعث إليه محمد عقوبة الاصطلام (٥) قال أهل المعاني: وهي إحسانه بالإنظار في حكم (٦) وقوله تعالى ﴿ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ ﴾ العرب (٧) (٨) (٩) وقال ابن الأنباري (١٠) (١١) قال أبو عبيدة (١٢) (١٣) وقال الزجاج (١٤) قال ابن عباس في قوله ﴿ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ ﴾ ، قال: ما مثّل الله بالمكذبين قبلهم، والذي يدل من التفسير على ما ذكرنا من الاشتقاق، ما روى ابن أبي نجيح عن مجاهد (١٥) ﴿ الْمَثُلَاتُ ﴾ قال: الأمثال، قال أبو بكر: العقوبة يتذاكرها (١٦) (١٧) (١٨) ثم أصْدَرْنَاهُمَا في وارِدٍ ....
صَادرٍ وهمٍ صُوَاه قد مَثَلْ أي انتصب وظهر، قال الأزهري (١٩) وقوله تعالى ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ ﴾ قال ابن عباس (٢٠) ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ للمصرِّين على الشرك، ونحو هذا قال الحسن (٢١) ﴿ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ ﴾ بالتوبة منه، فعلى هذا المراد بالناس المشركون وهو الظاهر؛ لأن الآية نازلة فيهم.
(١) "زاد المسير" 4/ 305.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 139.
(٤) الثعلبي 7/ 121 ب، والطبري 13/ 105، وقد روى هذا المعنى عن قتادة وغيره، و"زاد المسير" 4/ 305، والقرطبي 9/ 284.
(٥) الاصطلام: الاستئصال، واصطُلِمَ القوم: أبيدوا، والاصطلام: إذا أبيد قوم من أصلهم.
انظر: "تهذيب اللغة" (صلم) 2/ 2047، و"اللسان" (صلم) 4/ 2489.
(٦) في (ب): (في حلم).
(٧) "تهذيب اللغة" (مثل) 4/ 3342، واللسان" (مثل) 7/ 4135.
(٨) "معاني القرآن" 2/ 59.
(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 139.
(١٠) "زاد المسير" 4/ 306.
(١١) في (ب): (أنفه وأذنه).
(١٢) "مجاز القرآن" 1/ 323 قال: واحدتها مَثُلة ومجازها مجاز الأمثال.
(١٣) "مشكل القرآن وغريبه" ص 230.
(١٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 140.
(١٥) الطبري 13/ 105، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم 7/ 2223، وأبو الشيخ كما في "الدر" 4/ 86.
(١٦) في (ج): (يتذاكراها).
(١٧) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).
(١٨) البيت في "ديوانه" ص 143، و"ديوان الأدب" 3/ 229، وكتاب "العين" 2/ 132، 7/ 423، و"تاج العروس" 15/ 684 (مثل)، و"مقاييس اللغة" 2/ 478، و"المعاني الكبير" ص 1101، و"تهذيب اللغة" (مثل) 4/ 3343، و"اللسان" (مثل) 7/ 4135.
والوارد والصادر: الطريق، وهم.
واسع ضخم، صوى الطريق: أعلامه، قد مثل: شخص وبرز.
(١٩) "تهذيب اللغة" (مثل) 4/ 3342.
(٢٠) "زاد المسير" 4/ 6306.
(٢١) "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 294 بنحوه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة ﴾ أي بالنقمة قبل العافية، والمعنى: أنهم طلبوا العذاب على وجه الاستخفاف ﴿ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثلات ﴾ جمع مثلة على وزن تمرة وهي العقوبة العظيمة التي تجعل الإنسان مثلاً، والمعنى كيف يطلبون العذاب وقد أصابت العقوبات الأمم الذين كانوا قبلهم أفلا يخافون مثل ذلك؟
﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ ﴾ يريد ستره وإمهاله في الدنيا للكفار والعصاة، وقيل: يريد مغفرته لمن تاب، والأول أظهر هنا.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ ﴾ .
قوله: ﴿ رَفَعَ ﴾ أي: أنشأها مرفوعة؛ لا أنها كانت موضوعة فرفعها؛ ولكن جعلها في الابتداء مرفوعة، وكذلك قوله: ﴿ وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ ﴾ ﴿ مَدَّ ٱلأَرْضَ ﴾ ﴿ وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا ﴾ ونحو ذلك؛ أي: أنشأها مرفوعة ممدودة؛ لا أنها كانت مرفوعها فوضعها، أو كانت منقبضة فبسطها؛ ولكن أنشأها كذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾ .
قال بعضهم: هي بعمد لكن لا ترونها؛ أي: ترونها بغير عمد وهي بعمد.
وقال بعضهم: هي بغير عمد على ما أخبر؛ ولكن اللطف والأعجوبة بما يمسكها بعمد لا ترى؛ كاللطف والأعجوبة فيما يمسكها بغير عمد؛ لأن في الشاهد لم يعرف؛ ولا قدر على رفع سقف فيه سعة وبعد بغير عمد لا ترى، لكن ما يرفع إنما [يرفع بعمد] ترى؛ فاللطف في هذا كاللطف في الآخر.
وفيه دلالة قدرته على البعث؛ لأنه ذكر هذا ثم قال: ﴿ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾ أي: من: قدر على رفع السماء - مع سعتها وبُعدها - بلا عمد؛ لقادر على إعادة الخلق؛ وبعثهم؛ وإحيائهم بعد الموت، بل رفع السماء مع سعتها وبعدها، بلا عمد، أكبر من إعادة الشيء بعد فنائه؛ إذ في الشاهد من قد يقدر على إعادة أشياء بعد فنائها؛ ولا يقدر على رفع سقف؛ ذي سعة وبعد؛ بغير عمد.
من ذا الوجه أمكن أن يحتج.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ .
لما لم يفهم من قوله: ﴿ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ مدبر المكان؛ وإن كان في الشاهد يفهم منه المكان؛ إذا أضيف إلى المخلوق - لم يجز أن يفهم من استوائه [ما يفهم من استواء] الخلق.
وبعد فإن في الشاهد؛ إذا قيل: فلان استولى أمر بلدة كذا؛ أو استوى أمره؛ لم يفهم منه [المكان، بل فهم منه] نفاذ الأمر والسلطان والمشيئة؛ فعلى ذلك لم يجز أن يفهم من الله إذا أضيف إليه المكان.
وأصله: ما ذكرنا فيما تقدم أنه أخبر أنه ليس كمثله شيء؛ فهو في كل شيء؛ وكل وجه؛ لا يشبه الخلق؛ إذ الخلق - في الشاهد - لا يشبه بعضه بعضاً من جميع الجهات؛ إنما يشبه بعضهم بعضاً بجهة، ثم صاروا جميعاً أشكالا وأشباهاً؛ بتلك الجهة التي وقعت بينهم تشابه؛ فإذاً الله وتعالى لما أخبر أنه ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ دل أنه إنما نفى عنه الجهات التي [يقع بها] التشابه والمثل؛ فهو يخالف الخلق من جميع الوجوه.
وهذه مسألة مذكورة فيما تقدم: اختُلف في العرش: قال بعضهم: العرش: هو الممتحنون بهم، استوى تدبير إنشاء غيرهم من العالم؛ لأنهم هم المقصودون في إنشاء ذلك كله.
وقال بعضهم: العرش: البعث به؛ استوى وتم تدبير إنشاء الخلائق؛ ما لولا البعث يكون إنشاؤهم عبثاً باطلا؛ كقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\] جعل عدم الرجوع إليه إنشاء الخلق عبثاً.
وقال بعضهم: العرش: هو الملك؛ وبه تم ما ذكر، وقيل: هو سرير الملك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ ﴾ على ما في العقل أنه عن تدبير مدبر خرج؛ وعن علم وحكمة وضع؛ ليس على الجزاف بلا تدبير ولا علم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ ﴾ يحتمل: يبين الحجج والبراهين.
ويحتمل: ﴿ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ ﴾ أي: آيات القرآن أنزلها بالتفاريق؛ لا مجموعة.
﴿ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾ .
هو ما ذكرنا أن فيما ذكر من الآيات والتدبير؛ ورفع السماء بلا عمد؛ دلالة البعث والإحياء بعد الموت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ ﴾ هو كما ذكرنا في قوله: ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً ﴾ ومصيرهم وبروزهم؛ وأمثاله.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ وَإِلَى ٱلأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾ وكله واحد، وقال: ﴿ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً ﴾ و ﴿ مِهَٰداً ﴾ .
يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم.
﴿ مَدَّ ٱلأَرْضَ ﴾ أي: بسطها وجعل فيها رواسي؛ ذكر أنها بسطت على الماء؛ فكانت تكفو بأهلها وتضطرب؛ كما تكفو السفينة؛ فأرساها بالجبال الثِّقال؛ فاستقرت وثبتت.
وذُكر أنها مدت وبسطت على الهواء؛ ثم أثبتها بما ذكر من الجبال، ولكن لو [كان أنها] ما ذكر؛ لكان يجيء ألا يكون بالجبال ثباتها واستقرارها؛ لأن الأرض والجبال من طبعها التسفل والانحدار في الماء والهواء؛ وكلما زيد من ذلك النوع كان في التسفل والانحدار أكثر وأزيد، فلا يكون بها الثبات والاستقرار؛ بل إنما يكون الثبات والاستقرار بشيء من طبعه العلو والارتفاع؛ فيمنع ذلك الشيء الذي من طبعه العلو عن التسفل والانحدار؛ إلا أن يقال: إنها كانت لا تتسفل ولا تتسرب؛ ولكن تضطرب وتميد بأهلها؛ على ما ذكره - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ ﴾ فإن كان على هذا؛ فيكون بالجبال ثباتها واستقرارها؛ ومنعها عن الاضطراب والميلان.
أو ذكر هذا ليعلم لطفه وقدرته؛ حيث أمسكها بشيء من طبعه التسفل والانحدار، وهي في نفسها كذلك؛ ليعلم قدرة الله ولطفه في كل شيء.
والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَدَّ ٱلأَرْضَ ﴾ .
أي: أنشأها ممدودة؛ لا أنها كانت مجموعة في مكان فبسطها؛ على ما ذكر من رفع السماء ونحوه.
﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ وَأَنْهَاراً ﴾ .
جعل الله - عز وجل - الأشياء أكثرها بأسباب؛ تعليماً منه الخلق؛ ليكون ذلك عليهم أهون، وإن كان جعل الأشياء عليه بأسباب [وبغير أسباب سواء]؛ إذ هو قادر بذاته، يذكر هذا: إما بحق النعم التي أنعمها عليهم؛ من مد الأرض وبسطها؛ وإثباتها بالرواسي التي ذكر؛ وجعل الأنهار فيها ليصلوا إلى الانتفاع بها؛ ليتأدى بذلك شكره، أو يذكر بحق الإخبار عن قدرته وسلطانه؛ لأنه جعل الأرض بحيث لا يدخل فيها شيء؛ فأخبر أنه أدخل فيها الجبال مع كثافتها وعظمتها ليعرفوا قدرته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْهَاراً ﴾ أي: وجعل فيها أنهاراً؛ أخبر أنه مد الأرض وبسطها؛ وجعلها مستقرة ثابتة؛ ليستقروا عليها، ثم أخبر أنه جعل فيها أنهاراً؛ لينتفعوا بها من جميع أنواع المنافع، ثم أخبر أنه جعل فيها من كل الثمرات زوجين.
قال بعض أهل التأويل: ﴿ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ﴾ أي: لونين.
وقال بعضهم: ذو طعمين؛ لكن يكون منها ألوان أكثر من لونين: أحمر، وأبيض، وأسود، وأصفر، ونحوه، وكذلك الطعم: يكون حامضاً وحلواً ومرّاً ومزّاً، إلا أن يقال: ﴿ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ﴾ : الطيب والخبيث؛ فلا يكون ثالث؛ وأما اللون؛ فإنه يكون ذا ألوان وذا طعوم.
وقال بعضهم الذكر والأنثى؛ فهذا يصح إذا أراد به الشجر؛ فمنه ما يثمر ومنه ما لا يثمر؛ فالذي يثمر: هو أنثى، والذي لا يثمر: هو ذكر.
وأما على غير هذا فإنه لا يصح.
وأصل الزوجين: هو اسم أشكال وأمثال واسم أضداد؛ ففيه دليل نفي ذلك كله عن الله، وأصل الزوج: هو من له المقابل من الأشكال والأضداد؛ أخبر أنه جعل الخلق كله ذا أشكال وأضداد؛ من نحو الليل والنهار؛ والذكر والأنثى؛ فهو في حق المنافع كشيء واحد في حق أنفسهم؛ كالأشياء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُغْشِى ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ ﴾ .
أي: يذهب ظلمة الليل بضوء النهار؛ وضوء النهار بظلمة الليل، أو يلبس أحدهما الآخر، أو يغطي الليل ما هو بالنهار بادٍ ظاهر للخلق، وبالنهار ما هو مستور خفي على الخلق والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .
فيما ذُكِر؛ دلالة البعث والإحياء، ودلالة التدبير والعلم والحكمة، ودلالة الوحدانية.
﴿ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ في آياته وحججه لا لقوم يعاندون آياته ويكابرونها.
وقوله: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .
ذكر أن الآيات تكون آيات لهم؛ بالتفكر والنظر فيها؛ والله أعلم؛ لا أن تصير آيات مجاناً بالبديهة.
أو يقول: إن منفعة الآيات تكون لمن تفكر فيها؛ لا لمن ترك التفكر والنظر.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ ﴾ .
دل قوله: ﴿ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ ﴾ أن التجاور إنما يذكر ويثبت إذا كانت الأرض [قطعاً، وأما إذا كانت الأرض] أرضاً واحدة؛ فإنه لا يقال فيها التجاور؛ فهذا يبطل قول من يقول: إن التجاور إنما يذكر فيما فيه الشركة؛ فتجب الشفعة فيما فيه الشركة؛ وأما في غيره فلا تجب وأمَّا عندنا: هو ما ذكر - عز وجل -: أنه إنما أثبت التجاور في الأرض التي صارت قطعاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ ﴾ .
القطع المتجاورات: هي الأرضون الضواحي التي تصلح للزرع.
﴿ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ ﴾ أي: جنات متجاورات أيضاً، والجنات هي البساتين المحفوفة بالأشجار؛ فيها ألوان الثمار.
﴿ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ﴾ .
قيل: ﴿ صِنْوَانٌ ﴾ هو النخلتان في أصل واحد، ﴿ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ﴾ : النخل المتفرق وقيل: الصنوان: ما كان أصله واحداً؛ وهو متفرق، ﴿ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ﴾ التي تنبت وحدها: وقيل: ﴿ صِنْوَانٌ ﴾ : هي النخلة تخرج؛ فإذا خرجت انشعبت بعد خروج الأصل؛ فهو الصنوان، ولهذا قيل: "عَمُّ الرجل صنو أبيه" ﴿ يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ ﴾ .
أي: يسقي ما ذكر؛ من الزروع والنخيل والثمار والجنان بماء واحد.
﴿ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ ﴾ .
يذكر هذا - والله أعلم - أن جوهر الأرض كلها واحد؛ وهي قطع متجاورة؛ بعضها ببعض، ثم هي مختلفة في حق الثمار والفواكه، وكذلك الأشجار والنخيل؛ كلها من جوهر واحد من جنس واحد، والأرض في جوهرها واحد وتسقى كلها بماء واحد؛ ثم يخرج مختلفاً في ألوانها وطعومها وطيبها وخبيثها ومناظرها؛ ليعلم أنها لم تكن بنفسها؛ ولا بالأسباب التي جعل لها؛ ولكن بلطف واحدٍ مدبِّرٍ عليم حكيم؛ لأنها لو كانت بأنفسها وطباعها أو بالأسباب، لكانت كلها واحدة متفقة في طيبها وخبيثها وألوانها وطعومها؛ فلما لم يكن ما ذكرنا على لون واحد ولا طعم واحد ولا منظر واحد؛ دل أنه كان بتدبير مدبر واحد؛ عليم لطيف.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ ﴾ .
قيل: في الحمل؛ بعضها أكثر حملا من بعض، وبعضها يحمل؛ وبعضها لا، ولكن ما ذكرنا في الطيب والخبيث والطعم واللون والمنظر - مفضل بعضه على بعض.
وأصله: أن الأرض واحدة متجاورة؛ متصلة بعضها ببعض، والماء واحد أيضاً؛ ثم خرجت الثمار والفواكه والزروع والأعناب مختلفة متفرقة؛ ليعلم أن ذلك ليس هو عمل الأرض؛ ولا عمل الماء، ولا عمل الأسباب والطباع؛ ولكن باللطف من الله، لأنه لو كان بالماء أو الأرض؛ أو بالأسباب أو الطباع؛ لكانت متفقة مستوية.
﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ ﴾ لما ذكرنا من وحدانيته؛ وتدبيره؛ وعلمه؛ وحكمته.
﴿ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ أي: لقوم همتهم العقل والفهم؛ والنظر والتفكر في الآيات، لا لقوم همتهم العناد والمكابرة، أو لقوم ينتفعون بعقلهم وعلمهم.
وقال الحسن: هذا مثل [ضربه الله] لقلوب بني آدم كانت الأرض في الأصل طينة واحدة؛ فسطحها الرحمن ثم بطحها؛ فصارت الأرض قطعاً متجاورات؛ فينزل عليها الماء من السماء، فتخرج هذه زهرتها وثمرتها وشجرها؛ وتخرج نباتها ويحيا مواتها، وتخرج هذه سبختها وملحها؛ وخبثها؛ وكلتاهما تسقى بماء واحد؛ فلو كان الماء مالحاً؛ قيل: استسبخت هذه من قبل الماء كذلك الناس: خلقوا من آدم - - فينزل عليهم من السماء تذكرة واحدة؛ فترقّ قلوب؛ فتخشع وتخضع، وتقسو قلوب؛ فتسهو وتلهو وتجفو؛ أو كلام نحوه.
ثم قال الحسن: والله؛ ما جالس القرآن أحدٌ إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان؛ ثم تلا قوله: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ ٱلظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ﴾ .
قال الحسن: إن تعجب - يا محمد - من تكذيبهم إياك في الرسالة؛ فعجب قولهم؛ حيث قالوا: ﴿ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ .
وقال بعضهم: وإن تعجب - يا محمد - مما أوحينا إليك من القرآن؛ كقوله - في الصافات - ﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ﴾ .
﴿ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ﴾ أي: أعجب أيضاً قولُهم، يقول: لكن قولهم أعجب عندك؛ حين قالوا: ﴿ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ تكذيباً للبعث.
وأصله - والله أعلم -: يقول: إنك إن عجبت، من قولهم في تكذيبهم إياك في الرسالة؛ ولم [تكن] رسولا من قبل؛ فقولهم وإنكارهم قدرة الله على البعث والإحياء بعد الموت أعجب؛ إذ قد رأوا وشاهدوا من قدرة الله وآياته؛ ما لو تفكروا وتأملوا ولم يعاندوا، عرفوا أنه قادر على ذلك كله؛ فوصفهم الله بالعجز؛ وأنه لا يقدر على البعث والإحياء بعد الهلاك - أعجب من تكذيبهم إياك في الرسالة، ولم يكن سبق منك إليهم ما يوجب رسالتك وتصديقك، وقد سبق من الله إليهم - ما يعرفهم قدرته على ذلك؛ وعلى أكثر منه.
وأصله - والله أعلم - وإن تعجب لإنكارهم رسالتك وتكذيبهم إياك؛ ولم يكن منك إليهم حقيقة الهداية والنعم والآيات والحجج، وإنما كان منك البيان والدعاء؛ فأعجب: قولهم في إنكارهم قدرة الله على البعث؛ وقولهم في الله ما قالوا فيه؛ بعد معرفتهم حقيقة ذلك كله؛ بالله إليهم.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ ﴾ .
يشبه أن يكونوا لما كفروا بالبعث؛ كان كفرهم بالبعث كفراً بالله؛ لأنهم عرفوه عاجزاً، حيث قالوا: لا يقدر على بعث الخلق، ومن عرف ربه عاجزاً - فهو لم يعرف الرب الحقيقة؛ والإله الحقيقة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ ﴾ .
قال بعضهم: صار الكفر في أعناقهم أغلالا؛ حيث أنكروا الرسالة في البشر، ثم جعلوا الأصنام والأوثان معبودهم؛ يعكفون عليها ويخضعون؛ فذلك هو الأغلال في أعناقهم.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ ﴾ .
في الآخرة كقوله: ﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ...
﴾ الآية [الحاقة: 30] ﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
ويستعجلك -أيها الرسول- المشركون بالعقوبة، ويستبطؤون نزولها بهم قبل استكمالهم النعم التي قدرها الله لهم، وقد مضت من قبلهم عقوبات أمثالهم من الأمم المكذبة، فلم لا يعتبرون بها؛ وإن ربك -أيها الرسول- لذو تجاوز للناس مع ظلمهم، فلا يعاجلهم بالعقاب ليتوبوا إلى الله، وإنه لقوي العقاب للمُصِرِّين على كفرهم إن لم يتوبوا.
<div class="verse-tafsir" id="91.1LxZq"